تقديم:
تُعدّ الملكية العقارية الركيزة الأساسية لتحريك عجلة التنمية الاقتصادية والدفع بقاطرة الاستثمار، بالنظر إلى ما تؤديه من دور محوري في توفير الوعاء العقاري اللازم لإنجاز المشاريع التنموية الكبرى واستقطاب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية. كما أن استقرار الأوضاع العقارية لا ينعكس فقط على التنمية الاقتصادية، بل يشكل أيضًا أحد أهم مقومات السلم الاجتماعي والأمن القانوني، لما يوفره من ضمانات لحماية الحقوق واستقرار المعاملات.
وانطلاقًا من هذه الأهمية البالغة، أولت التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية عناية خاصة للملكية العقارية، باعتبارها من الحقوق الأساسية ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي. فقد أكدت مختلف النصوص القانونية على مبدأ عدم جواز حرمان أي شخص من ملكه تعسفًا، وربطت كل تدخل يمس حق الملكية بضرورة احترام المشروعية وتحقيق المنفعة العامة، مع مراعاة شروط الضرورة والتناسب وضمان التعويض العادل عند الاقتضاء.
وقد كرّست الدساتير الحديثة هذه المبادئ، من خلال التنصيص الصريح على حماية حق الملكية وضمان ممارسته في إطار القانون، مع السماح بتقييده استثناءً كلما اقتضت ذلك متطلبات المصلحة العامة، وفق إجراءات قانونية محددة وضمانات كفيلة بصون حقوق المالكين والمتضررين.
وفي المغرب، ومع التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة وتنامي أدوار الدولة وتدخلاتها في المجال العقاري، برزت الحاجة إلى تطوير المنظومة القضائية وتعزيز تخصصها لمواكبة هذه التحولات. وقد تجسد ذلك في إحداث المحاكم الإدارية بموجب القانون رقم 41.90، بما أتاح إرساء قضاء متخصص يتولى مراقبة مشروعية أعمال الإدارة وحماية حقوق الأفراد في مواجهة سلطاتها.
وقد شكل إحداث القضاء الإداري محطة بارزة في مسار حماية الملكية العقارية، إذ أصبح مختصًا بالنظر في طائفة واسعة من المنازعات العقارية ذات الطبيعة الإدارية، سواء تعلق الأمر بدعاوى نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، أو منازعات الاعتداء المادي، أو طلبات التعويض عن الأضرار الناتجة عن نشاط الإدارة، فضلاً عن المنازعات المرتبطة بأراضي الجماعات السلالية والطعن في قرارات المحافظ على الأملاك العقارية وغيرها من النزاعات التي تتقاطع فيها المصلحة العامة مع حماية الحقوق الفردية.
ومن هذا المنطلق، يكتسي موضوع «المنازعات العقارية أمام القضاء الإداري» أهمية علمية وعملية بالغة، بالنظر إلى ما يثيره من إشكالات قانونية وقضائية دقيقة تتعلق بحدود تدخل الإدارة في المجال العقاري، ومدى فعالية الضمانات المقررة لحماية حق الملكية، ودور القضاء الإداري في تحقيق التوازن بين متطلبات المصلحة العامة وصيانة الحقوق الدستورية للأفراد.
ويأتي هذا المؤلف الجماعي للإسهام في إثراء النقاش القانوني والقضائي حول المنازعات العقارية أمام القضاء الإداري، من خلال دراسة مختلف صورها وأسسها القانونية والاجتهادات القضائية المؤطرة لها، وتحليل الإشكالات العملية التي تفرزها، بما يسهم في تعزيز الأمن القانوني والقضائي وترسيخ الحماية الفعالة للملكية العقارية باعتبارها أحد المقومات الأساسية للتنمية والاستقرار. كما يشكل هذا العمل إضافة نوعية إلى الخزانة القانونية الوطنية، لما يتسم به من جدية علمية ورصانة أكاديمية وتعدد في زوايا المعالجة والتحليل، الأمر الذي يجعله مرجعًا مفيدًا للباحثين والمهتمين والممارسين في مجال المنازعات العقارية والقضاء الإداري.
والله وليّ التوفيق
وحرر بالدار البيضاء في: 10 يونيو 2026
الدكتور رضوان العنبي
مدير مركز المنارة للدراسات والابحاث
مجلة المنارة مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية