مسؤولية الغير في النقل الجوي

368

مسؤولية الغير في النقل الجوي

د: نجاة الحافضي

أستاذة محاضرة بكلية الحقوق بسطات

إن الأضرار التي  تحصل للركاب أو البضائع لا تكون دائما مرجعها إخلال الناقل بتنفيذ التزاماته، بل قد يكون مردها لأسباب أجنبية عنه وخارجة عن نطاق نشاطه وتدخل في المجرى العادي للأمور، والتي لولاها لما تم تنفيذ عملية النقل دون حصول أية أضرار.

وقد أشارت اتفاقية وارسو ومرسوم الملاحة الجوية المغربي بشكل صريح لبعض الأسباب المباشرة لإعفاء الناقل الجوي من المسؤولية كخطأ المضرور والعيب الذاتي للبضاعة.

في حين أن الأسباب الأجنبية التي تعفي الناقل من المسؤولية لم تتناولها تلك القوانين بشكل صريح، وإنما يمكن استخلاصها من خلال العبارة الواردة بآخر الفقرة الأولى من المادة 20 اتفاقية وارسو والمادة 19من اتفاقية مونتريال والفصل 193 من مرسوم الملاحة الجوية المغربي ، والتي تفيد استحالة إمكانية اتخاذ التدابير الضرورية لتفادي الضرر، وتدخل ضمن هذه الاستحالة باقي الأسباب الأجنبية التي تمكن الناقل من دفع المسؤولية عنه والتي جاءت على ذكرها القوانين المدنية والتجارية.

فالأسباب التي سنتولى دراستها هي العيب الذاتي للطائرة وخطأ الغير باعتبارهما أسبابا جوهرية تساهم في إثارة مسؤولية أطراف أخرى لها دور مباشر أو غير مباشر في إنجاز عملية النقل خاصة ما يتعلق بإنجاز وسيلة النقل وجعلها في كامل الصلاحية لإنجاح الرحلة.

وسنتولى دراسة هذا الموضوع من خلال مبحثين، يخصص الأول لدراسة المسؤولية عن العيب الذاتي للطائرة ويخصص الثاني للحديث عن الأجهزة المكلفة بالمطارات باعتبارها غيرا.

المبحث الأول:  المسؤولية عن العيب الذاتي للطائرة

يعتبر العيب الذاتي للطائرة إحدى الأسباب الأجنبية التي تدفع مسؤولية الناقل الجوي. لكن الآثار الوخيمة التي تترتب عن وجود مثل هذا السبب تستدعي بالضرورة البحث عن المسؤول عن وجود مثل هذا العيب وطبيعة المسؤولية التي  ستلقى على عاتقه ، هل ستكون مسؤولية محدودة ؟ أم أن طبيعة الأخطار التي تنجم عنها ستجعلها مسؤولية غير محدودة؟ وقبل ذلك يمكن التساؤل عما إذا كان العيب الذاتي للطائرة قوة قاهرة أم حادث فجائي ؟ ثم كيف تعاملت القوانين الوطنية والدولية مع العيب الذاتي للطائرة. وبالطبع فإن الحديث عن العيب الذاتي للطائرة سيقتضي الحديث عن الأجهزة المكلفة بالفحص ولما لا الحديث عن الجهة التي صنعت الطائرة.

ومن ثمة، سوف يتم التعريف بالعيب الذاتي للطائرة في المطلب الأول. وفي المطلب الثاني سنتعرف عن المسؤول عن العيب الذاتي للطائرة.

المطلب الأول: المقصود بالعيب الذاتي للطائرة

يلتزم الناقل الجوي ببدل درجة معينة من الحيطة والحذر، لكي يتأكد قبل بدء الرحلة من إعداد الطائرة وصلاحيتها للقيام بالرحلة الجوية في أحسن الظروف. فإذا التزم الناقل بالوفاء بهذا الالتزام وأخل به أو بالأحرى استعمل طائرة غير صالحة للملاحة الجوية فمن يسأ ل عن الأضرار التي تنتج عن هذا الإخلال؟

فإذا أراد الناقل التخلص من مسؤوليته، فعليه أن يثبت بأنه بذل بالغ الحيطة والحذر وأنه تأكد قبل الرحلة من إعداد طائرة صالحة للطيران. إلا أن هذا الالتزام لا يرقى إلى حالة العيب الذاتي في الطائرة، لأن هذه الحالة غالبا ما تبدو بشكل فجائي ولا يعتد بها إلا إذا توافرت فيها عناصر الحادث الفجائي، بينما يعد إعداد الطائرة التزاما قانونيا والإخلال به يرتب المسؤولية على الناقل الجوي([1]). ولم يتناول مرسوم الملاحة الجوية المغربي العيب الذاتي في الطائرة كسبب لإعفاء الناقل من  المسؤولية، نفس الموقف كانت قد أخذت به كل من اتفاقية وارسو وبروتكول لاهاي وتبنته اتفاقية مونريال. لكن وبالرجوع إلى المشروع التمهيدي لاتفاقية وارسو نجده ينص في الفقرة الأولى من المادة 22 على أن “الناقل(..) لا يسأل إذا أثبت أنه وتابعيه قد اتخذوا التدابير المعقولة لتفادي الضرر أو كان من المستحيل عليهم اتخاذها، ما لم يكن الضرر راجعا إلى عيب ذاتي في الطائرة”.([2])

كأن النص يستثني حالة العيب الذاتي في الطائرة، فيلقي تبعية الضرر الذي ينشأ عنه على كاهل الناقل بحجة أن له حق الرجوع على الصانع.

إلا أن المندوب الفرنسي في مؤتمر وارسو مساندا من المندوب البريطاني تقدم باقتراح حذف العبارة الأخيرة “ما لم يكن راجعا إلى عيب ذاتي في الطائرة”، وقد اعترض المندوب السويسري على ذلك معللا اعتراضه بأن الأمر فيه تضحية بمصالح مستعمل النقل ومحاباة للناقل إذ ليس من العدالة إلقاء تبعة العيب الذاتي في الطائرة على الراكب أو الشاحن في الوقت الذي يتوفر فيه الناقل على حق الرجوع على البائع أو الصانع إذا تحمل هذا العبء.([3])

باعتبار أن العيب الذاتي في الطائرة يعد أحد صور الحادث الفجائي، فيجب أن تتوافر فيه عنصري عدم إمكان التوقع أو الدفع، أما عنصر الخارجية فلا يتوفر فيه لكونه يدخل ضمن دائرة نشاط الناقل.

يشترط في العيب الذاتي في الطائرة أن يكون خفيا، لا يمكن كشفه إلا ببذل عناية الناقل الحريص ولم يسبق ظهوره من قبل، وأن الفحص التقني الذي يقوم به التقنيون للطائرة لم يشر لهذا العيب، وأن شهادة صلاحية الطائرة للملاحة تثبت أنها كانت موضوع فحص دقيق ومنتظم أو أنه على الرغم من ذلك لم يكن بالإمكان كشفه.([4])

إذا تحقق في العيب الذاتي للطائرة عنصر استحالة التوقع فيجب أيضا أن يتوافر فيه عنصر استحالة التلافي أو الدفع، بحيث لم يكن في إمكان الناقل تفادي وقوع الضرر عند ظهور عيب في الطائرة. فلو أن قائد الطائرة كان بإمكانه تجنب وقوع الحادث فور اكتشافه عيب ما في أجهزة الطائرة كتعطل المحرك فجأة، وكان بإمكان الطيار أن يقوم بالهبوط الاضطراري ولم يفعل، فلاشك أن الخطأ سيقع على عاتقه ولا يكون بإمكانه دفع المسؤولية عن طريق التشبث باتخاذه للتدابير الضرورية.([5])

هل يمكن القول أن موقف اتفاقية وارسو، والذي ظل إلى حد ما هو موقف اتفاقية مونتريال لسنة 1999، وموقف القانون المغربي يعتبران تفضيلا حقيقيا وتغليبا لطرف على حساب الآخر في العلاقة؟ خاصة وأن المضرور لا يمكنه الحصول عما يثبت حقوقه لكونه بعيدا عن مؤسسة النقل، في حين أن الناقل وباعتباره صاحب المشروع، فمن السهل عليه الحصول على حقوقه وإثبات العيب الخفي حتى يتسنى له الرجوع بالضمان على بائع الطائرة أو المعمل الصانع.

إن واقع الأمر يفيد أن اتفاقية وارسو في ديباجتها الأصلية التي أصبحت الآن متضمنة باتفاقية مونتريال قد أعطت تكافؤا في الفرص بعد أن حذفت استثناء العيب الذاتي من حالات الإعفاء التي دونها المشروع التمهيدي. فلم تحابِ أيا منهما بل ظل الناقل مسؤولا تجاه مستعمل النقل في حالة حصول حادث ما بسبب عيب ذاتي في الطائرة ما لم يثبت أنه كان يستحيل عليه توقعه ودفعه.([6])

إن إثبات العيب الذاتي للطائرة يجعل الناقل في حل من المسؤولية، ويترتب عن هذا متابعة الطرف المسؤو ل عن إحداث العيب الذاتي للطائرة أو المسؤول عن عملية الفحص. وبعبارة أخرى، فإن ثبوت العيب الذاتي يثير إما مسؤولية صانع أو بائع الطائرة وإما مسؤولية الأجهزة المكلفة بإصدار شهادة صلاحية الطائرة للملاحة. فمتى تثار مسؤولية هذا الطرف أو ذلك ؟ وما طبيعتها ؟ هذا ما سنتعرف عليه من خلال المطلب الموالي.

المطلب الثاني: الأطراف المسؤولة عن صنع الطائرة وفحصها

نصت المادة 31 من اتفاقية شيكاغو لسنة 1944([7]) على أنه: “يجب أن يكون لدى كل طائرة تعمل في الملاحة الجوية الدولية شهادة بصلاحيتها للطيران صادرة أو معتمدة من الدولة المسجلة فيها الطائرة”. حيث تعتبر هذه الشهادة وثيقة أساسية يلتزم المستثمرون في ميدان الطيران بالاحتفاظ بها دائما على متن الطائرة للتأكد من صلاحية الطائرة عند بدء نشاطها، بل يتعين الوقوف باستمرار على هذه الصلاحية مادامت الطائرة مستغلة في النقل الجوي مما يتعين معه صيانة الطائرة بصورة منتظمة من جانب وإشراف الدولة ورقابتها لهذه الصلاحية من  جانب آخر.([8])

تتولى الدولة الإشراف على هذه الصلاحية ورقابتها إما بواسطة أجهزة رسمية أو بواسطة مؤسسة مكتب التصنيف فريتاس Veritas. غير أن هذه الأجهزة أثناء أدائها لمهامها الرسمية تصدر عنها بعض الأخطاء تجعلها موضع مساءلة، تحاول الإفلات منها عن طريق اشتراط عدم المسؤولية. لكن هل يظل لهذا الشرط تأثير إذا ثبت وجود خطأ جسيم في جانبها؟

قبل أن تسأل الأجهزة المكلفة بالفحص، هناك طرف آخر يسأل منذ البداية ويتعلق الأمر بصانع الطائرة. فما هي طبيعة مسؤولية صانع الطائرة ؟ ومتى يمكنه أن يلقي المسؤولية على الأطراف المكلفة بإصدار شهادة صلاحية الطائرة للملاحة أو الأطراف المكلفة بالفحص عموما؟ هذا ما سنتعرف عليه خلال الفقرة الأولى، على أن نخصص الحديث عن الأجهزة المكلفة بالفحص عموما ومكتب التصنيف على الخصوص في الفقرات الموالية.

الفقرة الأولى : مسؤولية صانع الطائرة

ظهر مصطلح “صانع الطائرة” le constructeur مع القرار الصادر سنة 1936([9])، حيث جاء في الفقرة الثانية من المادة 6 بأن كل الحوادث التي تقع بعد إتمام عمليات فحص الآلات، يتحمل الصانع فيها كامل المسؤولية عن كل الأضرار التي قد تنجم عن ذلك. حيث اعتبر أصحاب هذا القرار أن الغاية من التجارب التي يتم القيام بها هي الحصول على شهادة الصلاحية للطيران certificat de navigabilité، من ثم تقع المسؤولية على عاتق الصانع. غير أن إلقاء المسؤولية على هذا الأخير أثار بعض الإشكاليات القانونية خاصة عندما تخضع الآلة المصنوعة للبيع أو يفقد الصانع ملكيته لها بشكل آخر غير البيع. وقد وضع قرار 21 مارس 1962 حدا لهذا الإشكال ، فعندما يكون الصانع هو المالك للآلة المصنوعة فالأمر واضح، أما إذا انتقلت منه الملكية لشخص آخر فالمسؤولية بدورها تنتقل لهذا الشخص وبذلك يكون قرار 1962 قد استبعد المسؤولية عن الصانع وحصرها على المالك وحده، وهذا يؤكد ما جاء به قرار 8 أبريل 1955.

تعتبر مسؤولية صانع الطائرة constructeur حسب القانون البلجيكي مسؤولية تعاقدية تخضع للمبادئ الأساسية للعقد الذي أبرمه والذي قد يكون عقد بيع أو عقد إيجار. غير أن هذه المسؤولية قد تظل قائمة ولو بعد انتقال ملكية الشيء المصنوع إلى طرف آخر ، خاصة إذا ثبت وجود الخطأ خلال الفترة التي كانت فيها الطائرة تحت سيطرته.

باستثناء القواعد المنصوص عليها بالمادة 20 وما يليها من القرار الملكي الصادر في 15 مارس 1954 ببلجيكا، تشكل صناعة الطيران وإصلاح وصيانة الطائرات موضوع قانون يعطي الصلاحية لإدارة الطيران المدني للترخيص بمثل هذه الأنشطة.

ظلت بذلك مسؤولية صانع الطائرة تخضع لقوانين متباينة، مما يستدعي تحديد القانون الواجب التطبيق والذي يمكنه أن يختلف باختلاف الأساس الذي ارتكز عليه المضرور للمطالبة بالتعويض. فإذا تعلق الأمر بالدعوى القائمة على أساس المسؤولية التعاقدية، فإن تشديد المسؤولية يكون استثناء يشترط لتحققه توافر سوء النية، ولا يتحقق هذا إلا بإثبات العيب الخفي. إذ أنه يعي كل الشروط التي تحدد مسؤولية الصانع، وتجعلها مسؤولية غير محدودة ولا يمكن التخفيف منها بإدراج شرط محدد للمسؤولية في العقد المبرم.

أما إذا تعلق الأمر بدعوى المسؤولية التقصيرية، فإن مجرد إثبات مسؤولية الصانع يفضي إلى التشديد. وكل شرط محدد للمسؤولية يكون باطلا، إذ أن التعويض الكامل يكون أصلا وليس استثناء.

ولعل رغبة المحاكم في ضمان تعويض واسع للمتضررين هي التي دفعتها إلى عدم التمييز بين الأضرار الواضحة والأضرار الخفية، بحيث تخضعها لمبدأ موحد لقواعد التعويض عن الضرر. فالصانع إذن تقع على عاتقه مسؤولية تقصيرية إذا ثبت صدور خطأ من جانبه، كأن يخل بالتزامه بالإعلام أو وضع الشيء المصنوع تحت الحراسة، أو بيع الشيء وهو يعلم بوجود عيب خفي فيه.

قد يرفع دعوى المسؤولية الراكب أو المسافر ضد الصانع أو يرفعها ضد حارس الشيء المعيب([10]). كما يمكنه الرجوع على المنتج شريطة إقامة الدليل على وجود خطأ إما بنقص في المعلومات الممنوحة لمستعمل الطائرة المصنوعة أو خطأ في تصميمها أو إنتاجها، أو العمل على تشغيل آلة خطيرة أو معيبة.

الفقرة الثانية : مسؤولية الأجهزة الرسمية للفحص وأخطائها

تتضمن الأجهزة الرسمية المكلفة بالفحص جهازين رئيسيين هما المصلحة التقنية الخاصة بمراقبة تصاميم الآلة المصنوعة والمصلحة التقنية الخاصة بالصنع fabrication والتي تقوم بفحص التصاميم المقترحة ومدى تطابقها بالإنجاز المادي للآلة أي الطائرة.

يقوم هذين الجهازين بعملية فحص سابقة عى الإنجاز النهائي للآلة موضوع الفحص، ولاشك أنه أثناء إنجاز عملهما تصدر عنهما أخطاء تجعلهما محط مساءلة، فكيف تتم هذه المساءلة؟

إن الحديث عن أخطاء هذين الجهازين لايكون منتجا إلا في ظل الحديث عن أنشطتهما. وتختلف أنشطة المصلحة التقنية اختلافا جذريا عن أنشطة المصلحة الخاصة بالصنع، مما يترتب عنه الاختلاف في الأخطاء الصادرة عن كل جهاز على حدة. لكن هل الاختلاف في نوع الأخطاء يليه الاختلاف في نوع المسؤولية المنوطة بكل منهما؟

بالرجوع إلى القضاء الفرنسي، لا يوجد أي قرار يتحدث عن الأخطاء التي قد تصدر عن المصلحة المكلفة بفحص تصاميم الطائرة أو الأخطاء في التصاميم. إلا أن القضاء الأمريكي لم يخل من مثل هذه القرارات خاصة تلك التي تنتقد تصاميم الطائرة.

ففي قضية Empire Air Lines ضد Beech Air Craft استنتجت l’Empire Air Lines بأن الطائرات المذكورة لم  تكن مجهزة ولا مصممة لتطير وتدور في المنخفضات الحرارية الموجودة بولاية نيويورك (…) وأن الأخطاء (…) كانت نتيجة خطأ في تصاميم الطائرات المذكورة وليس في استعمال مواد غير صالحة…”.([11])

في قرار آخر لـ North West Air Lines ضد شركة Glenn Martin كان السبب المباشر للحادث هو تمزق رابط الجناح الأيسر في النقطة التي تصله بالجزء الآخر من الجناح. حيث أكدت المحكمة على أن الضرر كان نتيجة التمزق الناتج عن التآكل التدريجي لرابط أجنحة الطائرة وأنه ليس هناك أي دليل يؤكد تسبب North West في إحداث التمزق الناتج عن التآكل التدريجي أو مساهمته فيه. وأن North West لم يشارك في وضع تصميم للرابط (…) والمحكمة لم يكن لها أي مبرر للشك في القدرة المهنية لـ جلين مارتان GLENU Martin.

يلاحظ أن القرارين المشار إليهما أعلاه يستعملان مصطلحات صريحة وواضحة، تنصب بالدرجة الأولى على الانتقادات الموجهة ضد التصاميم وليس على مصطلح التصميم وليس بناء الطائرة réalisation. وإذا لم يتم التوصل في القضية الأولى إلى إيجاد حل نهائي، فإن قرار محكمة الاستئناف في القضية الثانية أقر بأن ضياع الطائرة كان في نفس الوقت مرده لكل من  التصميم وكذا التصنيع المعيب لروابط الأجنحة les jointes .

لعل غياب أي إشارة لتدخل مصلحة الفحص في القرارين السابقين يرجع إلى كون الولايات المتحدة الأمريكية لا يخضع فيها صنع الطائرة لفحص الصلاحية للطيران إلا إذا كانت الطائرات موجهة للطيران الدولي، ومن خلال ما جاء في القرارين السابقين يتبين أن الأمر يتعلق بطائرات موجهة لاستعمال داخلي ([12]). وعلى اعتبار أن فرنسا تعتمد على الفحص العام والمعمق، فلا يمكن للجهات الرسمية الموكول لها عملية الفحص التحلل من المسؤولية إذا صدر عنها خطأ ما حيث أنه على حد تعبيرLE GOFF فإن كل فحص جدي يستلزم قيام المسؤولية، وإلا كان ذا طبيعة لا تبعث على الثقة، وبالتالي يحق للصانع الشك في فحص لا يؤثر في قيام المسؤولية أو عدمها.([13])

بالنظر للتقدم التكنولوجي لصناعة الطيران والذي عرف تطورا هاما فمن الصعب تحديد الخطأ التقني بالنظر لسرعة تطور هذه التقنية. غير أن هذا الاعتراض ليس ذا أهمية، إذا علمنا أن دور التدابير الوقائية يكمن في منع استعمال تقنيات غير مجربة بشكل كافي. ولاشك، أن الخطأ في وضع تصميم للطائرة، مسألة ناذرة الوقوع، لكن أهميتها مع ذلك كبيرة جدا بالنظر إلى ثباتها واستمرارها.

لا يتعلق الأمر بالخطأ في التصميم الذي يظهر خلال إجراء تجارب على الطائرات الحديثة الصنع. إن الأخطاء التي تظهر في التصاميم خلال إجراء تجارب على الطائرات الحديثة الصنع يتم تصحيحها من أجل أن تحصل الطائرة على شهادة الصنف certificat de type ([14])، لذلك فإن المراد بالخطأ في التصميم ليس هو الخطأ الذي لم يظهر أثناء القيام بالتجارب ولا حتى بعد الحصول على شهادة الصنف لكنه ظهر بعد الحصول على شهادة الصلاحية للملاحة([15]). وهنا تظهر  أهمية تمييز الخطأ في التصميم بخاصية الدوام التي يستلزم انطباقها على المسؤولية المترتب عن مثل هذا الخطأ، وبالتالي فإن مسؤولية المصلحة التقنية للطيران تظل قائمة كذلك بالنسبة للطائرات التي حصلت على شهادة الصلاحية للطيران المسماة certificat de  navigabilité de série الصادرة عن مكتب التصنيف فريتاس.

أما الأخطاء التي يمكن أن تصدر عن المصلحة المكلفة بالإنتاج أو الصنع فترتبط بعدم تنفيذ الصانع للتصاميم والتعليمات المراجعة من طرف المصلحة التقنية للتصميم حيث يندرج هذا النوع من الأخطاء في إطار الإنجاز المادي للطائرة الصنف type. وبمقارنة الخطأ في التصميم بالخطأ في التصنيع ، نجد أن هذا الأخير يفتقر لخاصية الدوام والاستمرارية التي يتميز بها الخطأ في التصميم، أو مع الخطأ الذي يقع خلال فترة تجربة الشيء المصنوع . لعل الغرض الأساسي من إدراج الخطأ في التصنيع هو تحديد المقصود بالخطأ في التصميم لا الوقوف على الآثار القانونية للخطأ الذي يصدر عن مصلحة التصنيع.

لمعرفة مدى مسؤولية كل من مصلحة مراقبة التصميم ومصلحة مراقبة الصنع عن الأخطاء التي تم ارتكابها خلال عملية الفحص، نجد أن القرار  الصادر سنة 1936 السابق الإشارة إليه جعل المسؤولية على عاتق الصانع، وأعفى منها هذه الأجهزة ضمنيا . وسار في نفس اتجاه القرار الصادر في مارس 1962 ، والذي ألقى هو الآخر المسؤولية على المالك وأعفى منها الصانع كما هو الشأن بالنسبة للقرار الصادر في 8 أبريل 1955. ومن ثم أعفى الصانع والأجهزة الرسمية للفحص من المسؤولية على حد سواء. ولعل الغاية من ذلك هو إسناد عبء تحمل الأضرار للطرف الذي لن يجادل فيها، بمعنى آخر، فإن قرينة المسؤولية تقع على عاتق المالك الذي حصل بطرق منتظمة على شهادة الصلاحية للملاحة C.D.N.

الواقع، إن الفقرة 2 من المادة 42 من قانون 1924، ربطت الشواهد القانونية بقرينة بسيطة وهي الحالة الجيدة للملاحة. ويبدو أن هناك قرينتين متناقضتين، قرينة على المسؤولية يتحملها المالك طبقا للفقرة الثانية من المادة 15 من القرار الصادر بـ 8 أبريل 1955 وقرينة على الصلاحية للملاحة الجوية التي نص عليها قانون 1924، غير أن القرينة الأخيرة قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس.

إلا أنه وبالرجوع لقانون 2 مارس 1957، لم يعد ممكنا معارضة قرينة المسؤولية التي نصت عليها الفقرة الثانية من الفصل 15 بقرينة قانونية، فقد أحالت المادة 41 من نفس القانون على نصوص اتفاقية وارسو التي لم تصرح بالقيمة القانونية لشواهد الصلاحية للملاحية وباقي الشواهد. والمادة 42  تهتم  فقط  بالتعريف بالخطأ الجسيم وغش الناقل أو تدليسه، فلا تتضمن النصوص القانونية أية معارضة لقرار 21 مارس 1962. ويبدو من الصعب أن تكون لقرار وزاري قيمة قانونية كافية لأن يعارض  مقتضيات نص قانوني  كالمادة 1382 من القانون المدني الفرنسي. وبالتالي ليس من  المستحيل التسليم بعدم مسؤولية الأجهزة الرئيسية البثة.([16])

الفقرة الثالثة : مكتب التصنيف Véritas وأخطاؤه

تعتبر مجموعة مكتب التصنيف فريتاس Véritas باعتباره إحدى المؤسسات المكلفة بالتصنيف، مؤسسة متعددة الاختصاص، تتشكل من شركة مجهولة الاسم تتكون من وحداتها الخمس ووحداتها الوظيفية وفروعها المتخصصة. وتعمل هذه المؤسسة بفروعها الخمس على تسهيل الحوار وتبادل الخبرات. ويعتبر الفرع الخاص بالمجال البحري أقدم فروعها، فمنذ 1828 يعمل مكتب فريتاس Véritas على إعطاء الأولية لسلامة السفن ، ويتولى تصنيف أكثر من 7000 سفينة، ويسلم الشواهد الوطنية والدولية للسلامة لفائدة الدول والإدارات. أما الفرع الخاص بالمجال الجوي فيقوم بالمهام التالية:

  • التفتيش والحراسة وإصدار الشواهد وتصنيف أكثر من 11.000 طائرة لفائدة العديد من الدول التي أوكلت له سلطة الفحص أو المراقبة.
  • الفحوص والمساعدة التقنية، المعونة الفنية والخبرة، وتقسيم الصفقات التي تفوتها الإدارات العمومية أو الشركات الخاصة.
  • المساعدة التقنية في المجال الجوي للوكالات.

يسعى مكتب التصنيف فريتاس Véritas من خلال هذه المهام ، إلى تحسين السلامة، وجودة المواد والأجهزة الجوية.

هناك فرع خاص بكل أنواع فحص ومراقبة الجودة وسلامة البنايات والأعمال الفنية والبيئية، وفرع خاص بتفتيش المؤسسات والتجهيزات الصناعية، وفرع خاص بالحد من الأخطار التي قد تنجم عن عمليات اقتصادية دولية كالمواد البترولية والبتروكيماوية ومواد الصيدلة والمواد الفلاحية والاستهلاكية.

سنكتفي بالحديث عن اختصاصات مكتب التصنيف فريتاس Véritas في المجال الجوي والأخطاء التي يمكن أن يرتكبها أثناء إنجازه لأعماله. حيث تندرج الأخطاء الصادرة عن مكتب التصنيف فريتاس Véritas في منظور مختلف، وينحصر دوره في فحص الأدوات المستعملة وفحص انتظام عمليات التركيب وتطابق الآلة قيد الصنع مع الآلة النموذج prototype. وتمتاز الفحوصات التي يقوم بها خبراء مكتب التصنيف فريتاس Véritas بدرجة عالية من  الموضوعية، حيث يقوم الخبراء بعملية التقييم وفق جداول ورموز وتعليمات محددة مسبقا، ويقدرون وفق معايير خاصة القيمة الواجب توافرها والتي تكفي لقبول الأجهزة موضوع الدراسة.

من ضمن الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها مكتب التصنيف فريتاس Véritas أثناء قيامه بالمهام المنوطة به، غالبا ما تكون عبارة عن امتناع جسيم كالذي ينتج عنه غياب أي فحص للآلات أو لإحدى مراحل تركيب الآلة، أو الخطأ في تطبيق المعايير وبالتالي فإن هذا النوع من الأخطاء ناذر الوقوع.

الجدير بالذكر، أن خطأ مكتب التصنيف فريتاس لا تتوفر فيه خاصية الدوام والاستمرارية التي يمتاز بها خطأ مصلحة التصاميم، إذ ينحصر في مستوى الإنجاز المادي للطائرة. وفي هذا الصدد أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية قرارا مهما، رغم أنه لا يشير بشكل مباشر لمسؤولية أجهزة الفحص، فلعله يقربنا من معرفة إجراءات إثبات الخطأ سواء كان في الصنع أو الفحص.

حيث قضى القرار بإثبات الإهمال في الصنع بالنسبة لكل طائرة على حدى فلا يقوم الدليل على الإهمال لسلسلة من الطائرات بناءا على حالة واحدة. ويشترط لقلب قرينة عدم المسؤولية القانونية أو التعاقدية توفر الخطأ على قدر كاف من الجسامة لأن يكون خطأ جسيما.([17])

عندما ينجز مكتب التصنيف فريتاس Véritas عملية الفحص المنوطة به، يستبعد مسؤوليته ومسؤولية طاقمه عن طريق إدراج شرط يتضمنه سجل الطيران المدني([18]). وقد أثارت مشروعية هذا الشرط آراء قضائية مختلفة، لكن  تم تبني الاتجاه المؤيد لمشروعية شرط عدم مسؤولية مؤسسات التصنيف بشكل عام. ففي الحكم الذي صدر عن محكمة التمييز لأول مرة تم قبول صحة هذا الشرط بكل نتائجه إلا في حالة التدليس أو الخطأ الجسيم الذي تم إثبات وقوعه في قضية le Gaules de Mézaubrah.([19])

غير أن البعض رفض تطبيق هذا القرار على صناعة الطيران، سيما وأن تعدد اختصاصات مكتب التصنيف فريتاس Véritas تستدعي بالضرورة عدم قبول حل واحد لهذا المشكل لأن الأخذ بعدم مسؤولية مكتب التصنيف فريتاسVéritas يستبعد إلقاء المسؤولية على”الصانع” الثاني constructeur والمستثمر في مجال الطيران لذا فلابد من إبطال هذا الشرط بطلانا مطلقا.([20])

إذا ثبت بأن الحادث لم يكن نتيجة خطأ في قيادة الطائرة، أو بسبب أخطار الجو، أو بصدور خطأ من الناقل أو أحد تابعيه ولا ناتج عن حادث فجائي أو قوة قاهرة. فيمكن آنذاك للمضرور أو ذوي الحقوق إثبات عدم دقة الفحص الذي أنجزه مكتب التصنيف فريتاس Véritas. وعليه، فإنه بقيام هذا الدليل يصبح مكتب التصنيف مسؤولا مهما كانت درجة الخطأ. إلا أنه لا يمكن قبول هذا في الحالة التي لا يوجد فيها أي مسؤول. وبما أن القانون خول للناقل إمكانية استبعاد مسؤوليته في حالة صدور خطأ عن الربان أو في حالة مخاطر الجو فلا يمكن لمكتب التصنيف فريتاس Véritas التحلل من مسؤوليته في كل الحالات التي تثار فيها المسؤولية.

بعد ذلك لم يعد لهذا الرأي وجود بعدما تلاشى الأساس الذي أقامه عليه واضعوه، فمنذ قانون         2 مارس 1957 لم يعد من  الممكن للناقل الجوي التحلل  من مسؤوليته التعاقدية إذا تسبب في حدوث الضرر خطأ الربان أو مخاطر الجو. حيث وضع القانون مسؤولية محدودة راعى فيها حقوق المضرور.

تختلف طبيعة شرط عدم مسؤولية مكتب التصنيف فريتاس باختلاف طبيعة عمله، فإذا كان عمله إلزاميا يكون شرط عدم المسؤولية باطلا بطلانا مطلقا. وإذا كان عمله تطوعيا وليس مجانيا يظل هذا الشرط مشروعا إلا إذا صدر عنه خطأ جسيما كما هو الحال بالنسبة للأفعال التي تمس بسلامة الشيء محل المراقبة أو الحراسة.

إذ أن خطورة الخطأ الجسيم تتحدد بحسب النتيجة التي يسفر عنها  هذا الخطأ، وهي ” المس بسلامة الشيء الواقع تحت الحراسة”. إلا أن  تكييف خطورة  الخطأ بالنظر للنتائج المترتبة عنه أمر لم يستسيغه القضاء الفرنسي([21])، سيما وأنه في حالة وقوع حادث للطائرة، فيصبح أمر المس بسلامة الشيء المراقب وارد ومحقق لا محالة. قد اعتبر البعض الآخر، بأن التمييز بين خطأ جسيم – قادر وحده على إثارة مسؤولية مكتب التصنيف فريتاس Véritas – ، وخطأ بسيط -légère- لا يثير مسؤولية هذه المؤسسة شيء وهمي([22]). حيث استند أصحاب هذا الرأي  إلى أن الفرق الموجود بين شرط باطل بطلانا مطلقا وشرط قابل للإلغاء بمجرد حصول خطأ ليست له أية أهمية.

بالنظر للتغييرات التي عرفها مجال مسؤولية الناقل الجوي، والتعريف الخاص الذي حظي به الخطأ الجسيم، ليس هناك ما يستدعي ضرورة إبطال شرط عدم المسؤولية بطلانا مطلقا في حالة مراقبة صلاحية الطائرة للطيران. حيث يكون الشرط مشروعا في غياب تدليس أوخطأ جسيم لصاحب الشرط أو تابعيه.

لكن متى تصبح مسؤولية أجهزة الفحص الرسمية ومكتب التصنيف فريتاس Véritas مسؤولية مشددة هذا ما سنجيب عنه من خلال الفقرة الموالية.

الفقرة الرابعة : المسؤولية المشددة لأجهزة الفحص

تنقسم المصالح المكلفة بالفحص إلى مصالح إدارية ومؤسسات خاصة، وعلى اعتبار أن شهادة الصلاحية للملاحة تعتبر بمثابة إجراء أمني، فيجب تحديد مسؤولية الأجهزة المكلفة بتطبيق هذا النوع من الإجراءات الأمنية وفقا للمعيار المتبع في تحديد مسؤولية الأجهزة الأمنية. وبعبارة أخرى فإن مسؤولية السلطة العمومية لا تثار إلا في حالة ارتكابها لخطأ جسيم بغض النظر عن كون الجهة التي  صدر عنها الخطأ مصلحة إدارية أو مؤسسة خاصة. وبالنظر للرأي الذي استقر عليه القضاء، فمسؤولية مكتب التصنيف فريتاس Véritas تثار بغض النظر عن كل شرط معفي من المسؤولية كلما ثبت في حقه وجود خطأ جسيم مشابه للتدليس فيكون إذن من الضروري  تعريف الخطأ الجسيم للأجهزة المكلفة بالفحص أو المراقبة دون تمييز بين المؤسسة الخاصة والمصالح الإدارية.

إن عبارة “Culpa lata” كانت تعني دائما بأنه يجب تشبيه الخطأ الجسيم بالتدليس بالنظر للآثار القانونية المترتبة على كل منهما في مجال المسؤولية التعاقدية من أجل إلغاء كل الشروط المعفية من المسؤولية أو المحدد لها. وقد وقع خلاف حول قيام التشابه بين الخطأ الجسيم والغش، حيث ذهب روديير إلى القول بوجوب قيام تشابه بينهما، في حين ارتأى كل من “جوسرون”  و “جامبي مارتان” عدم وجوب قيام هذا التشابه، إلا في حالات خاصة.وقد أيدت محكمة التمييز الفرنسية هذا الرأي الأخير في قرارها الصادر بتاريخ 14 نونبر 1956.([23])

لكن لم يسبق لأحد التشكيك في الفرق الأساسي الذي يوجد بين مفهوم الخطأ الجسيم والغش dol المتمثل في تقرير السلوك النفسي لمرتكبهما، إذ أن الغش هو الخطأ العمدي المصحوب بالرغبة في إلحاق الضرر. في حين أن الخطأ الجسيم لا تتوافر فيه هذه النية، ويتم تقديره بغض النظر عن الحالة النفسية لمرتكبيه، غير أن بعض المتخصصين يزعمون أن الخطأ المعادل للغش المنصوص عليه بالمادة الخامسة والعشرون من اتفاقية وارسو لا يشكل مع هذا الأخير سوى معنى واحد.

رفضت محكمة باريس هذا الرأي بقولها: “أنه بالرجوع لنص الاتفاقية، وكذا مناقشات المؤتمر التمهيدي لوارسو استنتج القضاة أن شروط تحديد مسؤولية الناقل الجوي لا يجب استبعادها فقط في حالة الخطأ العمدي للناقل أو تابعيه بل كذلك في حالة الخطأ الجسيم”([24]). وعليه يجب اعتبار الخطأ الجسيم مستقل عن الغش dol سواء في القانون الجوي أو في باقي المجالات الأخرى.

يبدو أن الخطأ الجسيم هنا قد اعتبر  بمثابة الخطأ الغير العمدي ، فما هي المظاهر الايجابية لهذا المفهوم في مجال النقل الجوي وعلى الخصوص بالنسبة للأخطاء الصادرة عن الأجهزة المكلفة بمراقبة صلاحية الطيران؟

لم يتناول القضاء هذه المسألة لا في فرنسا ولا في الولايات المتحدة الأمريكية. مما يستدعي القيام بمقاربات متتالية. حيث يتوفر  القانون الجوي على اجتهادات قضائية وآراء فقهية هامة تنصب على الخصوص على مفهوم الخطأ الجسيم في المادة الخامسة والعشرين من اتفاقية وارسو، كما توجد مواقف قضائية خاصة بالخطأ الجسيم لصانع أجزاء الطائرة Avionneur. ومن تم أصبح بالإمكان ومن خلال هذه المعطيات تعريف الخطأ الجسيم في النقل الجوي وبالتالي تعريف خطأ الأجهزة المكلفة بالمراقبة أو الفحص.

فالاجتهاد القضائي الخاص بالخطأ الجسيم للناقل الجوي مدني بالدرجة الأولى، أما الاجتهاد الذي يتعلق بخطأ صانع أجزاء الطائرة فإنه إداري. فما هو إذن المفهوم المدني والمفهوم الإداري للخطأ الجسيم في النقل الجوي؟

منذ 1929، كان مفهوم الخطأ الجسيم في النقل الجوي ينطبق في إطار مقتضيات المادة 25 من اتفاقية وارسو بفرنسا، وبعد التأكيد على أن الخطأ الجسيم والتدليس يشكلان مفهومان مختلفان، عملت المحاكم الفرنسية على تعريف الخطأ الجسيم في الملاحة الجوية بأن: الخطأ الجسيم والذي يعتبر مشابها للتدليس في القانون الفرنسي لا يرجع لا للخطأ المهني ولا للمخالفة ولكن ميدانه هو الفداحة التي تعبر عن التقصير وألامبالاة.

إذ كيف يعقل تطبيق المعايير الكلاسيكية لتعريف الخطأ الجسيم المعادل للغش على تصرفات العاملين في المجال الجوي، مع العلم أنها بطبيعتها مختلفة وبعيدة عن الوسط الذي تمت فيه صياغة هذا التعريف.

بالنسبة لأجهزة فحص الصلاحية للملاحة، لابد من الأخذ بعين الاعتبار طبيعة مهام هذه الأجهزة سواء كانت رسمية أو خاصة. ذلك أن السهر على السلامة الذاتية للطائرة مهمة لا تقل قيمتها وخطورتها عن السهر على سلامة إحدى رحلاتها. كما أن النتائج المترتبة عن عيب في الطائرة لم ينتبه له المراقب تكتسي نفس الجسامة التي قد تترتب على الغلط في موضعة الطائرة بدقة في مسارها الصحيح أو عن الغلط في اتخاذ إحدى القرارات الحاسمة أثناء الطيران.

إن استلزم توافر التهور والغباء والإهمال في الخطأ الصادر عن المراقبين لكي يكون جسيما، لا يعدو أن يكون مجرد إفراغ لمفهوم الخطأ الجسيم من كل مضمون بناء. لأن مزايا المراقبين العاملين في المصالح الرسمية أو في مكتب التصنيف معترف بها عالميا. ولذلك وجب تعريف الخطأ في المراقبة أو الفحص مع مراعاة خصوصية المجال الجوي والعاملين فيه، وأن يتم التعامل مع هذا النوع من الأخطاء بنفس الأسلوب ونفس الخصوصية التي تميز بها الخطأ الملاحي.

لكن ومنذ 1957، تزايدت الصعوبات المترتبة عن تفسير المادة 25 من اتفاقية وارسو، نتيجة غياب مفهوم الخطأ الجسيم في القانون الفرنسي وظهور الخطأ غير المغتفر كما سبق ورأينا.

قد ذهبت المادة 42 من قانون 2 مارس 1957 إلى تعريف الخطأ الذي يعتبره بمثابة مشابه للتدليس بقولها بأنه “لتطبيق المادة الخامسة والعشرين من الاتفاقية، فإن الخطأ الذي يعتبر بمثابة مشابه للتدليس هو الخطأ غير المغتفر…” . وقد حذر العميد ريبير من النتائج السلبية التي قد تترتب عن ظهور هذا النوع من الأخطار سيفتح المجال للقضاء الوطني ليقول كلمته الشيء الذي سيؤثر سلبا على الهدف الأساسي لاتفاقية وارسو.

على اعتبار أن قانون 2 ماي1957 يهم فقط مسؤولية الناقل الجوي فقط، فليس هناك أي سبب لتطبيق المفهوم الذي جاء به هذا القانون على الأخطاء المرتكبة من قبل أجهزة أو مصالح المراقبة. مما يستدعي البحث عن مفهوم لطبيعة الأخطاء الصادرة عن هذه الأجهزة خارج إطار القانون العام ولهذا الهدف تجند القضاء الإداري.

من أجل الوقوف على مفهوم الخطأ الجسيم في معناه الإداري، لابد من إعطاء تحديد ثلاثي لخطورة الفعل المرتكب من خلال القرار الفرنسي الصادر بتاريخ 16 يونيو 1944 بخصوص شرط عدم المسؤولية الذي يعفي الإدارة التي نظمت سباق السيارات من كل مسؤولية في حالة وقوع حادث ما. فقد قرر مجلس الدولة، أنه من أجل إلغاء الشرط المعفي من المسؤولية، لا يكفي فقط وجود خطأ جسيم بل لابد أن يكون هذا الخطأ جسيما معادلا للغش، وبهذا يكون المجلس قد تبنى موقفا مخالفا لما ذهبت إليه المحاكم المدنية. إذ أن هذه الأخيرة لم تفرق سوى بين نوعين من الأخطاء، خطأ بسيط légère لا تأثير له على شرط عدم المسؤولية وخطأ جسيم يبطل كل اتفاقات الإعفاء من المسؤولية. في حين أن المجلس ميز بين ثلاث درجات من الخطأ: خطأ بسيط وخطأ جسيم و لا تأثير لهما على شرط الإعفاء الاتفاقي وخطأ جسيم معادل للغش يلغي شرط عدم المسؤولية. وتجدر الإشارة إلى أن المجلس لم يكن واضحا في تحديد الفرق بين الخطأ الجسيم والخطأ الجسيم المعادل للغش ومع ذلك فقد تبنت المحكمة الإدارية بباريس هذا الرأي في إحدى القضايا المتعلقة بمسؤولية صانع الطائرة Avionneur تجاه الدولة.

ذلك أن صانع الطائرة أبرم اتفاقا يعفيه من المسؤولية جاء فيه بأنه: ” بالنسبة للأضرار التي تلحق موظفي الدولة وموظفي مصلحة الصنع يتحمل كل من الفريقين الأضرار التي  تلحق موظفيه، حتى في الحالة التي تكون فيها المسؤولية ملزمة للآخر” وقضت المحكمة بأن الخطأ الجسيم المعادل للغش وحده الكفيل بإلغاء هذا الاتفاق. وبالتالي، فإن صانع الطائرة لا يتحمل مسؤولية الأضرار التي تلحق موظفي الدولة([25]). غير أن مجلس الدولة تراجع عن التمييز بين الخطأ الجسيم والخطأ المعادل للغش في قراره الصادر بتاريخ 3 يونيو 1960، حيث قرر أن مجرد وقوع خطأ جسيم يجعل اتفاق الإعفاء من المسؤولية لاغيا.([26])

مع العلم أن الطائرة المستعملة تفتقر إلى جهاز للاتصال اللاسلكي وجهاز تحديد اتجاه الطائرة radio phare وجهاز سبر الارتفاعات(…) ولا تخفى جسامة هذا الخطأ وما فيه من التهور واللامبالاة المشروطين في تعريف القضاء المدني للخطأ الجسيم.

غير أن مجلس الدولة لم يتردد في اعتبار أفعال أقل بكثير من فعل الربان السابق الذكر بأنها خطأ جسيم، كالخلل في إحكام إقفال مخروط المروحة في القرار الصادر في 18 ماي 1956، وكعدم القيام بالفحص والتأكد من أحكام إقفال إحدى عجلات الهبوط والاكتفاء بالمراقبة العينية رغم أنه ثم تسجيل صعوبات في عملية الإقفال في رحلة سابقة (قرار 11 ماي 1956).

قد اعتبر مجلس الدولة في قرار 15 يوليوز1953 الخطأ البسيط خطأ جسيما بالنظر “للظروف التي وقع فيها”، وتوضح هذه العبارة بأن مجلس الدولة يميز الخطأ بالنظر لخصوصية المجال الجوي.([27])

فمن خلال القرارات السابقة يتبين أن الخطأ لم يكن في حد ذاته جسيما في كل الأحيان، بل كان السبب يرجع غالبا للظروف المحيطة بهذا الخطأ. وبالتالي فإننا أمام مفهومين متعارضين للخطأ الجسيم، فالقضاء المدني يرى أنه ليس هناك أي خطأ جسيم بالنظر للشروط التي يفترضها فيه. أما بالنسبة للقضاء الإداري، فيرى أن مجرد وقوع الخطأ مهما كانت درجته يعتبر في حد ذاته خطأ جسيما.

فالمفهوم المدني للخطأ الجسيم لا يلائم خصوصية القانون الجوي ولا يستجيب لاتفاقية وارسو، في حين أن المفهوم الإداري للخطأ الجسيم هو الأقرب إلى روح القانون الجوي وخصوصيات العمل في المجال الجوي، إذ أن أي خطأ في صناعة الطائرة يفضي إلى حوادث كارثية. كما أن الطاقم المكلف بالصناعة يتميز بكفاءة عالية تقتضي سلوكا على درجة عالية من الدقة ويتحملون مسؤولية سلامة الأرواح والأمتعة، وعليه فإن خطأ صادرا عن هذا الطاقم يستدعي تقييمه بشيء من الصرامة بالنظر للنتائج الخطيرة المترتبة عنه.

إن انشغال ذمة مصالح الفحص أوالمراقبة الرسمية والخاصة بالمسؤولية بمجرد وقوع الخطأ ليس فيه إنهاك لكاهل هذه المصالح، إذ أن إثبات خطأ أجهزة الفحص أو المراقبة مسألة صعبة، كما أن كفاءة أطر هذه الأجهزة رسمية كانت أو خاصة (مكتب التصنيف) تجعل وقوع الخطأ مسألة ناذرة جدا وبالتالي فإن تبعاتها المادية لا تبلغ درجة يصعب على هذه الأجهزة تحملها.

المبحث الثاني : مسؤولية الأجهزة المكلفة بالمطارات

إذا كانت العلاقة التي تربط الناقل الجوي بمستعملي الطائرة علاقة تعاقدية تنظمها عقد النقل وتحميها قوة القانون، فإن عملية النقل لا تقتصر على هذين الطرفين بل تمتد لتشمل هيئات ومصالح ومؤسسات خارجة عن هذه العلاقة. ذلك أن الملاحة الجوية تعتمد أساسا على منشآت أرضية تسهل وتؤمن عمليات إقلاع وهبوط الطائرات ويطلق عليها اسم الموانئ الجوية أو المطارات، مزودة بأبراج للمراقبة تسهر على سلامة الممرات الجوية وتنظم حركة الطائرات المتواجدة في مجالها الجوي لتفادي التصادم كما تقدم تقارير دورية عن الحالة الجوية لتأمين أحسن الظروف للرحلة عبر الطائرة.

توفر هذه المطارات كل الأجهزة والمعدات والمباني اللازمة لكل مراحل الرحلة الجوية، بما في ذلك شبكات الطرق والممرات الأرضية وأجهزة التوجيه من إنارة وأضواء وأجهزة لاسلكية ورادارات وكذا مرائب الطائرات ومحطة الركاب. وذلك لتسهيل عملية التأكد من  مشروعية خروج الأفراد ودخولهم إقليم الدولة وسلامتهم من بعض الأمراض لمنع انتشار العدوى، كما أنها تسهل القيام بالعمليات الجمركية والإشراف على حركة البضائع وكافة الإجراءات القانونية والأمنية.

إذا علمنا مدى مساهمة هذه الأطراف ودورها الفعال في ضمان سلامة  وأمن الطائرة ومستعمليها، فإن التسليم بأن كل الحوادث الجوية مردها وسببها الوحيد هو الناقل أمر يفتقر إلى البينة. إذ أن طبيعة المهام المنوطة بهذه الأطراف ودقتها وارتباط الناقل بتوجيهاتها والمعلومات التي تمده بها، يطرح إمكانية وقوع خطأ من طرف الطاقم المشرف عليها أو تعطل الأجهزة التي تستعملها لأداء مهامها. وفي هذه الحالة ولابد من أن يتحمل كل مخطئ مسؤولية خطئه بدل إنهاك الناقل بتحمل الضرر الذي لحقه وتبعات خطأ غيره بتعويض المتضررين من  مسافرين وشاحنين ،خاصة إذا علمنا أن مستعمل الطائرة غالبا ما يعود على الناقل للمطالبة بتعويض عن الأضرار التي لحقته بموجب العلاقة التعاقدية التي تربطهما، وبسبب جهله بالأطراف التي قد تكون متورطة في الحادث المنتج للضرر. فكيف تعاملت اتفاقية وارسو مع هذه الحالة؟ وما هي الأطراف التي  تثار مسؤوليتها مع الناقل أو دونه؟ كيف يتم التمييز بين الناقل ومن يقع تحت سلطته، وبين باقي الأطراف الساهرة على الرحلات الجوية ؟ ثم من هي الجهة المسؤولة عن الأضرار الناجمة عن أخطاء أطر المطار وبرج المراقبة ؟ هل هي نفس الجهة ؟ أم أن كل مؤسسة لها جهازها الخاص وتتحمل مسؤولية طاقمها فقط ؟ وكيف يمكن حل النزاعات التي تتداخل فيها مسؤولية الناقل وإدارة المطار وبرج المراقبة؟ وما هي الصعوبات الإجرائية والإدارية التي تعترض مثل هذه الحالات ؟ ومن هي الجهة التي تتولى البث في هذه النزاعات ؟

للإجابة عن هذه التساؤلات سنقسم هذا المبحث إلى مطلبين، يخصص المطلب الأول للحديث عن مفهوم الغير ويخصص المطلب الثاني للحديث عن إدارة المطار ومسؤوليتها.

المطلب الأول: مفهوم الغير

أقرت اتفاقية مونتريال ما قامت به اتفاقية وارسو بتعديلاتها في تحديد الأطراف المباشرة في العلاقة التعاقدية لعقد النقل الجوي، وتحديدها لمستعمل الطائرة من جهة  والناقل من جهة ثانية. ينبع هذا التحديد من وعي واضعيها بأن العمل في المجال الجوي لا يقتصر على هذين الطرفين بل يتجاوزهما إلى أطراف أخرى، وأن النزاعات الناتجة عن حوادث الجو قد تتجاوز طرفي عقد النقل. من هنا يبرز مصطلح الغير كمفهوم مميز للأطراف الخارجة عن عقد النقل، حيث يضم هذا المفهوم قسمين أساسيين: قسم يتخذ فيه الغير موقع المضرور العائد بالدعوى على الناقل، وقسم يتخذ فيه موقع المسؤول أو المشارك في المسؤولية مع الناقل في مواجهة مستعمل النقل كطرف متضرر، وهذا القسم الأخير هو الذي سيكون محط اهتمامنا لاعتبارات ندرجها في حينها.

ففي الحالة الأولى قد يؤدي سقوط الطائرة مثلا إلى هلاك بعض الأرواح والأموال، وهذا ما تولت تنظيمه اتفاقية روما الصادرة في 9 شتنبر 1952. حيث نصت في الفقرة الأولى من مادتها الأولى على أن لكل شخص أصابه ضرر على السطح الحق في التعويض وفقا لأحكام هذه الاتفاقية. يكفيه في ذلك أن يثبت أن الضرر نتج عن الطائرة في حالة الطيران أو عن شخص أو شيء سقط منها. من  هنا يتضح أن المسؤولية عن الضرر الذي يلحق بالغير على سطح الأرض هي  مسؤولية تقصيرية نظرا لغياب توافر علاقة تعاقدية بين الغير ومستغل الطائرة.

مهما كانت الصعوبات التي واجهتها اتفاقية روما من أجل حل النزاعات التي تثار بين الناقل ومستغل الطائرة كمسؤول عن الأضرار التي تصيب الغير على السطح ، فإنها تظل غير معضلة مهما تعدد وتنوع هذا الغير  مادام الطرف المسؤول محددا وواضحا.

غير أن الأمر يكاد يكون مستحيلا حين يصيب مستعملي الطائرة ضرر نتيجة فعل يصدر عن شخص أجنبي عن الناقل لا تربطه به أية علاقة تعاقدية أو تبعية أو إشراف لتنفيذ عملية النقل  الجوي كما هو الحال في الحالة الثانية. إذ لا يعتبر من الغير بالنسبة للناقل أفراد طاقم الطائرة وكل من يستخدمهم الناقل في تسيير مؤسسته، في حين يعتبر من الغير بالنسبة للناقل الجوي الموظفون الإداريون التابعون لسلطات المطار والجمارك والأمن أو تابعوا  ناقل آخر ولا يشترط أن يكون هذا الغير معروفا على وجه التحديد، بل تنفذ الأحكام المتعلقة به ولو ظل هذا الغير مجهولا.([28])

يبقى تأطير النزاعات بين مستعملي النقل وهذا الغير الذي تثار مسؤوليته في إطار قانوني موحد كما هو الأمر بالنسبة لاتفاقية روما أمرا غير ممكن بسبب اتساع مفهوم الغير وصعوبة تحديد الأطراف التي  تدخل تحت هذا الوصف، عكس الحالة التي يكون فيها الغير متضررا مهما  تنوع وتعدد يبقى المسؤول واحدا متمثلا في الناقل. إذ أن تعدد الأطراف الممثلة للغير في الحالة الثانية يؤدي إلى تعدد الجهات المسؤولة، مما ينتج عنه استحالة تطبيق نفس القانون على جهات ومؤسسات تختلف أنشطتها ونظمها بشكل جذري. وكذا استحالة تحديد أساس موحد للمسؤولية ومعايير  تناسب كل هذه الأطراف مهما تعددت وتنوعت.

وإذا كان سكوت اتفاقية مونتريال عن إثارة فعل الغير مبررا لكونه ليس طرفا في عقد النقل، فإن الأمر يصبح مختلفا، إذا علمنا أن فعل الغير قد يؤثر على مسؤولية الناقل الجوي بأن يشترك معه في المسؤولية أو يتحمل هذا الغير وحده المسؤولية دون الناقل. ورغم أن اتفاقية مونتريال لم تنص صراحة على فعل الغير كوسيلة لدفع مسؤولية الناقل الجوي، إلا أنه يمكن استخلاصه من العبارة الواردة في المادة 19. إذ أن عدم النص بشكل صريح على فعل الغير لا يعني استثناءه من حالات الإعفاء بل يرجع الحكم فيه إلى عبارة “… أو أنه استحال عليه أو عليهم اتخاذ مثل هذه التدابير…”. ويشترط في فعل الغير أن تتوفر فيه عدة شروط لكي يتمكن الناقل من دفع المسؤولية عنه، إذ يجب ألا يكون هذا الغير من الأشخاص الذين يسأل عنهم الناقل أو من الأشخاص الذين يستخدمهم في تنفيذ التزاماته. كما يشترط أن تتوافر في هذا الفعل عناصر السبب الأجنبي المتمثلة في عدم إمكانية التوقع بحيث يكون الفعل المرتكب غير ممكن التوقع فعلا  وفقا للمعايير الموضوعية، وكذا عدم إمكانية التلافي، أي لا يكون في إمكان الناقل دفع وقوعه ولا تلافي نتائجه ولا التغلب عليه. وبالتالي فإن فعل الغير يعفي الناقل من المسؤولية كلما أثبت توافر عناصره ويستوي في ذلك نقل الركاب أو نقل البضائع.

إفراد مطلب خاص للحديث عن مفهوم الغير لا يقتصر على دراسته كوسيلة من وسائل دفع المسؤولية عن الناقل الجوي، بل نتخذه مدخلا لإثارة إشكالية تداخل مسؤولية الناقل الجوي مع أحد الأطراف التي ينطبق عليها هذا المفهوم وتشارك في عملية النقل الجوي بصفة فعالة ونخص بالذكر المؤسسة المكلفة بإدارة المطارات ممثلة في مصلحة برج مراقبة الملاحة الجوية، ذلك لأن مساهمة هذه المصالح في وقوع حوادث جوية يطال الناقل ومستعملي الطائرة في آن واحد ويطرح إشكالية إثبات العلاقة بين فعل هذه المصالح والضرر الناتج ومعرفة الجهة التي يجب الاحتكام إليها من جهة أخرى.

المطلب الثاني : إدارة المطار ومسؤوليتها

يختلف النظام القانوني لإدارة المطارات من دولة إلى أخرى، فقد تتولى الدولة إدارة المطار بنفسها، وذلك في الحالة التي تكون مالكة له، وقد تمنح هذه الإدارة لأحد الأشخاص وتحتفظ بحق الرقابة والإشراف.([29]) وعندما تتولى الدولة إدارة المطار وهذا هو الغالب، فإنها تسند هذه المهمة إلى مؤسسة عمومية تابعة لها تشرف على حركة الطيران وتراقبها من أجل ضمان أمن وسلامة هذا المرفق الجوي. حيث تتخذ الإدارة كافة الإجراءات اللازمة لتأمين سلامة الركاب في حالة صعودهم أو نزولهم من الطائرة ، وضمان عدم دخولهم أو تجوالهم في المناطق الخطرة، والحيلولة دون تزويد الطائرة بالوقود أو تفريغه منها في حالة وجود الركاب إلا بوجود سلم بجوار الطائرة يستعمله الركاب وأن يكون الباب مفتوحا وأن تتم العملية بوجود أحد أفراد هيئة قيادة الطائرة.

إلا أن إخلال الإدارة بإحدى واجباتها أو صدور خطأ عنها أو عن أحد تابعيها، يترتب عنه إثارة مسؤوليتها، فتصبح المسؤولة المباشرة أمام الغير على ما لحق به من ضرر نتيجة لذلك فما هو أساس هذه المسؤولية؟ وما هي طبيعتها؟

على اعتبار أن الأخطاء التي تصدر عن مصالح المراقبة تعتبر ضمن الأخطاء التي تسأل عنها إدارة المطار، فسيتم الحديث عن هذه المؤسسة، والتعرف على الأخطاء التي يمكن أن تصدر عنها أو عن أحد أطرها، وعن الجهة التي تتحمل مسؤولية هذه الأخطاء. والحديث كذلك عن الحالة التي تتداخل فيها مسؤولية الإدارة مع مسؤولية أشخاص آخرين كالناقل الجوي ومستغل الطائرة وذلك من خلال فقرتين.

الفقرة الأولى : مصالح الملاحة الجوية ومسؤوليتها

تتولى الدولة إنشاء مصالح مراقبة الملاحة الجوية في شخص الوزارة المكلفة بالطيران المدني كما هو الحال في فرنسا والمغرب، مما يجعل منها مؤسسة عمومية تثار مسؤوليتها إذا ترتب الضرر عن عطب أصاب إحدى أجهزتها أو بسبب سوء أداء مهامها.

لكن يمكن استبعاد هذه المسؤولية في حالة عدم وجود مصالح للمراقبة الجوية أو عدم كفاية أجهزتها، ولا يؤخذ بالدفع بعدم وجود هذه الأجهزة إلا بالنسبة للمطارات الغير مفتوحة للحركة الجوية العامة([30]). أما القول بعدم كفايتها، فيدعو للتساؤل إلى أي حد يمكن القول أن علم مستغل المطار أو تابعيه بهذه المسألة يترتب عنه استبعاد مسؤولية مصالح مراقبة الملاحة الجوية ؟ الحال أن المسؤولية تثار في الحالة التي ينتج خلالها الضرر عن عطب أصاب إحدى أجهزة المراقبة أو نجم عن خطأ أحد مراقبي الجو، فمن الجهة التي تتعرض للمساءلة في هاتين الحالتين؟ وما هي طبيعة هذه المسؤولية؟

للإجابة عن هذا الإشكال المطروح لابد من  التمييز بين الحالة التي  ينجم فيها الضرر عن خطأ في تشغيل أجهزة مراقبة الملاحة الجوية، والحالة التي ينجم خلالها الضرر عن خطأ ضابط المراقبة.

فإذا نتج الضرر عن خطأ في تشغيل أجهزة مراقبة الملاحة الجوية، وكان هذا الخطأ مجهولا، فتكون الدولة المسؤولة الوحيدة عن الضرر الذي وقع. أما إذا كان الذي ارتكب الخطأ هو ضابط المراقبة الجوية كأن يكون قد أذن للطائرة بالهبوط فوق ممر أرضي أو عبر دهليز جوي مشغول بطائرة أخرى، فتثار مسؤولية الدولة إلى جانب مسؤولية الشخص مرتكب الخطأ حيث تطبق في هذه الحالة قواعد المسؤولية المنصوص عليها في القانون الإداري، إلا أنه يمكن للدولة بعد أدائها للتعويض المستحق للمتضرر الرجوع على المرتكب الحقيقي للخطأ.

غير أن هذا النوع من الأخطاء يطرح مسألتين:

المسألة الأولى: وتتعلق بمعرفة ما إذا كان من الضروري أن يكون الخطأ الذي استدعى الزجر على درجة معينة من الجسامة ؟

إذا كان مبدأ مسؤولية الدولة عن أفعال موظفيها لايستلزم درجة معينة من الجسامة، فالأمر يختلف بالنسبة لوظيفة صعبة وشاقة كمراقبة الملاحة الجوية، وتقدير مدى صعوبة المهمة المنوطة بضابط المراقبة ليست مسألة ضرورية. إذ يرى البعض أن توفر نسبة معينة من الجسامة يرتبط فقط ببعض المهام المسندة لمراقب الجو دون أخرى([31]). واستعمال الآليات ذات التحكم الذاتي في إنجاز عملية مراقبة الملاحة الجوية، قد يفتح المجال للقول بأن هذه المهمة ليست صعبة بالنسبة لذوي الخبرة. لكن مهما بلغت الآليات الحديثة من تطور يجعلها مستقلة في أداء مهامها عن التدخل البشري ، تظل مع ذلك في حاجة دائمة لمراقبة مستمرة وحراسة دقيقة من طرف العاملين عليها مما يتطلب جهدا نفسيا وذهنيا كبيرا.

وبالرجوع لإحدى القرارات الصادرة عن القضاء الإداري الفرنسي، نجد أنها استلزمت ضرورة ارتكاب مصالح الشرطة لخطأ جسيم أثناء قيامهم بمهمة مراقبة المرور. وإذا أردنا تطبيق مثل هذا القرار على الأخطاء التي تصدر عن مصالح مراقبة الملاحة الجوية، فلابد من وجود نوع من التشابه المطلق بين الظروف التي أدى خلالها شرطي المرور وظيفته وتلك التي يؤدي خلالها ضابط مراقبة الملاحة وظيفته.([32])

المسألة الثانية: وهي التي ينجم خلالها الضرر عن إضراب مراقبي الجو.

صدر في فرنسا في 2 يوليوز 1964 قانون يمنع إضراب مراقبي الملاحة الجوية، إلا أن هذا القانون لم يمنع المراقبين الجويين من خوض سلسلة من الإضرابات. فالإضراب حق لا يمكن منع ممارسته، لكن يمكن طرح السؤال التالي: هل يمكن اتخاذ بعض التدابير الوقائية لتفادي الاضطرابات التي  تنجم عن ممارسة مراقبي الجو لهذا الحق؟ من له حق اتخاذها؟ ومن يتحمل مسؤولية الأضرار الناتجة عن إضراب مراقبي الجو؟

تظل الدولة الملزم الوحيد باتخاذ الإجراءات الضرورية من أجل استمرارية عمل مصالح مراقبة الملاحة الجوية، وإذا تعذر عليها ذلك فيمكنها أن تمنع التحليق فوق إقليمها أو تمنع استعمال مطاراتها. لكن يمكنها أن تحافظ على استمرار عمل هذه المطارات بإسناد مهمة المراقبة للقوات الجوية، وتظل الدولة هي المسؤولة عن الأضرار الناتجة عن إضراب مراقبي الجو.

وقد سبق لفرنسا سنة 1973، على إثر إضراب خاضه مراقبو الملاحة الجوية، أن أسندت مهمة المراقبة للقوات الجوية، فنتج عن ذلك اصطدام طائرتين اسبانيتين فوق مدينة نونت Nante إلا أنه لم يصدر عن القضاء أي قرار بهذا الشأن، وتولت لجنة للتحقيق إصدار قرار سنة 1975 تؤكد فيه أن الحادث نتج عن ارتكاب خطأ من طرف أحد أفراد طاقم قيادة إحدى الطائرتين وخطأ عن أحد أطر مصالح المراقبة الذين أوكلت لهم هذه المهمة آنذاك. إلا أن انعدام وجود علاقة سببية بين إضراب مصالح المراقبة والحادث الذي نتج عنه تصادم الطائرتين يمنع من القول بمسؤولية الأطر المضربة أو المؤسسة المسؤولة عن الإضراب،ولا يبقى أمام الدولة سوى تفادي الأضرار التي يمكن أن تقع خلال فترة الإضراب.

لكن إذا اضطر الناقل الجوي إلى إلغاء رحلاته بسبب إضراب مراقبي الجو ونتج عن ذلك خسائر مادية، فهل تسأل الأطر التي خاضت الإضراب عن الأضرار التي تنجم عن ذلك أم أن نقابة مراقبي الجو هي من يتحمل النتيجة؟

لا يوجد هناك قانون يمنع من القيام بالإضراب، لكن يمكن أن يعتبر القيام به أمر غير مبرر، وللقول بوجود مسؤولية لابد من توافر علاقة سببية بين فعل الإضراب والأضرار التي ترتبت عن ذلك. ومن ثمة، فإذا كان من الممكن الشك في وجود هذه العلاقة بين إضراب المراقبين والأضرار التي نتجت عن عدم تنفيذ الدولة لالتزاماتها المرتبطة بضمان استمرارية عمل مصالح المراقبة الجوية، فلا يسري نفس الحكم في الحالة التي يسبب فيها هذا الإضراب خسائر مادية للناقل الجوي.

لابد في البداية من التأكد من أن مسؤولية الدولة، بخصوص مصالح مراقبة الملاحة الجوية، محدودة في ضمان سلامة الملاحة الجوية. فإذا كان الأمر كذلك، فليس هناك ما يتعارض مع قبول مسؤولية المراقبين المضربين أو نقابتهم عن الأضرار المادية التي تصيب الناقل، مادام أن الإضراب هو السبب المباشر في تعليق الرحلات الجوية أو عدم القيام بها.

يسري نفس الحكم في الحالة التي تتولى الدولة أمر تعليق الرحلات الجوية لأنه تعذر عليها ضمان سلامة الملاحة الجوية، دون ضرورة للبحث عن وجود علاقة سببية بين إضراب المراقبين والأضرار المادية التي أصابت الناقل الجوي.

لكن إذا اعتبرنا أن الدولة ملزمة بتأمين استمرارية أداء مصالح المراقبة لمهامها، فإن التزاما كهذا يدعو لضرورة وجود علاقة سببية بين الإضراب الذي خاضته مصالح المراقبة والأضرار المادية التي ترتبت عن ذلك.

ومن ثمة، فإذا كانت الدولة هي من  ألغى الرحلات الجوية المزمع القيام بها، فتعتبر مخلة بأداء التزاماتها المتمثلة في ضمان استمرار أداء مصالح المراقبة لمهامها وتعتبر هي المسؤولة إلا في حالة القوة القاهرة التي يشكل الإضراب إحدى صورها.

ففي هذه الحالة تستبعد مسؤولية المراقبين الجويين وكذا مسؤولية الدولة شريطة أن تتخذ هذه الأخيرة الإجراءات الكفيلة بتفادي الأضرار التي يمكن أن تنجم عن ذلك كما سبق القول.([33])

بعد دراسة المسؤولية عن الأخطاء الصادرة عن مصالح مراقبة الملاحة الجوية سواء في الحالة التي تكون خلالها هذه الأخطاء مجهولة، أو الحالة التي ترتكب خلالها الأخطاء عند خوض مراقبي الجو للإضراب فلابد من دراسة المسؤولية عن الأضرار التي تنتج عن وجود عيب في الأجهزة المستعملة في إنجاز عملية المراقبة أو عدم صيانتها. فما هي طبيعة هذه المسؤولية؟ هل تظل الدولة دائما هي المسؤولة عن الأضرار التي تنتج في هذه الحالة ؟ أم يمكن  أن تثار مسؤولية أطراف أخرى إلى جانبها؟

الفقرة الثانية: المسؤولية عن أخطاء أجهزة مراقبة الملاحة الجوية

تظل الدولة المسؤولة عن الأضرار التي تتسبب فيها المصالح المكلفة بالمراقبة الجوية، إلا أن هذه المسؤولية  لا تثار فقط في حالة غياب خطأ المراقب الجوي، بل تسري كذلك في الحالة التي يرتكب فيها المراقب الجوي الخطأ لكن المتسبب الحقيقي في الضرر هو أحد الأجهزة المستعملة  في إنجاز عملية المراقبة مما يستدعي  التمييز بين الحالة التي يكون فيها المتضرر من الغير والحالة التي يكون خلالها المتضرر من مستعملي أجهزة مراقبة الملاحة الجوية.

فإذا كان الشخص الذي وقع عليه الضرر من الغير([34]) الذي لا يرتبط بالناقل الجوي بعلاقة تعاقدية، فيجب التمييز بين الغير الذي يوجد على سطح الأرض والغير الذي يكون قد شارك بفعله في حصول التصادم بين طائرتين مثلا.

فالبنسبة للغير الذي يوجد على سطح الأرض، فيعتبر مستغل الطائرة مسؤولا عن الأضرار التي تلحق به طبقا للفقرة الأولى من المادة الثانية من اتفاقية روما لسنة 1952 إلا إذا ثبت أن الضرر يعود لخطأ الضحية، فخطأ الغير لا يعتبر سببا معفيا من المسؤولية، ويظل للمتضرر كامل الحرية في اختيار  الطرف الذي يود متابعته أي الدولة أومستغل الطائرة. لكن إذا وجهت الدعوى ضد هذا الأخير، فيجب أن يخول له حق الرجوع على الدولة على أساس أن الضرر كان نتيجة وجود عيب في إحدى أجهزة مراقبة الملاحة الجوية أو خلل في صيانتها أو أن الضرر كان نتيجة خطأ مراقب الجو.

أما إذا كان الغير ممن شارك في وقوع التصادم كما هو الحال بالنسبة لمصالح مراقبة الملاحة الجوية، فتعفي الأطراف المتسببة في الحادث من  تحمل أي مسؤولية تجاه الآخر، ويظل لمستغل الطائرة الحق في مقاضاة الدولة إما بسبب الخطأ الصادر عن مصالح المراقبة أو باعتباره مستعملا لمؤسسة عمومية (برج المراقبة). مع العلم أن التعويض الذي يمكن للمتضرر الحصول عليه لا يجوز أن يتجاوز الحدود القصوى المقررة للطائرتين المساهمتين في وقوع الضرر.([35])

إذ يلاحظ أنه في كلتا  الحالتين  يظل مستغل الطائرة المسؤول عن الضرر الذي أصاب الغير الموجود على سطح الأرض أوالمشارك في حصول الضرر، لكن له حق الرجوع على الدولة بالتضامن في شأن التعويضات التي منحها للمتضررين.

أما إذا كان المتضرر ليس غيرا لكنه من مستعملي جهاز مراقبة الملاحة الجوية، فلا تثار مسؤولية الدولة إلا إذا كان بهذا الجهاز عيب في الصنع أو الصيانة، فهل من الضروري إثبات وجود هذا العيب؟ أم أن غيابه قد يكون سببا لإعفاء الإدارة من المسؤولية؟ فتلزم هذه الأخيرة بضرورة الإثبات مما يترتب عنه إعفاء الدولة من المسؤولية إذا أثبت وجود هذا العيب.

يعتبر مستغل الطائرة مستعملا لأجهزة مراقبة لملاحة الجوية لكن هل يعتبر الركاب والمرسل والمرسل إليه كذلك؟ قد يكون من مصلحة هؤلاء اعتبارهم من الغير لكيلا تدفع الدولة بعدم مسؤوليتها في حالة عدم وجود عيب في الصنع أو في الصيانة العادية لهذه الأجهزة.

إذ أنه بالنسبة لبروتوكول جواتيمالا سيتي لسنة 1971 الخاص بالركاب وبروتوكول مونتريال 1975 الخاص بالبضائع، لا تشكل هذه المسألة أهمية كبرى، لأن فعل الغير الذي يتمثل في الفعل الذي قامت به مصالح المراقبة الجوية ليس سببا لإعفاء الناقل الجوي من المسؤولية، لكن بالنسبة لنظام المسؤولية في اتفاقية وارسو، فإن الناقل الجوي لا يعتبر مسؤولا في مواجهة الركاب، إذا أثبت أنه اتخذ التدابير اللازمة لتفادي وقوع الضرر، وهذه مسألة قريبة من حالة غياب الخطأ من جانبه.

إذا تعذر اعتبار الركاب والشاحنين من مستعملي أجهزة المراقبة الجوية، أفلا يمكن اعتبارهم مستعملين غير مباشرين لوجودهم على متن الطائرة؟

إن الأخذ بهذا القول مسألة ملحة ذلك لأن كل مستعمل للنقل الجوي يعتبر في الآن ذاته مستعملا للأجهزة الضرورية لحركة الطائرة. فالطائرة وطاقمها والركاب والبضائع يشكلون كلا لا يتجزأ. والضرر الذي قد يلحق الطائرة من جراء وجود عيب بأجهزة المراقبة أو عيب في صيانتها يلحق في نفس الوقت كل من يوجد على متن تلك الطائرة.

لكن، ألا يمكن أن تتداخل مسؤولية كل من الدولة ومستغل الطائرة أو الناقل الجوي فيما بينهم فتقع عليهم المسؤولية في نفس الوقت؟ وإذا تحقق هذا الأمر ما هي الإشكاليات التي يمكن أن تطرح آنذاك؟

لعل من أهم الإشكاليات التي يطرحها تداخل مسؤولية كل من الدولة والناقل ومستغل الطائرة هي أن دعوى التعويض ستطرح أمام هيئتين مختلفتين من حيث الاختصاص. فالدعوى المرفوعة ضد الدولة تعرض أمام القضاء الإداري، في حين ترفع الدعوى ضد الناقل الجوي أو مستغل الطائرة أمام القضاء العادي مما قد يترتب عنه صدور حكمين مختلفين من أجل نفس الموضوع. إلا أنه يمكن تفادي مثل هذا الإشكال برفع إحدى الدعويين والرجوع على الطرف الذي لم ترفع ضده الدعوى. وفي كل الحالات، لا يمكن تصور صدور حكم مشترك بالتعويض عن الضرر لأنه لا يمكن للقاضي أن يدين الدولة والناقل الجوي أو مستغل الطائرة في الآن ذاته.

فعلى مستوى الواقع، إما أن يعفى أحدهما بسبب ما صدر عن الآخر أو يسأل أحدهما عن مجموع الضرر. وفي هذه الحالة يمكن القيام بتحريك دعوى فرعية ضد الطرف الآخر.

إلا أن هذه المسألة ليست لها خصوصية معينة لكونها تطرح كلما تداخلت مسؤولية السلطة العمومية ومسؤولية شخص عادي. خاصة، وأن هذا الأمر يقتصر فقط على القانون الجوي، إذ أنه ليس من الأكيد أن تثار المسؤوليتين في كل الحالات من أجل كل التعويض أو جزء منه. بالطبع لاشك أن هناك حالات لا تثير صعوبة في التطبيق، كما هو الحال، عندما تكون مسؤولية الناقل الجوي أو مستغل الطائرة مسؤولية موضوعية، في حين أنه لم يرتكب أي خطأ، في هذه الحالة يمكن الرجوع على الدولة لمطالبتها بتعويض عن الضرر الناتج عن خطأ مراقب الجو أو الناتج عن وجود عيب في إحدى أجهزة المراقبة أو وجود عيب في صيانتها.

قد يحدث في بعض الحالات أن يتداخل خطأ أحد أطر المراقبة الجوية وخطأ أحد تابعي الناقل أو مستغل الطائرة([36]). إلا أن هناك حالات يصعب خلالها استبعاد مسؤولية الدولة والأخذ بمسؤولية الناقل أو مستغل الطائرة كما هو الحال عندما يترتب الضرر عن صدور أوامر خاطئة عن مراقب الجو أو بسبب عدم كفاية الأجهزة المستعملة في إنجاز عملية المراقبة.

فبالنسبة للحالة الأولى: يجب معرفة القوة الإلزامية للتعليمات التي يوجهها مراقبو الجو لقائد الطائرة.

تجدر الإشارة إلى أن هذه الأوامر لا تتوفر على نفس القوة الإلزامية، هذا من جهة ومن جهة أخرى تختلف وضعية قائد الطائرة بخصوص هذه الأوامر حسبما إذا كان يعتمد على الرؤية في قيادة طائرته أم على أجهزة المراقبة الجوية.

إذ أن الاعتماد على الأجهزة في قيادة الطائرة، يترتب عنه إلقاء مسؤولية الأضرار التي تنجم عن ذلك على عاتق المشرفين على هذه الأجهزة. أما إذا اعتمد قائد الطائرة على الرؤية فقط ، فهو من يتحمل مسؤولية الأضرار التي قد تلحق بالطائرة أو الركاب أو الغير.

والتمييز بين عملية القيادة التي يعتمد فيها الربان على الآلة وتلك التي يعتمد فيها على الرؤية، يعتبر وسيلة فعالة لمعرفة الحالة التي يكون خلالها المسؤول فردا واحدا والحالة التي يتعدد فيها المسؤولون.

إلا أن الاعتماد على الأجهزة في إنجاز عملية الطيران وتنفيذ أوامر مراقب الجو خلال المرحلة التي  تكون فيها الطائرة قريبة من الأرض، لا يضمن باستمرار تنفيذ هذه الأوامر من قبل قائد الطائرة، إذ أن رفض تنفيذ هذه الأوامر يكون في حالات قليلة جدا([37])، بمعنى آخر أن قائد الطائرة يتعامل بحرص مع هذه الأوامر ولا يلتزم بها في كل الحالات. وبالتالي فمن الصعب القول أن إعطاء أوامر خاطئة أو الاعتماد على أجهزة معيبة يخول استبعاد مسؤولية الناقل الجوي أو مستغل الطائرة، لأن الأمر يظل رهينا بحالة خاصة وكذلك وبظروف الرحلة.

الحالة الثانية: وتتعلق بعدم كفاية أجهزة مراقبة الملاحة الجوية خلال المرحلة الأخيرة للتحليق قبل هبوط الطائرة. وقد أثير مثل هذا الإشكال في العديد من النزاعات القضائية بين الناقل والمتعاقدين معه([38]) ويبدو أنه من الصعب دائما الدفع بعدم كفاية أجهزة المراقبة باعتبارها السبب الوحيد أو أحد أسباب الحادث، لأنه غالبا ما يكون قائد الطائرة على علم بالأمر ويتصرف على هذا الأساس وبالتالي يمكن لخطأ الناقل أن يقدم على كفاية أجهزة المراقبة، لكن هذا الأمر لن يطبق باعتباره قاعدة عامة، لأن ذلك يختلف باختلاف الحالات.

من خلال ما سبق، يلاحظ أن الدولة تعتبر في بعض الحالات مسؤولة عن الأخطاء التي ترتكبها المؤسسة العمومية التي تتولى مراقبة الملاحة الجوية بإدارة المطار. وتختلف درجة مسؤوليتها حسبما إذا كانت هذه الأخطاء صادرة عن أحد أطر مؤسسة برج المراقبة أو عن أجهزة المراقبة في حد ذاتها. إلا أن هذه المسؤولية قد تتداخل في بعض الأحيان بمسؤولية الناقل الجوي أو مستغل الطائرة، فتبدو أكثر وضوحا في الحالة التي ينجم خلالها الضرر عن عيب في أجهزة المراقبة أو عيب في صيانتها. والإشكال الأساسي الذي يترتب عن تداخل المسؤوليات هو أن المتضرر يجد نفسه أمام جهازين للقضاء عليه الاختيار بينهما والبحث عمن سيكون أكثر إنصافا له، خاصة في الحالة التي يكون له فيها حق الخيار. فإما أن يطالب الدولة بتعويض عن الأضرار التي لحقته أمام القضاء الإداري أو أن يتابع الناقل أو مستغل الطائرة أمام القضاء العادي. ولعل الحالات التي توجد فيها الدولة كطرف في النزاع تدعو لمزيد من التفكير والاستفهام حول إمكانية إنصاف المتضرر وتمكينه من وسيلة أنجع لضمان حقوقه حتى لا يضيع حقه بسبب غياب قضاء متخصص في كل ماله علاقة بالنقل الجوي سواء في المرحلة التي يكون خلالها طرفا النزاع تحكمهما علاقة تعاقدية ينظمها عقد النقل أو الحالة التي يكون خلالها أحد الأطراف خارج هذه العلاقة.

تم بتوفيق من الله

[1] – المادة 128 من قانون النقل العراقي لسنة 1983.

[2] – نقلا عن ثروت أنيس الأسيوطي، مسؤولية الناقل الجوي في القانون المقارن، دكتوراه، المطبعة العالمية،القاهرة، 1960، هامش (3) ، ص.493.

[3] – ثروت الأنيس الأسيوطي ، المرجع السابق ، ص.493.

[4] – سعيد بنحماني،  مسؤولية الناقل الجوي، دراسة مقارنة في اتفاقية فارسوفيا المعدلة والقانون المغربي والعراقي ،رسالة،بغداد،1989 ، ص.81.

[5] – ثروت أنيس الأسيوطي ، المرجع السابق ، ص.495.

[6]– سعيد بنحماني ، رسالة المرجع السابق ، ص.82.

[7]– جاءت اتفاقية شيكاغو محصلة لاعتبارات عدة يمكن ردها إلى عجز الاتفاقية الدولية التي وضعت بعد الحرب العالمية الأولى عن التوفيق بين مبدأي “الجو الحر” و “الجو المنظم” من ناحية ، ومن ناحية أخرى إلى ما برهنت عليه الحرب العالمية الثانية من قدرة هذه المركبات على أن تصبح وسيلة لتحقيق التضامن بين الشعوب.

أنظر : فريد العريني ، القانون الجوي الداخلي والدولي ،دار المطبوعات الجامعية،الإسكندرية،1997، ص.25.

[8]– هاني محمد دويدار،  قانون الطيران التجاري،دار الجامعة الجديدة للنشر،الإسكندرية،1994 ، ص.46.

[9]– أنظر :

– Meyer Alauzen COLETTE : Essai sur les problèmes de responsabilité par la construction aéronautique civil, librairie générale de droit et jurisprudence, Paris 1964, p.99.

[10] – أنظر :- Jacques NAVEAU et Marc GODFROID, , précis de droit aérien, Bruyant, Bruxelles, 1988 , p.307.

[11]– أنظر : – Meyer Alauzen COLETTE, op.cit, p.106.

[12]– أنظر :                                                                                                   – Meyer Alauzen COLETTE, op.cit, p.103.

[13]– أنظر :                                                                                                                    – LE GOFF, art. Précité, n° 337.

– Meyer Alauzen COLETTE, op.cit, p.111.

[14]– شهادة الصنف تضمن للطائرات خصوصيتها وتحميها من الوقوع للتقليد.

[15]– أي الحصول على شهادة السلسلة Série .

[16]– أنظر :                                                                                        – Meyer Alauzen COLETTE, op.cit, p.100 et 101.

[17]– أنظر :                                                                                                     Meyer Alauzen COLETTE, op.cit, p.105.

[18]– هذا ما أقرت به صراحة إدارة مكتب التصنيف فريتاس عن أثناء زيارتنا الميدانية لها مستبعدة بذلك كل مسؤولية تلقى على عاتقها.

[19]– أنظر :                                                                                                   -Meyer Alauzen COLETTE, op.cit, p.100.

[20]– أنظر : -Yvette SAUNIERE :  Le bureau Véritas société internationale de classification de navire et d’aéronefs et sa responsabilité, thèse, 1932, p.323.

[21]– وقد أخذت المحاكم البلجيكية بنفس الرأي وسارت نحو تحويل المسؤولية المشددة للناقل الجوي عن الاستثناء إلى هامش رقم 266 الوارد ذكره بمرجع Meyer Alauzen COLETTE السابق الإشارة إليه ، ص.101.

[22]– يعود هذا الرأي لـ:                                                                                     – Meyer Alauzen COLETTE, op.cit, p.101.

[23]– ورد هذين الرأي بمرجع Meyer Alauzen  COLETTE ، السابق الإشارة إليه، ص.105.

[24]– قرار صادر عن محكمة باريس بتاريخ 25 فبراير 1954 م.ف.ق.ج لسنة 1954، ص.45.

[25]– أنظر:                                                                                    – Meyer Alauzen COLETTE, op.cit, p.109, note 286.

[26]– وقد صدر هذا القرار في حق الربان التابع لـ “S.N.C.A.N” الذي قام برحلة بالطائرة في ظروف غير مناسبة بتاتا:

– Meyer Alauzen COLETTE: op.cit, note 287, p.109.

[27]– ورد هذا القرار  بمرجع :                                                                             -Meyer Alauzen COLETTE: op.cit, p.109.

[28]– سعيد بنحماني ، مرجع سابق ، هامش رقم 4 ، ص.82.

[29]– والواقع أن هذا الحكم محدود القيمة، لأنه خاص بالمطارات التي يستعملها أحد الأفراد والأشخاص المعنوية الخاصة، ولا يسمح بفتح مطار للحركة الجوية إلا إذا كان المطار في ملك الدولة أو أحد الأشخاص العامة باعتباره من المرافق العامة.

[30]– للمزيد من المعلومات الرجوع إلى :

– Christian LARROUMET: La responsabilité du fait des services de contrôle de navigation aérien en droit français, R.F.D.A, 1977, p.422.

[31]– أنظر:                    – Gilbert GUILLAUME: La responsabilité des services de  la circulation aérienne  en France, ANNALS  de droit aérien et spatial, université du  Montréal, vol.III, 1978

[32]– أنظر :                                                                                            – Christian LARROUMLET, art précité, p.425.

[33]– أنظر:                                                                                               – Christian LARROUMET, art. Précité, p.427.

[34]– أنظر:                                                                                               – Christian LARROUMET, art. Précité, p.430.

[35]– الفقرة الثانية من المادة الثالثة عشر من  اتفاقية روما.

[36]– وغالبا ما تحقق هذه الحالة عند وقوع تصادم بين طائرتين حسب ما سبقت الإشارة إليه في التقرير الذي  صدر بشأن اصطدام طائرتين اسبانيتين

[37]– أنظر:                    – Louis CARTON , Droit aérien ;Presses universitaires de France ;Paris,1936 , p.242 et suite.

[38]– أنظر:                                                                                                – Christian LARROUMET, art.Précité, p.431.