حقوق الإنسان في ظل جائحة كورونا

883

حقوق الإنسان في ظل جائحة كورونا
حنان المنيعي
طالبة باحثة في سلك الدكتوراه القانون الدولي- كلية الحقوق ظهر مهراز- فاس

حقوق الإنسان هي كل الحقوق المكفولة والمتأصلة في طبيعتها للإنسان، و هي حقوق عالمية وغير قابلة للتجزئة. وسواء أكانت حقوقا مدنية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، فهي جميعا حقوق متأصلة في كرامة كل كائن إنساني وتبعا لذلك، فإنها جميعا تتمتع بوضع متساو كحقوق. وليس ثمة شيء يدعى حقا صغيرا، وليس ثمة تراتبية في حقوق الإنسان.
وقد حظيت وحقوق الإنسان والحريات العامة، باهتمام بالغ في الشريعة الإسلامية ومختلف المواثيق الدولية والقوانين الوطنية . ومن واجب الدول أن تضمن كافة الحقوق لمواطنيها سواء في حالة الحروب أو في حالة الكوارث الطبيعية أو بسبب انتشار وباء كجائحة كورونا، وما تمثله من خطر صحي على بلدان العالم.
جميع هذه البلدان، تبنت تدابير وإجراءات متشابهة تمحورت بالأساس حول إعلان حالة الطوارئ . وحالة الطوارئ هي حالة التي ” تخول للدولة القيام بأعمال أو فرض سياسات لا يسمح لها عادة القيام بها، وتستطيع الحكومات إعلان هذه الحالة في مثل هذه الظروف، فتتخذ إجراءات وقوانين تخضع لقواعد استثنائية، كحظر التجول والالتزام بالحجـر المنزلـي لمكافحـة هذا الوبـاء والحد من انتشاره قدر الإمكان، وهذه الإجراءات يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على حقوق الإنسان والحريات العامة .
وفي ظل حالة الطوارئ يمكن تعليق ممارسة بعض الحقوق والحريات الأساسية تعليقا جزئيا أو كليا، ولكن في أضيق الحدود وبالضرورة المناسبة التي تتحقق والهدف المعلن عنه من إعلان حالة الطوارئ ، وطبيعة الحقوق التي لا يمكن المس بها وانتهاكها، ويجوز اتخاذ تدابير وإجراءات بقدر ما تستلزمه مقتضيات الحالة ولكن بشرط عدم انتهاك الالتزامات المنصوص عليها وفقا للقانون الدولي. و أمام هذا الوضع المستجد، برزت إشكاليات متعددة تتجلى في مدى حماية حقوق الإنسان المكرسة في المواثيق الدولية والقوانين الوطنية، و مدى توافق هذه التدابير والإجراءات مع معايير حقوق الإنسان، وعدم استغلال الحكومات لهذه الظروف الاستثنائية التي فرضتها أزمة كورونا لانتهاك حقوق الإنسان .

ومن هذا المنطلق سنحاول معالجة هذا الموضوع وفق النقط التالية :
I. الإطار القانوني لحالة الطوارئ في القانون الدولي والوطني
II. ضمانات حقوق الإنسان في المواثيق الدولية والقوانين الوطنية
III. الإجراءات المتخذة لحماية حقوق الإنسان في ظل حالة الطوارئ

I. الإطار القانوني لحالة الطوارئ في القانون الدولي والوطني
تجيز الاتفاقيات الدولية والقوانين الداخلية تطبيق حالة الطوارئ في دولة ما أو منطقة ما لمواجهة الظروف الاستثنائية التي تهدد حياة الشعب وحقوقه لكن بعد إعلان رسمي و حسب قوانين الدولة.
1- في القانون الدولي
تناول القانون الدولي حالة الطوارئ من خلال العهد الدولي للحريات المدنية والسياسية، الصادر عام 1966، حيث نص في الفقرة (1) من (4) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على ما يلي : “في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسـميا، يجـوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافـاة هـذه التـدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها علـى تمييـز يكون مبرره الوحيد هو العـرق أو اللـون أو الجـنس أو اللغـة أو الـدين أو الأصـل الاجتماعي.”
وباستقرائنا للمادة (4) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يتبن لنا أن الشرط الأساس لفرض حالة الطوارئ هو وجود خطر عام واستثنائي يتهدد وجود الأمة، على أن يتم إعلان حالة الطوارئ بشكل رسمي وذلك منعا لشيوع الممارسات الضارة بالحريات في أوقات ليس لها طابع الاستثناء.
وحسب المادة الخامسة (2) من العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية فإن إعلان حالة الطوارئ حسب المادة الرابعة للعهد لا يجوز أن يستعمل كذريعة لحرمان الأفراد من حقوقهم الأساسية مثل الحق في الحياة، والحق في التفكير والاعتقاد، كما يجب ألا تكون ذريعة لترخيص الممارسات غير الإنسانية أو الحاطة بالكرامة الإنسانية أو التعذيب أو العبودية والاضطهاد. أو ذريعة لخرق الالتزامات الدولية الأخرى للدولة المعنية إذ يجب على هذه الدولة التقيد الكامل بالتزاماتها الناشئة من اتفاقيات دولية و إقليمية أخرى كاتفاقيات جنيف و معاهدة منع التعذيب و حماية حقوق الطفل و الأقليات هذه الاتفاقيات هي سارية المفعول حتى فى حالات الحرب.
كما تسمح الاتفاقيات الإقليمية لأعضائها بفرض حالة الطوارئ في ظروف معينة، حيث نصت الفقرة (1) من المادة (15) من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان لعام 1950 : ” في حالة الحرب أو الخطر العام الذي يهدد حياة الأمة يجوز لكل طرف سام متعاقد أن يتخذ تدابير تخالف الالتزامات المنصوص عليها في هذا الميثاق في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع وبشرط أن لا تتناقض هذه التدابير مع بقية الالتزامات المنبثقة عن القانون الدولي.
وأيضا نصت الفقرة 1من المادة 27 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لعام 1969، على : ” أنه لا يمكن للدولة الطرف في أوقات الحرب أو الخطر العام أو سواهما في الحالات الطارئة التي تهدد استقلال الدولة أو أمنها أن تتخذ من إجراءات تحد من التزامها بموجب الاتفاقية الحالية ولكن فقط بالقدر وخلال المدة التي تقتضيها ضرورات الوضع الطارئ شريطة أن لا تتعارض تلك الإجراءات مع التزاماتها الأخرى بمقتضى القانون الدولي ولا تنطوي على تميز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.
و نصت المادة الرابعة من الميثاق العربي لحقوق الإنسان لسنة 2004، في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.
ويلاحظ أن أغلب هذه الاتفاقيات والمواثيق استندت في صياغتها عند تطرقها إلى حالة الطوارئ إلى المادة 04 من الاتفاقية الخاصة بالحقوق المدنية و السياسية.
و بناء على ما سبق، فإن حالة الطوارئ باعتبارها إحدى الحالات الواردة ضمن نظرية الظروف الاستثنائية، أجازها القانون الدولي لحقوق الإنسان وفقط شروط معينة، لمواجهة الأخطار الحالة و الجسيمة التي تواجهها الدولة، بموجبها يحق للسلطة التنفيذية تجميد الأحكام الدستورية والتشريعية العادية بشكل مؤقت ، و تقييد و تعطيل حقوق الأفراد وحرياتهم ، باستثناء بعض الحقوق و الحريات التي أشرنا إليها .
2- في القانون المغربي
لم يتضمن دستور 2011 ، أي إشارة مباشرة لحالة الطوارئ، حيث يتيح الفصل 74 إمكانية الإعلان عن “حالة الحصار”، التي تؤدي إلى حلول السلطة العسكرية محل السلطات المدنية في مهام الضبط الإداري، التي تصبح إجراءاتها واسعة وغير مألوفة في الظروف العادية، ويتم إعلان هذه الحالة بمقتضى ظهير يوقعه بالعطف رئيس الحكومة . ويتيح الفصل 59 الذي الإعلان عن “حالة الاستثناء” إذا كانت “حوزة التراب الوطني مهددة، أو وقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية”، ويتم إعلان هذه الحالة من طرف الملك بموجب ظهير، بعد استشارة كل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، ورئيس المحكمة الدستورية، وتوجيه خطاب إلى الأمة .
و نجد الأساس القانوني لإعلان المغرب عن حالة الطوارئ اعتماد مرسوم بقانون رقم 2.20.292، وذلك في إطار التدابير المتخذة من طرف الحكومة، ويتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، ويخول هذا المرسوم للحكومة أن تتخذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها الحالة، بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية، أو بواسطة مناشير وبلاغات، ويمكن أن تكون هذه التدابير مخالِفة للأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل غير أنها لا تحول دون ضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية، وتأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين.
ويهدف هذا المرسوم بقانون، إلى وضع الإطار القانوني الملائم لاتخاذ التدابير الناجمة عن حالة الطوارئ الصحية بمجموع التراب الوطني عند الاقتضاء، كلما كانت حياة الأشخاص وسلامتهم مهددة من جراء انتشار أمراض معدية أو وبائية، واقتضت الضرورة اتخاذ تدابير استعجالية لحمايتهم من هذه الأمراض.
ويتيح هذا المرسوم بقانون، اتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها هذه الحالة، خلال الفترة المحددة لذلك، بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية، أو بواسطة مناشير وبلاغات، من أجل التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض، وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص وضمان سلامتهم.
وبموجب هذا المرسوم بقانون، يعاقب كل شخص يخالف الأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية بهذا الشأن بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة تتراوح بين 300 و1300 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، وذلك دون الإخلال بالعقوبة الجنائية الأشد.
كما يخول هذا المرسوم بقانون للحكومة، إذا اقتضت الضرورة القصوى ذلك، أن تتخذ، بصفة استثنائية، أي إجراء ذي طابع اقتصادي أو مالي أو اجتماعي أو بيئي يكتسي صبغة الاستعجال، والذي من شأنه الإسهام، بكيفية مباشرة، في مواجهة الآثار السلبية المترتبة على إعلان حالة الطوارئ المذكورة.
وتقرر اعتماد الحكومة مرسوم بقانون رقم 2.20.293، متعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية بكامل التراب الوطني
لمواجهة فيروس كوفيد 19، وينص هذا المرسوم على التدابير التي تتخذها الحكومة لمنع الأشخاص من مغادرة مساكنهم والمحلات الاستثنائية التي يسمح لهم فيها بذلك. كما ينص على منع التجمهر أو التجمع أو اجتماع مجموعة من الأشخاص لأغراض غير مهنية.
واستند هذا المرسوم للإعلان عن حالة الطوارئ الصحية إلى اللوائح التنظيمية للصحة العالمية التي أصبح المغرب ملزم بها باعتباره عضو في منظمة الصحة العالمية و بموجب الظهير الشريف رقم 1.09.212 الصادر سنة 2009 المتعلق بنشر اللوائح الصحية الدولية ، كما استند على مقتضيات الفصل 21 الذي أكد على أن السلطة العمومية مسؤولة عن سلامة السكان وسلامة التراب الوطني مع ضرورة احترام الحريات والحقوق الأساسية أثناء ممارستها لمهامها.
II. ضمانات حقوق الإنسان في ظل حالة الطوارئ
لقانون الطوارئ أثر كبير على مدى احترام حقوق وحريات الأفراد التي كانت مصونة في ظل الظروف الاعتيادية، وقد أجازت المواثيق الدولية في ظل حالة الطوارئ تقييد بعض الحقوق كالحق في العمل والحق في الصحة والتعليم وحرية التنقل، و على عدم جواز تقييد بعض الحقوق كالحق في الحياة والحق في معاملة إنسانية.
والدول الأطراف ليست ملزمة فقط بالاعتراف بحقوق الأشخاص وحمايتها واحترامها، ولكن ملزمة أيضا بحماية وكفالة ممارسة تلك الحقوق والحريات بواسطة الضمانات التي يتم وضعها لحماية وكفالة تلك الحقوق والحريات.
1 – على المستوى العالمي
أباح القانون الدولي لحقوق الإنسان تقييد بعض الحقوق والحريات في ظل حالة الطوارئ كالحق في العمل والحق في التعليم وحرية التنقل واستحضرت حالة الضرورة والخطر العام لوضع استثناء على ممارسة هذه الحقوق والحريات والسماح بتقييدها. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 ، بعد إقراره بتلك الحقوق والحريات الأساسية، نص في المادة 29 منه على أنه “يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياتهم واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي”.
وفي هذا الإطار، أصدرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان تعليقها العام رقم 5 والذي عوضته بالتعليق العام رقم 29 لسنة 2001 المتعلق بحالات الطوارئ، حيث اعتبرت أن التدابير المخالفة لمقتضيات العهد طبقا للمادة 4 منه ينبغي أن تكون ذات طابع استثنائي ومؤقتة، حيث ينبغي أن تكون الوضعية تمثل خطرا عاما استثنائيا يهدد وجود الأمة أو الدولة الطرف التي ينبغي أن تعلن عن حالة الطوارئ بشكل رسمي، وفق ما ينص عليه الدستور والقوانين الوطنية المنظمة لممارسة السلطات الاستثنائية، والتي لا يمكن مواجهتها بالوسائل القانونية العادية، وذلك لوجود خطر عام شديد وطارئ.
وفي نفس السياق، فإن المادة 12 من العهد المذكور المتعلقة بحرية التنقل أباحت تقييد هذا الحق بنص القانون لأسباب ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم…، وهو ما زكته المادة 18 المتعلقة بالحق في حرية الفكر والوجدان والدين، والمادة 19 المتعلقة بالحق في حرية الرأي والتعبير، والمادة 21 المتعلقة بالحق في التجمع السلمي، والمادة 22 المتعلقة بحرية تكوين الجمعيات، وهي مواد جميعها أباحت للدول ممارسة قيود على حقوق الإنسان لأسباب ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم.
وتجدر الإشارة في الأخير إلى أن مرجعيات منظمة الصحة العالمية تستحضر هذا الأمر من خلال توجيهات اللوائح الصحية الدولية لسنة 2005، باعتبارها قانونا ملزما للدول الأعضاء في المنظمة وكذا الدول الأخرى الموافقة على هذه اللوائح التي تتضمن التزامات ترمي إلى الحيلولة دون انتشار المرض على الصعيد الدولي والحماية منه ومكافحته ومواجهته عبر اتخاذ تدابير في مجال الصحة العمومية على نحو يتناسب مع المخاطر المحتملة والمحدقة بالصحة العمومية والطوارئ المتعلقة بها.
2- على المستوى الوطني
أكد دستور 2011 في تصديره، بشكل صريح وواضح على ” جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو ، فور نشرها على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة.
إن دستور المملكة المغربية لسنة 2011 قد أسس لمجموعة من الحقوق التي لا يمكن التنازل عنها، منها الحق في الحياة والحق في السلامة والحق في الصحة والمنصوص عليهم تواليا في الفصول 20 و 21 و 31 منه، وهي حقوق منبثقة من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، هذه الحقوق التي لا يسوغ التنازل عنها، ونظرا لانتشار فيروس كورونا المستجد كوفيد 19 في المملكة المغربية، والذي صنفته منظمة الصحة العالمية كجائحة عالمية، وما له من آثار على تهديد الحقوق السالفة الذكر، أمر فرض السلطات المغربية التدخل لحمايتها – الحقوق – من هذا الطارئ العالمي، مستندة لمقتضيات الفصول 20 و 24 و81 من الدستور، واللوائح التنظيمية لمنظمة الصحة العالمية، وذلك بإصدار المرسوم بقانون رقم 2.20.292 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها.
إذا كانت المرجعيات الدولية تفيد أنه إذا كان من حق الناس أن يتمتعوا بحرية التنقل والتجمع والتعبير وممارسة أنشطتهم التجارية والاقتصادية في الظروف العادية، فإنه في حالات الخطر والاستثناء يمكن للسلطات العمومية الحد من هذه الحقوق بتدابير تقييدية ضرورية محدودة إما لضمان حماية دائمة لمصلحة قائمة أو لضمان حماية خاصة مؤقتة وظرفية في حالة استثنائية طارئة.
III. الإجراءات المتخذة لحماية حقوق الإنسان في ظل حالة الطوارئ
اتخذت معظم الدول إجراءات وتدابير استثنائية لمواجهة تفشي فيروس كورونا، كان أبرزها فرض حجر صحي وتقييد التنقلات إلا في حالات استثنائية وإغلاق المقاهي والمطاعم والفنادق .
1- على المستوى العالمي
شكل فيروس كوفيد 19 تهديدا عالميا للإنسانية جمعاء أكثر من أي وقت مضى، حيث ألقى بظلاله على وضع حقوق الإنسان في كل بقاع العالم. وفي محاولة لمحاصرة هذا الوباء اتخذت أغلب دول العالم إجراءات عديدة لمكافحة الفيروس والحد من انتشاره. تنوعت هذه الإجراءات بين إعلان حالة الطوارئ والتعبئة العامة وحظر التجول الجزئي أو الكلي، وأغلقت دول عديدة حدودها، وعلقت رحلات الطيران، وأغلقت المدارس والجامعات، ومنعت التجمعات العامة وأغلقت دور العبادة .
وفي هذا الإطار أكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في ملاحظاته الأخيرة بشأن COVID-19 على أنه “يجب على جميع البلدان تحقيق توازن دقيق بين حماية الصحة وتقليل الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية واحترام حقوق الإنسان . كما نادت مفوضة الأمم المتحدة العليا لحقوق الإنسان “ميشيل باشليه” الدول لاحترام دولة القانون رغم فيروس كورونا المستجد عبر الحد زمنيا من التدابير الاستثنائية تفاديا “لكارثة” على حقوق الإنسان وأعلنت باشليه في بيان أن “المساس بالحقوق مثل حرية التعبير قد يلحق ضررا كبيرا بالجهود لاحتواء وباء فيروس كورونا وآثاره الاجتماعية-الاقتصادية الجانبية السيئة ” .
2 – على المستوى الوطني
أعلنت السلطات المغربية، حالة الطوارئ الصحية في البلاد في 20 مارس، كوسيلة لإبقاء فيروس كورنا تحت السيطرة، وجرى تمديدها في البلاد شهرا إضافيا إلى 20 ماي، قبل أن يتم تمديدها لمدة 3 أسابيع انتهت في 10 يونيو.
وعلى صعيد الإجراءات المعمول بها في حالة الطوارئ فكان أبرزها حظر التجول والالتزام بالحجر الصحي وتقييد حق التنقل داخل التراب الوطني باستصدار وثيقة رسمية من لدن رجال وأعوان السلطة وفق الحالات التي تقرر العمل بها المادة الثانية من مرسوم 2.20.293 المتعلق بإعلان حالة الطوارئ. وأيضا حظر الرحلات البرية والجوية والبحرية وكذا حظر عودة المغاربة المقيمين في بلدان المهجر إلى ترابهم الوطني وحظر لجوء الأجانب المقيمين في المغرب إلى بلدانهم، هو حق مشروع وطنيا ودوليا وذلك لما فيه من مساس بسلامة الشعب وكذا تهديد لحوزة التراب الوطني استنادا للمقتضيات الدستورية والأحكام العامة لحالة الطوارئ الصحية. وغيرها من التدابير المرتبطة بإعلان حالة الطوارئ الصحية والتي كان من الواجب عليها اتخاذها كتدابير احترازية ضرورية لحماية المجتمع من مخاطر هذا الوباء. كما تم إغلاق المقاهي والمطاعم وكافة أماكن الترفيه وحظر جميع التجمعات العمومية، وإغلاق المساجد وكافة دور العبادة، ومنع التنقل بين المدن سواء عبر وسائل النقل العمومي أو الوسائل الخاصة. إلى غير ذلك من قيود.
و بالموازاة، اتخذت السلطات المغربية تدابير لضمان حقوق أساسية ضرورية للأفراد في ظل وجود حالة الطوارئ، والتي تهدف إلى ضمان أمن المجتمع وعيش الأفراد وصحتهم، من قبيل ضمان الحق في الحصول على العلاج للمرضى والمصابين، وتنظيم حرية التنقل لأسباب مهنية أو للتزود بالحاجيات الأساسية للمعيش اليومي أو من أجل العلاج واقتناء الأدوية وكل غاية ملحة أخرى، إضافة إلى العمل على توفير المواد الغذائية الأساسية والحيوية، والحفاظ على بعض الأنشطة التجارية والخدماتية الضرورية، ودعم الحصول على دخل استثنائي لفائدة بعض الأجراء وتعزيز الحماية الاجتماعية لهم ولأسرهم، وضمان الحق في الحصول على المعلومة الخاصة بالوضعية الوبائية، واتخاذ التدابير التوعوية والتحسيسية للوقاية من الوباء والحد من انتشاره.
خاتمة :
وختاما نستنتج أنه لا يمكن السيطرة على هذا الوباء إلا إذا كان هناك نهج شامل يحمي حقوق كل فرد في التمتع بالحياة والصحة. و على الرغم من أن حالة الطوارئ الصحية تشكل قيدا على ممارسة بعض الحقوق والحريات العامة، إلا أنها تعتبر وسيلة ناجعة لتفادي انتشار الأوبئة.
الهوامش:
– العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار 2200 المؤرخِ 16 دجنبر 1966، والذي دخل حيز النفاذ في 23 آذار/مارس 1976 وفقا للمادة 49 من العهد.
2 -https://www.ohchr.org/Documents/Publications/training9chapter16ar.pdf إقامة العدل أثناء حالة الطوارئ
3 – الاتفاقية الأوروبية لحماية ، اعتمدت في 1950 و دخلت حيز التنفيذ في 3 شتنبر 1953.
4- الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان تم اعتماده في 22 نونبر عام 1969 ودخل حيز التنفيذ في 18 يوليو 1978 .
5- الميثاق العربي لحقوق الإنسان، اعتمد من قبل القمة العربية السادسة عشرة، 23 ماي 2004.
6 – دستور 2011، نشر في الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر 2011، بمقتضى الظهير الشريف عدد 1 . 11.91 الصادر بتاريخ 29 يوليوز 2011، بتنفيذ نص الدستور.
7- .أعلن عن حالة الطوارئ يوم 19 مارس بواسطة إجراء إداري عن طريق بلاغ لوزارة الداخلية ورد فيه بأنه “حفاظا على صحة وسلامة المجتمع المغربي، وفي سياق التحلي بروح المسؤولية وروح التضامن الوطني، وبعد تسجيل بعض التطورات بشأن الفيروس تقرر إعلان حالة الطوارئ وتقييد الحركة في البلاد في 20مارس 2020.
8- مرسوم بقانون رقم 2.20.292 صادر في 28 رجب 1441 ( 23 مارس 2020) يتعلق بـ”سن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها”.
الجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر بتاريخ 29 رجب 1441( 24 مارس 2020).
9 – مرسوم رقم 293.20.2 صادر بتاريخ 29 من رجب 1441( 24 مارس 2020 )يتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا كوفيد 19.الجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر بتاريخ 29 رجب 1441( 24 مارس 2020.).
10 – الإعلان العالمي لحقوق الإنسان اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 217 ألف (د-3) المؤرخ في 10 دجنبر 1948.
11 -https://www.hrw.org/ar/