تنازع القوانين في المسؤولية التقصيرية الناتجة عن حوادث السير الدولي

19

تنازع القوانين في المسؤولية التقصيرية الناتجة عن حوادث السير الدولي

يوسف طلحة youssef.talha

طالب باحث في القانون الخاص ،سلك الدكتوراه  ،بجامعة محمد الخامس بالرباط ،كلية العلوم القانونية ولاقتصادية والاجتماعية ،سويسي.

البريد الالكتروني youssef.talhadroit@gmail.com

 

 

أدى  التطور الهائل الذي عرفه السير الدولي عبر الطرق منذ الحرب العالمية الثانية ، إلى التفكير في إنشاء نظام يمكّن من تنظيم وتسريع وثيرة السير عبر الحدود الدولية ،وهو ما تأتى من خلال اتفاقية جنيف بشأن  السير الدولي عبر الطرق ،بتاريخ 19شتنبر 1949،والتي صادق عليها المغرب بمقتضى ظهير8 دجنبر 1959[1].

وبمجرد ازدهار حركة السير البرية عبر الحدود الدولية ،وما واكبها من حوادث خلفت عدة ضحايا مما طرح إشكالية تعويض هؤلاء الضحايا الوطنين، من جراء حواد السير التي تسببها السيارات الأجنبية، مما أدى بالدول لعقد اتفاقيات لمعالجة هذه الإشكاليات ،ونظرا لكون موضوع التأمين وتعويض الضحايا ذو أهمية كبيرة لدى الدول الأوروبية لكونه يرتبط بجانب اجتماعي اولا، متمثل في حقوق ضحايا هذه الحوادث وما تخلفه من أثار اجتماعيه ، واقتصادي ثانيا، من خلال تسهيل التنقل بالعربات ذات المحرك واما يرتبه من انتعاش اقتصادي، بادرت اللجنة الاقتصادية لأروبا، من خلال اللجنة الفرعية للنقل البري إلى عقد اجتماعات كان أولها 25 يناير 1949[2]،تمخض عنه إصدار توصية جنيف رقم 5من طـرف منظمة الأمم المتـحدة استلـهمت قواعـدها من تجربة النظام الذي كـان متداولا خلال الثلاثينيـات بين بعض بلدان أروبا الشماليـة[3]،وتعاقبت هذه الاجتماعات لتنتهي في اوائل 1952وبمؤتمر لندن الذي ضم المؤمنين الأوربيون والانجليز، إلى خلق البطاقة الدولية لتأمين [4]،وبذلك استطاع المؤتمر المذكور حل إشكالية التأمين وتعويض الضحايا ،بالاعتماد على نظام البطاقة الدولية للتأمين المعروف بالبطاقة الخضراء ويسعى هذا النظام إلى تحقيق هدفين أساسيين :

أولهما :تسهيل وتيسير حركة سير السيارات عبر الحدود الدولية عن طريق استعمال وثيقة موحدة ومعترف بها دوليا كوثيقة تثبت توفر التأمين الإلزامي ،وتفادي الإجراءات الجمركية المعقدة .

ثانيهما “ضمان حقوق ضحايا حوادث السير أو ذويهم التي تتسبب فيها سيارات أجنبية ،وتفادي ضياع حقهم في التعويضات المستحقة [5].

وإلى جانب هذا النظام يتبنى المغرب نظام دولي أخر المتمثل في البطاقة البرتقالية بادر مجلس الوحدة الاقتصادية التابع لجامعة الدول العربية إلى خلق ما يسمى بالبطاقة العربية الدولية لتأمين على السيارات ،وسميت بالبطاقة البرتقالية لشكلها البرتقالي على غرار البطاقة الخضراء ،وهكذا تم التوقيع على اتفاقيه بطاقة التأمين الموحدة عن سير السيارات عبر البلاد العربية بتونس بتاريخ 26أبريل 1975من قبل أكثر من 23 دولة عربية وإفريقية،من بينها المغرب ،الذي عمل على نشر هذه الاتفاقية بمقتضى ظهير 19 شتنبر1977[6].

،ونظام داخلي في حال عدم توفر هذه الأنظمة وهو تأمين الحدود تطبيقا لمقتضيات الفصل الثامن والتاسع من ظهير 20أكتوبر 1969،صدر القرار الوزاري المؤرخ في 21أكتوبر 1969 المعدل بقرار 26 يوليوز 1970،وقرار13يوليوز 1973المتعلق بتأمين المرور عبر الحدود المغربية ليقضي بان العربة ذات المحرك التي تعبر الحدود المغربية والغير المحصلة  على إحدى وثائق التامين الدولية (البطاقة الخضراء او البطاقة البرتقالية )،يجب لكي تنفذ الإلتزام بالتأمين الإجباري على المسؤولية المدنية الناتجة عن حوادث السيرالمنصوص عليه في التشريع الوطني الجاري به العمل يجب ان تعقد في الحدود نفسها تامينا يدعى تامين المرور عبر الحدود ،وتطرقت اليه مدونة التأمينات الجديدة في المادة 121في فقرتها الأخيرة بنصها :”…في عدم الإدلاء بإحدى البطاقات الواردة أعلاه،يجب على الأشخاص المشار إليهم في الفقرة السابقة من هذه المادة أن يكتتبوا بحدود المملكة عقدا لتأمين تحدد شروط اكتتابه بنص تنظيمي”.

يجب على سائق لمركبة أجنبية فوق التراب الوطني مراعاة المقتضيات الأمرة في القانون المغربي وفق قواعد الأمن والسلامة ، فلا يمكن للأجنبي أن يسوق سيارته فوق التراب الوطني ، إلا بتوفره على رخصة السياقة صالحة لسر الدولي [7]،  وتوفره على إحدى أنظمة التأمين الدولي  أو الداخلي المتمثل لدى هذا النوع  في تأمين الحدود، وذلك لضمان مسؤولية التقصيرية أثناء وقوع الحادث .

وهذا الوضع يطرح اشكاليات كبرى من قبيل مدى فعالية انظمة التأمين الدولي في تعويض ضحايا حوادث السير الدولي ،وكيف يتعامل القضاء الوطني مع هذه الانظمة الدولية للتأمين ،وماهو القانون الواجب التطبيق على هذه الحوادث واشكالياته ،وهذا الاشكال الأخير هو موضوعنا ،والذي سنحاول معالجته من خلال محورين :

المحور الاول :القاعدة تطبيق القانون المحلي في  التشريع المغربي

المحور الثاني : حوادث السير المستثناة من قاعدة تطبيق قانون محل وقوع حادث السير

 

 

 

 

 

 

المحور الاول : القاعدة تطبيق القانون المحلي في  التشريع المغربي

تخضع جميع الحوادث التي تقع فوق التراب الوطني مبدئيا للقانون المغربي ،وذلك بموجب المادة 16 من ظهير الوضعية المدنية للفرنسين والأجانب ،بالإضافة لمقتضيات الاتفاقيات الدولية ،التي نهجت نفس المنهج من حيث الأساس القانوني لخضوع حوادث السير الدولي للقانون المحلي، وبالتالي فالحوادث المرتكبة من طرف السيارات ذات الترقيم الأجنبي والمستوفي صاحبها التأمين الإجباري، من خلال توفره على بطاقة التأمين الدولية المعروفة بالبطاقة الخضراء ،تخضع للمقتضيات الداخلية بالتشريع المغربي من حيث التعويض وطرق رفع الدعوى والجهة القضائية المختصة ،والتقادم وغيرها من المقتضيات التي تضمنها ظهير 2اكتوبر 1984الخاص بتعويض المصابين في حوادث تتسبب فيها عربات برية ذات محرك ،وقبل ذلك لابد من توفر الشروط القانونية لسير فوق التراب الوطني .

أولا : خضوع المسؤولية التقصيرية الناشئة عن حوادث السير الدولي لقانون الدولة التي ارتكب فيها الحادث ،واستثناءاتها .

استقرت أغلب التشريعات ومعها الفقه على أن المسؤولية التقصيرية المدنية باعتبارها خرقا للقانون المحلي ولقواعد السلوك والتعايش في المجتمع  تخضع لقانون الدولة التي وقعت فيها الحادثة المنشئة للالتزام ،كالتشريع المصري والفرنسي والايطالي واليباني والتركي ….،وذلك لأن المحكمة التي تنظر في المسؤولية التقصيرية تلزم الفاعل بدفع التعويض لجبر الضرر الحاصل ماديا وتقدرها حسب الظروف المحلية السائدة في بلد الحادث ،كما هو الحال بالنسبة لحوادث السير[8]،فما هو الاساس القانوني في التشريع المغربي ،والاتفاقيات الدولية لإخضاع المسؤولية التقصيرية الناتجة عن حوادث السير الدولي للقانون المغربي ؟

أولا : الاساس القا نوني

تستمد هذه القاعدة مشروعيتها القانونية من التشريع الداخلي ،والتشريع الدولي ، نظرا لطبيعة  المختلطة لهذا النظام الدولي للتأمين .

1ـ الاساس القانوني في التشريع المغربي

كل الحوادث التي تجري في المغرب تخضع للقانون المغربي تطبيقا لقاعدة الجرائم وأشباه الجرائم تخضع لمكان وقوعها [9]،ومن ثم يقضي الفصل السادس عشر من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالوضعية المدنية للفرنسين والاجانب بأن الالتزامات  الناشئة عن جريمة او شبهها الواقعة فوق التراب المغربي تخضع للقانون المغربي ،وهذايعني أن جميع العناصر المحددة للمسؤولية المدنيةوللتعويض عن الضرر في مجال حوادث السير تخضع لقانون المغربي ،ومن ثم فإن العربة الأجنبية والتي تحمل تأمينا دوليا متمثل في البطاقة الخضراء او البرتقالية أو تامينا وطنيا ،والتي يرتكب صاحبها حادثة بالمغرب تخضع لمقتضيات التشريع المغربي، خصوصا ظهير2اكتوبر 1984 المتعلق بالتعويض المصابين في حوادث السير، وهو ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف بباريس في قرارها الصادر بتاريخ 21 مارس 1995في شأن حادثة سير وقعت بالمغرب والضحية طالب التعويض لدى المحاكم الفرنسية ،فصرحت بأن القانون الواجب التطبيق هو ظهير 2 ـ 10 ـ 1984 المتعلق بتعويض المصابين في حوادث السير[10]فالمقتضيات المتعلقة بالمسؤولية التقصيرية من ضرر وخطا وعلاقة سببية وتقدير العجر والاستثناءات من الضمان وقواعد تشطير المسؤولية هي الواجبة التطبيق لا غير وفقا لظهير المذكور ،وتطبيقا للفصل 16 من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالوضعية المدنية للفرنسين والاجانب، والمادة 28 من ق.م.م التي جاء في فقراتها” تقام الدعاوى خلافا للفصل السابق أمام المحاكم التالية …في دعاوى التأمين …..امام محكمة المحل الذي وقع فيه الفعل المسبب لضرر” فبالإضافة لمادة 16  السابقة الذكر من ظ.و.م.ل تحدد المادة 28 من ق.م.م الجهة القضائية المختصة للبث في دعاوى حوادث السير بصفة عامة .

هذا فيما يخص المسؤولية التقصيرية ،أما المسؤولية التعاقدية تخضع حسب مقتضيات الفصل 13 من ظ.و.م.ل لقانون الذي اتفق الطرفان صراحة او ضمنا على تطبيقه، فيكون عقد التأمين الاجنبي الذي يخضع في جميع مقتضياته الى القانون الأجنبي الذي غالبا ما يكون قانون مكان وجود المؤمن ،ولذلك إذا وقعت حادثة سيرمن طرف اجانب بالمغرب فإن القانون المغربي أو الأجنبي هو المطبق حسبما إذا كانت الدعوى مؤسسة على المسؤولية التقصيرية أو على المسؤولية التعاقدية[11]، وعندما يدخل المؤمن ليحل محل المسؤول عن الحادث فإن علاقة هذا المسؤول بالمؤمن يحددها عقد التأمين ،مع عين أخذ بعين الاعتبار ما ورد باتفاقية  بالبطاقة الخضراء ،والبطاقة البرتقالية ،بحيث تضمن الحد الأدنى من الضمان .

2:الاساس القانوني في الاتفاقيات الدولية

بالرجوع للمادة الأولى من الاتفاقية النموذجية فيما بين المكاتب نجدها تجسد قاعدة خضوع المسؤولية التقصيرية لقانون مكان وقوع الحادث  بنصها أثناء تعريف المصطلحات الأساسية على ما يلي  “…”مطالبة” تعني المطالبة بالتعويض الذي يجب أن يشمله التأمين ،حسب قانون البلد الذي وقعت فيه الحادثة ”

وعلى هذا النحو سار التشريع العربي في إتفاقية بطاقة التأمين الموحدة عن سير السيارات عبر البلاد العربية (البطاقة البرتقالية )ونصت في مادتها الثانية على ما يلي “يكون تعويض الحوادث الناجمة عن السيارات طبقا للشروط وبالأوضاع التي يقررها قانون التأمين الإجباري في الدول التي يقع فيها الحادث”

وعلى العموم ، فإن الاعتبارات وراء اعتماد القانون المحلي لمكان وقوع الحادث بحكم أثار المسؤولية نجدها تتوزع بين اعتبارات قانونية يجسدها مبدأ الإقليمية ،فالأصل في تطبيق القوانين هو الاقليمية ،بحيث أن القانون الذي تصدره الدولة يسري فوق اقليما على الاشخاص والاموال والوقائع والاعمال النافعة والضارة.

والاعتبارات الموضوعية تتجسد في كون القانون المحلي يعتبر اكثر ملائمة مع الوقائع الناتجة عن المسؤولية لتقصيرية ،بحيث يضمن توقعات الأطراف في تحديد القانون الواجب التطبيق وأثاره، والتوازن بين حقوق الافراد وبين المصالح المحمية قانونا ، وضمان الحياد بحيث لا يلجأ لتحديد القانون الواجب التطبيق لاعتبارات موضوعية كجنسية الأطراف أومحل الإقامة [12].

وينتج عن تطبيق القانون المحلي لوقوع الحادث عدة نتائج ذات أهمية كبيرة، في حماية ضحايا حوادث العربات ذات التأمين الدولي تتجلى فيما يلي :

ـ الاستفادة من تطبيق قانون الضحية، الذي هو القانون المغربي ،والذي يوفر الحد الأدنى من الضمانات للحصول على التعويض من خلال الدعوى المدنية ،أو الدعوى المدنية التابعة.

ـ تطبيق القانون الوطني يمكن الضحية من سهولة التعرف على المساطر القانونية لحماية حقه في التعويض .

ـاستقلالية الضمان الذي توفره البطاقة الخضراء ،عن العقد الأصلي مما يجعل دفوعات المؤمن له من بطلان العقد الأصلي ،أو انعدام الضمان لعدم دفع الأقساط وغيرها من الدفوعات تكون باطلة ،لكون البطاقة الخضراء تخلق التزامات مستقلة ،ووضعية قانونية جديدة[13].

ـ تطبيق القانون المحلي يدفع الدفوع بانعدام الضمان المستمدة من القوانين الأجنبية ،والتي لا يمكن مواجهة الضحايا بها في التشريع الوطني ،وكذلك الدفوع بتحديد السقف بالضمان لكون المشرع المغربي لا يحدد سقف الضمان إلا عن طريق جداول حسابية مبنية على قواعد مادية كدخل الضحية ،والسن …،وغيرها من الدفوع بإنعدام الضمان  التي تثيرها شركات التامين الأجنبية بواسطة المكتب المركزي المغربي ، فتطبيق القانون المغربي في  التعويض عن حوادث السير الدولية  يتطلب فقط وجود بطاقة تأمين دولية صالحة وهذا ما ذهب إليه القضاء المغربي في عدة قرارات صادرة عن المجلس الأعلى محكمة النقض حاليا ،كالقرار الصادر عن المجلس الأعلى(م.ن.ح) قرار عدد 1783 بتاريخ 31/05/2006 الذي جاء في مضمونه أنه لايمكن  لسيارة مسجلة خارج المغرب أن تعتبر موفيا بواجب التأمين إلا إذا كان يحمل بطاقة التأمين الدولية او مكتتب لعقد التأمين عبر الحدود ،فلا يمكن التصريح بوجود الضمان بالاستناد إلى وثيقة تأمين محلية تخص الضمان داخل دولة أجنبية [14]“.

 

 

 

 

 

المحور الثاني : حوادث السير المستثناة من قاعدة تطبيق قانون محل وقوع حادث السير

يعطي تطبيق قانون محل وقوع الفعل الضار امتيازات كبرى للمتضرر من أهمها معرفة حقوقه التي يضمنها القانون ،والمحكمة المختصة ،تتبع الدعوى حتى صدور الحكم ،وكذلك تدخل عدة مؤسسات في التأمين الدولي ضد حوادث السر ومن أهما المكتب المركزي المغربي لشركات التأمين ضد حوادث السير الذي يوجد مركزه الاجتماعي حاليا بالدار البيضاء.

إلا ان لهذه القاعدة استثناءات قانونية وأخرى ارادية لا بد من التطرق لها  .

ـ دور الأطراف في تحديد القانون الواجب التطبيق وحدودها

بالرغم من أن القاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية الناتجة عن  حوادث السير الدولي تقضي تطبيق قانون مكان الحادث ،فإن اتجاهات أخرى تقضي بتطبيق قوانين أخر كما سنبين في حوادث السير التي يرتكبها الدبلوماسيين سواء بسيارات ذات ترقيم أجنبي أو وطني ،وهناك اتجاهات تعطي للإرادة حق اختيار القانون الواجب التطبيق  على المسؤولية التقصيرية الناتجة عن حوادث السير الدولي ومن مثيلتها القانون السويسري الصادر عام 1987 الذي نص في مادته 132على أنه يجوز للأطراف بعد وقوع الفعل الضار الاتفاق في أي لحظة على تطبيق قانون القاضي [15].

إلا أن هذا الاختيار مقرون بشروط نظرا لصوبة اتفاق الاطراف مسبقا في ما يتعلق بالمسؤولية التقصيرية الناتجة عان حوادث السير لاستحالة ذلك منطقيا وتتمثل في :

1ـ أن يتم الاتفاق بعد وقوع الفعل الضار

2ـ أن يكون القانون المختار قانون القاضي وليس قانونا أخر

3ـ سماح القوانين الاجرائية بهذه الامكانية .

وهذه المكنة بالرغم من عدم وجودها في التشريع المغربي إلا أنه تلعب الارادة دورا مهما في تحديد القانون الواجب التطبيق في عقود التأمين الدولي وغيرها من العقود وهو ما نصت عليه المادة 13 من ظهير الوضعية المدنية للأجانب  كرسه القضاء في القرار الصادر عن المجلس الاعلى بتاريخ 26 شتنبر 1975في الحكم المدني عدد 223 حينما اعتبر بأن “تعبير الطرفين صراحة في عقد التأمين المبرم بينهما في رغبتهما في تطبيق القانون المغربي على النزاع القائم حول المسؤولية  يجعل هذا القانون واجب التطبيق  حتى ولو نشأ الحادث ( الخطر المؤمن عليه)المرتب للمسؤولية في دولة أجنبية [16]“.

ـ  القانون الواجب  التطبيق على حوادث السير التي يرتكبها الدبلوماسيين

           يعد الاستثناء في قاعدة خضوع المسؤولية التقصيرية الناتجة عن حوادث السير للعربات عموما والاجنبية خصوصا لقانون محل وقوع الحادث تتجسد في  الحوادث التي يرتكبها الدبلوماسيين أمام طغيان العرف والمعاملة بالمثل وانضمام المغرب لاتفاقية فينا المؤرخة في 18 ابريل 1961 الخاصة بالحصانة الدبلوماسية تبقى الهيئات الدبلوماسية متمتعة بالحصانة القضائية في مواجهة القضاء الوطني فلا تخضع لقضاء المحاكم الوطنية جميع المنازعات التي تكون طرفا إلا إذا قبلت من تلقاء نفسها.

وثير الحصانة الدبلوماسية إشكالات كبيرة في مجال حوادث السير يمكن تلخيصها فيما يلي :

ـ رغم قيام الدول عادة بتأمين الإجباري للسيارات ،يمكن استعمال الحق في استثناء التامين الإجباري لكون عدم وجود نص ملزم بإكتاب تامين .

ـوحتي في وجود تامين يبقى مشكل الحصانة مطروحا بالنسبة للمتضررين من حوادث هذه العربات ذلك أنه لكي يتمكن المتضرر من الحصول على التعويضات يجب أن يرفع دعواه المدنية بالمسؤولية، أو يتدخل طرفا مدنيا في الدعوى الزجرية ،ولا يمكن تصور وجود الحالتين معا لعدم إمكانية مقاضاة المتمتعين بالحصانة الدبلوماسية إلا أمام محاكمهم الوطنية [17]،وذلك تطبيقا لاتفاقية فيينا المؤرخة في 18 ابريل 1961 والمنشورة بمقتضى ظهير 14 يوليوز 1969،وهذا ما يذهب إليه العمل القضائي المغربي فقدا ذهبت المحكمة الابتدائية للعيون في حكم رقم 457/05 الصادر بتاريخ 28 دجنبر 2005 للقول “…وحيث أن الثابت من خلال الصور المدلى بها لمحضر الحادثة ان المتسبب في الحادثة هو السيد (أ.ع)السعودي الجنسية الذي يعمل لدى السفارة السعودية كسائق ،وان العربة ملكيتها في اسم الامير وزير الداخلية السعودي .

وحيث يكون المتسبب في الحادثة له صفة دبلوماسي مدام سعودي الجنسية ويشتغل بالسفارة السعودية

وحيث ان الفصل 31 من اتفاقية فيينا تنص على ان الدبلوماسي يتمتع بالحصانة القضائية في ما يتعلق بالقضاء الجنائي والمدني والإداري …

وحيث انطلاقا من الفصل اعلاه فإن المسبب في الحادثة واعتبار لكونه من البعثة الدبلوماسية يتمتع بالحصانة المشار اليها في الفصل 31 اعلاه من الاتفاقية المذكورة فإنه يعفى من القضاء المدني المغربي ….لهذه الاسبات ،حكمت المحكمة بجلستها العلنية ابتدائيا وحضوريا :

بعدم اختصاص القضاء المغربي للبت في القضية وجعل الصائر على رافع الدعوى …[18]

من خلال هذا الحكم يبقى ضحايا حوادث السير المتسبب فيها العربات الدبلوماسية بدون حماية امام القضاء الوطني ،فلابد للحصول على التعويض اللجوء لمحاكم موطن المتسبب في الحادث وهذا امر في غالب الاحيان يبقى مستحيلا ،لذلك يمكن القول ان هؤلاء ضحايا من الدرجة الممتازة لكونهم يتضررون من حوادث تسببها جهات أعلى في الهرم السياسي لدولة أجنبية فوق التراب الوطني ،ولا يمكنهم مقاضاتهم إلا أمام محاكمهم الأجنبية ،وهو نفس العارض حتى ولو رغب في رفع دعواه ضد المؤمن مباشرة [19].

ولتفادي هذه الإشكاليات فإن المقترحات التي أدلى بها الفقه لا تخرج عن نطاق ما يلي[20] :

ـ تنازل الدول عن الحصانة القضائية حسب مقتضيات الفصل 32 من اتفاقية فيينا بخصوص مسألة المطالبة بالتعويض عن حوادث السير، نظرا لطابع الاجتماعي والحمائي لهذه التعويضات .

ـ قبول الدعوى المباشرة ضد شركة التأمين دون إدخال المؤمن له المتمتع بالحصانة الدبلوماسية ،وإجراء صلح دون رفع دعوى .

ـ تحديد جهة في دولة محل وجود الهيئة الدبلوماسية لتعويض الضحايا

ـ إبرام تأمين إجباري من طرف الدولة محل تواجد الهيئة الدبلوماسية، وتكلفها بالتعويض عوض دولة التي تنتمي إليها الهيئة الدبلوماسية .

فقط، وأنه على فرض أن المتهم كان يتوفر على شهادة دولية فإن مدة صلاحيتها قد انتهت قبل ارتكاب الحادث[21]“.

إن تحديد القانون الواجب التطبيق على حوادث السير الدولي له أهمية كبرى لذى المتضرر من هذه الحوادث ،وبالتالي فإن تطبيق القانون المحلي لوقوع الضرر يسهل عملية الحصول على التعويضات خصوصا مع وجود أنظمة متدخلة في تفعيل تسهيل ذلك ومن أهما اليات التأمين الدولي والمكاتب المركزية المحدثة لهذا الغرض .

ـ أنظر الجريدة الرسمية عدد 2467 بتاريخ 05 ـ 02 ـ 1960 الصفحة 366. [1]

[2] :M.Picard et A.Bession:Les Assurances Terrestres ,Tome premier LE Contrat D’Assurance, paris libraire Générale de droit et de jurisprudence 20 ,rue Soufflot5e.p.675.

[3]ـ مصطفى الوصبي وحسن بن شريف وهشام ملاطي ومحمد إيديكن : نظام بطاقة التأمين الدولية “البطاقة الخضراء” :منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية يوليوز2011،الصفحة 12.

ـ إدريس الضحاك الوجيز في حوادث السير،التأمين الإجباري على السيارات الطبعة التانية  ،الصفحة191 .[4]

ـ مصطفى الوصبي وحسن بن شريف وهشام ملاطي ومحمد إيديكن : نظام بطاقة التأمين الدولية “البطاقة الخضراء” مرجع سابق ،ص 12.[5]

ـ الجريدة الرسمية ،عدد 3403 بتاريخ 18 يناير 1978.[6]

ـ للإطلاع على هذه الانواع والبينات التي يجب ان تتضمنها رخصة السياقة الدولية،أنظر الملحق 8 من أتفاقية جنيف الخاصة بالسير الدولي .[7]

ـ غالب علي الداودي :القانون الدولي الخاص تنازع القوانين ،دار  التفافة للنشر عمان ،ط2011، الصفحة 231.[8]

ـ ادريس الضحاك : مرجع سابق ،الصفحة 181.[9]

ـ  قرار محكمة الاستئناف بباريس صادر بتاريخ 21 مارس 1995،الغرفة  17  قسم 1، منشور بمجلة المحامون عدد5،الصفحة 65.[10]

ـ ادريس الضحاك : مرجع سابق ، ص 183.[11]

ـ الحسن الملكي : تنازع القوانين في مجال الضمان ،اطروحة دكتوراه ،جامعة القاضي عياض كلية الحقوق مراكش20111.2010،الصفحة 318.[12]

ـ ادريس الضحاك : مرجع سابق ،الصفحة 197[13]

ـ  قرار عدد1788 في ملف مدني عدد 1167/1/5/2004 بتاريخ 31/05/2006 منشور في مؤلف نظام بطاقة التأمين الدولية ،مرجع سابق ،ص 78ومايلها .[14]

15:خليل ابراهيم محمد،تنازع القوانين في المسؤولية التقصيرية الناتجة عن حوادث السير دراسة مقارنة ،مجلة الرافدين للحوق مجلد9 السنة 12عدد32سنة2007،ص107 ومايليها.[15]

ـ منشور بالمجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد ،تصدرها كلية الحقوق بالرباط ،النصف الاول من سنة 1979 ،ص:123أورده الحسن المالكي في اطروحته ،ص،51ا[16]

ـ ادريس الضحاك :مرجع سابق الصفحة 186ـ187[17]

ـ  حكم رقم 457/05 الصادر يوم 28/12/2005، في ملف رقم 535/04 منشور بمجلة الملف عدد 11أكتوبر 2007.[18]

ـ ادريس  الضحاك : مرجع سابق ،الصفحة  187.[19]

ـ ادرس الضحاك : مرجع سابق ،الصفحة 187.[20]

[21]ـ منشور في قرارات المجلس الأعلى :أهم القرارات الصادرة في المادة الجنائية الجزء الأول ،بمناسبة الذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى 2007،الصفحة 92.