19

 

الثوابت والمرجعيات المؤطرة للعمل الدبلوماسي المغربي

زكرياء لعروسي

طالب باحث بسلك الدكتوراه في القانون الدولي العام والعلوم السياسية

 

تستمد كل دولة شرعيتها من التراكمات التاريخية والحضارية، حيث يكون لها من العراقة ما يحدد هويتها المشتركة، التي تعمل على تحصينها من خلال نظامها القانوني الداخلي، وتحمل التزامات دولية لا تتعارض بشكل أو بآخر مع الهوية الوطنية. حيث تصبح الهوية والمرجعيات موجها أساسيا للسلوك الدبلوماسي، لكل دولة تتمتع بالسيادة.

ويعتبر المغرب من أبرز نماذج الدول التي استطاعت أن توازن بين هويتها الوطنية، والتزاماتها الدولية، باعتباره العضو النشيط في مختلف المنظمات الدولية، والحليف الاستراتيجي لمختلف الدول والتكتلات الإقليمية، الذي تمكن، بفضل تنويع شراكاته، من كسب ثقة المنتظم الدولي.

ورغم ذلك حافظ المغرب على هويته وثوابته، وحصنها من أي التزام دولي، قد يؤثر على المدركات الجماعية للمغاربة، والتعاقدات الدينية والأخلاقية داخل الدولة، حيث تحفظ المغرب على مجموعة من الأحكام التي تتعارض مع هويته أو تمس بسيادته.

ويرتكز المغرب في ممارسته السياسية –الداخلية و الخارجية- على مجموعة من الثوابت التي نصت عليها مختلف الدساتير المتعاقبة، وقد نص الفصل الأول من الدستور على ما يلي: ” … تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي…”.

لقد شكلت هذه الثوابت الوطنية، على الدوام، الموجه للسياسات العمومية بالمغرب، والمتحكم في علاقات التأثير والتأثُر بين مختلف الفرقاء السياسيين، والمحدد الأول لتوجهات السياسية الخارجية، والضابط لدينامية الدبلوماسية المغربية داخل المنتظم الدولي.

ومن هذا المنطلق، تعتبر الثوابت  والمرجعيات المغربية، مفتاحا لفهم توجهات السياسة الخارجية، واستشراف مستقبل العلاقات التي تجمع المغرب بمختلف الشركاء الدوليين، بل وشكلت المفتاح الذي مكن من الانفتاح على مختلف الفضاءات الدولية، وضمن للمغرب الاستمرار فيها (إفريقيا على الخصوص).

الثوابت هي التي تعكس الهوية، وهي التي تعبر عن المبادئ، والمحافظ على الأصالة والخصوصية والمزيد من الاستقلالية مع القدرة على التواصل.

ويرتبط الحديث عن الثوابت الوطنية بالثقافة المغربية، فهو في الواقع حديث عن أنماط ثقافية متعددة ومتنوعة، مؤلفة لنسيج ثقافي موحد، يميز المغرب، سواء من حيث مرجعيته، أو تركيبة مجتمعه ومكوناته السوسيو-ثقافية، حيث اتسمت على مر القرون، في إطار الهوية الإفريقية العربية والعقيدة الإسلامية، بسمات وخصائص متميزة.[1]

وهو ما يدفع إلى طرح الإشكالية التالية، إلى أي حد تمكنت المرجعيات والثوابت الجامعة للأمة من بناء وتأطير الممارسة الدبلوماسية المغربية؟

وستتم الإجابة عن هذه الإشكالية، بالاعتماد على المنهج التحليلي الوصفي، بمقترب قانوني، ووفق التصميم التالي:

المطلب الأول:الثوابت الجامعة للأمة

المطلب الثاني: المرجعيات الدولية

 

 

المطلب الأول:الثوابت الجامعة للأمة

حصر الدستور المغربي الجديد الثوابت الجامعة للأمة، في الدين الإسلامي والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، ثم الاختيار الديمقراطي، فجعلها الموجه الذي تستند عليه الأمة في حياتها العامة.[2] ومن خلال منطوق النص الدستوري وسياقه، يُفهم من الحياة العامة أنها شؤون السياستين الداخلية والخارجية، من تشريع -وطني ودولي- وقضاء، إلى تدبير هياكل الدولة ومؤسساتها، وصولا إلى الأعراف والمعتقدات التي تُؤثر وتتأثر بتلكم الثوابت.

ويبقى المرتكز الهام الذي تستمد منه هذه الثوابت شرعيتها، هو التاريخ المغربي الممتد لقرون عديدة، وتشبث مختلف الثقافات المكونة للمجتمع المغربي بهذا الإرث التاريخي والحضاري المشترك، والذي يعتبر الموجه الأساسي للسلوك الدبلوماسي للدولة عند تحمل الالتزامات الدولية.

حيث سيتم التطرق في هذا المطلب إلى المؤسسة الملكية في الفرع الأول، على أن يتم الحديث عن الهويات الوطنية الراسخة الأخرى في الفرع الثاني.

الفرع الأول:المؤسسة الملكية

يعتبر النظام السياسي المغربي، القائم على ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية، محط إجماع وطني، تم التعبير عنه بالتصويت على دستور 2011، الذي كرس مبدأ الملكية المواطنة كما جاء في الخطاب الملكي ل9 مارس2011.

وينص الفصل الأول من الدستور المغربي على أن نظام الحكم بالمغرب، نظام ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية.[3] إذ لا يمكن فهم النظام الملكي دون الرجوع إلى ثقله التاريخي وتراكماته السياسية، حيث يتميز باكتسابه للمشروعية التاريخية والدينية، ومن حضوره في كل المنعطفات والتحولات التي عرفها المغرب في مختلف الحقب التاريخية. فالمغرب من الدول القلائل التي لم تعرف قطيعة مع التاريخ، والتي لها جذور عميقة تمتد إلى ما قبل القرن الثامن ميلادي.[4]

إن ما يميز تاريخ الدولة المخزنية، كونها تقوم على أساس الشرعية الدينية الشريفية من خلال الانتساب للشجرة النبوية، وارتكازها على مؤسسة البيعة التي بموجبها يتم تولية السلطان عن طريق أهل الحل والعقد، على كافة عامة المسلمين، وعلى مؤسسة المخزن السلطاني. وهكذا، فالسلطان في التاريخ السياسي المغربي هو الإمام، الذي يعمل على حراسة الدين والسهر على الشؤون الدنيوية.[5]

ويمارس الملك في المغرب السلطة العليا والحكم الأسمى بين المؤسسات (وفق الفصل 42 من الدستور)[6]، ويمارس نفس الدور الذي كان يمارسه السلطان تاريخيا في النظام السياسي المغربي، على الصعيدين الديني والدنيوي.

وهذا يعني أن اعتبار الملك أميرا للمؤمنين يدخل في إطار استمرارية التقاليد السياسية المغربية الموروثة، والتي تجد أصولها في القانون الإسلامي، وفي الأعراف السياسية المغربية.[7]

يعتبر الملك في النظام السياسي المغربي، وفق الدستور، الممثل الدبلوماسي الأول للدولة، حيث نص الفصل 42 من دستور 2011 على أن: الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمراريتها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة.

ويفهم من منطوق النص – دبلوماسيا-أن الملك في المغرب هو رأس هرم التمثيل الدبلوماسي المغربي، والموجه له، حيث يتمتع الملك بصلاحية اعتماد السفراء لدى الدول الأجنبية والمنظمات الدولية، ولديه يعتمد السفراء وممثلو المنظمات الدولية.[8] ويتم تعيين السفراء، باقتراح من رئيس الحكومة، داخل المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك.

وفي ما يتعلق بمجال إبرام المعاهدات الدولية، الذي يعتبر من مستجدات الوثيقة الدستورية، فلا زالت القاعدة العامة هي توقيع الملك على المعاهدات و المصادقة عليها، إلا إذا تعلق الأمر بمعاهدات السلم أو الاتحاد، أو التي تهم رسم الحدود، و معاهدات التجارة، أو تلك التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة، أو يستلزم تطبيقها اتخاذ تدابير تشريعية، أو تتعلق بحقوق و حريات المواطنين والمواطنات، العامة والخاصة، حيث يصادق بعد الموافقة عليها بقانون.

وخلاصة القول، يحتل الملك مركز الصدارة في صناعة القرار، وهي خصوصية تتميز بها جميع الأنظمة السياسية، على اختلاف تسمياتها ومسمياتها، وتعتبر المؤسسة الملكية في المغرب هي المؤسسة المحورية الضابطة لصناعة القرار الخارجي، بحكم وجودها في أعلى هرم السلطة. حيث يعتبر شخص الملك قلب النظام السياسي المغربي[9]، عن طريق السلطات الدستورية المخولة له (تنفيذيا و تشريعيا و قضائيا).

الفرع الثاني:الثوابت الوطنية الأخرى

ينص الفصل الأول من الدستور في فقرته الثالثة على ما يلي: ” تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي”.

وسيتم التطرق في هذا الفرع إلى الدين الإسلامي (الفقرة الأولى) والوحدة الوطنية متعددة الروافد (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى:الدين الإسلامي

يعتبر الإسلام الدين الرسمي للمملكة المغربية، وقد نص الدستور المغربي الحالي على غرار الدساتير السابقة، في تصديره، على أن المملكة المغربية دولة إسلامية، ذات سيادة كاملة. ونص الفصل الأول  من الدستور على مايلي:” تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية والاختيار الديمقراطي”. ونص الفصل الثالث منه على أن: “الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”.  كما ينص الفصل 41 على أن “الملك، أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية.”[10]

لقد ساهم الإسلام باعتباره مكون حضاري للمغرب، في تهذيب السياسة الخارجية المغربية وتقويتها، وإكسابها خصائصها الراهنة، مما مكن المملكة من التعايش مع كافة الحضارات والأمم، وبناء دولة قوية ومتينة دبلوماسيا، قائمة على الإسلام السني،[11] بعقد الأشعري وفقه مالك، وطريقة الجنيد السالك.

واستطاع المغرب -على مر تاريخه- أن يحافظ على الهوية الإسلامية بكل تجلياتها وتمظهراتها، مما ساهم في تحصين أمنه الروحي، الذي يعتبر من العوامل الأساسية لضمان الاستقرار السياسي للمملكة. والاستناد الدائم على تعاليم الدين الإسلامي في مجال إبرام المعاهدات الدولية، حيث تحفظ المغرب على مجموعة من الأحكام  المخالفة لتعاليم الدين الإسلامي، كما هو الشأن بنموذج التحفظات المغربية على اتفاقية سيداو، أو في مجال ضمان التنشئة على تعاليم الدين الإسلامي والذي كان دافعا وراء إبداء التحفظ على اتفاقية حقوق الطفل.

يؤكد الدستور المغربي مدى تشبث المملكة بالدين الإسلامي، وبالتالي فالالتزامات الدولية لا يجب أن تمس بنصوص الشريعة الإسلامية، كما نص على ذلك تصدير الدستور في فقرته الأخيرة، والذي أكد على “جعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور وهوياته الوطنية الراسخة، تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة”. فبالإضافة إلى شرط مطابقة الالتزامات الدولية للهويات الوطنية الراسخة، تستخدم المملكة تقنية التحفظ للتشبث بالخصوصية الإسلامية.

الفقرة الثانية:الوحدة الوطنية متعددة الروافد

تعني الوحدة الوطنية اتفاق قوى الشعب المتنوعة الاتجاهات والمشارب، القومي والديني والطائفي والسياسي، على تغليب انتمائها الوطني على أي انتماء أخر يؤدي إلى التفرقة والتشرذم، أي أن تكون المواطنة هي الهدف الأسمى الذي تجتمع تحت سقفها كل القوى المتنوعة.

ويؤدي منطلق الإدراك هذا، إلى العمل من أجل تعزيز وتعميق الولاء للوطن الأكبر، ووحدة المشاعر تجاه قضايا الوطن والأمة، عن طريق التكامل في البرامج ووحدة الأهداف، مع مراعاة خصوصيات كل شرائح المجتمع.[12]

إن الشعور المشترك بالانتماء إلى كيان واحد، هو الذي يشكل أحد العناصر الأساسية المكونة للدولة، ومن تم لا يمكن النظر إلى ساكنتها، على أنها مجرد كتلة بشرية، ومجموعة من الأفراد، يتقاسمون الخضوع إلى سلطة الدولة فقط، بل كمجموعة تتقاسم الشعور بالانتماء إلى هوية مشتركة تتجاوز كل أصناف الانتماءات الأخرى، وتحظى بالأولوية في هرمية الانتماءات التي يمكن للفرد الدخول فيها. فالمواطنة ليست مجرد الانتماء إلى كيان سياسي والخضوع إلى سلطته، لأن هذا الخضوع قد يكون نتيجة الإكراه، إنها أكثر و أكبر من ذلك.[13]

تعتبر الوحدة الوطنية والترابية من أهم الثوابت الوطنية التي يتشبث بها المغرب، والمتجسدة في انصهار كل مكوناتها، العربية – الإسلامية – الأمازيغية – الصحراوية الحسانية، و الغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. وقد نص الفصل الأول من الدستور على أن الوحدة الوطنية متعددة الروافد من بين أهم المكونات التي تستند عليها الأمة في حياتها العامة.

المطلب الثاني: المرجعيات الدولية

ترتبط المرجعية الدولية بطبيعة انخراط الوحَدة السياسية في المنتظم الدولي، ومكانتها الاستراتيجية، وكذا طبيعة العلاقة بين القانون الدولي و القانون الوطني.

أولا:المغرب و المنتظم الدولي

لقد حدد تصدير الدستور الحالي للمملكة، الإطار العام لسياسته الخارجية تجاه المنتظم الدولي، في فقرات مؤطرة لعملها الدبلوماسية ومرجعيتها الدولية، حيث نص التصدير على ما يلي: “…وإدراكا منها لضرورة تقوية الدور الذي تضطلع به على الصعيد الدولي، فإن المملكة المغربية، العضو العامل النشيط في المنظمات الدولية، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات، وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا. كما تؤكد عزمها على مواصلة العمل للمحافظة على السلام والأمن في العالم.

وتأسيسا على هذه القيم والمبادئ الثابتة، وعلى إرادتها القوية في ترسيخ روابط الإخاء والصداقة والتعاون والتضامن والشراكة البناءة، وتحقيق التقدم المشترك، فإن المملكة المغربية، الدولة الموحدة، ذات السيادة الكاملة، المنتمية إلى المغرب الكبير، تؤكد وتلتزم بما يلي :

– العمل على بناء الاتحاد المغاربي كخيار استراتيجي ؛

– تعميق أواصر الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية، وتوطيد وشائج الأخوة والتضامن مع شعوبها الشقيقة ؛

– تقوية علاقات التعاون والتضامن مع الشعوب والبلدان الإفريقية، ولاسيما مع بلدان الساحل وجنوب الصحراء ؛

– تعزيز روابط التعاون والتقارب والشراكة مع بلدان الجوار الأورو- متوسطي؛

– توسيع وتنويع علاقات الصداقة، والمبادلات الإنسانية والاقتصادية والعلمية والتقنية والثقافية مع كل بلدان العالم ؛

– تقوية التعاون جنوب-جنوب ؛

– حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، والإسهام في تطويرهما ؛ مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق، وعدم قابليتها للتجزيء ؛

– حظر ومكافحة كل أشكال التمييز، بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي، مهما كان.”

 

لقد كان المغرب و لازال يساهم بفعالية، وفق هوياته و مرجعياته الوطنيتين، في التفاعل مع واقع المنتظم الدولي، من خلال الانخراط و العمل المؤسساتي داخل أروقة منظومة الأمم المتحدة.

وتجد الإشارة في هذا السياق، إلى أن مسألة حقوق الإنسان، أصبحت تمثل ثقلا مهما، في العلاقات الدولية، وأن المغرب بدوره منخرط في هذا المسلسل، وأن الأمر قديم ومحفوف، بالتباسات. ومن ذلك أن المبادئ الكونية لحقوق الإنسان، تصطدم بالخصوصية الثقافية(…).[14]

ومن مظاهر الأخذ بمعيار حقوق الإنسان والديمقراطية، سعي بعض الدول الغربية المانحة، للقروض، إلى إدراج العمل بالديمقراطية، بمنظورها الكوني، شرط أساسي في التعامل مع دول الجنوب.

واحتلت مسألة حقوق الإنسان، مكانة الصدارة، في علاقة المغرب بالدول الغربية، التي فرضت أحيانا إعادة النظر في مجموعة من منطلقات الإدراك الجماعية، فتمسك بما يجوز التمسك به، وألغى ما لا يتعارض مع هويته وثوابته. ولا يخرج الأمر عن قاعدة مألوفة، دوليا، وهي أنه كلما كانت الصورة حسنة في المجتمع الدولي، كانت الشروط مواتية للفوز بالتفهم والعطف والتضامن.. ولا جدال أن المغرب تحسنت صورته، كثيرا، ما مكنه من فرض نمط جديد من العلاقات مع الفرقاء الدوليين، ومع مكونات الرأي العام المغربي، خصوصا في مجال حقوق الإنسان.[15]

ثانيا: طبيعة العلاقة بين القانون الدولي و النظام القانوني المغربي

تعتبر العلاقة بين القانون الدولي والقانوني الوطني، المفتاح الموضح لطبيعة النظام القانوني للدولة، وكيفية تفاعلها مع مقتضيات القانون الدولي، إذ أنها الموجه المهم للسلوك التعاقدي للدولة، في كل مراحل إنشاء الالتزام الدولي.

تضمنت الدساتير المغربية الخمسة السابقة (1962-1970-1972-1992-1996) نصوصا متشابهة فيما يتعلق بتنظيم العلاقة بين القانون الدولي و بين النظام القانوني للمملكة المغربية.[16] لقد تضمن التعديل الدستوري لسنة 2011 مستجدات على مستوى إقرار نصوص جديدة، توضح العلاقة بين القانون الدولي و القانون الوطني، حيث أشارت الفقرة الرابعة من التصدير إلى ما يلي: “جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة.”

إن القاعدة العامة هي سمو المواثيق الدولية على التشريعات الوطنية، بشرط أن تكون في نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة وهوياتها الوطنية الراسخة. حيث ضمن الدستور الحفاظ على الهوية الوطنية بمرجعياتها وتنوعها و ثرائها النوعي كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

“ويتميز تطبيق القانون الدولي على المستوى النظام القانوني الدولي بخاصية أساسية تتمثل في أن الدول بوصفها الأشخاص المركزية في القانون الدولي، تعمد إلى تنفيذ الإجباري لقواعد القانون الدولي بصورة مباشرة أو بواسطة أليات مؤسسية،… ولتحديد العلاقة بين القانون الدولي والقانون الداخلي انقسم الفقهاء إلى فريقين، يأخذ أحدهما بنظرية استقلال القانون الدولي، أي أن القانون الدولي نظام قانوني منفصل و مستقل عن القانون الداخلي، بسبب اختلاف مصدرهما و موضوعهما وبنائهما القانوني، ويترتب على ذلك استقلال القانون الوطني عن القانون الدولي، وعدم اختصاص المحاكم الوطنية بتطبيق القانون الدولي، وانعدام التنازع أو التعارض بين أحكام القانونين.

ويأخذ الفريق الثاني بنظرية وحدة القانونين الدولي و الداخلي، أي لا وجود لاختلاف أساسي بين القانون الدولي والقانون الداخلي سواء من حيث مصادرهما، أو من حيث أشخاصهما وأنهما في الواقع فرعان لنظام قانوني واحد، أي التزام المحاكم الوطنية باحترام وتطبيق قواعد القانون الدولي وحق تفسيرها، والتزام كافة السلطات و الأفراد باحترام قواعد القانون الدولي”[17]

وصفوة القول، إن سمو المواثيق الدولية على التشريعات المغربية هي قاعدة نسبية، خاضعة للمرجعيات، والتي تعمل المملكة على تحصينها بكافة التقنيات القانونية المتاحة، في القانون الدولي والداخلي.

 

 

خلاصة

تتأثر الممارسة الدبلوماسية للدول بإشكال ملاءمة الهويات الوطنية مع المرجعية الدولية، خصوصا إذا ما تعلق الأمر بهوية تستمد وجودها من الدين الإسلامي، وتحظى بإجماع الأفراد، وتتشبث بسموها على باقي الالتزامات المستمدة من القانون الوضعي.

إلا أن الاستنتاج الأول من هذه الدراسة هو تمكن الدبلوماسية المغربية من خلق توازن بين الهويات الراسخة، المكونة للمرجعية الوطني، و التي نصت عليه الدساتير المتعاقبة ( الدين الإسلامي – الملكية الدستورية- الوحدة الوطنية متعدة الروافد، مع إضافة الاختيار الديمقراطي)، والمرجعية الدولية، التي تُمكن المغرب من الحضور الدائم على المستوى الدولي، والدفاع عن القضايا الوطنية المصيرية العادلة، في مقدمتها قضية الوحدة الوطنية والترابية، باعتباره الحليف الاستراتيجي لمختلف الدول و التكتلات الإقليمية.

وتستمد المرجعيات الوطنية شرعيتها من التاريخ الممتد لقرون عديدة، وتشبث مختلف الثقافات المكونة للمجتمع المغربي بهذا الإرث التاريخي والحضاري المشترك، والذي يوجه السلوك الدبلوماسي المغربي، عند تحمله للالتزامات الدولية.

لقد كانت الخصوصية الإسلامية سببا أساسيا في إبداء مجموعة من التحفظات، في مختلف الدول العربية و الإسلامية، على غرار المملكة المغربية. فقد أكد الدستور المغربي لسنة 2011 مدى تشبث المملكة بالدين الإسلامي، وبالتالي فالالتزامات الدولية لا يجب أن تمس بنصوص الشريعة الإسلامية، و ذلك ما أكدته ديباجة الدستور من خلال جعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور وهوياته الوطنية الراسخة، تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية والعمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة.

ويبقى إشكال الملاءمة بين الهويات الوطنية، في مختلف الدول، والواقع الدولي الذي جعل من العولمة موجها رئيسيا للعلاقات الدولية، والذي مهد لمفهوم الحقوق الكونية، يخلق نقاشا واسعا وسط مكونات هذه الدول، مما يفرض عدم الاقتصار على دراسة نموذج الممارسة المغربية، التي ترتكز على الهوية الإسلامية، بل الانفتاح على مختلف الوحدات السياسية التي ترتكز على هويات متنوعة، وتسليط الضوء على مدى خضوع ممارستها الدبلوماسية لهوياتها الوطنية، ومدى حفاظ مختلف دول العالم على مكونتها الهوياتية والحضارية التاريخية، وجعلها موجها أساسيا لسلوكها الدبلوماسي.

 

الوضعية القانونية لموظفي الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في القانون الدولي الإنساني

[1]   نادية الرامي، السياسة الخارجية للمغرب في الوطن العربي 1999-2000 –  انكفاء أم تقدم؟، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية والاجتماعية سلا، جامعة محمد الخامس السويسي، السنة الجامعية 2008-2009 ص 17

[2]  نص الفصل الأول من الدستور في فقرته الثالثة على ما يلي: ” تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي”.

[3]  الفصل الأول من الدستور المغربي 2011: “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية .

يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنھا وتعاونھا، والديقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة .

تستند الأمة في حياتھا العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي .

التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي، يقوم على الجھوية المتقدمة.”

[4]  د.صبح الله الغازي، الأنظمة السياسية الكبرى المعاصرة، (عدم توفر دار النشر)، الرباط 2010،ص 27-28.

[5]  صبح الله الغازي، الأنظمة السياسية الكبرى، المرجع السابق، ص28

[6]  الفصل 42 من الدستور:” الملك رئيس الدولة، وممثلھا الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارھا، والحكم الأسمى بين مؤسساتھا، يسھر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعھدات الدولية للمملكة .”

[7]  عبد الواحد الناصر، الحياة القانونية الدولية (مدخل لفهم اتجاهات التطور و إشكاليات التطبيق في القانون الدولي العام)، منشورات الزمن، الرباط، يناير2011، ص404.

[8]  الدستور المغربي، الفصل 55.

[9]  نادية الرامي، السياسة الخارجية للمغرب في الوطن العربي 1999-2009 انكفار أم تقدم، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة محمد الخامس السويسي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا، السنة الجامعية 2008-2009، ص 20

[10]  الدستور المغربي 2011

[11]  نادية الرامي، السياسة الخارجية للمغرب في الوطن العربي 1999-2009 انكفار أم تقدم، نفس المرجع السابق، ص13

[12]  أحمد محمد الكبسي، مقال حول: ” المواطنة و الوحدة الوطنية مفاهيمها و أبعادها “، تقرير أشغال الندوة المنظمة من طرف مختبر الدراسات الدستورية و السياسية بجامعة القاضي عياض ( كلية الحقوق) و الجمعية العربية للعلوم السياسية، مراكش 13-15 مارس 2009، (ص 10-16)

 

[13]  عبد المالك الوزاني، مقال حول ” المواطنة في الوطن العربي بين الهوية و البناء الديمقراطي”، نفس المرجع ص 35

[14]  محمد العربي لمساري، المغرب ومحيطه، الجزء الأول، مطبعة المناهل، الرباط، 1998، ص148

[15]  محمد العربي المساري، نفس المرجع السابق، ص 142-149.

[16]  د.عبد الواحد الناصر، الحياة القانونية الدولية ( مدخل لفهم اتجاهات التطور و إشكالية التطبيق في القانون الدولي العام)، منشورات الزمن، الرباط 2011، ص 379

[17]  عبد الواحد الناصر، الحياة القانونية الدولية – مدخل لفهم اتجاهات التطور و إشكالية التطبيق في القانون الدولي العام – ، نفس المرجع السابق، ص 296- 300.