تأهيل الموارد البشرية بالجماعات الترابية خطوة نحو الإصلاح الإداري الشامل

4,512

 

د. منية بنلمليح

أستاذة باحثة بكلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية بمكناس

جامعة مولاي اسماعيل

 

 

تأهيل الموارد البشرية بالجماعات الترابية خطوة نحو الإصلاح الإداري الشامل[1]

 

مقدمة:

إن مطلب إصلاح الإدارة العمومية المغربية أصبح يفرض نفسه بإلحاح في ظل المشاكل والاختلالات التي تعرفها هذه الأخيرة وفي ظل الرغبة في تنزيل المبادئ الجديدة المنصوص عليها في دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الناظم لتدبير الشأن الإداري، والتي من أهمها مبدأ الحكامة الجيدة، هذه الأخيرة تسعى إلى جعل الإدارة، إدارة مشاركة وفاعلة في رسم السياسات وتصميم البرامج، إدارة مرنة، متعاونة وقادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين وتطلعاتهم.

        وإصلاح الإدارة الترابية جزء لا يتجزأ من ورش الإصلاح الإداري بصفة عامة، حيث  تعتبر اللامركزية من الخيارات الاستراتيجية التي انخرط فيها المغرب منذ الاستقلال من أجل إرساء دعائم نظام ديموقراطي يأخذ بعين الاعتبار الحاجيات الأساسية للمواطنين ويشركهم في تدبير شؤونهم العامة. كما أصبح البعد الترابي الإطار الأنسب لوضع خطط إستراتيجية تنموية وتقوية ديمقراطية القرب وتحسين الخدمات.

وإذا كان تدعيم وتطوير اللامركزية يمر عبر إصلاح النصوص الأساسية المنظمة لها من خلال عقلنة وضبط الاختصاصات وتوسيعها وتحسين العلاقة بين الهيئات المنتخبة وممثلي الدولة على المستوى المحلي، وإذا كان هذا التدعيم يتطلب أيضا تطوير أداء المرافق العمومية المحلية وتخليق الحياة العامة بالحد من آفة الرشوة والمحسوبية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن هذه المساعي لن تعطي كافة نتائجها إلا إذا وقع الاهتمام بالعنصر البشري وتقوية مؤهلاته والذي يعتبر بمثابة المحرك الحقيقي لكل عملية تنموية، سواء تعلق الأمر بموظفي وأعوان الجماعات الترابية أم المنتخبين[2].

على ضوء ذلك، تشكل الموارد البشرية[3] النواة الصلبة لكل مشروع إصلاحي، حيث أن تطوير أداء الجهاز الإداري لا يمكن بلوغه إلا من خلال الاهتمام بها، بالبحث عن الأساليب الفعالة في اختيارها واستثمارها بالشكل الجيد الذي يخدم تحقيق وتكريس الاختصاصات الواسعة الممنوحة للجماعات الترابية. وهذا ما أكده جلالة الملك في خطابه ل 14 من أكتوبر 2016 حينما قال أن:” …الوضع الحالي يتطلب إعطاء عناية خاصة لتكوين وتأهيل الموظفين، الحلقة الأساسية في علاقة المواطن بالإدارة، وتمكينهم من فضاء ملائم للعمل مع استعمال آليات التحفيز والمحاسبة والعقاب.”[4]

ونظرا لأهمية العنصر البشري في تسيير الشأن العام المحلي وبالنظر للدور الذي يمكن أن يلعبه في الإصلاح الشامل، سنحاول الوقوف عند وضعية هذا الأخير والتحديات التي تفرض نفسها والتي تحول دون تطوره، وذلك من خلال طرح مجموعة من التساؤلات وهي كالتالي: ما نوع الاختلالات التي تعاني منها الوظيفة العمومية بالجماعات الترابية وما المشاكل التي تقف حجرة عثرة دون التدبير الجيد للموارد البشرية الجماعية؟ وماهي الآليات التي تمكن من تأهيل هذه الأخيرة لتلعب دورها الكامل في تحقيق التنمية المحلية المنشودة؟

هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عنها من خلال المحورين التاليين:

المبحث الأول: اختلالات تدبير الموارد البشرية بالجماعات الترابية.

المبحث الثاني: آليات التدبير الجيد للموارد البشرية بالجماعات الترابية.

 

المبجث الأول: اختلالات تدبير الموارد البشرية بالجماعات الترابية

تعاني منظومة تدبير الموارد البشرية على المستوى الترابي من مجموعة من الاختلالات، منها ما له طابع قانوني ومنها ما له طابع تدبيري.

الفرع الأول: الإكراهات القانونية
يتميز الإطار القانوني الذي يحدد مبادئ وقواعد تسيير وتنمية الكفاءات المتعلقة بالفئات الثلاث المشكلة للموارد البشرية على المستوى الترابي من منتخبين، مستخدمين وموظفي المصالح اللاممركزة، بعدم الانسجام والتباين نظرا لاختلاف الوضعية القانونية لكل منهم. فالمنتخبون المحليون يخضعون لنظام حديث تتحدد قواعده على أساس الحقوق والواجبات المرتبطة بممارسة المهام الانتخابية[5]، أما مستخدمو الجماعات الترابية فلهم نظام خاص بهم لا تنطبق قواعده عليهم جميعا[6]، أما مستخدمو المصالح الخارجية فخاضعون للنظام الأساسي للوظيفة العمومية المطبق على موظفي الدولة[7].

كما أن الإطار القانوني الذي ينظم عمل مستخدمي الجماعات الترابية[8] هو أبعد ما يكون عن الانسجام والتوحيد. فباستثناء ما يتعلق بالمستخدمين الجماعيين، الذين يخضعون لقواعد تدبير محددة، فإن قواعد التدبير الخاصة بمستخدمي العمالات والولايات، ليست محددة تحديدا دقيقا باستثناء بعض التدابير العامة المخصصة للوظائف السامية في النصوص الأساسية المنظمة لهاتين الفئتين من الجماعات الترابية. أما باقي مستخدمي المصالح اللاممركزة بمختلف أنواعهم، فيخضعون للنظام الأساسي للوظيفة العمومية[9] والنصوص القانونية الخاصة بتطبيقه. والحال أن الآلية القانونية المذكورة تتميز بصفة عامة بطابعها الممركز حيث لا تأخذ في اعتبارها خصوصيات تلك المصالح وخصوصا متطلبات تنمية الكفاءات والمهارات.[10]

يخفف من أثر عدم انسجام الإطار القانوني كون الأنظمة القانونية الجاري بها العمل على المستوى الترابي تستلهم في عمومها القواعد والمبادئ المنصوص عليها في القانون الأساسي للوظيفة العمومية، غير أن تشتت الإطار القانوني يمثل عائقا كبيرا أمام تطوير سياسة ملائمة وصائبة لتدبير الموارد البشرية المتوفرة. فالمجموعات الثلاثة من الموارد البشرية العاملة على المستوى الترابي تخضع لأنظمة قانونية مختلفة، وهذا التداخل بين الأنظمة القانونية يفضي إلى غياب الانسجام في مسلسل التدبير، حيث إن فئات من الموظفين العاملين في المجال الترابي الواحد أو الذين يواجهون مشاكل متشابهة، يجدون أنفسهم خاضعين لأنظمة قانونية مختلفة ومجبرين على اتباع مسارات مهنية مختلفة أو على الخضوع لتدابير فردية أو جماعية متناقضة[11].

بخصوص نظام الوظيفة الجماعية فهو يخضع لمرسوم مؤرخ في 27 شنبر 1977 وقد كان الهدف منه إيجاد إطار قانوني خاص بالموظف الجماعي، وقبله بقليل صدر الميثاق الجماعي[12] لسنة 1976 أول تشريع يهم التنظيم الجماعي في مغرب ما بعد الاستقلال، والذي حاول وضع الأسس القانونية لوظيفة جماعية منفصلة عن الوظيفة العمومية للدولة حيث ينص الفصل 48 منه على أن الجماعات: ” تتوفر على هيئة خاصة من الموظفين الجماعيين تجري عليهم مقتضيات النظام الأساسي للوظيفة العمومية، وذلك مع مراعاة بعض المقتضيات الخاصة التي سينص عليها في المرسوم المتعلق بالنظام الأساسي لهؤلاء الموظفين”.

فعلى الرغم مما قال به بعض فقهاء القانون الإداري، أن مساواة وضعية الموظفين الجماعيين مع باقي موظفي الدولة، خطوة تتسم بنوع من الحكمة والتبصر، بحيث تخول لهم نفس الحقوق وتقيهم من الانعكاسات السلبية التي تفرزها التقلبات السياسية للمجالس الجماعية. فقد أبانت تبعية الوظيفة المحلية لنفس القواعد المنظمة للوظيفة العمومية عن عدة سلبيات انعكست على مسار الحياة الوظيفية لكل الموظفين الجماعيين وذلك راجع بالأساس إلى اختلاف واقع كل من الوظيفتين الجماعية والوطنية.

يضاف إلى ذلك أن سلطة تدبير شؤون الموظفين الجماعيين تعود إلى الرئيس وحده بحكم القانون باعتباره رئيسها التسلسلي ويعود له أيضا حق التعيين طبقا لمقتضيات النظام الأساسي الخاص، ويعين أيضا الأعوان المؤقتين والمياومين والعرضيين ويدير شؤونهم، فالرئيس يتدخل في جميع مراحل الحياة الإدارية لهؤلاء الموظفين، وليس للمجلس الجماعي حق التدخل في شؤونهم. وبالتالي فإن سلطة الرئيس ليست مستمدة من الجماعة وإنما ممنوحة من لدن الدولة. هكذا فإن النظام الأساسي الخاص بالموظفين الجماعيين لم يجعل الوظيفة المحلية تتميز بخصوصية متفردة.

كما أن القوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية[13] عهدت أيضا بأمر تدبير شؤون موظفيها ومستخدميها إلى رؤساء هذه المجالس، هكذا ينص الفصل 96 من القانون التنظيمي الخاص بالجماعات:” يسير رئيس المجلس المصالح الإدارية للجماعة ويعتبر الرئيس التسلسلي للعاملين بها ويسهر على تدبير شؤونهم ويتولى التعيين في جميع المناصب بإدارة الجماعة طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل. كما يجوز له بالنسبة للجماعة التي يفوق عدد أعضاء مجلسها 43 عضوا تعيين رئيس لديوانه ومكلف بمهمة، غير أنه يمكن بالنسبة للجماعات ذات نظام المقاطعات أن يتألف ديوان الرئيس من مستشارين يصل عددهم إلى أربعة.”

نلاحظ أن هذه القوانين قد جاءت بمستجدات مهمة في سبيل تحديث هياكل هذه الجماعات وإضافة هياكل جديدة خاصة بتدبير شؤون الموظفين(مديرية عامة للمصالح)، كما نصت صراحة على ضرورة سن نظام أساسي خاص بموظفي الجماعات الترابية يحدد بقانون.[14]

وفي انتظار تفعيل هذه الهياكل والمصالح وصدور هذا القانون يمكن أن نسجل فقر النظام القانوني المتعلق بموظفي الجماعات الترابية، إذ باستثناء مرسوم 1977 الذي يحيل صراحة على النظام الأساسي للوظيفة العمومية الصادر في سنة 1958، لا نكاد نجد نصا قانونيا قائم الذات خاصا بتنظيم شؤون الموظف الجماعي، إذ نجد نصوصا قانونية وتنظيمية متعددة ومتفرقة سمتها الأساسية هي عدم الانسجام. وبالتالي لا يمكن أن نتحدث عن وظيفة عمومية محلية لها خصوصيتها الترابية ومرجعيتها القانونية الخاصة بها[15].

إذا كان الإطار القانوني يشكل اللبنة الأساسية التي يقوم عليها أساسا تدبير الموارد البشرية فإنه في بعض الأحيان يشكل العائق أمام التدبير الفعال لها.  فرغم أهمية النظام الأساسي للوظيفة العمومية فإنه لم يساير ولم يستجب للتحولات التي يعرفها تدبير الموارد البشرية نظرا لتقادم مضامينه، كما أنه لا يتضمن أية مقاربة حديثة وفعالة في مجال تدبير الموارد البشرية على المستوى الترابي.

الفرع الثاني: غياب مقاربة فعالة في مجال تدبير الموارد البشرية: الإكراهات التدبيرية

تعاني الموارد البشرية على المستوى الترابي بصفة عامة من ضعف إن لم نقل غياب نظام ملائم لتدبيرها، يخضع لمعايير عقلانية تقوم على الكفاءة والمردودية والضمير المهني، حيث تظل السياسة التوظيفية والتكوينية غير قادرة على تأهيل الموارد البشرية وتحفيزها وتقييم مردوديتها. وهذا ما سنحاول تلمسه على مستوى التوظيف، التكوين والتأهيل، التقييم والتحفيز.

أولا: محدودية نظام التوظيف

تعاني منظومة التوظيف على المستوى الترابي من عدة خروقات منذ مرحلة التعيين الذي لا تراعى فيه غالبا مبادئ المساواة والشفافية، حيث يترك المجال لتجاوزات تسلب فيها حقوق بعض المرشحين وتهدى لمرشحين آخرين بسبب حرية الاختيار المطلقة المعترف بها لرجل الإدارة والذي يعطي الأسبقية لمن يجد فيهم الولاء والطاعة أو من يحقق أغراضه الذاتية، وبالتالي فتح الباب على مصراعيه للمحسوبية والزبونية على حساب الكفاءة.

يضاف إلى ذلك ربط التوظيف بالمناصب المالية الشاغرة بدل الوظيفة الشاغرة: ينص الفصل السابع من النظام الأساسي للوظيفة العمومية: “يمنع كل توظيف أو ترقي في الدرجة إذا لم يكن الغرض من ذلك شغل منصب شاغر”. إن هذه المعادلة التي كرسها النص القانوني تضع قطيعة مع معايير الاختيار الأفضل للموارد البشرية، لكون المنصب المالي الشاغر هو المحدد الأول لعمليات التوظيف بدل الاحتياجات الفعلية للإدارة.

وبتفحصنا لمقتضيات الوظيفة العمومية الجماعية فإنه يغيب اشتراط المهنية كشرط في التوظيف، كما أن الاختبارات التي يخضع لها المتباري تقوم على اختبار القدرات النظرية للمرشح، والتي لا ترتبط بالواقع العملي والمهني، مما لا يسمح بمعرفة دقيقة لقدرات المرشح، ويشكل إحدى العوامل التي تحول دون تكوين وظيفة عمومية معقلنة قائمة على الجدارة والاستحقاق في تولي مناصب المسؤولية.

كما يتسم التوظيف في الإدارة الجماعية بازدواجية واضحة تتمثل في قيامه على قاعدتي التوظيف المباشر والتوظيف عن طريق المباراة (فصل 22)، وهذه الطرق في التوظيف لا توفر إمكانية الاعتماد على الكفاءة في اختيار الموارد البشرية.

أيضا، تعاني منظومة التوظيف في الجماعات الترابية من غياب التسيير التوقعي وعدم التخطيط لاحتياجاتها المستقبلية من الموارد البشرية سواء على المدى القريب أو المتوسط. ويترتب عن ذلك سيرورة غير معقلنة لا تكفل فعالية العمل الإداري، فغياب التخطيط كانت له نتائج سلبية على مستوى تدبير الموارد البشرية ويتجلى ذلك من خلال التضخم الوظيفي وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

إن التضخم الوظيفي الذي تعاني منه الجماعات الترابية يعود إلى عدة عوامل ساهمت في تفشي هذه الظاهرة وتحكمت في مسارات التوظيف بعيدا عن الأساليب العلمية ومعايير الجودة[16]، وتدخل الاعتبارات السياسية والاجتماعية في عملية التوظيف، فأمام ارتفاع عدد المعطلين لجأت الدولة إلى امتصاص هذا الضغط عبر حملات للتوظيف لإيجاد مناصب الشغل لحاملي الشهادات، لكن هذه السياسة كانت لها انعكاسات سلبية أهمها إثقال كاهل ميزانية الجماعات الترابية وتضخيم كتلة الأجور وإدماج موارد بشرية غير مؤهلة ولا تستجيب للحاجيات الحقيقية لهذه الجماعات[17].

يضاف إلى ذلك أن تمركز تدبير الموارد البشرية له تداعيات سلبية، حيث تكون في كثير من الأحيان سببا في عدد من حالات التأخير في علاج أو تحيين ملفات الفئات المختلفة من المستخدمين، فتخلق من جراء ذلك حالة من السخط ومن تدني الإنتاج والمردود داخل مختلف المصالح. دون أن ننسى تداخل متغيرات سياسية في تدبير المستخدمين على المستوى الترابي، ذلك أن تجاذبات الحياة السياسية المحلية بين أغلبية ومعارضة ينتهي بها الأمر عاجلا أم آجلا إلى التأثير في الإدارة الجماعية كما أن تعدد مصدري الأوامر اليوميين، أي أعضاء المكتب المسير والمستشارين والمدراء يزيد من الفوضى في مجال تسيير وتدبير المصالح، وقد تتفشى ظاهرة تسييس المستخدمين كنوع من السلوكات الدفاعية خصوصا على المستوى الجماعي.[18]

إن مختلف الإكراهات القانونية والتدبيرية التي تعاني منها الوظيفة الجماعية تنعكس سلبا على أداء الموظف، الذي يلتزم الصمت عن وضعيته خوفا من فقدان منصبه. وهذا ينعكس على عمل الإدارة وإعطاء صورة غير حسنة تجاه المواطنين.[19]

ثانيا: محدودية آليات تأهيل الموارد البشرية

إن ضرورة تحديث وظيفة تدبير الموارد البشرية تعد أحد الخيارات الإستراتيجية لتطوير المرفق العام المحلي. فالاهتمام بالعنصر البشري وتكوينه وتنميته يدخل في أولويات استراتيجيات تحسين الأداء الإداري، عن طريق تعبئة الطاقات وسد العجز والقصور في الكفاءات البشرية، إلا أن الإدارة الجماعية لم تعط لعملية التوظيف ولا تأهيل الموظفين المكانة التي تستحقها ويتجلى ذلك في عدة مظاهر:

1 ـ  عدم جودة طرق التكوين والتدريب:

إن عملية التكوين المعتمدة بالإدارة الجماعية أبانت عن محدوديتها وقصورها، نظرا لاصطدامها بمجموعة من العراقيل:
ـ غموض جدوى التدريب لدى الموظفين،

ـ عدم دقة تخطيط الاحتياجات التدريبية،

ـ تغليب الجوانب النظرية على الجوانب العملية في مناهج التكوين.
ـ  نقص البرامج والندوات الموجهة للمستويات الإدارية العليا والقياديين.
ـ عدم ملاءمة برامج التكوين مع واقع الوظيفة التي يمارسونها نظرا لغياب الدراسات حول الحاجيات الحقيقية وتطورها.

ـ ضعف الاعتمادات المالية المخصصة للتكوين،

ـ  تمركز مراكز التكوين في المدن الكبرى وعدم تغطيتها لمجموع التراب الوطني،

ـ ارتفاع عدد مراكز التكوين الإداري على مراكز التكوين التقني،

ـ نقص على مستوى التكوين في مجال المحاسبة والصفقات والجبايات المحلية وتقنيات التواصل وهذه المجالات التي تعد جوهر العمل داخل الإدارة الجماعية.
إذن فغياب  التكوين الفعال للموظفين، يعد عائقا أمام تطوير مهاراتهم وكفاءتهم، مما يؤثر سلبا على أدائهم من جهة وعلى العملية الإدارية من جهة ثانية. لذا يتوجب نهج سياسة فعالة لتكوين الموظف لتمكينه من اكتساب الخبرة في المجال الإداري وتطوير نشاط الإدارة بصفة عامة.

يضاف إلى ذلك تواضع نسب التأطير، بحيث نجد هيمنة اليد العاملة على باقي الفئات، بحيث أن التطور النوعي لموظفي الجماعة كان لفائدة الأطر التنفيذية واليد العاملة. ففئة الأطر التقنية العليا والمتوسطة لا تشكل سوى رقم ضئيل من مجموع الأطر وبالتالي نقص في الأطر التقنية التي كان من الممكن أن تسهر على المسؤوليات في الورشات التقنية وكل هذا سيؤثر سلبا على القضايا ذات الطابع التقني مما سيحد من الاستقلال الإداري، حيث تظل الجماعات دائما مرتبطة بالإدارة المركزية عن طريق اللجوء إلى الكفاءات التقنية التابعة للدولة مما يكلفها مصاريف إضافية ويفرغ عملها من أبعاد الاستقلالية والتدبير الحر. إن تمثيلية الأطر الإدارية تطغى على تركيبة الأطر التقنية مما يؤدي إلى العجز في القيام بالمشاريع نظرا لقلة الكفاءات التقنية.[20]

2 ـ عدم جودة أساليب تقييم أداء الموظفين

إن تقييم مردودية الموظفين ومستوى أدائهم يتم بناء على المقتضيات المنصوص عليها قانونا، لمعرفة المؤهلات التي يتوفر عليها الموظف على مستوى أداء واجباته.  فالجهة التي لها حق التعيين والتسمية هي التي تقوم بالتقييم، لذلك نجد رئيس المجلس الجماعي هو الذي يختص بتقييم أداء الموظفين ويمكن له أن يفوض هذا الاختصاص إلى رؤساء المصالح، لكن في كثير من الأحيان تتأثر عملية التنقيط بشخصية الرئيس وانتماءاته الحزبية وانطباعاته الذاتية ويتفاقم الوضع في بعض الحالات حينما يكون المستوى التعليمي للموظفين أعلى من المستوى التعليمي للرئيس.[21]

إن تقييم الأداء الذي يخضع له الموظفون تتوخى منه الجهات المشرفة من ورائه ترقية الموظف دون ربطه بالأساليب الأخرى لتدبير الموارد البشرية كإقرار التكوين ولا يهدف إلى الرفع من المردودية وتحسين الجودة نظرا لغياب الوعي بأهميته في تنمية وتأهيل العنصر البشري.

3 ـ هشاشة آليات تحفيز الموارد البشرية:

إن عملية التحفيز داخل الإدارة الجماعية تعاني من مجموعة من العراقيل تحول دون تحقيق فعاليتها، ويتجلى ذلك من خلال مجموعة من النقط:

 ـ غياب منظومة متناسقة للأجور والتعويضات:   

تعد الأجرة من أهم المزايا الوظيفية التي يتمتع بها الموظف[22]، لكن النظام المعمول به يثير مجموعة من الاختلالات: كغياب الإنصاف والعدالة على مستوى توزيع الأجور، بحيث يرى الموظف أن مستوى المجهود الذي يقوم به لا يوازيه الأجر الذي يحصل عليه. ثم أن تصميم الأجور في الوظيفة العمومية يقوم على أساس الإطار والشواهد المحصل عليها ولا يرتبط بمحتوى الوظيفة وما تتطلبه من مجهودات.

أما على مستوى التعويضات التي تمنح للموظف والتي تضاف إلى راتبه الأساسي والتي كان من المفروض أن تساعده للتغلب على ارتفاع مستوى تكاليف المعيشة، فإنها لم ترق كأداة فعالة لتحفيز الموارد البشرية، ومن المؤسف أن هذه التعويضات مختلفة تتميز بعدم انسجامها بحيث يصعب تحقيق وحدتها خصوصا وأنها تستند في استحقاقها على معايير معقدة ولا تؤدي إلى الإنصاف بين الموظفين.

 ـ تعقد نسق الترقية وبطئها:

إن نظام الترقية المعمول به يتضمن اختلالات تنعكس سلبا على أداء الموظفين لكونه ينطوي على مجموعة من التناقضات التي تعرقل مساهمته في عقلنة تدبير الموارد البشرية.  فمن الملاحظ أن الترقية في الرتبة يغيب طابعها التحفيزي وهزالة انعكاسها المادي على أجرة الموظف، كما أنها تكون سريعة في البداية تتراوح من سنة إلى سنتين ومع مرور الوقت تصبح بطيئة.

أما بالنسبة للترقية في الدرجة فبالرغم من أنها تحدث تغييرات مهمة على الحياة الإدارية للموظف كذلك تزيد من مسؤولياته وتحسين كبير للأجر الذي يتقاضاه، فإنها خاضعة للسلطة التقديرية للرئيس. كما أن عدد الموظفين الذين بإمكانهم الاستفادة من هذه الترقية ضئيل مع اعتماد نظام الحصيص المالي (الكوطة) وليس على أساس الاستحقاق والكفاءة وكل هذا يؤشر على غياب العقلنة في مجال تحفيز الموارد البشرية بالجماعات الترابية.

أما الترقية بالاختيار فإنها لا تخلو من عدة مشاكل، لكونها تفتح المجال لظهور المحسوبية والمحاباة كما أن الترقية عن طريق الأقدمية تتنافى مع مبدأ الفعالية لأنه قد يحدث أن يتم ترقية موظف دون التوفر على المؤهلات والخبرات الكافية والكفاءة المهنية.

إن وضعية سوء تدبير الموارد البشرية على مستوى الجماعات الترابية كانت لها انعكاسات سلبية على تسيير الشأن العام وتحقيق التنمية المنشودة، وهذا ما تم تأكيده في المناظرة الأولى للجماعات الترابية[23]، حيث تم التأكيد: ” إن الجماعات الترابية تشغل موظفين غير مقتدرين وهي وضعية ليس من شأنها إلا أن تؤثر سلبا في القرار الجماعي وبالتالي تعثر شؤون الجماعة إلى سوء التسيير والتدبير والوفاء بمتطلبات ومستلزمات التقرير”.

يضاف إلى ذلك تدني جودة الخدمات المقدمة لجمهور المرتفقين بسبب نقص كفاءة الموارد البشرية المكلفة بتسيير المرفق العام المحلي وضعف مؤهلاتهم، دون أن ننسى انتشار ظاهرة البيرقراطية التي أصبحت تشكل مرضا ينخر دواليب الإدارة المحلية  مما أفرز سلوكات سلبية في التنظيم على مستوى الوظيفة العمومية المحلية، فلا سلوك عقلاني في التنظيم والتسيير ولا أخلاقية في الأداء.

لذلك فهذه المنظومة كما تشتغل حاليا تتطلب تغييرات جوهرية ترمي إلى جعلها رافعة حقيقية للجهوية المتقدمة وأساسا لتحقيق التنمية الشاملة على مستوى مختلف مكونات الجماعات الترابية.
المبحث الثاني: آليات التدبير الجيد للموارد البشرية بالجماعات الترابية
لتجاوز سلبيات التدبير التي يعاني منها واقع الموظفين في الجماعات الترابية، من الضروري بذل مجموعة من الجهود على مستويات عدة: التخطيط، التأهيل، التحفيز والتقييم.

الفرع 1 : ضرورة تخطيط الموارد البشرية بالإدارة الجماعية وتكوينها

    يقتضي التدبير الجيد للموارد البشرية بالإدارة العمومية اعتماد تخطيط جيد لها لوضع الموظف المناسب في المكان المناسب، كما يتطلب الأمر إخضاعهم لتكوين جيد قادر على تأهيلهم للقيام بمهامهم على أحسن وجه ممكن.

1 ـ التخطيط الجيد للموارد البشرية:

يعد تخطيط الموارد البشرية أهم مدخل لإصلاح وتحديث الإدارة الجماعية، فهو ضمانة أساسية للحصول على الموظفين في الوقت المناسب وبالشكل المناسب، وذلك باعتماد أسلوب حديث، وكذا آليات جديدة، على اعتبار أنه يضمن توقع نوع محدد وكم مضبوط من الموارد البشرية، تنسجم تخصصاتها وكفاءاتها مع متطلبات الجماعات، وهذا يتطلب تعاونا ما بين الإداري والسياسي، أي ما بين رؤساء الأقسام والمصالح ورئيس المجلس واللجان، بالإضافة إلى ضرورة الوعي بأهمية التخطيط كإجراء أولي لنجاح أي مشروع كيفما كان نوعه.

إن تخطيط الموارد البشرية بالإدارة الجماعية سيمكن هذه الأخيرة من تجاوز كل المشاكل التي تعترضها، خاصة الفائض الكمي والنوعي في عدد الموظفين، بالإضافة إلى ضمان توزيع عادل ومناسب بالنسبة للموظفين على مستوى المصالح الجماعية. لهذا فنجاح عملية التخطيط لن يتأتى إلا بتوعية المنتخب الجماعي وخاصة رؤساء المجالس بأهمية التخطيط بصفة عامة وتخطيط الموارد البشرية بصفة خاصة.

ومن التدابير الإيجابية والجديدة التي نصت عليها القوانين التنظيمية للجماعات الترابية هو مأسسة عملية تدبير وتسيير الموارد البشرية بهذه الجماعات وذلك بخلق مديرية للمصالح ومديرية عامة للمصالح بالنسبة لبعض الجماعات التي تحدد لائحتها بمرسوم يتخذ باقتراح من السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، يعهد إليها بتسيير أمور الموارد البشرية المتواجدة بها[24].

ويرأس هذه المديريات مدير أو مدير عام يساعد  رئيس المجلس في ممارسة صلاحياته ويتولى تحت مسؤولية هذا الأخير ومراقبته، الإشراف على إدارة الجماعة وتنسيق العمل الإداري بمصالحها والسهر على حسن سيره.[25] ومن شأن ذلك أن يساهم بشكل كبير في التخطيط الجيد وكذا تنمية الكفاءات البشرية على المستوى الترابي.

2: تفعيل سياسة جيدة للتكوين

يعد التكوين الإداري من ضمن العناصر الأساسية لتدبير الموارد البشرية، وحلقة رئيسية لتحقيق إستراتيجية التنمية الإدارية والنهوض بالعنصر البشري على مستوى الإدارة الجماعية، وجعله يستجيب لكل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المحيط المحلي. ومن المؤكد أن العنصر البشري هو المحرك الأساسي لكل تغيير، لهذا فإن أي عملية للإصلاح الإداري ترتبط وترتكز على تأهيل الفرد والرفع من كفاءته المهنية، وتكوينه على التقنيات الحديثة بالشكل الذي يخوله أن يقوم بمهامه على أحسن وجه في فترة زمنية قياسية.

إن عملية تطوير الإدارة الجماعية وتنمية قدرات العاملين بها هو أمر تقتضيه ظروف التنمية الشاملة للجماعات، عن طريق نهج سياسة تتسم بالإستراتيجية في التكوين[26] وذلك بتحويل هذا الأخير من تكوين من أجل الاستهلاك إلى تكوين من أجل الاستثمار، أي جعل التكوين ينسجم مع المعطيات الحالية والمستقبلية للجماعات، كما يتوجب إحداث مركزين للتكوين، أحدهما يخصص للتكوين الإداري والثاني للتكوين التقني، على صعيد كل جهة من الجهات 12 بالمملكة، وتعميمه بالنسبة لباقي الجماعات الترابية، الأمر الذي سيمكن شيئا ما من تجاوز مركزية التكوين إن هذه المقترحات لا يمكن أن تجد طريقها إلى التحقيق بدون تخصيص موارد مالية للتكوين الإداري، فالمتفحص لميزانيات أغلبية الجماعات لا يجدها تخصص موارد مالية للتكوين، وبالتالي يرجع مصدر التمويل الفعلي لسياسة التكوين الحالية إلى ميزانية الوزارة الوصية.

وإضافة إلى ما سبق يجب ربط التكوين بالتحفيز، خاصة على مستوى التكوين المستمر[27]، فما يلاحظ هو غياب الاهتمام والرغبة في إجراء التكوين، لأنه لا يرتبط بأي حافز مادي، لهذا يجب أن يقترن التكوين بالترقية، حتى يتم تشجيع الموظفين للإقبال عليه، وتوليد الرغبة لديهم في التحصيل، كما أنه يجب الاهتمام بالمدة المخصصة للتكوين، أي جعلها كافية لإكمال كل البرامج التدريبية.

كما يجب أن يتطور الأمر إلى تكوين الموظفين الجماعيين في مجالات معلوماتية أكثر تطورا، أي التدرب على برامج تساعد على اتخاذ القرارات في مجال التكوين والتخطيط والتعمير والبيئة… فبالرغم من تمكن الجماعات مؤخرا من اقتناء حواسيب لغرض الانخراط في مجال الإدارة الالكترونية، فإنها لم تستغل بالشكل الصحيح، أي تم استعمالها فقط في مسائل روتينية.

أما فيما يخص المناظرات الوطنية للجماعات الترابية، فقد أكدت كلها على أهمية تكوين الموظف الجماعي على اعتبار أنه الأداة التي تمكن من ترجمته اختيارات وقرارات المجلس الجماعي.[28]

إذن فتحقيق التكامل بين الاختصاصات وتعزيز وتطوير الوسائل والطاقات لمن شأنه أن يجعل من الجماعات أداة فعالة قادرة على الرفع من مستوى مردوديتها وتأثيرها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمساهمة بالتالي في إغناء الديمقراطية المحلية والدفع بها نحو آفاق أرحب وأوسع.

الفرع 2: إصلاح منظومتي التقييم والتحفيز

تعد وظيفتي التحفيز وتقييم الأداء من بين العناصر الأساسية والمهمة لتدبير الموارد البشرية، وإذا كان التحفيز  الإداري يهدف إلى خلق الدافع لدى الموظفين والعاملين مع مقابلتها بالحوافز، فإن نظام تقييم الأداء يعمل على تقييم وقياس المردودية والأداء الإداري.

1 ـ إحداث نظام فعال لتقييم الأداء

تعد عملية قياس وتقويم الأداء من العمليات المهمة التي تمارسها إدارة الموارد البشرية، فعن طريق القياس والتقويم تتمكن المنظمة من الحكم على دقة السياسات والبرامج التي تعتمدها سواء كانت سياسات استقطاب واختيار وتعيين أو سياسات تدريب وتطوير ومتابعة لمواردها البشرية. كما يمكن أن تستخدم العملية إذا ما أجادت الإدارة في إنجازها، كوسيلة لجذب الموظفين الجدد. وقد تعكس عملية التقويم الصورة القانونية والاجتماعية والأخلاقية للجهاز الإداري ومستوى العاملين أنفسهم. وتعتبر عملية القياس والتقويم وسيلة يتعرف من خلالها الفرد العامل على نقاط القوة والضعف في أدائه وخاصة عند الإعلان عن نتائج تقويم الأداء من قبل الإدارة، حتى يتمكن من تطويرها في الوقت المناسب.

ولكي يكون تقويم الأداء وسيلة فعالة وهادفة لتحقيق الأغراض المتوخاة منه ويتجنب السلبيات والثغرات، فإن عددا من الخصائص ينبغي توفرها في أي نظام يتم تصميمه لقياس أداء العاملين ومثال ذلك:

– أن يكون التقويم دوريا ومستمرا ومتواصلا وتتم المقارنة بين نتائجه السابقة والحالية، وتوضع نتائجه بين يدي العاملين وتتاح لهم فرصة الحوار والنقاش مع رؤسائهم.

– أن يعتمد التقويم على معلومات وافية ودقيقة وحديثة توثق في سجلات وملفات أو تخزن في أجهزة إلكترونية يسهل الرجوع إليها.

– أن يعي الرؤساء مسؤولياتهم ويتمسكوا بالموضوعية ويتجنبوا الأهواء والنزاعات ويتعاملوا مع المرؤوسين بكل تجرد ومصداقية قدر ما أمكنهم.

– أن يشعر النظام المرؤوسين بضرورة التقويم ويتلمس الفوائد والايجابيات التي تعود عليهم منه مثلما يسهم في تحقيق أهداف المنظمات.

– أن تتضح المبادئ والآليات التي تحكم عملية التقويم ويتم إصدارها بقرار أو بنظام من أعلى سلطة مختصة. وبفضل تعدد النماذج والأساليب المستخدمة تبعا لتعدد المستويات أو المهن.

– أن يشمل التقييم مختلف الجوانب الشخصية والإدارية والإنسانية والفنية المتعلقة بالموظف وبالوظيفة وبالمنظمة، ويتم إعطاء أوزان كمية لهذه المتغيرات تبعا لدرجة أهميتها.[29]

ولإنجاح عملية التقييم لا بد ان تسبقه عملية تصنيف وتوصيف الوظائف وهي تحليل العمل وأنشطته وتحديد الأعباء والمتطلبات الواجب القيام بها من قبل شاغل الوظيفة وكذا الخبرات والمؤهلات  والصفات التي يجب ان تتوفر فيه لكي يؤدي عمله بنجاح وفعالية، وبالتالي تحديد العناصر التي تشكل معايير قياس الأداء وتقدير المجهودات المبذولة ومستوى الكفاءة المطلوبة للاستجابة لشروط ومواصفات الوظيفة التي يشغلها

2 ـ  تحديث منظومة التحفيز

إن التحفيز داخل الأجهزة الإدارية يعد من المسائل الهامة التي تساعد على الأداء الجيد والفعال، لأنه يحقق هدفين: أولا يوفر للموظف الإطمئنان الشامل على مستقبله المهني ويضمن له الظروف المادية والمعنوية الملائمة، ومن جهة أخرى يضمن للإدارة الفعالية والكفاءة عبر تشجيعه على رفع مستوى الأداء وجودته. لذلك يتعين مراجعة أسس التحفيز المادي ومعاييرها بشكل جدي وعادل ومبني على قواعد موضوعية لكونها تشكل عاملا من عوامل الرضا التي يستمدها الموظف من أنظمة العمل، وتشمل الحوافز المادية الأجور والرواتب والتعويضات والمكافآت مقابل الإنجازات التي يمارسها وتشكل الدخل الوحيد للموظف.

وإذا كان تحفيز المستخدمين عملية تتسم بالصعوبة والتعقيد، فإن دور إدارة الموارد البشرية وإسهامات أطرها تبقى مهمة في تفعيل عملية التحفيز وتحقيق جودتها، لهذا ففهم وإدراك أهميته، يشكل دعما أساسيا لنجاحه، مما يستدعي أن يكون الطاقم الذي يعمل في إدارة الموارد البشرية والمشرف على سياسة التحفيز ذو خلفية علمية عالية، عارفا بالأصول والقواعد المعرفية المتعلقة بمهنة إدارة الموارد البشرية، وأن يكون له بالدرجة الأولى خبرة عملية في مجال التدبير.

كما يعد الأجر من بين أهم وأبرز أنواع الحوافز في كافة الإدارات، لهذا فالجهات المسؤولة أصبحت حاليا ملزمة بإصلاح منظومة الأجور بالنسبة للعاملين بالجماعات، وذلك من خلال الزيادة فيها وجعلها تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المجتمع.

كما تستأثر الترقية الإدارية بأهمية قصوى لدى الموظف الجماعي. ونظرا للأهمية التي تحظى بها الترقية، فقد أصبح لزاما تجاوز المشاكل التي تصطدم بها لكي تمارس دورها في تحفيز الموظف الجماعي، من خلال رفع مرد وديته وزيادة إنتاجيته.

إذن فالترقية تحتل مكانة مهمة ضمن مكونات التحفيز الإداري، لكن فعاليتها تظل ترتبط بمدى استحقاق الموظف لها، أي مدى ارتباطها بالمردودية والكفاءة وبمستوى الأداء.

إذن لتحقيق هذه الأهداف وإصلاح مختلف الاختلالات التي تعاني منها منظومة تدبير الموارد البشرية على المستوى الترابي، فلا بد من الإسراع بإخراج قانون وظيفة عمومية ترابية يراعي خصوصيات الموارد البشرية المختلفة سواء بالنسبة لفئة الموظفين العموميين أو المستخدمين المتعاقدين أو الفئات البشرية العاملة على المستوى اللاممركز، أو باقي الأعوان العاملين في هذا المجال، ومن شأن هذا التأطير القانوني أن يوضح الوضعية القانونية لكل هذه الفئات ويشكل ضمانة مهمة تساعد على تحقيق نوع من الاستقرار الوظيفي لهؤلاء ووسيلة فعالة للتدبير الجيد وتحسين الأداء.

كما أن تنصيص المشرع في القوانين التنظيمية الجديدة على إحداث هياكل إدارية خاصة بتسيير أمور موظفي الجماعات الترابية، يشكل خطوة مهمة تستحق التنويه في سبيل تحقيق الاحترافية والموضوعية في تدبير شؤون الموظفين ويتواءم مع تحديات التدبير المحلي وما يتطلبه من تخصص واستقرار في التسيير الإداري ومن واقع تدبير الموارد البشرية المحلية  والذي يبرر مسألة تخويل بعض الاختصاصات التقنية لمدير إداري تناط به مسؤوليات مسطرية وإجرائية ذات طبيعة عملية ويومية، بعدما كان الأمر محصورا في يد رؤساء مجالس الجماعات الترابية. لابد إذن من إعادة ترتيب المنزل المحلي، على حد تعبير بعض الأساتذة والمهتمين[30]، بما يضمن للسياسي سلطة تحديد السياسات وللإداري صلاحيات التنفيذ تماشيا مع ما تم تسطيره من خيارات وفي إطار النصوص القانونية. هذا التوازن المنشود قد يشكل المدخل لتكريس خصوصية الوظيفة العمومية المحلية وأيضا حمايتها.

[1]  ـ مداخلة في الندوة الوطنية المنظمة بكلية الحقوق بفاس بتاريخ 9 و10 نونبر 2017 في موضوع الإصلاح الإداري.

[2]  ـ عتيق السعيد، الجماعات الترابية وتأهيل الموارد البشرية الجماعية، السبت  9  فبراير  2013        http://www.marocdroit.com

[3]  ـ يدخل في تعريف الموارد البشرية على المستوى الترابي مختلف الكفاءات البشرية التي تتحمل مسؤولية إدارية أو تدبيرية، ويهم هذا المفهوم على الخصوص المكونات الرئيسية الثلاثة أي المنتخبين المحليين، مستخدمي الجماعات الترابية ومستخدمي المصالح اللاممركزة، ونظرا لتنوع أوضاع هذه الفئات فسنحاول التركيز أساسا على موظفي هذه الجماعات لما لهم من دور أساسي في عملية تدبير وتسيير أمورها.

[4]  ـ انظر نص الخطاب السامي الذي ألقاه جلالة الملك في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة للبرلمان بتاريخ 14 أكتوبر 2016.

[5]  ـ انظر القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية. التي أفردت بابا خاصا للنظام الأساسي للمنتخب الجماعي، والذي يتبين من تحليل مقتضياته أن الحقوق والضمانات الممنوحة للمنتخبين المحليين كالعطل الاسثنائية أو التصريحات بالغياب القانوني أو الحق في الوضع رهن الإشارة أو الحق في الانتقال الوظيفي أو في تعويضات الوظيفة والتمثيل والنقل كلها إجراءات إيجابية من شأنها أن تفضي في المدى البعيد إلى الرفع من جاذبية الوظائف الانتخابية المحلية.

[6]  ـ مرسوم رقم 2.77.738 بتاريخ 13 شوال 1397 (27 شتنبر 1977) بمثابة النظام الأساسي  لموظفي الجماعات. ج.ر عدد 3387 بتاريخ 28/9/1977، ص:2728. كما تم تعديله وتتميمه بالمرسوم رقم، 2.80.255 بتاريخ 13 أكتوبر 1980 والمرسوم 2.85.265 بتاريخ 29 ربيع الأول 1407، (2 دجنبر 1986).

[7]  ـ ظهير 24 فبراير 1958، منشور بالجريدة الرسمية 2372 الصادرة بتاريخ 11 أبريل 1958 كما تم تعديله وتتميمه.

[8]  ـ ينص الفصل السادس من مرسوم 1977: “يتكون الموظفون العاملون بالجماعات من: موظفي الجماعات المعينين وفق أحكام الأنظمة الأساسية الخاصة  في الأطر المرتبة في سلالم الأجور من 1 إلى 9، الأعوان المؤقتين والمياومين والعرضيين، الأعوان المتعاقدين الموضوعين رهن إشارة الجماعات، إطار كتاب الحالة المدنية وإطار مراقبي الحالة المدنية”.

[9]  ـ ينص الفصل الرابع من القانون المنظم للوظيفة العمومية لسنة 1958:” أن هذا القانون الأساسي يطبق على سائر الموظفين بالإدارات المركزية للدولة وبالمصالح الخارجية الملحقة بها.”

[10]  ـ انظر تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي: تدبير وتنمية الكفاءات البشرية: رافعة أساس لنجاح الجهوية المتقدمة. 2013 ، ص: 16. www.cese.ma

[11]  ـ تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مرجع سابق، ص: 60.

[12]  ـ ظهير 30 شتنبر 1976، الخاص بالميثاق الجماعي، ج.ر، عدد 3335 مكرر الصادرة بتاريخ فاتح أكتوبر 1976.

[13]  ـ  القانون 111.14 المتعلق بالجهات، (ظهير شريف رقم، 1.15.83 صادر في 20 رمضان 1436(7 يوليو2015)، ج.ر عدد 6380 بتاريخ 6 شوال 1436(23 يوليو2015) والقانون 112.14 الخاص بالعمالات والأقاليم، ظهير شريف رقم 1.15.84 صادر في 20 من رمضان 1436(7يوليو2015) والقانون 113.14.ظهير شريف رقم 1.15.85 صادر في 20 من رمضان 1436(7 يوليو2015)، ج.ر عدد 6380، بتاريخ 6 شوال 1436(23 يوليو2015)، ص:6661.

[14]  ـ المادة 127 من القانون111.14 المتعلق بالجهات،  والمادة 121 من القانون 112.14 الخاص بالعمالات والأقاليم، والمادة 129 من القانون 113.14.

[15]  ـ عبد الرحمان حداد، تأملات أولية حول انبثاق وظيفة عمومية محلية. المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 124، شتنبرـ أكتوبر 2015 ، ص: 235 وما بعدها.

[16]  ـ وهذا ما أكده جلالة الملك في خطابه ل14 من أكتوبر 2016:” إن االمرافق والإدارات العمومية ….تعاني من التضخم ومن قلة الكفاءة وغياب روح المسؤولية لدى العديد من الموظفين……إن المسؤولية تتطلب من الموظف، الذي يمارس مهمة أو سلطة عمومية تضع أمور الناس بين يديه، أن يقوم على الأقل بواجبه في خدمتهم والحرص على مساعدتهم. والواقع أن الوظيفة العمومية لا يمكن أن تستوعب كل المغاربة. كما أن الولوج إليها يجب أن يكون على أساس الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص.”

[17]  ـ عبد الرحمان حداد، مرجع سابق، ص:244.

[18]  ـ تدبير وتنمية الكفاءات البشرية، تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مرجع سابق، ص: 59.

[19] ـ سعيد شكاك، إكراهات الموظف العمومي وآفاق تجاوزها، الأربعاء 26 ديسمبر 2012. www.marocdroit.com  انظر أيضا: عبد العزيز رشدي، الإدارة المغربية ومتطلبات التحديث، نونبر 2015.   http://cmdi.ma

[20]  ـ سعيد شكاك، مقال سابق.

[21]  ـ في الوقت الذي كان فيه قانون 78.00 في مادته 28 ينص على ضرورة توفر رئيس المجلس الجماعي على شهادة الدروس الابتدائية على الأقل، فإن القوانين التنظيمية الجديدة المتعلقة بالجماعات الترابية لم تشترط أي مستوى دراسي مما يطرح الكثير من التساؤلات حول مستقبل تدبير هذه الجماعات، في الوقت الذي اتفقت فيه الأغلبية والمعارضة خلال مناقشة القوانين التنظيمية على ضرورة توفر الرئيس على شهادة الباكالوريا على الأقل، الشيء الذي لم يؤخذ بعين الاعتبار. انظر بهذا الخصوص: عبد الكبير حيضرة، الوظيفة الجماعية بالمغرب: الواقع والرهانات.المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد124، شتنبر/ أكتوبر 2015، ص:226.

[22]  ـ حسب الفصل 26 من الظهير الشريف رقم 1.58.008 الصادر بتاريخ 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي للوظيفة العمومية فإن الأجرة “تشتمل على المرتب والتعويضات العائلية وغيرها من التعويضات والمنح المحدثة بمقتضى النصوص التشريعية والنظامية”.

[23]  ـ المناظرة الأولى للجماعات  المنعقدة بمراكش تحت شعار:” من الوصاية إلى التعايش” من فاتح إلى 4 دجنبر 1977.

[24]  ـ المادة 126 من القانون التنظيمي الخاص بالجماعات.

[25]  ـ المادة  127 من القانون التنظيمي الخاص بالجماعات.

[26]  ـ جواد الخرازي، الجماعات الترابية وإشكالية تأهيل الموارد البشرية http://www.alkanounia.com   تاريخ المشاهدة 10 شتنبر 2017. انظر أيضا، عتيق السعيد، الجماعات الترابية وتأهيل الموارد البشرية الجماعية، السبت 9 فبراير  2013        http://www.marocdroit.com

 

[27]  ـ تجدر الإشارة إلى أن مرسوم  2 دجنبر 2005 المتعلق بالتكوين المستمر المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5386 الصادرة بتاريخ 12 يناير 2006، لا يسري على موظفي الجماعات الترابية  بصريح المادة الأولى منه التي نصت  على أن التكوين المستمر يشمل  موظفي الدولة وأعوانها دون موظفي المؤسسات العامة والجماعات الترابية، وبالتالي فإن مجال تطبيق هذا المرسوم ينحصر في موظفي الدولة، مما يعني أن واضع هذا المرسوم جسد سياسة الدولة في مجال إصلاح منظومة التكوين على المستوى المركزي تاركا للجماعات الترابية والمؤسسات العمومية فرصة إعداد تصورات محلية على مستوى التكوين المستمر لفائدة الموظفين المحليين وموظفي المؤسسات العمومية. انظر عبد الكريم حيضرة، الوظيفة الجماعية بالمغرب. المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 124، شتنبر / أكتوبر 2015،ص:229.

[28]  ـ هكذا أوصت لجنة الموارد البشرية بمناسبة انعقاد المناظرة الوطنية الخامسة للجماعات الترابية (المنعقدة بالرباط تحت شعار التطابق من 21 إلى 23 أبريل 1992)  بضرورة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتدعيم تكوين الموظفين الجماعيين من خلال ما يلي:- إشراك الأطر المتخصصة والكفأة التي تتوفر عليها الجماعات في تأطير مدارس التكوين وذلك من أجل ضمان تكوين عملي يستوحي مواده ومنهجيته من التجارب المعاشة في الجماعات. – إحداث تخصصات في ميدان تسيير وتدبير الجماعات الترابية في الجامعات والمدرسة الوطنية للإدارة العمومية والمعاهد العليا. كما أن المناظرة الوطنية السادسة للجماعات الترابية،( المنعقدة بتطوان تحت شعار تكوين وإعلام المنتخبين من 28 إلى 30 يونيو 1994) والتي تم تخصيصها لموضوع التكوين، حيث تم اقتراح خلق مصلحة لتكوين الموظفين الجماعيين على مستوى الجماعات، الشيء الذي سيسمح لهذه الأخيرة من لعب دورها في وضع سياسة تكوينية تتلاءم مع خصوصياتها، كما دعت كذلك إلى إحداث المعهد العالي للجماعات الترابية، لتكوين الأطر العليا في مجال التسيير الجماعي. بالإضافة إلى ذلك دعت المناظرة الوطنية السابعة للجماعات الترابية إلى فتح مجال التكوين المستمر للأطر الجماعية والمنتخبين ليشمل تخصصات جديدة لمسايرة التطور العملي والحاجيات الحقيقية للإدارة الجماعية خاصة في ميدان المعلوميات، التسيير المحاسبي، التخطيط، المجال البيئي والمحافظة على الصحة…

[29]  ـ عبد الكريم حيضرة، مرجع سابق. ص:231.

[30]  ـ عبد الرحمان حداد، تأملات أولية حول انبثاق وظيفة عمومية محلية. مرجع سابق، ص:240.