التقارير الموضوعاتية للمجلس الأعلى للحسابات و رهانات تحديث التدبير العمومي

د/ رشيد قاعدة باحث في القانون العام

525

تعكس التصريحات الحكومية وبرامج التحديث المعتمدة خلال العقد الأخير منظورا جديدا للارتقاء بأسس التدبير العمومي بالمغرب، كما تتضمن منطلقات جديدة لإرساء إدارة خدومة، حديثة، فعالة، مسؤولة ومواطنة قريبة من انشغالات المواطنين.و هو ما تجسد من خلال التصاريح الحكومية المقدمة أمام البرلمان لسنتي 2000 و 2012 والذي تضمنا تصورا جديدا لتحديث التدبير العمومي بالمغرب، تمثلت أهم توجهاتهم في:

تحديث ورفع فعالية الإدارة من خلال اعتماد مقاربة جديدة للتدبير على النتائج وحسن أداء الحسابات، وتطوير وتدقيق حسن الأداء.

  • تحسين تدبير الموارد البشرية من خلال تشجيع ثقافة للتدبير المرتكز على الاستحقاق وحسن الأداء، إرساء مناهج للتدبير التوقعي للموارد البشرية وتعزيز قدرات الموارد البشرية من خلال التكوين المستمر.
  • استكمال مخطط الإدارة الإلكترونية حتى يتم تعميمها على جميع لمرافق العمومية.
  • اعتماد الافتحاص والتدقيق الخارجي والداخلي للمرافق العمومية، وترشيد أساليب التدبير.
  • تقييم السياسات العمومية بهدف تتبع الفعالة و النجاعة داخل الإدارة[1].

هكذا انخرطت الحكومة المغربية في وضع إستراتيجية تروم تحديث الإدارة والدولة على حد سواء وتكييفها مع المستجدات التي عرفتها أنماط وطرق التدبير العمومي الحديث في المنظمات العمومية. وهي إصلاحات عميقة تسعى إلى تكييف البنيات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد ومحيطها المؤسساتي والقانوني والإداري مع المتغيرات الواقعة والاستجابة للمتطلبات الأكثر إلحاحا للتنمية الاجتماعية.

لذا، كان من الطبيعي أن تضغط المستجدات التي لحقت جوانب التنظيم داخل الدولة في اتجاه ضرورة تغيير الإدارة لطريقة اشتغالها، ونمط عملها. وهو ما أوجب ضرورة صياغة إستراتيجية متكاملة للإصلاح، تسعى بالأساس إلى الارتقاء بالتدبير العمومي إلى مستوى يستجيب للتحديات الجديدة.

وفي هذا الإطار جاء الخطاب الملكي الموجه لأعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى، من السنة التشريعية الأولى، من الولاية العاشرة يوم الجمعة 17 أكتوبر 2016،الذي كان له وقع خاص، ورسالة مباشرة و صريحة للهيئات السياسية، معريا بذلك عن واقع الإدارات العمومية،و منبها إلى المعاناة التي يتكبدها المواطن في علاقته معها،و هي المعاناة التي تصل حد عرقلة الاستثمارات في البلاد كما تمس المواطنين المغاربة في الخارج،و تدفع هؤلاء إلى اللجوء للملك طلبا للإنصاف.

و شخص الملك أعطاب الإدارات العمومية مؤكدا أن المرافق و الإدارات العمومية تعاني من عدة نقائص،تتعلق بالضعف في الأداء و جودة الخدمات التي تقدمها للمواطنين،إضافة إلى إشارة جلالة الملك إلى أن” الهدف الذي يجب أن تسعى إليه كل المؤسسات،هو خدمة المواطن،و بدون قيامها بهذه المهمة،فإنها تبقى عديمة الجدوى.بل لا مبرر لوجودها”.مبرزا أن الغاية من المؤسسات،” هي تمكين المواطن من قضاء مصالحه في أحسن الظروف و الآجال،و تبسيط المساطر،و تقريب المرافق و الخدمات الأساسية منه”.باعتبار النجاعة الإدارية يقول جلالة الملك،”معيار لتقدم الأمم[2].

و بالإضافة إلى تقديم الخطاب الملكي السامي للتشخيص الواقعي للتدبير الإداري بالمغرب،فإنه قدم أيضا خطة شاملة تنبني على الانتقال من نموذج إداري ذي تسيير تقليدي من الطراز البيروقراطي، إلى نموذج للتسيير التدبيري الحديث. وبهذا المعنى يصبح التحديث أساسا كمراجعة لنموذج الدولة-العناية، وذلك ليس بتفكيكها ولكن بإحداث تعديلات على نظامها الأساسي وموقعها الاجتماعي. خاصة و أن البرامج الرامية إلى إصلاح الإدارة العمومية التي تبنتها الحكومات المغربية على مر السنين لم تستطيع تغيير نمط اشتغال الإدارة العمومية لتواكب التغييرات والتطورات المتسارعة.

إن التدفق الكبير للمهام المنتظرة من الدولة يتطلب تنظيما هيكليا جديدا بدل اللجوء إلى سياسة التخلي، وهو ما استدعى تبني مبدأ إعادة توزيع المهام والصلاحيات، والذي يشكل مرتكزا محوريا لتحقيق مستوى ملائم من الفعالية والعقلانية الإدارية داخل كل المنظمات الإدارية بدون استثناء[3].

إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أنه قد عملت القوانين المالية على تفعيل هذا المبدأ والمرتكز على النتائج وحسن الأداء باعتباره إحدى أهم الرهانات لبرامج تحديث وتطوير الرقابة على المال العام ووضع الهيئات الخاضعة لرقابته في قلب مقاربة التغيير التي تمكنها من رسم تصور جديد للمرافق العامة حتى تكون منفتحة وأكثر استجابة لحاجيات المواطنين.و من هذا المنطلق فقد عمل المجلس الأعلى للحسابات على القيام بدراسات تقنية تشخيصية للعديد من البرامج العمومية،مع اقتراح الاقتراحات و التوصيات الكفيلة بتجاوزها، حيث أن من أهم الدراسات التي قام بها المجلس خلال السنوات الممتدة من سنة 2013 إلى غاية سنة 2016 تلك المتعلقة بتدبير الدين العمومي،وكذا تلك المتعلقة بتشخيص منظومة التقاعد بالمغرب ومقترحات الإصلاح،إضافة إلى الدراسة التي همة الجبايات المحلية،دون أن ننسى الدراسات التشخيصية،لكل من التدبير المفوض للمرافق العامة المحلية،و الإستراتيجية الوطنية للمغرب الرقمي 2013،و تدبير منازعات الدولة،و مراقبة تسيير المكتب المغربي للملكية الصناعية و التجارية،و تدقيق الحسابات السنوية للأحزاب السياسية و فحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي.

و من خلال ما سبق يمكن طرح الإشكالية المحورية كتالي، “إلى أي حد ساهمت التقارير الموضوعاتية للمجلس الأعلى للحسابات في تحديث التدبير العمومي في ظل التطورات التي تعرفها منظومة الرقابة الحديثة على المال العام؟ .

و للإجابة عن هذه الإشكالية الرئيسية كان لابد من القيام بدراسة تحليلية لهذه التقارير        و بصفة شمولية و تركيبية حتى نتمكن من توضيح أهم مضامين هذه التقارير(المبحث الأول)،ثم انعكاساتها على التدبير الإداري و المالي و أفاق الإصلاح (المبحث الثاني).

 

المبحث الأول:الدراسات التقنية والتشخيصية للمنظمات العمومية الإطار القانوني       و المضمون المساهم في تحسين الأداء

إن من أهم الأدوار التي أصبح يلعبها المجلس الأعلى للحسابات بعد صدور مدونة المحاكم المالية لسنة 2002، العمل عل تطوير الآليات الرقابية للكشف عن الاختلالات في التسيير و التدبير للأجهزة الخاضعة لرقابته كمدخل فسيح للوصول لأهداف التدبير العمومي الحديث،و هو ما كان أساسيا للقيام بدراسات تقنية تشخيصية و تقييمية للمنظمات العمومية و مدى مساهمتها في تحديث التدبير العمومي، فما هي إذن أهم مضامين هذه التقارير ؟.  و ماهو الأساس القانوني لهذه الدراسات التي تقوم بها المحاكم المالية؟ (المطلب الأول)،و ماهي أهم مضامين هذه التقارير؟ (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الأسس القانونية للدراسات التشخيصية و التقيميية للمحاكم المالية.

لقد عرفت التقارير التشخيصية للمنظمات العمومية عدة تطورات،لا من حيث الكم ولا من ناحية الكيف، و تجد هذه التقارير أساسها القانوني من المادة 75 من القانون رقم    62-99 بمثابة مدونة المحاكم المالية، هذه التقارير التي تأتي استجابة لمطالب مختلف المهتمين بحقل الرقابة على المال العام،أو بالنظر لآنيتها حيث أن الضرورة تفرض أحيانا معالجة بعض المواضيع على شكل دراسات تقييمية و تشخيصية لبعض المنظمات العمومية التي مافتئ هيئات المجتمع المدني تطالب بافتحاصها(حالة أنظمة التقاعد)،كما يمكن أن تكون هذه الدراسات نتيجة لمعالجة المحاكم المالية لنفس الموضوع أثناء تطبيق برامجها السنوية كما هو الحال (لحالة التدبير المفوض  للمرافق العامة المحلية)،و بتالي ضرورة تجميع هذه المعلومات للخروج بتصور ودراسة شاملة حول موضوع ما.

و يتم اختيار هذه المواضيع بمبادرة للرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات حيث يعمل على تشكيل لجنة تضم قضاة يمثلون مختلف المجالس الجهوية للحسابات،وكذا غرف المجلس الأعلى للحسابات،حيث يتم توزيع أعضاء اللجنة على شكل فرق، كل فرقة تتكلف بجزئية معينة من التقرير ليتم في الأخير اجتماع مختلف أعضاء اللجنة تحت إشراف الرئيس الأول قصد الاتفاق على إعداد الصيغة النهائية للتقرير قصد نشرها بالموقع الرسمي للمجلس الأعلى للحسابات، حتى يتمكن العموم من تفحصها،هذه الدراسات التي غالبا ما تعمل على تشخيص الوضعية،ثم تقديم أهم المقترحات و التوصيات الكفيلة بتجاوز العراقيل             و الصعوبات، كما يمكن لهذه التقارير التشخيصية أن تكون محل مناقشة أمام غرفتي البرلمان كما هو حال التقرير المتعلق بأنظمة التقاعد.

ومنذ بداية عمل المحاكم المالية سنة 2004،فإن التقارير التشخيصية و التقييمية للمنظمات العمومية ظلت غائبة عن عمل المجلس الأعلى للحسابات،إذ لم يتم إصدار أول تقرير تقييمي إلا مع بداية سنة 2014، أي بعد عشر سنوات من عمل المحاكم المالية. لكن دون أن ننسى أن المجلس الأعلى للحسابات قد قام ببعض الدراسات في هذا الإطار متعلقة بالتخطيط الإستراتيجي و ذلك بناءا على طلب من منظمة الأمم المتحدة سنة 2007.

لكن التساؤل المطروح لماذا هذا التأخر في القيام بهذه الدراسات التقييمية و التشخيصية؟.

في نظرنا فإن ذلك راجع لعدة عوامل أهمها أن تجربة المحاكم المالية هي جد فتية وجديدة،حيث لم يتم تفعيل تطبيق مقتضيات المادة 75 من القانون رقم 62.99،إلا بعد مرور أكثر من عشر سنوات على بدأ عمل المحاكم المالية،حيث لم تمارس هذا الاختصاص إلا بعد اكتساب الخبرة و المهارة في مجال التدقيق و التقييم و التشخيص كأحد أهم أهداف المحاكم المالية لتحقيق ما يعرف بالتدبير العمومي الحديث،كما أن عملية التقييم            و التشخيص تحتاج لتجميع مجموعة من المعلومات حول محور ما وهو ما لا يتأتى إلا من خلال برمجة هذا المحور بالبرامج السنوية لدى مختلف المحاكم المالية،مع الإشارة إلى أن بعض الدراسات قد جاءت استجابة لضغوطات خارجية من هيئات المجتمع المدني          و السياسي المهتمة بالحقل المالي كما هو الشأن للتقرير المتعلق بالدين العمومي كما سنوضح ذلك لاحقا خلال المطلب الثاني .

المطلب الثاني: مضمون الدراسات التقيميية و التشخيصية للمجلس الأعلى                   للحسابات.

لقد كان نتاجا لانفتاح المجلس الأعلى للحسابات خاصة و المحاكم المالية عامة،على مختلف النماذج و التجارب المقارنة في مجال تحديث التدبير العمومي،تطويرا في مناهج العمل، و ذلك عبر القيام بدراسات تشخيصية لمختلف الأجهزة التابعة لها،و إن كان القاسم المشترك بينها هو الجانب المالي و الإداري،فإن بعضها تناول جوانب تمت معالجتها لأول مرة من طرف هذا الجهاز الرقابي المغربي،حيث تناولت جوانب قانونية و تقنية و هو ما سيتم تحليله في هذا المطلب.

الفرع الأول:مضمون الدراسات ذات الطابع المالي و الإداري.

من خلال تفحص التقارير التشخيصية و التقيميية الصادرة عن المحاكم المالية فإنها  من ناحية التطور الزمني نلاحظ أن الجانب المالي و الإداري  كان غالبا على مختلف هذه الدراسات، و مرد ذلك راجع للدور الكلاسيكي و الأصلي للمحاكم المالية ألا وهو الرقابة على المال العام التي تعتبر إحدى أهم أولويات عمل المحاكم المالية لما لها من انعكاسات على التدبير العمومي بالمنظمات العمومية الخاضعة لرقابته.فماهي يترى هذه الدراسات؟.

 

أ.الدراسة المتعلقة بالدين العمومي

من بين أولى التقارير التي أصدرها المجلس الأعلى للحسابات في هذا الإطار التقرير المتعلق بالدين العمومي سنة 2014،وذلك بالنظر لأهمية هذه الدراسة في ظل تزايد الضغوطات المفروضة على الحكومة الحالية بخصوص عمليات الاقتراض والسياسة المالية للدولة،و كذا السياسة الحكومية في مجال تدبير الدين العمومي والتي عرفت ارتفاعا قياسيا لم يسبق له مثيل منذ حصول المغرب على استقلاله سنة 1956 إلى اليوم.

هذه الدراسة مكنت من الوقوف على إيجابيات وسلبيات سياسة تدبير الدين العمومي ووقفت على مراكز الداء إضافة إلى تقديم توصيات في هذا الإطار لتجاوز هذه الوضعية.

خاصة و أن الهدف الأساسي من تدبير الدين العمومي يتمثل في تأمين تمويل قار ودائم مع الحد من الكلفة والمخاطر المرتبطة به على المدى البعيد وذلك بالتحكم بين مصادر التمويل الداخلية والخارجية والمساهمة بالتالي في تنمية سوق الخزينة.

ولقد وقف المجلس الأعلى للحسابات في إطار هذه الدراسة التشخيصية التقنية على مجموعة من الملاحظات كغياب إطار رسمي لتدبير المخاطر يوضح المشمولة منها وكذا إطار تحليلها وتقييمها وكما أن تدبير المخاطر لا يعتمد على أية إستراتيجية مرجحة لتدبير التحكيم بين الكلفة والمخاطر المحتملة التي تكون الهدف الأساسي لتدبير الدين. مما شكل مؤشرا سلبيا على التدبير العمومي للدين العام بالبلاد.

ولوحظ كذلك أن النظام المعلوماتي الحالي المتعلق بتدبير الدين لا يتضمن وظيفة تدبير المخاطر ولا يسمح باستخراج مباشر وتحليل المعطيات لغرض اتخاذ القرار كما أنه لا يسمح بربطه بأنظمة أخرى لتدبير المخاطر.

لقد كان الهدف الأساسي في المغرب من تدبير الدين العمومي إلى غاية بداية الثمانينات هو البحث عن توفير الأموال اللازمة لتمويل برامج الاستثمار المعتمدة من طرف الدولة. وفي هذا الإطار تم اللجوء إلى الأسواق المالية الدولية.وقد أفضت هذه الوضعية إلى بلوغ الدين الخارجي مستويات غير قابلة للتحمل مما اضطر المغرب إلى اعتماد سلسلة من إعادات جدولة الديون بين 1983 و1992.

و بدءا من سنة 1993 تميز تدبير الدين بتبني مقاربة جديدة قائمة على توزيع جديد بين الموارد الداخلية والخارجية من أجل تقليص الدين الخارجي وتكاليفه للوصول إلى مستوى مقبول.أما ابتداء من سنة 2000 فإن تدبير الدين العام كان بهدف إيجاد وسائل تمويلية للمشاريع الكبرى بالبلاد،بالإضافة إلى تمويل الإستراتيجيات الوطنية لتحديث التدبير العمومي كما هو الحال لبرنامج الإدارة الإلكترونية و المغرب الرقمي …إلخ.

و تهدف إستراتيجية تدبير الدين إلى تمكين خزينة الدولة من تعبئة الموارد المالية الكافية لتغطية احتياجاتها التمويلية، وبالتالي تحقيق التزاماتها المالية، ويكتسي هذا الهدف أهمية كبيرة نظرا لأنه يتعلق بمصداقية الدولة تجاه الدائنين المحليين والدوليين، وتجاه الرأي العام، خصوصا بعد اعتماد القانون الأساسي الجديد للبنك المركزي منذ سنة 2006، والذي يمنح لهذه لمؤسسة المزيد من الاستقلالية في تدبير السياسة النقدية للبلاد.

و يتضح من خلال ما سبق أن هذه الدراسة انصبت على الجوانب المالية مما يؤكد أن هاجس التدبير المالي كان طاغيا على البحث في الجانب الإداري الذي كان حضوره ضعيفا جدا في هذا الإطار.

 

 

ب: الدراسة التقيميية لتشخيص لأنظمة التقاعد بالمغرب.

هذه الدراسة التقييمية التي قام بها المجلس الأعلى للحسابات بخصوص تشخيص أنظمة التقاعد بالمغرب سنة 2015،اهتمت بالجوانب المالية من خلال استحضار الصعوبات المالية لهذه الأنظمة مما تسبب في وقوف أغلبها على حافة الإفلاس، مع الإشارة إلا أن هذا التقرير قد شكل بداية تعاطي المجلس في دراساته التقييمية في رصد بعض جوانب سوء التسيير و التدبير الإداري و انعكاساتها على المنظمات العمومية، و قد جاءت هذه الدراسة في إطار مواجهة هشاشة التوازنات المالية وضعف الفعالية التي يتسم بها نظام التقاعد بالمغرب.لاسيما على مستوى تغطية الساكنة النشيطة،إضافة إلى رصد الاختلالات ذات الطابع الإداري التي تعاني منها هذه الأنظمة. و قد رصد المجلس الأعلى للحسابات في هذا التقرير تشخيص أنظمة التقاعد الوضعية من خلال توضيح الوضعية الصعبة التي تعاني منها بعض هذه الأنظمة على مستوى التدبير المالي و الإداري،حيث خلص إلى ضرورة التعجيل بالقيام بمسلسل من الإصلاحات العميقة لنظام التقاعد يمتد على المدى القصير والمتوسط والطويل.

وقد اتضح اهتمام هذا التقرير بمجال التدبير الإداري من خلال رصد تعدد الأنظمة وعدم تقاربها على المستوى الإداري كان سببا في الأزمة، حيث تم إحداث كل نظام في مرحلة معينة بهدف تغطية فئة خاصة من الساكنة وفق سياق خاص وفي إطار قانوني مختلف، كما أن أنظمة التقاعد الخمسة القائمة حاليا تخضع لقواعد ومبادئ للتسيير غير منسجمة.

و كذا غياب جسور بين الأنظمة القائمة مما يعيق حركية المأجورين ما بين القطاعين العام والخاص ويساهم في عدم مرونة سوق الشغل،إضافة إلى تعدد أنماط الحكامة، إذ يتم تدبير كل نظام وفق نموذج حكامة مختلف.وهو ما يؤكد أن المجلس الأعلى للحسابات في هذا التقرير قد انتقل إلى البحث في جوانب التسيير و التدبير الإداري، مما يؤشر على انتقاله من العمل التقييمي القائم على الجوانب المالية،إلى القيام بدراسة ذات طابع تشخيصي ثنائي مالي و إداري.

أما على المستوى المالي فقد اتضح في التقرير من خلال رصد الاختلالات الهيكلية على مستوى بعض الأنظمة وعدم ديمومتها، إذ استنادا إلى بعض الدراسات الاكتوارية التي تستشرف أفق سنة 2060، فإن مجموع الديون غير المشمولة بالتغطية على صعيد مختلف الأنظمة إلى متم سنة 2011 بلغت 813 مليار درهم. وفي هذا الإطار، ينتظر أن يعاني الصندوق المغربي للتقاعد من عجز مالي ابتداء من سنة 2014. والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في سنة 2021 والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد خلال سنة 2022. وتعتبر وضعية نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد الأكثر استعجالا وإثارة للقلق[4].

وهكذا يتضح أن هذا التشخيص المالي و الإداري كان واضحا في هذه الدراسة التقييمية،وقد كان ذلك واضحا في التقرير حينما أشار إلى أن  وضعية الأنظمة الأكثر هشاشة ستزداد سوءا إذا لم تتدخل السلطات العمومية بشكل عاجل من خلال القيام بإصلاحات شاملة وعميقة وجريئة.ذلك أن هذه القرارات وحدها هي الكفيلة بمساعدة هذه الأنظمة لتصبح فعالة في تدبيرها الإداري و المالي حتى تصبح قادرة على الاستمرار في تقديم خدماتها للمتقاعدين.

 

 

ج: الدراسة التقييمية للتدبير المفوض للمرافق العامة المحلية.

من المستجدات التي أصبح المجلس الأعلى للحسابات يراهن على التقيد بها في إطار عملياته الرقابية، القيام بالعديد من الدراسات المرتبطة بالمرافق العمومية المسيرة في إطار التدبير المفوض،و ذلك عملا بمقتضيات  المادة 75 من القانون رقم 99-62 المنظم للمحاكم المالية.

فقد أصدر المجلس الأعلى للحسابات في أكتوبر لسنة 2014 تقريرا يهم تقييم التدبير المفوض للمرافق العامة التابعة للجماعات الترابية والمتعلقة بقطاعات توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل والنقل العمومي الحضري عبر الحافلات والنظافة، ويتوخى هذا التقييم على الخصوص:

  • تشخيص التدبير المفوض من حيث الفعالية السوسيو اقتصادية بالنسبة للمواطن،

وجودة الخدمات المقدمة للمرتفقين ونجاعة الاختيارات العمومية بالنسبة للملزمين؛

  • استخلاص الاستنتاجات المتعلقة بتجربة التدبير المفوض من خلال تتبع وفحص عينة من أهم العقود؛
  • اقتراح مسالك الإصلاح وبعض سبل تحسين الخدمات العمومية.

وقد لامست هذه الدراسة المتعلقة بالتدبير المفوض للمرافق العامة المحلية، الجوانب المالية و الإدارية، خاصة في مجال تمويل البنيات التحتية الضرورية لتعميم وضمان استمرارية الخدمات العمومية، واعتماد التعريفة الملائمة، وضمان أفضل تناسبية بين الجودة والكلفة ومراعاة الجوانب المرتبطة بحماية البيئة و تحديث تدبير هذا القطاع الحيوي.

و ذلك استنادا على الإطار القانوني للتدبير المفوض[5]، والذي دخل حيز التنفيذ منذ سنة 2006،و الذي يشكل أرضية قانونية دقيقة وملائمة نسبيا لتأطير العقود المبرمة من قبل الجماعات الترابية.

هذا الإطار القانوني الذي فسح المجال لرؤوس الأموال الأجنبية لتمويل البنيات التحتية الضرورية لتعميم وضمان استمرارية الخدمات العمومية، واعتماد التعريفة الملائمة، وضمان أفضل تناسبية بين الجودة والكلفة ومراعاة الجوانب المرتبطة بحماية البيئة و تحديث تدبير هذا القطاع الحيوي.

إلا أنه و على الرغم من الإمكانيات التي وفرها التدبير المفوض في مجال جلب الخبرات الأجنبية و رؤوس الأموال إلا أن ذلك لم يساعد على تحديث التدبير العمومي و تحقيق الغايات المرجوة منه.

إن هذا التحول في عمل المجلس الأعلى للحسابات من خلال اهتمامه في دراساته التقييمية بدراسة الطرق الحديثة لتدبير المرافق المحلية المفوضة، ناتج عن التطور الذي لحق عمل المحاكم المالية، حيث أن هذه الأخيرة أصبحت تخصص حيزا مهما من برامجها السنوية المحددة للهيئات التي ستخضعها للمراقبة،لمعرفة مدى نجاعة بعض طرق التدبير العمومي على المستوى المحلي،كما هو الحال للرقابة التي انصبت على عملية التدبير المفوض للمرافق المحلية التي شكلت حيزا هاما في البرامج السنوية للمحاكم المالية خاصة المجالس الجهوية للحسابات للرباط و الدارالبيضاء و طنجة،و ما رافقها من نقاش عمومي حول نتائجها التي تضمنها التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات لسنة 2012،مما كان دافعا و تحت ضغط هيئات و فعاليات المجتمع المدني المهتمة بحماية المال العام،إلى ضرورة الخروج بدراسة شمولية تعطينا تصور عام على هذه التوجه الذي تبنته الدولة منذ سنة 1997،في إطار التدبير المفوض للمرافق المحلية،مما يؤشر على أن العمل الرقابي للمجلس الأعلى للحسابات لم يعد نابع من اختيار ذاتي حر،بل أصبح يستجيب لآنية بعض المواضيع الحساسة التي تشغل بال الرأي العام،وهو تطور إيجابي يؤشر على انفتاح المحاكم المالية على المحيط الخارجي،و يترجم في شكل دراسات تقييمية و تشخيصية،

هذا التطور في عمل المجلس الأعلى للحسابات و الصدى الإيجابي الذي خلفه هذا التقرير الذي عرى عن أهم نقائص هذا التوجه على المستويين المالي و الإداري، كان دافعا أيضا نحو القيام بدراسات تقييمية لا تقل أهمية عنها تجاوزت دراسة الجوانب المالية و الإدارية لجوانب أخرى كما سنحلل ذلك لاحقا.

     الفرع الثاني: مضمون الدراسة  التقيميية ذات الطابع التقني و المالي و الإداري.

لقد عمل المجلس الأعلى للحسابات على تطوير مناهجه في التعامل مع الدراسات التشخيصية و التقيميية التي يقوم بها،و ذلك من خلال تجاوز الجانب الإداري و المالي،إلى ملامسة جوانب أخرى كالجانب التقني، الذي كان حاضرا في هذه الدراسة المتعلقة بتقييم إستراتيجية المغرب الرقمي 2013 « MN 2013 » وفي هذا الصدد تم حصر حصيلة إنجازات البرامج والمشاريع التي تندرج ضمن هاته الإستراتيجية،وتم التوقف على أوجه الحكامة و الحكامة المالية وقيادة الإستراتيجية، وكذا  تقييم مدى إنجاز الأهداف المنشودة لهذه الإستراتيجية، وذلك عبر تحليل بعض المؤشرات التي حددتها الإستراتيجية،كتكنولوجيا المعلومات والاتصالات المعمول بها دوليا، وذلك على اعتبار ذلك من مدخلات التدبير العمومي الحديث.

و يلاحظ أن المجلس الأعلى للحسابات في هذه الدراسة قد عرف تطورا هاما و ذلك عبر تحليل العديد من الجوانب التقنية مما يأكد أن المجلس أصبح يتجاوز الاقتصار عن البحث في الجوانب الإدارية و المالية،إلى البحث في جوانب أخرى ذات طابع تقني صرف،حيث أن الجانب المالي كان حاضر فقط حينما أكدت هذه الدراسة على أنه و على الرغم من تحديد الإستراتيجية للغلاف المالي المرصود لكل أولوية على حدة، فإنها لم تحدد نوعية مصادر التمويل المعبأة، كما أنها لم ترصد أية ميزانية للإجراء المواكب الأول المتعلق بالرأسمال البشري.

أما الجانب الإداري فقد كان حاضرا من خلال البحث في الإجراء المواكب الأول للإستراتيجية والمتعلق بالرأسمال البشري، حيث تضمن خمس إجراءات عملية.وتبين حصيلة إنجازها أن ثلاثة مشاريع لم يشرع بعد في إنجازها ويتعلق الأمر بإنشاء آلية لتدبير مخططات التكوين وتطوير مبادرات التكوين باعتماد الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتحسين قابلية حاملي شهادات السلك الثاني الجامعي للتشغيل[6].

وبتالي فإن هذا التحول في منطق التعامل مع الدراسات التقيميية و التشخيصية جعلت المجلس الأعلى للحسابات يقوم بدراسات أخرى ذات طبيعة خاصة كما سنلاحظ لاحقا.

     الفرع الثالث: الدراسة التقييمية ذات الطابع القانوني و المالي و الإداري.

لقد قام المجلس الأعلى للحسابات بإجراء دراسة حول تقييم  تدبير المنازعات القضائية للدولة وهي دراسة تم الاعتماد فيها على تحليل الجانب القانوني بعمق و ذلك بالنظر للصبغة القانونية للوكالة القضائية للمملكة، حيث وقف المجلس على العديد من الصعوبات التي تحد من فعالية هذا الجهاز المكلف بتمثيل الدولة و الدفاع عن حقوقها  فيما يتعلق بالحالة التي تكون الدولة مدعى عليها،و تتعلق بإثبات دين على الدولة أو مكاتبها أو مؤسساتها العمومية.حيث أن من أهم تلك الصعوبات تلك المتعلقة بظهير 1953 المنظم للوكالة القضائية للمملكة،إضافة إلى الصعوبات المرتبطة بعلاقة هذه الأخيرة بالمحاكم،ويلاحظ أنه و في إطار هذه الدراسة التقييمية لأول مرة يتناول المجلس الأعلى للحسابات بالتحليل المستفيض للجوانب القانونية و تحليل نص قانوني و ما له من تأثيرات على الجوانب المادية و البشرية وهو معطى جديد يؤسس لثقافة جديدة في نمط عمل المجلس و إصداراته التقييمية.

غير أنه و على الرغم من الصبغة القضائية لهذه المؤسسة فإن ذلك لم يمنع المجلس الأعلى للحسابات في هذه الدراسة من تحليل الجوانب المالية حيث أشار هذا التقرير إلا أن عدد الدعوى المرفوعة ضد الدولة مابين سنة 2008 إلى غاية سنة 2012 قد تجاوزت 30.000 قضية [7]. مع ما قد رافق ذلك من ديون في ذمتها جراء الأحكام الصادرة ضدها خاصة في مجال الاعتداء المادي،حيث مابين سنة 2006 إلى غاية سنة 2013 قد ناهز المبلغ المالي الواجب أدائه من طرف الدولة جراء الأحكام و القرارات القضائية في إطار الاعتداء المادي 550 مليون درهم سنويا[8].وهو مبلغ ليس بالهين و أتقل و لاشك كاهل الذمة المالية للدولة،هذا مع العلم أن نسبة الأحكام الصادرة لصالح الدولة مابين سنة 2009 إلى غاية سنة 2013 قد ناهزة 67% بينما الأحكام و القرارات الصادرة ضدها قد ناهزت 33%.

كما حاول المجلس من خلال هذه الدراسة التقييمية ملامسة العوائق الإدارية المرتبطة بالعنصر البشري داخل الوكالة القضائية للمملكة،و التي يرجع الأصل فيها للنص القانوني المنظم لهذه الوكالة الذي أصبح متجاوز ولا يستجيب لمتطلبات التدبير العمومي الحديث.

إن ما يمكن قوله بخصوص هذه الدراسة هو أن المجلس الأعلى للحسابات قد تجاوز دور الخبير المالي و الإداري،إلى دور أخر غريب و حديث في نمط عمل المجلس ألا وهو دور الخبير و المستشار القانوني و هذه أهم ميزة اتسمت بها هذه الدراسة التقييمية موضوع الدرس.

    الفرع الرابع: الدراسة ذات الطابع المالي.

قام المجلس الأعلى للحسابات سنة 2016[9] بدراسة تقييمية تهم تدقيق الحسابات السنوية للأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي برسم السنتين الماليتين 2013-2014.غير أن هذه الدراسة قد تميزت فقط بدراسة الجوانب المالية المتعلقة الدعم العمومي الذي تمنحه الدولة للهيئات السياسية،وكذا تحليل الأرقام المتعلقة بمواردها ونفقاتها،و إن كان لذلك ما يفسره فإن مرد ذلك راجع للنص الدستوري و القانوني الذي يحصر عمل المجلس الأعلى للحسابات في هذا الإطار في رقابة الجوانب المالية فقط بالنسبة لهذه الهيئات السياسية.

المبحث الثاني: انعكاسات الدراسات التشخيصية و التقييمية على التدبير العمومي.

لقد كان للدراسات التقييمية و التشخيصية التي قام بها المجلس الأعلى للحسابات دور جد مهم في تحديد مختلف أوجه القصور التدبيرية لمختلف الأجهزة التي قام بتشخيصها،كما كان لهذه الدراسات دور آخر لا تقل أهميته عن سابقه و تتجلى في توضيح الأدوار الجديدة التي أصبح يلعبها المجلس في هذا الإطار،خاصة من خلال الانتقال من دور المراقب المالي إلى دور المستشار الاقتصادي و الخبير القانوني و الإداري، و هي أدوار جديدة على المجلس فرضتها المتغيرات التي طالت حقل الرقابة على المال العام، و كذا مواكبة المستجدات الرقابية الجديدة التي تتخذ من مبدئي الحكامة و تحديث التدبير العمومي، محددا أساسيا لتطوير الأجهزة الخاضعة لأجهزة الرقابة العليا على المال العام.

هذا التطور الذي عرفته ميكانيزمات عمل المجلس الأعلى للحسابات من خلال الدراسات   و التقارير التقييمية و التشخيصية،كان له انعكاسات جد هامة سواء بالنسبة للأجهزة التي خضعت للتشخيص و التقييم،أو بالنسبة للآثار التي رافقت إصدار هذه الدراسات (التقارير)،بالنسبة للرأي العام و مختلف المهتمين بحقل الرقابة على المال العام بالمغرب،

الفرع الأول: الإنعكاسات الناتجة عن الدراسة المتعلقة بالدين العمومي.

لقد كان للدراسة المتعلقة بالدين العمومي دورا هاما في توجيه الحكومة نحو إعادة تمويل الديون ذات نسب فائدة مرتفعة قبل أن يحين أجل سدادها،و استبدالها بديون جديدة بسعر فائدة أقل، ثم إعادة التفاوض بشأن اتفاقيات القروض الموقعة مع بعض الدائنين بهدف تقليص نسبة الفائدة الأصلية إلى مستويات تتلاءم مع نسب الفائدة المعمول بها على الصعيد الدولي، وأخيرا عبر ميكانيزم تحسين بنية الدين العمومي من العملة الصعبة، خاصة تلك التي تم اقتراضها بالدولار الأمريكي والين الياباني لجعلها تتلاءم مع المرجعية بالدرهم[10].

الفرع الثاني: الإنعكاسات الناتجة عن الدراسة المتعلقة بأنظمة التقاعد.

أما فيما يخص الدراسة المتعلقة بأنظمة التقاعد فقد كانت أهم الدراسات ذات الأثر الكبير في تنبيه الحكومة و رأي العام بالمخاطر التي تعرفها هذه الأنظمة المتجهة نحو الإفلاس،إذ مباشرة بعد إصدار المجلس لهذا التقرير سارعت غرفتي البرلمان إلى عقد عدة جلسات لمناقشة هذا التقرير،كما عقد البرلمان جلسة لمناقشة هذا التقرير بحضور الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات الذي قدم هذا التقرير، وخاصة و أن هذه الدراسة التشخيصية لتدبير مختلف أنظمة التقاعد قد أسفرت عن تسجيل مجموعة من الملاحظات لمختلف أنظمة التقاعد بالمغرب،و أخيرا تحديد أوجه حكامة و تحديث تدبير أنظمة التقاعد[11].

حيث أبرز تحليل المجلس الأعلى للحسابات لهذه الأنظمة إلى أنها تعرف عدة اختلالات على مستوى التدبير في شقيه المالي و الهيكلي.و أن هذه الأنظمة ستعرف منحى تراجعيا ابتداء من سنة 2014. وستعرف الاحتياطات المالية لهذه الأنظمة انخفاضا هاما لتصبح سلبية ابتداء من سنة 2021. كل هذه العوامل كانت لها انعكاسات على الوضعية المالية و الميزانياتية لهذه الأنظمة مما ساهم في تكريس أزمتها المالية و الإدارية، مما يؤشر على غياب وجود أي التخطيطات المسبقة، و بتالي غياب و جود مدلولين هامين للتدبير الجيد ألا وهما التخطيط الإستراتيجي كعنصر مهم لمفهوم الحكامة المالية، إضافة إلى غياب الفعالية و النجاعة في عمل هذا الأنظمة مما يأشر على غياب مقومات التدبير العمومي الحديث.

كما أن تراكم ديونها، دليل قاطع على غياب أبسط مناهج التدبير العمومي الحديث،مما جعل هذه الصناديق تعيش نوعا من التخبط في العشوائية و الامبالاة، إذ أن هذه الأزمة التدبيرية لهذه الصناديق كان الضحية الأكبر فيها هو المنخرط الذي سيجد نفسه يوما ما بدون حق في المعاش مما يؤثر على عامل مهم ألا وهو السلم الاجتماعي.                        لقد رافقت هذه الدراسة تداعيات كبرى تتجلى في ضرورة إيجاد حل لأزمة أنظمة التقاعد،حيث أصبحت الشغل الشاغل للمركزيات النقابية الكبرى الرافضة لوصفة الإصلاح التي تقدمت بها الحكومة،بناء على توصيات المجلس الأعلى للحسابات حيث عرفت القوانين المتعلقة بإصلاح نظام التقاعد نوعا من التعثر داخل البرلمان،و ذلك بسبب تمسك كل طرف متدخل في هذه العملية بمواقفه، إلا أنه و قبل نهاية الولاية الحكومية أي قبل الإنتخابات التشريعية ل 7 أكتوبر 2016،تمت المصادقة من طرف غرفتي البرلمان على القانون رقم    71.14[12]،بتغيير و تتميم القانون رقم 011.71،المحدث بموجبه نظام المعاشات المذنية،ويمكن القول أن هذه الدراسة تعتبر أهم دراسة صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات بالنظر للانعكاسات الهامة التي خلفتها و حركت كل من السلطة التنفيذية و التشريعية      و حتى النقابات المهنية و مختلف فعاليات المجتمع المذني،و من هنا يمكن القول أن المجلس أصبح عاملا حاسما في تقويم الاعوجاج وتنبيه الحكومة و البرلمان إلى بعض المخاطر التي تخص الأجهزة الخاضعة لرقابته.

الفرع الثالث: الإنعكاسات الناتجة عن الدراسة المتعلقة بالتدبير المفوض للمرافق   العامة المحلية

إن ما يمكن ملاحظته بالنسبة للدراسة المتعلقة بالتدبير المفوض للمرافق العامة المحلية،أنها إحدى أهم الدراسات التي نتج عنها عدة تداعيات ارتبطت أساسا بمطالب هيئات المجتمع المدني بإعادة النظر في عقود التدبير المفوض للمرافق العامة  المحلية،خاصة أن هذا التقرير قد تضمن العديد من الملاحظات عرت عن أوجه القصور في التدبير لهذه المرافق المفوض تدبيرها للخواص،إذ لاحظ المجلس الأعلى للحسابات أنه لم يتم استثمار كل الإمكانيات والمؤهلات التي يتيحها نمط التدبير المفوض، وذلك بسبب اختلالات تدبيرية تهم غياب التخطيط في تحديد الحاجيات من طرف السلطة المفوضة، وغياب هيئة مستقلة تكلف بمهام الخبرة والتنسيق والتتبع واليقظة. ومن معيقات التدبير المفوض أيضا، ضعف الإدارة الجماعية من حيث المؤهلات والكفاءات القادرة على الاضطلاع بالالتزامات المنصوص عليها في عقد التدبير المفوض، وخاصة مهام التتبع والمراقبة التي تعتبر إحدى أهم مكونات التدبير العمومي الحديث.

كما تمت ملاحظة هامة تتجلى في كون التدبير المفوض على المستوى المحلي يعرف عدة  معيقات أخرى ناتجة عن نظرة محلية قاصرة و لا تأخذ بعين الاعتبار، بصفة كافية البعد البين جماعاتي والجهوي.إضافة إلى غياب التنسيق مما لا يتناسب و متطلبات التدبير العمومي الحديث التي تتطلب أساسا تحديد دور كل السلطات المتدخلة بشكل أكثر دقة.مما يؤشر على غياب وجود الحكامة المالية في عمل هذه الشركات المفوض لها، من خلال خرق البنود التعاقدية المضمنة في عقود التدبير المفوض التي تهدف أساسا إلى تعزيز المداخيل المالية للجماعات المحلية و كذا الرفع من جودة الخدمات و بالتالي تحديث التدبير بهذه القطاعات الحيوية المرتبطة أساسا بالمعاش اليومي للمواطن.

و يمكننا القول أن هذا العجز المالي يؤكد الفشل الذي تعاني منه هذه الشركات المفوض لها تدبير قطاع النقل على المستوى المحلي، فإذا كانت عقود التدبير المفوض تتحدث عن تحديث القطاع وفق متطلبات التدبير العمومي الحديث القائم على جلب التكنولوجيا الحديثة، و الرفع من جودة الخدمات و إعادة هيكلة القطاع لتحسين الأداء       و تحقيق راحة المواطن/الزبون، فإنه في ظل هذا العجز المالي فإن الحديث عن تحديث تدبير هذا القطاع يبدو من المستحيلات،نظرا لافتقاد هذه الشركات المفوض لها لأدنى شروط التدبير العمومي الحديث المتمثل في الحفاظ على التوازن المالي للشركة.و اعتبارا للصعوبات البنيوية التي يعرفها القطاع و التي أبان عنها هذا التقرير، فإن جميع الفعاليات المهتمة بتدبير الشأن العام المحلي، قد تحركت خاصة بالمدن الكبرى عبر وقفات احتجاجية خاصة بمدينة طنجة ضد شركة أمانديس المفوض لها تدبير قطاع الماء و الكهرباء        و تطهير السائل بجهة طنجة – تطوان،و أمام هذه الضغوطات الناتجة عن صدور تقرير المجلس الأعلى للحسابات في هذا الإطار فقد تدخل رئيس الحكومة شخصيا لحل هذه الأزمة و ذلك عبر حث هذه الشركات المفوض لها تدبير المرافق العامة المحلية على إعادة النظر في العقود الرابطة بينها وبين الجماعات الترابية من جهة، ومن جهة أخرى عبر تحسين جودة الخدمات،إضافة إلى دعوة السلطات العمومية إلى رفع التحديات التي تكمن في فتح أوراش تحديث هذه المرافق المحلية المفوضة من أجل تحسين العرض وجودة الخدمات.

و يمكن القول أن هذه الدراسة التي قام بها المجلس الأعلى للحسابات قد ساهمت     و بشكل مباشر في توعية السلطات العمومية بالهفوات التي يعرفها نظام التدبير المفوض للمرافق العامة المحلية،وقد تجاوب مع مضمونها كل الفعاليات على المستوى الوطني       و المحلي،و من تم يبدو لنا الانعكاسات الهامة التي خلفتها هذه الدراسة،خاصة بالنسبة للحكومة عبر تنبهيها إلى ضرورة التدخل العاجل لإصلاح هذه الوضعية،لكن السؤال المطروح لماذا تأخرت هذه الدراسة لمدة تزيد عن 16 سنة من تطبيق التدبير المفوض للمرافق العامة المحلية بالمغرب؟. هل لأن التجربة كانت لازالت فتية؟أم أن ذلك راجع لتراكم مجموعة من الخبرات بعد العمليات الرقابية في إطار مراقبة التسيير التي قامت بها المجالس الجهوية للحسابات في هذا الإطار لكل من شركات ليدك بالبيضاء و أمانديس بطنجة      و ريضال بالرباط.

الفرع الرابع: الإنعكاسات الناتجة عن الدراسة المتعلقة بإستراتيجية المغرب الرقمي

تعتبر الدراسة التي همت ما يعرف بإستراتيجية المغرب الرقمي واحدة من بين أهم الدراسات،و ذلك بالنظر لما تضمنته من حقائق مثيرة حول تدبير هذه الإستراتيجية من انعكاسات و إن كانت أقل حدة من سابقتها،إذ نبه من خلالها المجلس الأعلى للحسابات الحكومة إلى ضرورة اتخاذ التدابير الازمة عبر القيام بتفعيل استراتيجيات قطاعية تحدد المحتويات التفصيلية لكل مشروع، وكذا المساطر التي ستتبع لبلوغ الأهداف،على اعتبار أن برنامج الحكومة الالكترونية أنجز بشكل مستقل ودون وجود وثيقة مرجعية شمولية، كما هو منصوص عليه في الإجراء العلمي رقم 11 من الإستراتيجية[13].

كما نبه المجلس من خلال هذه الدراسة الحكومة إلى أن الإجراء المواكب الخاص بالرأسمال البشري، والذي يعد حجر الزاوية في مواكبة الإستراتيجية، لم يستفد من بلورة أية إستراتيجية خاصة به تحدد البرنامج المفصل لمحتواه ومسلسل تنفيذ مختلف الإجراءات المبرمجة في إطاره، وكذا تحديد الفئات المستهدفة، مما يؤكد عدم وجود أدنى مقومات التدبير العمومي الحديث في ظل هذه الإستراتيجية التي خصص لها مبالغ مالية من المال العام، وهو ما جعل الحكومة مضطرة إلى إعادة النظر في هذه الإستراتيجية بالنظر للانعكاسات التي خلفتها في هذا الإطار.

الفرع الخامس: الإنعكاسات الناتجة عن الدراسة المتعلقة بتقييم تدبير المنازعات   القضائية للدولة

هذه الدراسة المتعلقة بتقييم تدبير المنازعات القضائية للدولة،تعد أول دراسة شاملة في هذا الإطار التي لعب فيها المجلس الأعلى للحسابات دور المستشار القانوني و الإداري بالإضافة للمالي،و قد عرى عن مختلف جوانب القصور التي يعرفها تدبير هذا القطاع،إلا أنه مع الأسف لم تتجاوب الحكومة بشكل كبير مع هذه الدراسة، عبر اتخاذ تدابير عملية لتجاوز الصعوبات التدبيرية و القانونية التي تعرفها الوكالة القضائية للمملكة،و يبقى الانعكاس الوحيد لهذه الدراسة الهامة هو تجاوب السلطة التشريعية مع ما ورد في تقرير المجلس الأعلى للحسابات بهذا الخصوص،وذلك عبر طرح العديد من الأسئلة الشفوية،    و التي لم ترقى لدرجة تغيير الإطاريين القانوني و الإداري للوكالة القضائية للمملكة.

الفرع السادس: الإنعكاسات الناتجة عن الدراسة المتعلقة بتقييم تدقيق الحسابات السنوية للأحزاب السياسية و فحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي.

فيما يخص التقرير حول تدقيق الحسابات السنوية للأحزاب السياسية و فحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي،فإنه و على الرغم من الاهتمام البالغ الذي رافقه إبان نشره على الموقع الإلكتروني للمجلس الأعلى للحسابات من لدن كل الفعاليات المهتمة بحقل الرقابة على المال العام،و كذا مختلف الفعاليات السياسية،فإن نتائجه و انعكاساته الحقيقية لم تظهر إلا بعد الانتخابات التشريعية (7 أكتوبر 2016)، و التي أعطت الفوز فيها للحزب الحاكم (العدالة و التنمية)، ب 126 مقعدا،و بصفتنا كباحثين و بعدين عن الصراعات السياسية،فإنه من وجهة نظرنا كباحثين في المجال القانوني و من خلال تحليل هذه الدراسة التي قام بها المجلس الأعلى للحسابات،يتضح أن التدبير الغير المعقلن للمال العام من لدن مجموعة من الأحزاب السياسية، قد استعمل كورقة عقابية في يد الناخب لتحديد اختياراته   و توجهاته السياسية لاختيار مرشح هذا الحزب أو ذاك،والدليل على ذلك أن بعض الأحزاب التي تقاعست في تقديم حساباتها السنوية، و تقديم نفقاتها برسم الدعم العمومي، قد فقدت العديد من المقاعد البرلمانية مقارنة مع ما حققته في الانتخابات التشريعية لسنة 2011، من تم فإن هذه الدراسة و إن كانت موضوعة في قالبها الأصلي المتمثل في التدقيق في الحسابات و صحة النفقات، فإن دورها الغير المعلن عنه و الخفي يتمثل في تنوير الرأي العام بمصير المال العام المستعمل من طرف الأحزاب السياسية، مما سيساهم في تحديد معالم الخريطة السياسية المقبلة،و إبعاد الأحزاب المتلاعبة بالمال العام،هذا لا يعني أن المجلس الأعلى للحسابات قد أصبح يتدخل في أمور سياسية بعيدة عن مجال اختصاصاته المحددة قانونا،بل أن طبيعة تقاريره التشخيصية و التقييمية هي التي تفرض ضرورة التعامل معها بمنطق التحليل و الاستنباط لما ورد فيها، مما يساهم في تفاعل الرأي العام معها مع ما يترتب عن ذلك من انعكاسات،من خلال معاقبة الأحزاب المتلاعبة بالمال العام من جهة، ومن جهة أخرى من خلال اتخاذ تدابير مستعجلة من طرف الحكومة،أو عقد جلسات عمومية بالبرلمان لمناقشة ما جاء في هذه التقارير على غرار التقارير السنوية للمجلس الأعلى للحسابات.

إنه و من خلال تتبع المسار الكرونولوجي للدراسات التقييمية و التشخيصية الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، يتضح لنا أن المجلس قد وسع من مجالات تدخلاته و ذلك عبر إصدار دراسات و تقارير متنوعة المجالات،و لم تقتصر على الجانب المالي الصرف،بل تمت إضافة مجالات أخرى كالجانب القانوني،و الإداري،و القضائي و،التقني…إلخ،مما يؤشر على نضوج تجربة المحاكم المالية في مجال تحديث الرقابة على المال العام و بتالي تحديث التدبير العمومي،و ذلك على الرغم من التأخر الكبير الذي عرفته في هذا الإطار خاصة فيما يخص إصدار تقارير تقييمية تشخيصية إذ انتظر المجلس الأعلى للحسابات لمدة 25 سنة على تأسيسه،و 10 سنوات على شروع المحاكم المالية في عملها حتى يخرج بهذه الدراسات و التقارير السالف ذكرها، و التي على الرغم من هذا التأخر لا يمكن إلا أن نقول أن المجلس أصبح يتأثر بالمواضيع الهامة و الحساسة المرتبطة بالرقابة على المال العام و تحديث التدبير العمومي التي تستأثر باهتمام الرأي العام،وهو مؤشر على خروج المجلس من قوقعته و انغلاقه على نفسه،و بداية انفتاحه على محيطه الخارجي و ممارسة دور المستشار و الخبير المالي،و الإداري،و الاقتصادي،و القانوني،مما جعل منه و بواسطة تقاريره التقييمية و التشخيصية عاملا مؤثرا في رصد الاختلالات التدبيرية  و كشفها للرأي العام،مع ما يترتب عن ذلك من نتائج لا تكون في غالب الأحوال لصالح المسؤلين عن تدبير القطاعات موضوع المراقبة،إضافة إلى لعب دور المنبه للحكومة       و البرلمان عبر حثهما على ضرورة القيام ببعض الإجراءات التصحيحية من أجل تقويم الاعوجاج.

1- عبد الحق عقلة:” دراسات في علم التدبير”، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص111.

2- الخطاب الملكي الموجه لأعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى، من السنة التشريعية الأولى، من الولاية العاشرة يوم الجمعة 17 أكتوبر 2016،جريدة الأخبار، العدد 1203، الإثنين 17 أكتوبر 2016.

– أحمد صابير:” النظام الإداري المغربي بين التقليد والتحديث”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم [3] القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس، أكدال، الرباط  2002/2003، ص 326.

4– التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات 2012.

5– الظهير الشريف رقم 1.06.15 الصادر في 15 من محرم 1427 (14 فبراير 2006)،بتنفيذ القانون رقم 54.05 المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العامة،والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5404 بتاريخ 2006/03/16 الصفحة744.

6- www.cours des comptes.ma le 22/10/2014 à 18:10

 

7 – www.cours des comptes.ma le 22/10/2014 à 19:40

 

8- www.cours des comptes.ma le 16/04/2016 à 19 :15

9-www.cours des comptes.ma le 16/04/2016 à 19 :15

10 –  www.cours des comptes.ma le 16/04/2016 à 19 :33

 

 

11- www.cours des comptes.ma le 16/04/2016 à 19 :33

12 – الظهير الشريف رقم 1.16.109 الصادر في 16 من ذي القعدة 1437 (20 أغسطس 2016)،بتنفيذ القانون    رقم.71.14 المغير و المتمم بموجبه القانون رقم 011.71،بتاريخ 12 ذي القعدة 1391 (30 ديسمبر 1971)،المحدث  بموجبه نظام المعاشات المذنية،والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 6495 مكرر،بتاريخ 30 أغسطس 2016،الصفحة 6442.

13- نفس المرجع السابق ص 3.