إعداد الجهوية بالمغرب: بين إشكالية التحديد المفاهيمي وصعوبة التنزيل

479

إعداد الجهوية بالمغرب: بين إشكالية التحديد المفاهيمي وصعوبة التنزيل

من إعداد الأستاذ نورالدين بوعمالي

 

 

يعد مصطلح الجهوية أو الجهاتية من المصطلحات الحديثة في المعجم الفرنسي، وقد ظهر في سنوات الستينيات من القرن الماضي، إلا أن مضمونها يرجع لزمن قديم، وهي مشتقة من مصدرها الأصلي “الجهة”، كأن نقول مثلا: Régionaliser une stratégie de développement يعني جعل  الإستراتيجية التنموية[1] جهوية البعد، و نقول أيضا، جعل الظاهرة جهوية، دون تجاوز حدودها الإدارية أو الجغرافية أو الثقافية… مع الأخذ بعين الاعتبار العنصر الطبيعي والبشري المتحكم في رسم حدود الجهة، التي تشكل الإطار الجغرافي الذي تنشأ وتنمو وتتطور فيه الجهوية بجميع آلياتها ووسائلها ووظائفها الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية… هذه العناصر قد تزدهر بفعل الحكامة والتدبير الاستراتيجي للتراب الجهوي والعدالة الاجتماعية والمجالية، مما ينتج عنه توسعا عموديا وأفقيا للجهوية وذلك في إطار منظومة ذات مكونات تتسم بالتناغم والتقاطع والتكامل، منفتحة ومندمجة مع باقي جهات التراب الوطني.

بالمقابل قد يشوب الجهوية بعض الاختلالات في منظومتها كالفساد وسوء التدبير الترابي، فيتمخض عن ذلك الإقصاء الاجتماعي والتهميش المجالي، مما يكرس هشاشة الجهوية وتخلفها وتقسيم مجالها الترابي، فيصبح مجالها ملحقا و تابعا للمركز وفي جميع المجالات، بل قد يؤدي حتما إلى زوالها.

بيد أن الجهوية بالمغرب تظل مشروعا وورشا لا يزال في بداية نشأته مع غياب تخطيط استراتيجي واقعي وواضح للحكومات التي توالت على إدارة وإعداد التراب الوطني والتي عجزت عن إرساء اللامركزية واللاتمركز اللذان يشكلان العناصر الأساسية للجهوية.

في هذا الإطار، يمكننا أن نطرح مجموعة من الاستفهامات المغذية للإشكالية العامة والتي تفرض نفسها بحدة: هل توجد فعلا جهوية بالمغرب؟ أم هناك فقط تقسيم ترابي إلى جهات، تأوي مجالس جهوية شكلية لاتمارس معظم اختصاصاتها؟ إذا كان الأمر كذلك، فماهي الإكراهات التي حالت دون إرساء الجهوية بالمغرب؟ وما هي الاسترتيجية المتبعة القادرة على إعطاء البدائل الحقيقية لإرساء تنمية ترابية وعدالة مجالية مندمجة مع باقي الجهات المغربية؟

للإجابة عن هذه الإشكالية سنتطرق لدراسة وتحليل العناصر التالية:

  • المفهوم اللغوي والاصطلاحي للجهة؛
  • صعوبة التحديد المصطلحي للجهوية؛
  • علاقة الجهة بالجهوية وصعوبة تنزيلها.

 

 

 

 

 

  • المفهوم اللغوي والاصطلاحي للجهة
  • مفهوم الجهة لغة

يرجع أصل كلمة “جهة” région حسب معجم Le petit Robert[2]  إلى اللغة اللاتينية regio والتي تحمل أكثر من معنى: إذ يقصد بها autorité سلطة كما يقصد بها pouvoir نفود ويقصد بها أيضا direction يعني اتجاه ووجهة وإدارة ويقصد بها كذلك contrée يعني قطر، كما قد تنم في حالات أخرى عن حد وتخم frontière.

يفهم بالجهة أيضا، طرف من الجسم: “كأن نقول مثلا يعاني المريض بآلام في جهة القلب أو في جهة البطن”.

أما بالنسبة للغوي الشيخ محمد بن مكرم الإفريقي المصري المعروف بابن منظور (711ه) فالجهة عنده مرادفة للوجهة “وهما جميعا: الموضع الذي تتوجه إليه وتقصده”[3].

ونقول  كذلك “رأيته في جهة” Je l’ai vu quelque part أو “من كل جهة” De tout parts.

أما بالنسبة للغوي، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (817ه) فالجهة: ج. جهات، يقصد بها “الناحية”[4] : فنقول مثلا هذا من جهة أو من ناحية D’une part، ومن جهة أخرى أو من ناحية أخرى D’autre part.

وقد يقصد بكلمة جهة،  “قسم” partie أو “منطقة” « zone »: كما هو الشأن بالنسبة “لمنطقة أو جهة حدودية، جبلية، صحراوية…”.

هناك أيضا تقطيعا ترابيا يتعلق بالأسقفية أو المطرانية les évêchés  “جهات بيعية أو كنسية”   régions ecclésiastiques، “وجهات جامعية” régions universitaires لأن مصطلح recteur رئيس الجامعة أو مدير معهد ديني مشتقة من اللاتينية regere (diriger) كما هو الحال بالنسبة لكلمة région جهة.

  • المفهوم الاصطلاحي للجهة

إن المفهوم الاصطلاحي لكلمة “جهة” يحمل أيضا أكثر من معنى ومرادف لمجموعة من الألفاظ، إذ يظل مصطلحا “پوليسيميا” polysémique وصعب التحديد، قد يختلف باختلاف الحقول العلمية المستعملة له، في هذا الصدد سوف نقتصر على ذكر بعضها:

 

 

  • تعريف القانون الإداري المغربي للجهة

الجهة هي جماعة ترابية (كانت تسمى سابقا بجماعة محلية)[5] تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، تحتوي على مجموعة من الأقاليم والعمالات، تضم جماعات حضرية وجماعات قروية، يترأس الجهة رئيس مجلس الجهة وهو الآمر بالصرف حسب دستور 2011، كما يوجد والي على رأس كل ولاية، يوجد مقرها بالمدينة الأكثر استقطابا على مستوى الجهة والتي تشكل عاصمتها الجهوية، وقد تم تقسيم التراب المغربي حسب التقطيع الإداري الجديد إلى 12 جهة بعدما كان يتكون من 16 جهة.

ويعود استعمال كلمة جهة إلى عصور جد قديمة بما أن روما القديمة Rome antique  تم تقسيمها في إطار التقسيم الترابي إلى 4 جهات وبعدها إلى 14 جهة، على رأس كل جهة مركز وسلطة وقد بقي هذا المفهوم للجهة شائعا خلال العصور الوسطى وكان يقصد به أحيانا المجال المحيط بالمدينة وفي حالات أخرى وبشكل أكثر غموض “قطر” Contrée.

  • المفهوم التاريخي للجهة

تظهر الجهات التاريخية على شكل مشاهد جد متنوعة يوحدها التاريخ المشترك للساكنة، فجهة الباسك le pays Basque بها  مناطق ساحلية وجبال شامخة (شاسعة) إلا أن الذي يوحدها ليس العنصر الطبيعي وإنما الإحساس بالانتماء لنفس المجال والساكنة، في هذا النوع من الجهات نجد الحس الإقليمي sentiment régionaliste والحس الذاتي S. autonomiste بل وحتى الحس الاستقلالي والتحرري S.indépendantiste[6] حاضرين بقوة، هذا الإحساس بالهوية يشكل المادة اللاحمة لتماسك الجهة ووحدتها، مما ينم عن التعصب الجهوي أو ما يمكن أن نصطلح عليه “بالجهوياتية” Le régionalisme.

  • المفهوم الجغرافي للجهة

جغرافيا ومن حيث التوجيه، يقصد بالجهة “الناحية” إذ تم تقسيم التراب إلى جهات جغرافية: جهة الشمال، جهة الجنوب، جهة الغرب، جهة الشرق، جهة الشمال الغربي، جهة الشمال الشرقي، جهة الجنوب الغربي، جهة الجنوب الشرقي، جهة الوسط، جهة أقصى البلاد، جهة أدنى البلاد…

كما يراد بالجهة أيضا تقسيم المجال الترابي اعتمادا على معيار واحد أو أكثر، وهي كذلك مفهوم يكشف عن كيانات مجالية ذات مقاييس جغرافية متنوعة ومتدرجة (من المقياس الصغير إلى المقياس الكبير)، حيث انتقل مفهوم الجهة في اللغات الشائعة (الكثيرة النطق) من “كيان مدرك ومعاش”   entité perçue et vecue إلى مفهوم قد يعبر عن “بلد” pays، أو وطن أو قطر أو مصر، ج. أمصار.

فالمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية INSEE قطع التراب الفرنسي إلى عدد كبير من الجهات الفلاحية، ذات أحجام جغرافية مصغرة réduite على شكل وحدات متماسكة ذات طابع فلاحي، إذ بلغ عددها حوالي 600 جهة (وهذا التقسيم يتوافق مع النظام القديم pays بلاد أو قطر).

كما أن بعض الشركات الفرنسية مثل الشركة الوطنية للسكك الحديدية لها تقسيماتها الجهوية الخاصة بها، وقد تم تقسيم التراب الفرنسي من طرف الإدارة العسكرية إلى عدة جهات عسكرية، ذات أحجام مجالية شاسعة.

هناك أيضا، تقسيمات إدارية، اصطلح عليها الجغرافيون “جهة رسمية” région officielle أو جهة برنامج région programme لأنها تتطابق وتتلاءم مع الهدف أو البرنامج الخاص بها، كما أن نوعا آخرا يطلق عليه جهة انتقالية أو وسطية région intermédiaire وتسمى كذلك بجهة انتقالية région de transition نسبة لمجال انتقالي يربط بين جهتين مختلفتين من حيث العناصر المكونة للمشهد الطبيعي أو البشري.

وقد استعملت كلمة جهة من قبل هيئات ومنظمات عالمية بمقاييس ومعايير مختلفة، فالجهة في بعدها الواسع بالنسبة لمنظمة الأمم المتحدة هي كيان جيوسياسي، إذ تم تقسيم العالم إلى جهات عدة ذات امتدادات مجالية جد شاسعة، قد يطرأ عليها تغيير بين الفينة والأخرى وذلك وفق المصالح الاستراتيجة للدول العظمى، و التي تعتبر بمثابة مجالها الحيوي، مثال: جهة الشرق الأوسط، جهة جنوب شرق آسيا والعالم الصيني مما أدى إلى تشكل قوى جهوية puissances régionales (إقليمية) أو نزاعات جهوية conflits régionaux، كما أن هيئات دولية organismes internationales مثل الاتحاد الأوربي UE أو ALENA (اتفاقية التبادل الحر لدول شمال أمريكا) والتي يطلق عليها منظمات أو اتحادات جهوية [7]unions régionales.

بين هذه المقاييس القصوى والدنيا لمفهوم الجهة نجد المفهوم الجغرافي الكلاسيكي لها، خاصة على المستوى الوطني، فالجهة هي حلقة وصل بين ما هو محلي وما هو وطني من ناحية، و بين ما هو وطني وما هو دولي من ناحية أخرى، كما يعتمد الجغرافيون دائما في تحديد مفهوم الجهة على الخاصية أو العنصر السائد والمهيمن عليها والذي يعمل على وحدة تماسكها وتحديد كيانها، في هذا الإطار نجد مصطلح الجهة مرادفا لكلمة “منطقة “Zone،  نذكر على سبيل المثال:

  • جهة حضرية نسبة للتكتل السكني والبشري المهيمن على الجهة والتي تتميز بحدود حضرية غير واضحة، في هذا الإطار، أقر [8]Vidal De la Blache (1910) قائلا بأن: “المركز هو الذي ينجب الجهات” « les régions se naissent du centre » إلا أن الجهات هي الأخرى، قد تساهم في نشأة وتحديد المركز، لأن العلاقة بينها تظل تفاعلية وتكاملية: قد يصبح المركز هامشا والهامش مركزا كما هو الشأن بالنسبة لمراكز القرار السياسي والاقتصادي العالمي أو بالنسبة أيضا لمراكز القرار على المستوى الوطني لمجموعة من الدول، فالمغرب مثلا عرف تحولا عبر التاريخ فيما يخص مراكز القرار والمتمثلة حسب الدول التي تعاقبت على حكم المغرب (فمن فترة الأدارسة إلى الدولة العلوية، نجد بالترتيب كل من: فاس، مراكش، مكناس، فاس، الرباط).
  • جهة جبلية نسبة لتواجد سلاسل جبلية تكون هي أساس وحدة تماسكها: كجهة الهيملايا، جهة الألب، جهة الأطلس، جهة الريف…؛
  • جهة قطبية، نسبة لتواجدها بأحد القطبين: جهة القطب الشمالي، جهة القطب الجنوبي؛
  • جهة مدارية أو استوائية، نسبة لانتمائها لمناخ مداري أو استوائي…، فيكون نوع المناخ هو أساس وحدتها النطاقية؛
  • جهة غابوية نسبة لتواجد غطاء نباتي كثيف يكون هو أساس وحدتها وتماسكها، كجهة الأمازون؛
  • جهة صحراوية أو واحية، نسبة لتواجد صحراء أو واحة تكون هي أساس وحدتها وتكتلها: مثل جهة درعة-تافيلات…

قد تأخذ الجهة أيضا مفهوما يحدده التوسع المجالي الكبير للمدينة مثل الجهة الباريزية أو جهة ليون نسبة لتواجد قطب حضري كبير، قادر على استقطاب الهوامش و المنطقة الخلفية للمدينة، في هذا الإطار نجد كل من Pierre George  و  Bernard Kayser ألغو مفهوم الجهة الطبيعية والجهة التاريخية باعتبار أن الجهة هي مجال يستقطبه المركز والذي غالبا ما يشكل عاصمة جهوية، هذا التصور الجديد للجهة ظهر بقوة والذي يعتمد على تحليل المدن المستقطبة لمجالها.

نظرا لتعدد المعاني والمفاهيم لمصطلح جهة ولمرادفاتها الممكنة حاول الكثير من الجغرافيين توحيد وتعميم المصطلح، كما هو الحال بالنسب ل Roger Brunet الذي اقترح إعادة تحليل كل المصطلحات التي تطرح مشاكل أو التباسات في تحديد المفهوم مع احتواء بعض المصطلحات الجديدة مثل [9]Géon والمراد بها مجال مكيف أو مشكل espace façonné من قبل (نسق) منظومة مميجلة ومحددة système spatialisé identifiable بقياس متغير وقد تم تطبيق هذه المنظومة على واد الموز Vallée de la Meuse وعلى ميدل الغربية Middel West. إلا أن الجهة بالنسبة ل Roger Brunet هي “المفهوم الأكثر غموض والأكثر جدال في الجغرافيا”.

 

 

  • صعوبة التحديد المصطلحي للجهوية

أكيد أن مفهوم الجهوية   La régionalisation قريب جدا من المصطلح الحديث régionalisme، إذ تم تحديدها انطلاقا من تفويت وإسناد اختصاصات إدارية واقتصادية لفائدة الجهات، في هذا الصدد نميز بين مفهومين مختلفين تماما:

  • من الناحية القانونية

يقصد بالجهوية، تحديد الجهات عبر التقسيم الإداري للمجال قصد تدبير التراب، إذ تم تقطيع التراب الفرنسي في إطار الجهوية إلى 22 جهة، وتعتبر بمثابة أشكال اللامركزية واللاتمركز لتجسيد سياسة الدولة، يعني تفويت اختصاصات ومهام من طرف المركز لفائدة الجهات، كما هو الشأن بالنسبة لفرنسا، خاصة مع المشروع الاستفتائي[10] لسنة 1969، الذي بادر به الجينرال دوغول، وكرستها قوانين  Gaston Deffere[11] في سنة 1982.

في هذا الإطار، فالجهوية هي التطور التكاملي للامركزية واللاتمركز والعمل الفعلي بمقتضياتهما على مستوى الجهات المكونة للوطن، وتكون العلاقة بين المركز والجهات علاقة تنسيق وتواصل بل وتضامن قصد تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية والمجالية.

  • من الناحية الاقتصادية

يتم تحديد الجهوية حسب معجم Dictionary of trade policy terms[12] في إطار مجموعة من الإجراءات المتخذة من قبل الحكومات قصد ليبرالية أو تسهيل التجارة على المستوى الجهوي، كما تتخذ أحيانا إجراءات على مستوى مناطق التبادل الحر أو على مستوى تكتلات لها نفس النظام الجمركي.

فالجهوية حسب Charles Atangana “هي عملية لترقية التبادلات الاقتصادية والمالية على مستوى جهة مرسومة ومحددة بطريقة جيوستراتيجية وسياسية”.

في هذا الإطار قد تتقاطع الجهوية مع العولمة، إذ عرفا تطورا في الاستعمال اللفظي والدلالي عند نهاية الثمانينيات وخلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، فتم استعمال لفظ الجهوية في مفهومها الاقتصادي الضيق أحيانا لتدل عن العولمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بفتح الحدود للتبادلات الاقتصادية، وقد يكون لها مفهوما مخالفا تماما للعولمة خاصة في حالة تفاعل عناصرالجهوية على المستوى الداخلي و قلة تواصلها مع محيطها الخارجي، وهذا ما أقره [13]Jean Coussy قي قوله “الجهوية في مواضع كثيرة تشبه العولمة، كما هو الشأن بالنسبة للحركة الدولية لرؤوس الأموال وللسلع وبدرجة أقل للأشخاص، لكن بالموازاة تحاول خلق الحدود الجهوية أو الحفاظ عليها، مما ينتج عنه حدثا مناقضا وغير منتظر في الدينامية الكونية.”

أما فيما يخص بعض الملاحظين، فإنه من المخطئ جدا اعتبار بعض التجمعات الجهوية نموذجا للعولمة ولو بشكل جزئي.

إذن فالجهوية والعولمة تتواجدان وتتعايشان بطريقة متغيرة: قد تتعارض حسب المجالات المدروسة، وقد تتفاعل وتتبادل في إطار تقاطعي و تكاملي.

انطلاقا من هذه الدراسة نستنتج بأن: “الجهة هي تقسيم ترابي متعددة الأشكال والأبعاد والأحجام (من الحجم الصغير إلى الحجم الكبير)، لكنها كيان متغير ومتحرك تتحكم في تحديديها العناصر الطبيعية والبشرية المهيمنة على مجالها والتي تعتبر أساس تماسك عناصرها ووحدتها الترابية، مما نتج عن ذلك، الاشتقاق اللفظي للجهوية والتي تعتبر بدورها محطة أساسية لظهور العولمة. “

  • علاقة الجهة بالجهوية وصعوبة تنزيلها
  • علاقة الجهة بالجهوية

فالجهة تشكل الإطار الجغرافي والأصلي –بمقوماته الطبيعية والبشرية- الذي تنشأ فيه الجهوية بجميع آلياتها ومؤسساتها الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية… هذه العناصر قد تزدهر بفعل الحكامة الترابية والعدالة الاجتماعية، فينتج عنها توسعا عموديا وأفقيا للجهوية، أو ما يصطلح عليه حاليا “بالجهوية المتقدمة La régionalisation avancée والجهوية الموسعة La régionalisation élargie”.

بالمقابل، قد يشوب الجهوية بعض الشوائب والاختلال في مكوناتها وآلياتها كالفساد و سوء التدبير، فينتج عن ذلك الإقصاء الاجتماعي والتهميش المجالي للجهة، مما يؤدي حتما إلى تخلف الجهوية وهشاشتها وتجزيء مجالها الترابي، بل قد يكون ذلك سببا مباشرا في زوالها، فيصبح مجالها تابعا وملحقا للمركز في جميع المجالات وعلى جميع المستويات.

2- صعوبة تنزيل الجهوية بالمغرب

أكيد أن المغرب غني بثرواته (المعدنية، الطاقية، الغابوية، البحرية،…) وبتنوع تضاريسه ومشاهده الطبيعية (بحار، أودية، صحاري، سهول، هضاب، جبال، تلال، عروق، رقوق، واحات،…) كلها مؤهلات مساعدة على إرساء الجهوية قصد تحقيق التنمية الترابية، إلا أن هذا المشروع يظل نظريا وصعب التحقيق بفعل عوامل بشرية محضة (لا تمت بصلة للحتمية الجغرافية) يمكن تلخيص بعضها كالتالي:

  • ضعف الاستثمار في العنصر البشري، مما خلف انعدام الكفاءة أو ضعفها لدى الفاعلين الترابيين؛
  • تفشي ظاهرتي الجهل والفقر ساعد المضاربة الحزبية على شراء الذمم وأصوات المقتاتين من الانتخابات مع غض البصر من طرف السلطات المحلية مما أفرز منتخبين محليين وإقليمين وجهويين فاشلين وغير أكفاء وفي كثير من الأحيان فاسدين مع غياب المحاسبة؛
  • أحزاب سياسية موسمية غير مستقطبة، ترتبط أساسا بفترة الانتخابات ثم سرعان ما تغلق محلاتها الحزبية في انتظار استحقاقات لاحقة، فهي لا تقوم بدورها التكويني ولا التأطيري لمنخرطيها، إضافة إلى سيادة الدكتاتورية الحزبية إذ نلاحظ نفس الوجوه تتداول على المناصب الوزارية وعلى المناصب السيادية، مما نتج عن ذلك فقدان المصداقية بل وحتى الثقة بين المواطن والمنتخب، الشيء الذي أدى حتما إلى الهذر السياسي والعزوف عن المشاركة في الحياة السياسية؛
  • غياب الوعي الجمعوي مع الافتقار لعنصر الكفاءة، فمعظم الفاعلين في النسيج الجمعوي انخرطوا من أجل الاسترزاق من الدعم المرصود للجمعيات؛
  • ضعف وهشاشة البنيات التحتية بمعظم الجهات: التعليمية، الصحية، الرياضية، السياحية، الصناعية، الفلاحية، التجارية، اللوجيستيكية، التجهيزية، الخدماتية…؛
  • مخططات جماعية وجهوية للتنمية مكلفة ماديا وغير هادفة، إذ أن معظمها نظرية، غير قابلة للتحقيق وغير مهيكلة ، فمجمل أعضاء اللجن يفتقروا للكفاءة الترابية؛
  • مشاريع مستوردة، لا تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الطبيعية والبشرية لكل جهة مع ضعف أو غياب التواصل والتنسيق بين الجماعات الترابية، بل وحتى بين المصالح على مستوى الجماعة الواحدة؛
  • إكراهات مالية تتعلق أساسا بميزانيات جد متواضعة مرصودة للجماعات، مع تدبير غير رشيد للنفقات العمومية؛
  • غياب سياسة استثمارية لدى الجماعات الترابية مع عدم البحث عن اتفاقيات شراكة قصد خلق الثروة وفرص العمل، خاصة المشاريع المدرة للدخل؛
  • غياب إرادة سياسية لتفعيل اللامركزية واللاتمركز قصد إرساء جهوية فعلية.

إذن فالإكراهات البشرية هي المسؤولة عن عدم تحقيق مشروع الجهوية بالمغرب:

نعيب مجالنا والعيب فينا          وما لترابنا عيب سوانا

في هذا الإطار نقترح بعض الحلول العملية لإرساء الجهوية .

3- بعض التوصيات لإرساء الجهوية بغية تحقيق التنمية الترابية

لايمكن تنزيل الجهوية في ظل بنية تحتية هشة، لذا ما يجب إنجازه على مستوى كل جهة، هو إعداد بنية تحتية تجهيزية (طرق، سكك حديدية، قنوات التطهير السائل، كهربة، شبكات الماء الصالح للشرب، شبكات التواصل الاجتماعي…) بمعايير ذات جودة عالية تكون متكاملة مع البنيات التحتية المتعلقة بمختلف الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية الأخرى قصد جلب الاستثمار الداخلي والخارجي.

كما يتحتم عصرنة ورقمنة الوظيفة العمومية للرفع من أدائها ونجاعتها استجابة لمتطلبات وأهداف الجهوية، فالتوظيف يكون حسب الخصاص كما ونوعا، فالرجل المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب وذلك بربط الأجرة بالمردودية والمسؤولية بالمحاسبة، مع ضرورة التواصل والتنسيق بين مختلف القطاعات الوزارية في الهندسة الترابية على مستوى كل جهة وبين مختلف الجهات لإرساء اقتصاد وطني مندمج، قادر على المنافسة وطنيا ودوليا.

تأهيل الجماعات الترابية وجعلها مجال استثمار، بإعداد مناطق صناعية جاهزة على شكل تكنوبول، مستمدة أصالتها من الخصوصيات الطبيعية والبشرية التي تزخر بها كل جهة مع تبسيط مسطرة الاستثمار والإعفاء من الضرائب في السنوات الأولى خاصة بالنسبة للمشاريع المدرة للدخل والخالقة لفرص الشغل والصديقة للبيئة، في هذا الإطار يجب البحث عن اتفاقيات شراكة مع مختلف الجهات بالخارج، للاستفادة من تجاربها في الاستقلال المالي والتدبير الترابي.

في هذا الصدد، لابد من إعادة تأهيل العنصر البشري، باعتباره قاطرة للتنمية الترابية وذلك بتوفير التجهيزات الأساسية (التعليمية والثقافية والطبية والرياضية واللوجستيكية والاقتصادية والسياسية والبيئية…) على مستوى كل جهة مع ضرورة التحلي بإرادة سياسية لتفعيل الجهوية بكل آلياتها ووظائفها الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ولن يتأت ذلك إلا بضمان انتخابات نزيهة وديمقراطية مع تحديد شروط الكفاءة والمواطنة في إعطاء التزكية لممثلي الأحزاب السياسية والعمل على تكوينهم وتأهيلهم حتى يكونوا في مستوى التمثيلية وجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

في ظل هذه الوضعية، ينبغي اعتماد ديمقراطية تشاركية قصد إشراك كل الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعين والبيئيين في المنظومة التنموية، مع توزيع الأنشطة حسب خصوصيات كل منطقة داخل الجهة وبشكل عادل، لجعلها مكونة من عدة أقطاب لخلق التوازن الاقتصادي والسوسيومجالي، و تجنب ظاهرة القطب الوحيد الذي لن يكرس إلا المركزية والهوامش داخل الجهة.

 

 

 

خاتمة

لقد تعذر على الباحثين والمنظمات والهيئات والمهتمين بمختلف المجالات والحقول العلمية توحيد مفهوم واحد لمصطلح “جهة” وللكلمة المشتقة عنها “جهوية أو جهاتية” مما نتج عن ذلك تنوعا في المفاهيم والدلالات، فهل هذا التعدد هو بمثابة مكامن قوة أم مكامن ضعف في تحديد المفهوم؟ وهل هو تعدد تكاملي أم تناقضي؟ أم أن اللغات هي التي لم تساير التطور الاقتصادي والسوسيومجالي الذي تعرفه الجهات والوظائف المسندة إليها؟

في هذا الإطار، يمكننا أن نفسر تعدد المعاني والمفاهيم بالفرضيات التالية:

  • الفرضية الأولى: هي أن التطور العلمي للغات المشهورة لم يساير بشكل توازني التطور العلمي والتكنولوجي الحالي كما أنه لم يتماش مع التحولات المورفومجالية لخلق مصطلحات جديدة وهادفة وتعبيرية لها دلالتها الواضحة.
  • الفرضية الثانية: هي أن ترجمة المصطلح من لغة لأخرى قد يؤدي إلى تشويهه وإلى عدم التعبير عن مضمونه الحقيقي.
  • الفرضية الثالثة: هي أن الاستعمال الواسع لمجموعة من العلوم والمدارس والهيئات والمنظمات أعطى لمصطلحي “جهة وجهوية” ثراء لغويا يحمل أكثر من مفهوم واحد، مما ينم على قدرتهما الدلالية للتعبير عن مختلف المظاهر والظواهر الطبيعية والبشرية.

فمفهوم الجهة يبقى حاليا مصطلحا إشكاليا صعب التحديد بالرغم من أن الكثير من الجغرافيين أجمعوا على أن للجهة مميزات تتمثل في المركز centre  وفي الوجهة direction وفي تواجد قاسم مشترك قد يكون طبيعيا أو بشريا أو كلاهما معا من شأنه أن يساهم في وحدتها ويحافظ على تماسكها.

فإرساء الجهوية بالمغرب مرهون بإرادة سياسية عملية، مصدرها أعلى سلطة بالبلاد، وذلك بتفعيل اللامركزية واللاتمركز وتأهيل الفاعلين الترابيين على مستوى الجهات، ولن يتأت ذلك إلا بإسناد الاختصاصات والمهام لفائدة المنتخبين وعدم تداخلها مع السلطات الوصية، فالأمر يتطلب التشاور والتعاون بين رئيس الجهة (المنتخب) والوالي (المعين بظهير ملكي) وليس التنافر والاصطدام أو الشطط في استعمال السلطة من طرف الوالي والتدخل في جميع الأمور فينتج عن ذلك رئيس جهة ورؤساء جماعات قاصرين مقابل والي وعمال راشدين وبمثابة أولياء أمرهم.

في هذا الصدد، ينبغي أن تتمتع الجهات بالاستقلال المالي وبالشخصية المعنوية لتثمين المؤهلات الطبيعية والبشرية وجعلها رافعة للتنمية الترابية وذلك في إطار اقتصاد وطني متكامل ومندمج قادر على التنافسية التي تفرضها العولمة مع ربط المسؤولية بالمحاسبة الزجرية.

إن إرساء الجهوية بالمغرب، يتطلب أيضا تقطيعا ترابيا عادلا، يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الطبيعية والبشرية لكل جهة، مع مساعدة وتأهيل الجهات المهمشة خاصة تلك التي تعاني نقصا حادا في بنياتها التحتية الأساسية، دون إغفال كذلك الاستثمار في قطاع التربية والتعليم والتكوين المهني للرفع من جودته وأدائه، باعتباره قطاعا حيويا يغذي جميع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية بالموارد البشرية المؤهلة والمتشبعة بمبادئ وقيم المواطنة.

بالعلم والمال تعد الدول جهاتها         ما أرسيت جهات بالجهل والقلل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • لائحة المراجع بالفرنسية:
  • Dictionary of trade policy terms, 2003, Fourth edition july 447p.
  • Jean Caussy, 1996, Cultures et conflits : causes économiques et imaginaires économiques de la régionalisation, La revue 21-22/ L’international sans territoire, pp 347-372.
  • Laurent Crroué, 2006, Géographie de la mondialisation, Armand Colin, 2ème édition, Paris, 256p.
  • Le Petit Robert, 2000, Dictionnaire alphabétique et analogique de la langue française, édition juin Paris.
  • Pascal Baud, Serge Bourgeat et Catherine Bras, 1995, Initial dictionnaire de géographie. HATIER, Paris, 432 p.
  • Paul Claval, 2006, Géographie régionale, de la région au territoire, Armand Colin, Paris, 336p.
  • Roger Brunet, R. Ferras, H. Théry, 2003, Les mots de la géographie, dictionnaire critique. Montpellier-Paris : RECLUS  la documentation française, 3ème édition, 520p.
  • Stéphane Rosière, 2007, Géographie politique et géopolitique, Ellipses, 2ème édition, Paris, 442p.
  • Vidal de la Blache Paul, 1910,  Régions françaises, revue de Paris, pp. 821-842.

 

  • لائحة المراجع بالعربية:
  • محمد بن مكرم الإفريقي المعروف بابن منظور. “لسان العرب” مادة و ج ه، 13/516.
  • محمد بن يعقوب الفيروزآبادي. “القاموس المحيط” و ج ه ص/1620.

المملكة المغربية وزارة الداخلية المديرية العامة للجماعات المحلية،2004، “تنظيم الجهة”، الطبعة الثانية، منشورات مركز التوثيق للجماعات المحلية.

[1] – Roger Brunet, R. Ferras, H. Théry, Les mots de la géographie, dictionnaire critique.Montpellier-Paris : RECLUS – La documentation français. Troisième édition, 520p.

[2] – Le nouveau Petit Robert. Dictionnaire alphabétique et analogique de la langue française, édition juin 2000 Paris.

[3] – محمد بن مكرم الإفريقي المعروف بابن منظور. “لسان العرب” مادة و ج ه، 13/516.

[4] – محمد بن يعقوب الفيروزآبادي. “القاموس المحيط و ج ه ص/1620.

[5] – المملكة المغربية وزارة الداخلية المديرية العامة للجماعات المحلية “تنظيم الجهة”، الطبعة الثانية، منشورات مركز التوثيق للجماعات المحلية 2004.

[6] – Pascal Baud, Serge Bourgeat et Catherine Bras. «Initial dictionnaire de géographie ». HATIER, Paris, mai 1995. 432 p.

[7] – Pascal Baud, Serge Bourgeat et Catherine Bras. «Initial dictionnaire de géographie ». HATIER, Paris, mai 1995. 432 p.

[8] – Vidal de la Blache Paul. 1910 « régions françaises », revue de Paris, pp. 821-842.

[9] – Pascal Baud, Serge Bourgeat et Catherine Bras. «Initial dictionnaire de géographie ». HATIER, Paris, mai 1995. 432 p.

[10] – Le référendum sur « le projet de loi relatif à la création de régions et à la rénovation du Sénat » a eu lieu le 27 avril 1969. Le résultat négatif a conduit à la démission du président de la République Charles de Gaulle le lendemain.

[11]  – Gaston Paul Charles Deffere، ينتمي للحزب الاشتراكي الفرنسي، برلماني ووزير لعدة مرات، يعتبر الرجل الثاني لحكومتين قادتا الجمهورية الفرنسية، صاحب قانونين مهمين: – قانون إطار برسم سنة 1956 حول استقلال إفريقيا و قانون 1982 حول اللامركزية.

[12] – Dictionary of trade policy terms.  Fourth edition july 2003, 447p.

[13] – Jean Caussy, « Cultures et conflits : causes économiques et imaginaires économiques de la régionalisation. La revue 21-22/ L’international sans territoire, 1996, pp 347-372.