إشكالية تحديد الجهة الإدارية وفق الدستور المغربي 2011

152

 

 

إشكالية تحديد الجهة الإدارية وفق الدستور المغربي 2011

 

 

 

أحمد السكسيوي

طالب باحث بسلك ماستر قانون المنازعات العمومية كلية الحقوق سلا

باحث في القانون الإداري والعلوم الإدارية

 

 

مقدمة

يعتبر الإنسان كائنا اجتماعيا بكل المقاييس، ولتحقيق هذا التجمع يجب توفر مجموعة من التصرفات القانونية، أو المعاملات التي تنبني أساسا على فكرة الحق[1]، هذه المعاملات والعلاقات تبرمها في ما بينها أشخاص، تتوزع بين أشخاص طبيعية والأخرى معنوية، تحاول تحقيق المصالح العامة والخاصة في ما يحدده القانون ويرسمه من ضوابط، لذلك يمكن استنتاج أن القانون جاء متخصصا يحاول قدر المستطاع أن ينظم كل ظاهرة اجتماعية[2] على حدة بقواعد قانونية خاصة.

وقد أصبح من المسلمات في نظر القانون العام الحديث عن الشخصية القانونية المعنوية العامة، فكل شخص أصبح في نظر القانون شخصا بكل ما يترتب على ذلك من أثار، ولكن اعتبارات عديدة دعت إلى الاعتراف بالشخصية القانونية لغير الأشخاص الطبيعيين، إما لمجموعة من الأفراد وإما لمجموعة من المصالح، ومن هنا جاءت فكرة الشخصية الاعتبارية أو المعنوية، وبالتالي فالشخص المعنوي هو مجموعة أشخاص أو مجموعة أموال تتكاتف وتتعاون أو ترصد لتحقيق غرض وهدف مشروع بموجب اكتساب الشخصية القانونية.

ويمكن تعريفها بأنها “هي كل مجموعة من الأشخاص الطبيعيين تقوم بعمل مشترك من أجل تحقيق هدف مشترك ومشروع، أو كل مجموعة من الأموال ترصد من أجل تحقيق غرض معين، ويمنحها القانون الشخصية القانونية، وأهلية اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، والذمة المالية المستقلة؛ لتمكينها من مزاولة نشاطها بصفة مستقلة عن الأشخاص الطبيعيين المكونين لها”

تقسّم الشخصية الاعتبارية إلى نوعين:

الشخصية المعنوية الخاصة: وهي الأشخاص القانونية التي لا تتبع الدولة بل تتبع الأفراد والجماعات الخاصة، وتهدف بصورة أساسية إلى تحقيق مصالح فردية خاصة، تتميز من حيث طريقة وأداة إنشائها وخضوعها لرقابة الدولة، ويكون إنشاؤها بموجب قرار من الجهة المختصة. ويمكن تعريفها بأنها هي تلك التي يكونها الأفراد سواء لتحقيق غرض خاص بهم أو بغرض يعود بالنفع العام وهي على نوعين، مجموعات الأشخاص ومجموعات الأفراد. مثالها: الشركات التجارية، الجمعيات المدنية الخاصة.

الشخصية المعنوية العامة: وهي الدولة أو الأشخاص المعنوية التي تتبع الدولة. ويمكن تعريفها بأنها مجموعة الأشخاص والأموال التي تنشأ من قبل الدولة بموجب نظام، ويكون لها هدف مشروع. أو يقال: هي كل مشروع تنشئه الدولة من أموالها وموفيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة [3].

وتعتبر الإدارة من بين الأشخاص المعنوية التابعة للدولة، وهي ليست حديثة العهد بل لها دور قديم وكلاسيكي، وتتميز بسموها على المواطن، تتمتع الإدارة بسلطات كثيرة ومتعددة، وبذلك يبقى المواطن تابعا لها، هذه التبعية تتمثل في أن العمل الإداري يتميز بحق الأسبقية والتنفيذ القصري، وبالتالي فالأصل هو أن الإدارة تتمتع بامتيازات السلطة العامة – السلطة التقديرية، حق التنفيذ المباشر ونزع الملكية والاحتلال المؤقت لأملاك الخواص.

لكن هذا السمو يتم تقييده عن طريق القضاء، وخصوصا القضاء الإداري، أو ما يسمى بالمشروعية الإدارية،[4] وهذا هو دور القضاء الإداري في التوفيق بين الإدارة والمواطن، وحماية المواطن من القرارات التعسفية للإدارة.

وكتعريف عام لمفهوم الإدارة، يعرفها فريدريك تايلور بأنها ” المعرفة الدقيقة لما نريد من الرجال أن يلموا به تم التأكد من أنهم يقومون بعملهم بأحسن طريقة “[5]، أما هنري فايول فيعرفها بقوله: ” معنى أن تدير هو أن تتنبأ وتخطط وتنظم وتصدر الأوامر “[6]

أما الإدارة العمومية فيمكن تعريفها بأنها تنفيذ المصالح والسياسات العامة مستخدمة في ذلك الوظائف الإدارية من تخطيط وتنظيم وتوجيه، وتشتمل الإدارة العامة على مفهومين، أو معنيين يتكاملان ليشكلان لنا الأساس لقانون الإداري، وهما:

  المفهوم العضوي للإدارة: هذا المعنى يرتبط أساسا بالركيزة القانونية في التنظيم الإداري، أي بدراسة هيكل المنظمات الإدارية وفروعها أي التنظيم الإداري للدولة، ونوع النظام الإداري المتبع فيها[7] ، دون البحث في طبيعة  النشاط الصادر منها وبالرجوع إلى ما كتبه بعض الفقه[8]، يمكننا تقسيم الأسس الهيكلية القانونية إلى:

المركزية الإدارية المتمثلة جوهريا في المصالح المتواجدة في العاصمة والمناط لها الأنشطة الإدارية وتبتدئ برئيس الدولة وباقي الوزراء، بالنظر لمهامهم الإدارية، دون الحكومية.

اللامركزية الإدارية، وهي المؤسسات الجهوية والإقليمية التابعة للإدارات المركزية التي تقوم هي الأخرى بالأدوار الإدارية.

المفهوم الموضوعي للإدارة:  يهتم بدراسة النشاط الإداري لهذه المنظمات بصرف النظر عن شكل المنظمة التي صدر النشاط عنها، ويتجلى في الضبط الإداري كسلطة عامة، والمرفق العام الوعاء الذي تمارس فيه الإدارة نشاطها.

نخلص إذن مما سبق أن الإدارة هي مجموعة من الأشخاص المعنوية، التي تتوزع بين المركزية واللامركزية، والممارسون للأعمال الإدارية، وعلى غرار باقي الأشخاص القانونية، فان الإدارة تنشأ أثناء ممارسة أنشطتها، علاقات قانونية، سواء مع أشخاص طبيعية أو معنوية، لكن ولأن الإدارة هي سلطة عامة تمثل الدولة بهيبتها وسلطانها، فإن إمكانية تعسف الإدارة وشططها في استعمال السلطة، واردة لا محال، ومن هنا ينبع إشكال تصادم السلطة بالحرية، أو جدلية الدولة والمواطن كما سماها أستاذنا الدكتور إبراهيم أولتيت، لذلك أوكل مهمة التوفيق بين هذين المفهومين للقانون[9].

لذلك يطفو إلى السطح إشكالية كيف يمكن تحديد الإدارة من خلال، إكتسابها للمفهوم السلطة العامة؟، وكذا إلى أي حد توفق الدستور المغربي الجديد في إعطاء مفهوم محدد  للإدارة.؟

هذا وإن هناك العديد من ذهب إلى تحديد الإدارة من خلال وجود عامل السلطة العامة (1) في حين دستور 2011 بالمغرب حاول أن يحدد مفهوما للإدارة (2).

 

  • إشكالية تحديد الجهة الإدارية كالسلطة تصدر العمل الإداري.

 

إن الحديث عن السلطة الإدارية كعنصر أساسي لوجود العمل الإداري، يفترض منا منهجيا أن نناقش موضوعا غاية في الأهمية، هو تحديد الجهة الإدارية وتساؤل عن مميزاتها عن باقي السلط، لقد سبق وأن حاول الفقه الإداري أن يحدد القانون الإداري بمعيار السلطة العامة، أي أن القرار الإداري يتحدد بوجود سلطة عامة أصدرت القرار في إطار المصلحة العامة أو المنفعة العامة [10].

 

  • حول مفهوم السلطة العامة ومبدأ فصل السلطات:

– السلطة العامة عنصر لوجود الدولة: تعتبر الدولة ظاهرة سياسية وقانونية تعني جماعة من الناس يقطنون رقعة جغرافية معينة بصفة دائمة ومستقرة، ويخضعون لسلطة عامة، ومن ثم يمكن القول بأنه يلزم لوجود الدولة ضرورة توافر الأركان الثلاثة التي استقر الفقهاء والكتاب[11] على ضرورة توافرها لقيام الدولة ونشأتها في نظر القانون العام الداخلي، فإن ما تجدر الإشارة إليه من ناحية أخرى أن الركن الثالث والأخير من بينهما وهو ركن السلطة العامة يمثل بالنسبة للدولة أو ما يوجد فيها من مؤسسات وأنظمة سياسية حجر الأساس، وتسمى كذلك بالهيأة الحاكمة ذات السيادة[12]، إذ بغيرها لا توجد الدولة ولا تكون هناك أنظمة سياسية ولهذا قيل بحق أن الحياة السياسية كلها تتمركز حول ذلك المركب من العناصر المادية والمعنوية الذي يسمى (السلطة).

إن السلطة العامة على هذا النحو ظاهرة عامة في كل مجتمع إنساني وليست ظاهرة قاصرة على مجتمع إنساني دون غيرة أو على دولة دون أخرى فهي موجودة في كل مجتمع يتمايز فيه الناس بين حاكم ومحكوم، ومتى وجد الحاكم وجدت معه السلطة السياسية ولما كانت الحياة في مجتمع إنساني لا يمكن تصورها بمعزل عن وجود سلطة أمرة فيه فإن ذلك يؤذن بالقول بتزامن وجود السلطة السياسية مع أول حياة اجتماعية منظمة عرفتها البشرية مما يعنى أنها موجودة فيما قبل التاريخ المكتوب، فهي قديمة قدم الحياة الاجتماعية ذاتها، واذا علمنا وفقا للرأي الراجح في الفقه الوضعي والذي هو عين اليقين في الشرع الإسلامي ان الإنسان لم يعرف حياة العزلة مطلقا فإن هذا يعني ان السلطة تضرب بجذورها التاريخية إلى بدء الخليقة [13].

لكن بالرغم من كل ذلك فإنه من الصعب، في الواقع، إعطاء تعريف للسلطة أو تحديد مكوناتها بالضبط، هل هي قوة إرغام مادية، أم قوة الإرغام المادية هي عنصر من عناصر السلطة بحيث يمكن القول بأن لا وجود للسلطة بدون قوة الإرغام هذه، وما يمكن أن نقره بهذا الصدد هو وجود وسائل إرغام في علاقة الحاكم بالمحكومين ليس إلا، اما مسألة التعريف فالصعبة جدا فهي غير محددة في كنهها، فالسلطة لا توجد لذاتها وإنما هناك من يقبض عليها[14].

– السلطة العامة وحتمية فصل السلط: تفترض السلطة العلاقة بين ذات فاعلة، تمارس الفعل الأمر أو الإكراه، على ذات مفعولة أي خاضعة وطيعة، وإن مفهوم السلطة العامة يحيل إلى وظائف الدولة من خلال مبدأ فصل السلطات، والذي يعتبر أحد الأمور البديهية التي يجب على الدولة أن تقوم على تفعيلها[15]، ويعتبر الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو، أحد أهم من ناد بهذا المبدأ[16]، ويمكن تعريف فصل السلط بأنها الفصل بين السلطات، وتوزيع السلطات الأساسية في الدولة على هيئات مختلفة بحيث لا يجب أن تتركز هذه السلطات في هيئة واحدة[17]، بما ينجم عن ذلك من آثار قانونية بالغة الخطورة، حيث إذا ثم احتكار السلط من طرف هيئة أو شخص واحد، سيتم الوقوع في التعسف، فلا يعقل أن يحاسب المشرع، وهو في حد ذاته القاضي والمنفذ للقانون.

ويعرف الأستاذ توني أونوريه مبدأ فصل السلطات، بأنه انفصال بين السلط الثلاث بحيث لا يمكن لأحد أن ينتمي إلى اثنين من السلطات في الوقت ذاته، ولكن يمكن أن يخضع كل فرع لمراقبة الفرعين الآخرين إذا ما أساء استخدام سلطاته[18].

هذا ويعتمد فصل السلطات على مبدأين أو دعامتين حقيقيتين [19]، وأساسيتين هما:

  • المبدأ الأول: يتجلى في التركيز الزائد للسلطة، فلا يجب أن يجتمع التشريع والحكم والقضاء لنفس الشخص، ويتقاطع هذا المبدأ مع تعريف فصل السلطات الذي عهدنها منذ منتسكيوا.
  • المبدأ الثاني: يتمثل في وجود سلطة مراقبة لأعمال السلط الثلاث، أي مراقبة أحد السلط للأخيرتين، ويكمن التعبير عنه بأن تمارس كل سلطة أعمالها واختصاصاتها في إطار القانون، وإن خرجت عنه يجب إحتوائها بسلطة أخرى حتى لا يقع هذا الخرق، وتطبيقا للمبدأ القائل ” السلطة تحد السلطة “.[20]

 

  • سلطة إدارية تجل من تجليات السلطة العامة في الدولة.

إن المدخل الأساسي لما تحدثنا عنه في السابق هو أنه هنالك سلطة إدارية تعتبر إحدى السلطات الدستورية العامة في الدولة[21]، وهذا أمر معقول ومنطقي لما يشكله مبدأ فصل السلطات من فصل في وظائف الدولة[22]، والوظيفة الإدارية هي أحد الأعمال التي تضطلع بها الدولة، هاته الأخيرة التي تعتبر في لبها مجتمعا سياسيا، يقوم على تجنب لكل ما يقع في الفوضى[23]، ولاشك أن وظائف الدولة هي المدخل الأساسي لإرساء دولة المؤسسات[24]، والإبتعاد عن التدبير الفوضوي، والوظيفة الإدارية هي احد هاته الوظائف التي تحتكرها الدولة في جزء منها، وذلك من أجل تدبير حاجيات المجتمع والمواطنين من خلال القانون الإداري والذي يتجلى في موضوعين أساسين:

التنظيم الإداريl’organisation administrative [25]: والذي يعد تقنية تروم إلى معرفة هيكلة الإدارة في الدولة من خلال الطريقة في تدبير الإداري من خلال شخصية معنوية عامة وعن طريق كلا من اللامركزية والمركزية الإدارية[26]، والتنظيم الإداري يتم تأسيسه من خلال الظروف الاجتماعية والسياسية ومالإقتصادية للدولة[27].

النشاط أو العمل الإداري: ويروم هذا الموضوع إلى تنزيل العمل الإداري من خلال نشاطين الأول سلبي والأخر إجابي[28]، السلبي يتمثل في الظبط الإداري أو الشرطة الإدارية التي تقوم بالحفاظ على النظام العام بمدلولاته الثلاث، وتقييد حرية الأفراد، أما النشاط الإجابي فهو النشاط الذي يهدف إلى تقديم خدمة عمومية للجمهور ويسمى بالمرفق العام[29].

هذان الموضوعان السابقان تمارسهما الإدارة في الغالب الأعم كالسلطة تستمد إمتيازاتها من السلطة العامة في الدولة، من خلال “أعمال الإدارة” والتي تنقسم إلى قسمين: الأعمال المادية والأعمال القانونية[30]

 

 

 

 

 

 

 

 

ب) الإدارة في التشريع الدستوري المغربي.

إن الأسس الدستورية أمر مهم لأي مجال أو أي مؤسسة تحكم الدولة، وتكون نسيج المجتمع، لأهمية هذه الوثيقة بسبب تنظيمها للمبادئ الأساسية، من خلال التنظيم والاختصاص والمجال، وتحديد التوجهات الأساسية لدولة، ورسم مختلف الطرق التي يسلكها البلد في سياساته، وثوابته، وبهذا أضحى له موقعا أساسيا، في خارطة الطريق للديمقراطية، لكن ليست هي نهاية الطريق والوصول إلى المبتغى، بل هي بداية المشوار المتسلسل والذي يلعب التنزيل الدستوري أحد مراحله.

لهذه الأسباب وجب علينا أن نركز بمركز الإدارة في الدستور، من خلال:

  • الأسس الدستورية للإدارة: أو الشرعية الدستورية لهذه الأخيرة، كما سبق البيان حول مفهوم الشرعية، فللإدارة ثوابت أساسية لا يمكن أن نحيد عنها في دراستنا للموضوع وهو موضوع شاق وغير سهل.
  • ثم إبداء بعض ملاحظات حول هذا الوضع الدستوري للإدارة: من خلال وضعية الإدارة، لنلاحظ كم المشاكل التي تعاني منها الإدارة في تأصيلها المفاهيمي، وتأطيرها الدستوري.

 

  • مفهوم الإدارة في الدستور المغربي الجديد

تحتل الإدارة في خدم هذا الكلام الذي توصلنا إليه أعلاه، (عن الإصلاح والارتقاء إلى مصاف الدول الديمقراطية)، مكانة متميزة، ومركزا مهما في تطوير الوسائل اللازمة لتنزيل الديمقراطية، فغني عن البيان، أن الإدارة تسهر على إشباع حاجات العامة، وتقديم خدمات للمواطنين، وهذه هي أول النقط التي يمكن البدء بها في مسلسل الديمقراطية، المسلسل الأطول في التاريخ العربي.

بل أصبحت الإدارة مع مرور الزمن تكتسب عمليا مساحة سياسية وقانونية مهمة لذلك فالأساس الدستوري للإدارة أمر مهم، وعند قراءتنا لدستورنا المغربي، نجد نوع من التحفظ الظاهر في عدم تنظيم الإدارة، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن الغاية من هذا الصمت الدستوري؟

لا استطيع الجزم في الحقيقة التي تقول أن الإدارة بالمغرب تشبه ذلك الكائن الأسطوري، والذي لا يمكن حصره و لا تنظيمه، لأن زمن هذا الشعار قد ولى بغير رجعة، ويجب البدأ في تأسيس لتوجهات إدارية جديدة، لكن الدستور وقع في فخ المنطق القديم بتنصيصه في فصل واحد على مفهوم للإدارة وهو الفصل 89 من الدستور الجديد[31] والذي جاء فيه:

 ” تمارس الحكومة السلطة التنفيذية.

   وتعمل الحكومة، تحث سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين.

   والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية. “

ومن خلال استعراض الفصل أعلاه، نجد احتشاما واضحا في تعريف الإدارة، حيث يضعها كجهاز تحت يد الحكومة، وبذلك لم يأتي الدستور بأي جديد على مستوى تعريف الإدارة أو تحديدها، الأمر الذي يفهم منه أمرين:

  • هو أنه حاول إخفاء مهام الإدارة أو ركنها في الظل، حتى لا تكون محط تقييد أو رقابة قوية، لان تنظيم مبادئ عمل الإدارة من قبل الدستور، سيجعلها مقيدة بإطار الشرعية الدستورية.
  • أو القول أن الإدارة تنصهر في الحكومة، وبذلك فهي المنفذة للقانون، بدلا من الحكومة، فهذه الأخيرة تتشكل من الأحزاب الفائزة في الانتخابات التشريعية بذلك فهي مركز سياسي، ينتقل من وزير إلى وزير، ومن حزب إلى حزب، ويبقى المركز الإداري منصهرا لا يظهر، والمتمثل في موظفو الوزارات، واللذين يمارسون الأعمال الإدارية، والمنفذون الحقيقيون للقانون.

ولكن هذا لا يمنع بأن نقول بأن المشرع الدستوري، وضع بعضا من الأسس الدستورية للهيكلة الإدارية، خصوصا التنظيم الجهوي والمحلي، وأسس كذلك للجهوية الموسعة في بداية دستورية وتنظيمية محمودة، رغم ما يعانيه هذا المولود الجديد- الجهوية الموسعة-، من بعض الإشكالات والتي أثارها بعض أساتذة القانون العام[32]، من بينها مبدأ الوحدة الذي يعطي الاحتكار لدولة أو المركز في العنف وفي التشريع وفي القضاء على حد قول جون جاك روسو، وبذلك فمبدأ الوحدة يقيد الجهوية، في إطار المركز الإداري، ولا تتمتع باختصاص الاختصاص، أي التشريع، وأخيرا فإن الدستور مازال هناك تنظيم مركزي، تابع لدولة، حجتنا في ذلك أن الجهة والإقليم، يتحكم فيها رجال المركزية أكثر من المنتخبين، باعتبار أن الانتخاب هو الخاصية الأهم في إطار اللامركزية الإدارية.

 

  • تلميحات حول موقع الإدارة في الدستور المغربي

من خلال الطرح الذي بيناه سابقا، حول قصور التعريف الدستوري للإدارة، رغم صياغة دستور جديد بمفاهيم وأفكار جديدة تحاول تشييد مناخ ديمقراطي، لدى وجب التلميح لنقط التالية:

أولا: عدم الاعتراف بالسلطة الإدارية إلى جانب السلط الثلاث الكلاسيكية (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وبذلك البقاء في منطق التبعية للسلطة التنفيذية، هذا يؤدي إلى عدم وجود أساس دستوري، يضبط أعمال الإدارة كسلطة قائمة بذاتها، رغم أنها هي الساهر الفعلي على تطبيق القانون.

ثانيا: ثم إن الحديث عن الحكومة كسلطة رقابية على المؤسسات العمومية والإدارية، يزيد الطين بلة، في إشكالية تحديد الجهة الإدارية، والتداخل بين الأعمال الحكومية والأعمال الإدارية، ما دام أن الحكومة هي التجلي والتعبير الأساسي للإدارة، وقد كان لزاما في الدستور وضع مختلف الصلاحيات والأسس التي تنبني عليها الإدارة ليست في الهيكلة الإدارية فقط، وإنما في تحديد أعمال الإدارة، ولو فقط المبادئ الدستورية.

ثالثا: هناك مجموعة من الفصول التي تتحدث عن الإدارة اللامركزية في هيكلتها وتمييز بين السلطة العمومية والمنتخبون المحليون أو بالمصطلح الدستوري الجديد الجهات والجماعات الترابية[33]، لكن مفهوم الإدارة الحالي يتجاوز في طياته، السلطة العمومية، لمؤسسات أخرى تضلع بالأعمال والخدمات الإدارية، خصوصا مع عدم قدرة الدولة على تدبير الشأن الإداري بنفسها، ودخول الشركات الخاصة، بهذا يلاحظ أن الدستور المغربي ما زال يتبنى المفهوم التقليدي للإدارة المقتصرة على السلطة العامة للدولة.

رابعا: لقد أعطى الدستور بعض الامتيازات للإدارة عن طريق تقييد بعد الحريات العامة، فالأصل أن الحرية يضمنها الدستور لكن تصطدم تلك الحرية بالسلطة العامة التي تحاول دائما التقييد بترخيص، فما يعطى باليمين يؤخذ باليسار.

خامسا: لكن عموما – وحتى نكون موضوعيين في طرحنا هذا-  فان دستور 2011 وضع مجموعة من الضمانات للمواطنين تجاه الإدارة والسلطة العمومية، و أهم هاته الضمانات ما تضمنه الفصل السادس  بأن:

” القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين واعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له.

تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم  الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية…..”

 

خاتمة

من خلال الفصل أعلاه، وخصوصا عندما صرح الفصل بأن القانون فوق الجميع بما في دلك السلطة العامة، فإننا نتساءل: عن قدرتنا على تقنين الإدارة ؟ وهل بالفعل القانون الإداري يقنن ويقيد الإدارة؟.

ونزولا على حقيقة  لا يجادل ولا يخالفها أحد  – لا يمكن الاقتصار على المبادئ الدستورية دون تنزيلها على أرض الواقع، وهذا التطبيق الدستوري لا يتأتى إلا بوجود قانون ينزل هاته المبادئ، إلى أرض الواقع، ونعتقد أن هذا هو المشكل الذي تعاني منه جل الإدارات بالمغرب.

 [1]تنقسم الحقوق إلى :

  • حقوق سياسية: هي تلك الحقوق التي يمارس بها الفرد الحياة السياسية.
  • وحقوق مدنية: تنقسم بدورها إلى حقوق عامة، التي تجعل الإنسان إنسانا، وكذلك حقوق خاصة، والتي تنقسم إلى حقوق أسرية وحقوق مالية التي تتفرع إلى حق عيني والأخر شخصي ثم حق معنوي- أدبي.

لمزيد من التوسع راجع:

الطيب  الفصايلي , الوجيز في المدخل لدراسة القانون الجزء الثاني نظرية الحق ص من 29الى 31

عبد الكريم الطالب، المدخل لدراسة المفاهيم التالية: نظرية الحق ونظرية القانون، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش 2006، ص: 143 وما بعدها.

[2] أعني بالاجتماعية هنا هو كل ظاهرة سياسية أو اقتصادية، فعلم الاجتماع يشمل كل الظواهر الإنسانية.

[3] لتوسع في الموضوع راجع :

د. خالد خليل الظاهر، القانون الإداري، الطبعة الأولى 1997م-1417هـ، دار المسيرة للنشر والتوزيع الطباعة، ص 30

[4] مصطفى الصوفي، القانون الإداري (التنظيم الإداري)، الطبعة الأولى مطبعة أسفي غراف 2012 ص3 ومايلي,

[5] فريدريك تايلور، كتاب إدارة الورشة، الصادر عام 1903

[6] هنري فايول، كتاب الإدارة العامة والصناعية، الصادر عام 1916.

[7] عمار بوضياف، محاضرات في القانون الإداري، الأكاديمية الدنمركية، ص 5

[8] عبد القادر باينة، مدخل لدراسة القانون الإداري والعلوم الإدارية، دار النشر المعرفة، الطبعة الثالثة 2005، ص 339 ومايلي.

[9] إبراهيم أولتيت، محاضرات في القانون الجبائي، الفصل الرابع تخصص قانون، الكلية متعددة التخصصات بأسفي، ص 3.

[10] J.C.Revalier, L’intérêt générale dans l’administration française, rev, internat de Sc admve 1975. P 235.

لمزيد من التفاصيل حول مفهوم المنفعة العامة او المصلحة العامة راجع:

Truchre, Les fonctions de la nation d’intérêt générale dans la jurisprudence du conseil d’Etat, bib, droit public, 1933

[11]  Pierre Esplugas, Droit constitutionnel, ellipsrs PARIS. 5 édition, 2010, p 45-46.

[12]  P. Klastre, La société conter L’ Etat, Les Editions de minuit Paris, 1974, p 20-21.

[13] سعيد راشد عبد الله، السلطة العامة ومقاومة طغيانها في النظام الوضعى والشريعة الاسلامية: دراسة مقارنة، طروحة (دكتوراه) – جامعة الزقازيق. كلية الحقوق. قسم الشريعة الاسلامية، السنة 2001، ص: 33.

[14]  منذر الشاوي، النظرية العامة في القانون الدستوري، دار ورد للنشر والتوزيعن الطبعة الأولى 2007، ص: 86

[15] Francesco Maian, Droit constitutionnel, Camille-Angelo Aglione, UNIL– IDHEAP, SUISSE août 2009, p 8-9

[16] مونتسكيو، روح الشرائح، مجلدين، دار المعارف بمصر، 1953، اللجنة الدولية لترجمة الإنسانية، بيروت، ص 566

[17]  Pierre Esplugas, Droit constitutionnel, op, cit, p 170-171.

[18]  توني أونوريه، أراء في القانون، ترجمة مصطفى رياض، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، الطبعة الأولى، 1998، ص: 44.

[19] Laurent Eck, L’abus de Droit en Droit Constitutionnel, L’Harmattan, Paris, France, 2010, p 106-107.

[20]  خير إله بروين، الوسيط في القانون الدستوري الإيراني، السلطة التشريعية والمؤسسات  السياسية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، الطبعة الأولى، 2009، ص: 95.

[21] سامي جمال الدين، الدعوى الإدارية والإجراءات امام القضاء الإداري، دعوى الإلغاء، منشأة المعارف الإسكندرية، سنة، 1987، ص:59.

[22]  تقوم الدولة بثلاثة وظائف رئيسية هي:

  • الوظيفة التشريعية: المتمثلة في مهمة وضع قواعد تنظيم العلاقات والسلوك داخل المجتمع، وذلك عن طريق سن التشريعات والقوانين اللازمة لتحقيق هذا الهدف.
  • الوظيفة التنفيدية: وتتجلى بالأساس في مهمة تنفيذ القوانين والسهر على أمن الأفراد وإشباع حاجياتهم ورعاية مصالحهم وتحقيق رفاهيتهم،
  • الوظيفة القضائية: وهي الإختصاص الذي يوكل لهيئة قضائية تبث في المنازعات المترتبة عن العلاقات الإجتماعية في ما بين الأفراد أو في ما بينههم وبين السلطة الحاكمة.

 راجع لتوسع في وظائف الدولة:

مليكة الصروخ، مشروعية القرارات  الإدارية، مطبعة النجاح الجديدة، الناشر دار القلم، الطبعة الأولى 2011، ص: 3.

 

[23] Olivier CAMY, Droit constitutionnel critique, L’Harmattan, Paris, France, 2007, p 27-28.

[24] Laurent Eck, L’abus de Droit en Droit Constitutionnel, op, cit, p 124.

[25] André de LAUBADERE, Jean-Claude VENEZIA et Yves GAUDEMEMT, TRAITE DE DROIT ADMINISTRATIF, L-G-D-J, PARIS, 1994, 13 édition, p 53-54-55.

[26] خظابي المصطفى، القانون الإداري والعلوم الإدارية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الرابعة، 1998، ص: 51 وما يلي.

[27]  الحاج شكرة، القانون الإداري: المبادئ الأساسية-التنظيم الإداري، دار القلم، الطبعة الثانية 2009، ص: 91.

[28] إن مهام ووظائف الإدارة عديدة ومتنوعة وتختلف حسب النظام السياسي. وهي محل اهتمام كل من علماء الإدارة والقانون الإداري والمهتمين بالعلوم السياسية. واذا كان علم الإدارة يهتم خاصة بوظيفة التخطيط والتنفيذ. فان فقهاء القانون الإداري يهتمون بالإدارة من حيث نشاطها وأموالها وموظفيها ومنازعاتها باعتبارها شخصا من أشخاص القانون الإداري.

 والحقيقة أيا كانت وظائف الإدارة ومهامها، فان نشاطها يظل مرصودا لخدمة الجمهور، والا لماذا عمدت السلطة العامة الى تزويد الإدارة بالجانب البشري والجانب المادي وأحاطتها بنسيج من النصوص القانونية بما يساعدها على القيام بمهمتها.

وتوفير الخدمة للجمهور يمكن أن يتم من خلال إنشاء مرفق عام تعود منافعه عليه (الجمهور). ويمكن أن يتم بإلزام الإدارة الأفراد بالقيام بعمل معين أو الإمتناع عن سلوك محدد. وقد اصطلح الفقه على النوع الأول من الأعمال بالنشاط الإيجابي (نظرية المرفق العام). أما النوع الثاني فقد اصطلح عليه بالنشاط السلبي (نظرية الضبط الإداري).

[29] محمد يحيىا، المغرب الإداري، مطبعة اسبارطيل، طنحة، الطبعة الرابعة 2012، ص: 295.

[30] ثريا لعيوني، القانون الإداري المغريي، دار الجسور، وجدة، الطبعة الأولى 1998، ص: 273.

[31]  يقابل هذا الفصل في الجهة المقابلة الفصل 20 من الدستور الفرنسي:

تحدد الحكومة سياسة الوطن و تمارسها.

وتوضع الإدارة والقوات المسلحة تحت تصرفها.

وهي مسؤولة أمام البرلمان وفقًا للشروط وتبعًا للإجراءات المنصوص عليها في المادتين ( 49 ) و (. ( 50

[32]  إبراهيم أولتيت، بعض إشكالات الجهوية المتقدمة في دستور 2011، مداخلة مقدمة في نـدوة علمية حول موضوع : الجهوية بدول المغرب الكبير ، أية آفاق ؟ وذلك يومي 26 و27 أبريل منظمة من طرف كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة ابن زهر بأكادير، وبشراكة مع شبكة القانونين المغاربيين، وبدعم من مؤسسة هانس سايدل الألمانية، وغرفة الصناعة والتجارة والخدمات بأكادير وجهة سوس –ماسة- درعة وعلى الساعة التاسعة صباحا، وذلك بمقر غرفة التجارة والصناعة والخدمات .

 

[33] أفرد لها الدستور المغربي القسم السابع تحت مسمى الجهات والجماعات الترابية من الفصل 135 إلى الفصل 141.