نزع الملكية كاجراء لتنفيذ وثائق التعمير

789

 

نزع الملكية كاجراء لتنفيذ وثائق التعمير

هناء بنضامة

طالبة باحثة

اطار بوزارة  الاقتصاد و المالية

 

مقدمة

إن الملكية حق من الحقوق المقدسة بمقتضى الشرائع السماوية والوضعية، فالشريعة الإسلامية قد حرصت على حماية حق التصرف في الملك، وذلك بقوله عز وجل:” يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل”[1].

أما في القوانين الوضعية، فقد شدد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على عدم حرمان أحد من ملكه إلا إذا اقتضت ذلك الضرورة العامة بصورة قانونية[2].

ويعتبر حق الملكية من أوسع الحقوق العينية وأقواها من حيث السلطات التي يمنحها للمالك، إذ يخول لصاحبه سلطة الحصول على جميع المنافع التي يمكن الحصول عليها من الشيء موضوع الحق[3]، وهو ما كرسه المشرع المغربي بمقتضى الدستور[4] من خلال الفصل 35 منه حيث اعتبر أن حق الملكية مضمون دستوريا، و لا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون.

وقد أعاد المشرع تكريس نفس المبدأ في المادة 23 من مدونة الحقوق العينية[5]حيث نصت على أنه:”لا يحرم أحد من ملكه إلا في الأحوال التي يقررها القانون.

لا تنزع ملكية أحد إلا من أجل المنفعة العامة ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون، و مقابل تعويض مناسب”.

وتجدر الإشارة كذلك أن أول عملية لنزع الملكية كانت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قام بنزع الدور العائدة لأصحابها جبرا مقابل دفع قيمتها من بيت المسلمين وذلك قصد توسيع المسجد الحرام[6].

و تعد عملية نزع الملكية من أجل المنفعة العامة أهم وسيلة قانونية استثنائية، تلجأ إليها الدولة لتوفير العقارات اللازمة لتنفيذ برامجها وسياساتها التعميرية، عن طريق ما يسمى بالتخطيط الحضري من خلال”تدخل الإدارة بأدوات منهجية ووثائق مرجعية لتنظيم استعمال المجال، وتقنين أو تحديد هذا الاستعمال لكل منطقة من مناطق المدينة، وتخصيص وظيفة لكل منها قصد تحقيق تكامل أجزائها وانسجام أطرافها، وبالتالي حسن تنظيمها وتعميرها”[7].

 

ورغم أن المشرع المغربي لم يقم بتعريف نزع الملكية تاركا ذلك للفقه[8]، فهي تظل أهم وسيلة لإنتاج وهيكلة المجال الحضري لفتح مناطق جديدة للتعمير وتزويدها بكافة التجهيزات والمرافق الضرورية.

ويتميز نظام نزع الملكية عن غيره من الأنظمة القانونية الأخرى من قبيل التأميم والمصادرة والشفعة الضريبية والاحتلال المؤقت[9].

وبما أن نزع الملكية لأجل المنفعة العامة تعتبر آلية مهمة لتنفيذ توجهات الدولة، فقد نظمها المشرع من خلال مجموعة من القوانين بداية من ظهير 31 غشت 1914 ، ثم ظهير 10 أبريل 1917 بالنسبة لمنطقة الحماية الاسبانية ،وظهير 15 ماي 1925 لمنطقة طنجة، ثم ظهير 3 أبريل 1951 ومرورا ببعض المراسيم والظهائر الخاصة وانتهاء بالقانون رقم 7-81 الصادر بتاريخ 6 ماي 1982[10].

ونظرا لخصوصية قانون التعمير رقم 90-12[11] فقد اعتبر المشرع المصادقة على التصاميم العمرانية بمثابة الإعلان عن المنفعة العامة، وربط التعويض عنها بقانون 7-81 المعتبر بمثابة قانون أساسي لنزع الملكية لأجل المنفعة العامة.

ونظرا للأهمية العملية لنزع الملكية في إطار التصاميم العمرانية، فقد نتج عنها في الواقع العملي مجموعة من الاكراهات المرتبطة بمسطرة نزع الملكية والتمويل المالي وأخرى مرتبطة بالعقار محل نزع الملكية.

إضافة إلى ذلك، وضمانا لعدم الإضرار بالمنزوعة ملكيتهم تحت ذريعة المصلحة العامة، فقد أقر القضاء رقابة قضائية على المقررات المتعلقة بإعلان المنفعة العامة حتى لا يتم إهدار حقوق المالكين.

 

أهمية الموضوع:

تكمن أهمية الموضوع، في كون مسطرة نزع الملكية كآلية لتنفيذ وثائق التعمير، تشكل وسيلة استثنائية تمنح للجهة المعنية الحق في الحصول على ما يلزمها من العقارات، في سبيل تنفيذ مخططاتها التنموية والتجهيزات الأساسية وكذا المرافق العامة التي تطمح إلى تحقيقها من خلال البرامج المضمنة بالتصاميم العمرانية، تحقيقا للمصلحة العامة للاقتصاد الوطني ككل.

دوافع اختيار الموضوع:

لقد دفعني لاختيار هذا الموضوع عدة اعتبارات، منها فترة التدريب التي قضيتها بالوكالة الحضرية بوجدة، حيث اتضح لي أن تنفيذ البرامج المضمنة بالتصاميم العمرانية مرتبط بضرورة توفر أرصدة عقارية مهمة يتم نزع ملكية أصحابها.

أما الاعتبار الثاني يتمثل في أنه رغم الكتابات التي تناولت موضوع نزع الملكية لأجل المنفعة العامة إلا أنه لم يتم تناولها من زاوية اعتبارها إجراء مهما لتنفيذ وثائق التعمير، نظرا لخصوصية هذه المسطرة في ظل قانون التعمير.

إضافة إلى اعتبار ثالث يتجسد في التعويضات الممنوحة للمنزوعة ملكيتهم، حيث إن الواقع العملي أبان عن هزالة التعويضات التي تمنحها الجهة النازعة للملكية مقابل العقارات المراد نزع ملكيتها نظرا لورودها بالتصاميم العمرانية، كما أن عدم سلوك المسطرة القانونية لنزع الملكية ولجوء الإدارة إلى الاعتداء المادي لسلب الملاك عقاراتهم تحت غطاء المصلحة العامة أفرز عندي رغبة في البحث في هذا الموضوع.

 

صعوبات البحث:

كما هو معلوم فأي باحث تعترضه صعوبات في إنجاز بحثه وذلك راجع لطبيعة الموضوع المختار من قبله.

وقد اعترضتني بعض الصعوبات لإخراج هذا البحث المتواضع إلى الوجود من قبيل ندرة المراجع التي تتناول نزع الملكية في إطار تنفيذ وثائق التعمير، حيث أن كل الكتابات انصبت على دراستها في إطار قانون 7-81 فقط.

إضافة إلى وجود صعوبة كبيرة في الحصول على المعلومات والإحصائيات المتعلقة بالموضوع من قبل المصالح المعنية لأنها-حسب قولهم- تدخل في إطار السر المهني.

إشكالية البحث:

حاولت معالجة موضوع “نزع الملكية كإجراء لتنفيذ وثائق التعمير” من خلال إشكالية جوهرية تتمثل في: إلى أي حد استطاع المشرع المغربي من خلال مسطرة نزع الملكية لتنفيذ وثائق التعمير أن يخلق نوعا من التوازن بين الجهة النازعة للملكية والمنزوعة ملكيته أخذا بعين الاعتبار المصلحة العامة التي تقتضيها حتمية تنفيذ المخططات التنموية المضمنة بالتصاميم العمرانية من جهة، والحفاظ على حقوق المالكين من الإهدار والاعتداء عليها من جهة أخرى؟.

 

منهجية البحث:

لمعالجة هذا الاشكال سأعتمد على المنهج التحليلي والاستدلالي والمنهج المقارن والاستنباطي وكذا المنهج النقدي.

خطة البحث:

لمعالجة هذا الموضوع ارتأيت تقسيمه تقسيما ثنائيا على الشكل الآتي:

الفصل الأول:الإطار القانوني لنزع الملكية بمقتضى وثائق التعمير

الفصل الثاني: واقع نزع ملكية الأملاك العقارية في ظل وثائق التعمير

 

[1] – سورة النساء الآية 29.

[2] المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 دجنبر1948.

[3] أستاذي إدريس الفاخوري: المدخل لدراسة القانون، نظرية القانون والحق، دار النشر الجسور، الطبعة الأولى 2002، ص: 365.

[4] – ظهير شريف رقم 91-11-1، الصادر بتاريخ 27 شعبان 1432ه الموافق ل 29 يوليوز 2011 المتعلق بالدستور، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر.

[5] – ظهير شريف رقم 178-11-1 صادر بتاريخ 25 من ذي الحجة 1432(22 نوفمبر) بتنفيذ القانون رقم 08-39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، جريدة الرسمية عدد 5998 الصادر بتاريخ 27 ذو الحجة 1432(24 نوفمبر 2011) ص: 5587.

[6] -سعد محمد خليل: نزع الملكية للمنفعة العامة بين الشريعة والقانون، دار السلام، الطبعة الأولى 1993، ص: 7.

[7] – عبد الرحمان البكريوي: التعمير بين المركزية و اللامركزية، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1993، ص: 33.

[8] – عرف الأستاذ G.PEISER نزع الملكية بأنها:”عملية إدارية بواسطتها تقوم الإدارة بإلزام أحد الخواص على التخلي عن ملكيته العقارية، التي تكون في حاجة إليها لتحقيق هدف يرتبط بالمصلحة العامة.

– أحمد البكوش- سمير أحيذار: الرقابة القضائية على قرارات نزع الملكية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة، السنة الجامعية: 2000-2001، ص:20.

كما عرفها HOSTIOU بأنها:” إجراءات إدارية وقضائية بواسطتها تستخدم الإدارة سلطتها للحصول على الملكية العقارية في أغلب الأحوال بقصد تحقيق مصلحة عامة”.

– نورة عربي: نزع الملكية الخاصة من أجل المنفعة العامة بين التشريع ورقابة القضاء، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، وحدة التكوين والبحث في تدبير الشأن العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس- السويسي- الرباط، السنة الجامعية: 2008-2009، ص: 2.

[9] – يراجع بهذا الخصوص: محمد الكشبور: نزع الملكية لأجل المنفعة العامة-قراءة في النصوص وفي مواقف القضاء، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الثانية 2007، ص: 17. 

[10] – ظهير شريف رقم 254-81-1 بتارخ 11 رجب 1402 ه(6 مايو 1982)، بتنفيذ القانون رقم 7/81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة، منشور بالجريدة الرسمية عدد 3685، بتاريخ 15 يونيو 1983، ص: 980.

[11] – ظهير شريف رقم 31-92-1 صادر بتاريخ 15 من ذي الحجة 1412  الموافق ل 17 يونيو 1992 بتنفيذ القانون رقم 90-12 المتعلق بالتعمير، منشور بالجريدة الرسمية عدد 4159 بتاريخ 14 محرم 1413 الموافق ل 15 يوليوز 1992، ص: 887.