مناطق التهيئة ذات النظام القانوني الخاص – تهيئة ضفتي أبي رقراق نموذجا – طالب باحث سباع رشيد سلك الدكتوراه، كلية الحقوق بسلا، قانون عام وعلوم سياسية، تخصص البيئة والتعمير.

77

مناطق التهيئة ذات النظام القانوني الخاص- تهيئة ضفتي أبي رقراق نموذجا –
طالب باحث
سباع رشيد
سلك الدكتوراه، كلية الحقوق بسلا، قانون عام وعلوم سياسية، تخصص البيئة والتعمير.
يعتبر القانون رقم 12.90 طفرة في مجال التخطيط الحضري بالمغرب، إذ أحدث مجموعة من الأدوات المنهجية والوثائق المرجعية لتنظيم المجال. ولعل تصميم التهيئة أحد أهم هذه الوثائق، إذ أنه يدخل التعمير حيز التنفيذ، الشيء الذي يفسر اعتباره بمثابة دليل للسلطات العمومية في مجال التخطيط العمراني.
ويعتبر تصميم التهيئة وثيقة تعميرية تنظيمية تستهدف تخطيط المجال الحضري والتحكم في التوسع العمراني للجماعات الحضرية أو القروية المعنية به ، بحيث يهدف إلى تحقيق مجموعة من الأغراض التي أشارت إليها المادة 19 من قانون التعمير والتي تشمل التنطيق سواء الآني أو المستقبلي أو ذلك الذي يخضع لنظام قانوني خاص، إلى غير ذلك من الأغراض.
وتعتبر المناطق الخاضعة تهيئتها لنظام قانوني خاص من مستجدات قانون التعمير إذ لم تكن مقننة من قبل، فأمام النقائص التي تعتري نظام التخطيط والتدبير العمراني الجاري به العمل ، أطلق المغرب سياسة جديدة لتهيئة المجال تتمثل في مشاريع كبرى للتهيئة، ونظرا لما تتطلبه هذه المشاريع من مستوى تقني عال و ما تحتاجه من جهد في تدبير الأوعية العقارية والتمويلات، أحدثت السلطات العمومية بمقتضى نصوص قانونية خاصة مناطق محددة جغرافيا، تخضع في تهيئتها لأنظمة قانونية خاصة وتشرف على تهيئتها مؤسسات تتمتع باختصاصات حصرية وواسعة في مجال التهيئة الحضرية مستعينة في ذلك بأدوات منهجية خاصة تطبق داخل حدود هذه المناطق .
وهكذا يمكن تعريف هذه المناطق الخاصة كونها مناطق تتم تهيئتها ليس على أساس المقتضيات الإلزامية لتصميم التهيئة الوارد في القانون 12.90، وإنما على أساس نظام قانوني خاص تحدث بموجبه هذه المناطق وكذا المؤسسات التي ستعنى بتهيئتها، والأدوات المنهجية التي ستعتمدها لهذه الغاية، والتي تتمثل في تصميم التهيئة الخاص والمسطرة الخاصة لنزع الملكية.
وتعتبر منطقة تهيئة ضفتي أبي رقراق، أول تنزيل عملي لمقتضى البند 13 من المادة 19 على أرض الواقع، وإن كانت هناك محاولات سابقة لتهيئة ضفتي أبي رقراق على مدى نصف قرن دون أن تتكلل أي منها بالنجاح، فقد انطلقت أولى هذه التجارب بموجب القرار الوزيري الصادر في 13 يناير 1954 والذي كان يهدف آنذاك لإحداث مخطط لحماية عدوتي أبي رقراق، تلاه المشروع الوطني للشباب Projet ZEVACO سنة 1966، لإحداث منشآت رياضية على مساحة 100 هكتار، بعد ذلك سنة 1972 انطلقت أول مبادرة لإنجاز تصميم تهيئة لضفتي أبي رقراق من طرف قسم التعمير، تلاه مشروع PARTEX سنة 1983 الذي وضع مخطط لإحداث مشاريع ومنشآت داخل المنطقة، وأخيرا سنة 1998 أعدت الوكالة الحضرية للرباط وسلا تصميم تهيئة يهدف إلى التقريب بين ضفتي أبي رقراق لكن أيا من هذه المشاريع لم ير النور ، إلى حدود سنة 2006 تاريخ الانطلاقة الفعلية لمشروع تهيئة و استثمار ضفتي أبي رقراق .
لقد تم إحداث منطقة تهيئة ضفتي أبي رقراق بموجب القانون رقم 16.04 المعتبر بمثابة نظامها القانوني الخاص، والذي أحدث بالموازاة مع ذلك وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق وأناط بها اختصاصات حصرية لتهيئة المنطقة المذكورة. وقد كان لإحداث هذه المنطقة أثر إيجابي على كيفية تدبير المجال العمراني إذ ساهم ذلك -على الأقل داخل هذه المنطقة- في تفادي مجموعة من العوائق التي يعاني منها ميدان التعمير كمشكل تعدد المتدخلين في هذا المجال، وبنية العقار المعقدة.
إلا أنه وبالرغم من الايجابيات التي أشرنا إليها، لا يمكن تجاهل السلبيات المرتبطة بتهيئة ضفتي أبي رقراق والمتمثلة أساسا في النزاعات القضائية المرتبطة بحالات الاعتداء المادي والتي كان من الممكن تجاوزها لولا ضعف المقاربة التشاورية.
فإلى أي مدى يمكن اعتبار مناطق التهيئة ذات النظام القانوني الخاص، انطلاقا من تجربة تهيئة ضفتي أبي رقراق، الأسلوب الأنجع لتأهيل وعصرنة التعمير بالمغرب؟

المحور الاول
الإطار المؤسساتي وحصرية التدبير
لعل السمة الأساسية التي تمتاز بها المناطق الخاضعة تهيئتها لنظام قانوني خاص، هي طبيعة عملية التهيئة في حد ذاتها. إذ تتنوع مابين تصفية الوضعية العقارية وإنجاز البنيات التحتية، وصولا لتفويت واستثمار الأراضي المهيأة والمعدة للبناء. هذه العمليات تستدعي تنسيقا دقيقا ما بين مختلف المتدخلين، الأمر الذي يستعصي تحقيقه في ظل تصميم التهيئة الوارد في القانون رقم 12.90، هذه الوثيقة التعميرية “الكلاسيكية” يعاب عليها أنها تكرس إشكالية تعدد الفاعلين في هذا المجال، مع ما يترتب عنه من مشاكل من شأنها أن تعرقل سير عمليات التهيئة والتجهيز.
ومن هذا المنطلق، وبموجب القانون16.04، تم إحداث مؤسسة عمومية (وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق)، يناط بها صلاحية القيام بعمليات التهيئة داخل منطقة محددة جغرافيا، وبذلك تكون المتدخل الوحيد والحصري المسؤول علي جميع العمليات المتعلقة سواء بتهيئة أو استثمار منطقة ضفتي أبي رقراق.
I. وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق
كما اشرنا سالفا، بموجب نظام قانوني خاص يتم إحداث وكالة خاصة للتهيئة، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي. ولضمان تقيد أجهزتها بأحكام هذا القانون وخاصة المتعلقة منها بالمهام المسندة إليها، ومن أجل السهر على تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالمؤسسات العامة، تخضع الوكالة لوصاية السلطة المركزية المتمثلة في وزارة الداخلية . وتخضع كذلك، للمراقبة المالية للدولة وفقا لأحكام القانون رقم 69.00 المتعلق بالمراقبة المالية للدولة على المنشآت العامة وهيئات أخرى . وعلى غرار المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري ، تتوفر وكالة التهيئة على مجلس إدارة يتخذ قرارات الوكالة ويتمتع بجميع السلط اللازمة لإدارتها بواسطة قراراته بتسوية القضايا العامة التي تهم الوكالة وعلى الخصوص :
• يحدد برنامج العمليات التقنية والمالية للوكالة؛
• يحصر الميزانية وكذا كيفيات تمويل برامج أنشطة الوكالة ونظام الاستهلاكات؛
• يحصر الحسابات ويقرر تخصيص النتائج؛
• يقرر إحداث شركات الإنعاش والتسويق التابعة للوكالة؛
• يحدد النظام الأساسي للمستخدمين؛
• يعد المخطط التنظيمي للوكالة ويحدد البنيات التنظيمية للوكالة واختصاصاتها؛
• يعد النظام الذي يحدد قواعد وكيفيات إبرام الصفقات؛
• يحصر شروط إصدار القروض واللجوء إلى الأشكال الأخرى من القروض البنكية مثل التسبيقات والحسابات المكشوفة.
بالإضافة إلى جهاز تنفيذي متمثل في مدير الوكالة، والذي يسهر على تنفيذ قرارات المجلس الإداري وتتسع سلطاته وتضيق بحسب النصوص المحددة لاختصاصاته وتتمثل في :
• تنفيذ قرارات مجلس الإدارة واللجنة أو اللجان المحدثة من لدنه؛
• يسير الوكالة ويتصرف باسمها؛
• يحضر اجتماعات مجلس الإدارة بصفة استشارية؛
• يدير شؤون جميع المصالح وينسق أنشطتها؛
• يعين في مناصب الوكالة وفقا للنظام الأساسي لمستخدميها؛
• يباشر أو يأذن في مباشرة جميع الأعمال أو العمليات المتعلقة بغرض الوكالة، ويمثل هذه الأخيرة إزاء الدولة وكل إدارة عامة أو خاصة وإزاء الغير ويقوم بالأعمال التحفظية؛
• يمثل الوكالة أمام القضاء ويجوز له أن يرفع الدعاوى القضائية الهادفة إلى الدفاع عن مصالح الوكالة، على أن يشعر رئيس مجلس الإدارة فورا بذلك.

II. الاختصاصات الحصرية لوكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق
1. الاختصاصات المرتبطة بالتهيئة
تتمثل في الصلاحيات القانونية التي يخولها القانون المؤسس للوكالة، والذي يمنحها صلاحية احتكار تدبير جميع العمليات القائمة في منطقة التهيئة، وبالتالي تنفرد باختصاصات مجموعة من المؤسسات الفاعلة في هذا المجال كالوكالة الحضرية ومجالس الجماعات.

وبذلك يعهد إلى الوكالة بالمهام التالية وفقا لأحكام النظام القانوني الخاص :
• إعداد جميع الدراسات أو المخططات العامة التقنية والاقتصادية والمالية المتعلقة بتهيئة المنطقة؛
• وضع مشروع تصميم التهيئة الخاص وعرضه على السلطات المختصة للمصادقة عليه وفقا لأحكام القانون؛
• المساهمة في البحث عن التمويلات اللازمة لإنجاز برنامج التهيئة وفي تعبئتها إلى جانب التمويلات المدرجة في الميزانية؛
• إنجاز الأشغال اللازمة لتعمير المنطقة موضوع عملية التهيئة؛
• القيام بمنح الأذون في إحداث التجزئات وتقسيم العقارات وإحداث المجموعات السكنية ورخص البناء والسكنى وشهادات المطابقة؛
• الحرص على التقيد بالضوابط المتعلقة بالتعمير، والقيام بمراقبة مطابقة التجزئات والتقسيمات والمجموعات السكنية والمباني، لأحكام النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، وللأذون والرخص الممنوحة؛
• جمع ونشر المعلومات المتعلقة بتنمية منطقة التهيئة الخاصة، والنهوض بمناطق السكنى والمنطقة التجارية والمنشآت الترفيهية داخل حدود المنطقة.

2. تكوين الرصيد العقاري
إذا كانت سياسة التعمير تركز على الملكية العقارية، فإن توفير الأراضي اللازمة لإنجاح هذه السياسة يطرح عدة إشكاليات ، أبرزها تعدد الأنظمة العقارية. فإذا كانت الميزة الأساسية للملكية العقارية بالمغرب هي تعدد أنظمتها، فإن منطقة ضفتي أبي رقراق تعتبر نموذجا مصغرا لما تعرفه الملكية العقارية من تنوع. وتنقسم الملكية العقارية داخل حدود منطقة ضفتي أبي رقراق إلى أراض في ملكية الخواص، وأخرى تندرج ضمن ملك الدولة بنوعيه العام والخاص وأراضي الأحباس والأملاك البلدية والملك الغابوي . وقد حدد القانون رقم 16.04 طرق تملك هذه العقارات من طرف الوكالة في المواد 38 و46 و47، حسب النظام العقاري الخاضعة له هذه الأراضي.
أ‌. أملاك الخواص
تنص المادة 38 على أنه للوكالة وفي حدود منطقة التهيئة، الحق في تملك الأراضي اللازمة سواء:
أولا. عن طريق الاقتناء بالتراضي : وفقا لقواعد القانون الخاص التي تعتمد أساسا على الرضائية في التعامل . وإذا كان المنشور الصادر عن الوزير الأول تحت رقم 209.د بتاريخ 26 ماي 1976، قد حدد المسطرة التي يجب أن تتبعها السلطات العمومية التابعة للدولة من اجل اقتناء الأراضي من الخواص، كما هو الشأن بالنسبة لمسطرة الاقتناء بالتراضي بالنسبة للجماعات الترابية ، فإن عدم تحديد المشرع لمسطرة خاصة للاقتناء بالتراضي من طرف الوكالة، يستشف منه أن المنشور رقم 209.د هو نفسه المطبق في هذه الحالة.
ثانيا. عن طريق المسطرة الخاصة لنزع الملكية : تمارس الوكالة بواسطة تفويض ، حق السلطة العامة في نزع الملكية وفقا لأحكام الفصل 3 من القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت . وهكذا تنفرد الوكالة بممارسة حق نزع الملكية وفقا لمسطرة خاصة ، داخل حدود منطقة التهيئة. كما يمكن للوكالة أن تتصرف باسم الأشخاص المعنوية الأخرى في حالة رغبة هذه الأخيرة القيام بعملية نزع الملكية داخل منطقة تهيئة ضفتي أبي رقراق .
ب‌. باقي الأنظمة العقارية
عموما لم يتطرق القانون رقم 16.04 في المادة 46، سوى إلى نوعين من الأملاك، الملك العام و الملك الخاص وحدد طرق تملكها كما يلي:
 الملك الخاص للدولة: وتنتقل هذه الأملاك داخل حدود منطقة التهيئة، إلى الوكالة بدون عوض وبكامل ملكيتها، ودون أن تفرض على عملية النقل هذه أي ضريبة أو رسم .
 الملك العام للدولة: لكي تتمكن وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق من التصرف في هذا النوع من الأملاك، يتم إخراج هذا الأخير من عداد الأملاك العامة بموجب مرسوم صادر عن الإدارة المكلفة بالأشغال العمومية كما ينص على ذلك الفصل الثاني من ظهير 1914؛ تم يضم إلى الملك الخاص للدولة ، وبعد ذلك تنتقل ملكيته بدون عوض إلى الوكالة بعد أن يفقد صبغته العمومية.
 الملك الغابوي: تفصل هذه الأملاك الواقعة داخل منطقة التهيئة تلقائيا من الملك الغابوي ، وتنقل إلى الوكالة دون عوض وبكامل ملكيتها ودون أن تفرض على عملية النقل هذه أي ضريبة أو رسم.
 الأحباس: لم ينص القانون رقم 16.04 على نقل ملكية هذه العقارات للوكالة نظرا لطبيعتها الخاصة وتميزها بنظام حماية متشدد والتي تجعلها لا تقبل التفويت. وبالتالي تم توقيع اتفاقية بين وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بموجبها تنتقل هذه الأملاك إلى الوكالة لكي تتمكن من استغلالها وتهيئتها قانونيا، على أن يتم إرجاعها للوزارة بعد انتهاء أعمال التهيئة .
المحور الثاني
الأدوات المنهجية الخاصة لتهيئة ضفتي أبي رقراق

I. تصميم التهيئة الخاص بضفتي أبي رقراق
يندرج تصميم التهيئة الخاص في إطار النظام القانوني الخاص بالمناطق المنصوص عليها فالبند 13 من المادة 19 من قانون التعمير. وإذا كان تصميم التهيئة أول وثيقة تعميرية نص عليها التشريع المغربي في مجال التخطيط الحضري منذ أول قانون تنظيمي لأعمال التعمير سنة 1914 ، فإن تصميم التهيئة الخاص يعتبر الأول من نوعه في مجال التهيئة الخاصة، وإن كانت تجمعه بتصميم التهيئة العادي بعض نقط التشابه فإن طابعه الاستثنائي يجعله ينفرد بمقتضيات خاصة.
1. إعداد تصميم التهيئة الخاص
حتى تتمكن وكالة تهيئة من وضع تصميم التهيئة الخاص، يتم وقف جميع العمليات العقارية سواء تلك المتعلقة بالأملاك المحفظة أو الموجودة في طور التحفيظ أو غير المحفظة الموجودة داخل منطقة التهيئة الخاصة، ماعدا العمليات العقارية المبرمة مع وكالة التهيئة للقيام بمهامها، وذلك لإبقاء المنطقة على الحالة التي كانت عليها عند الشروع في دراسة مشروع التصميم.
ولتفادي أي لبس أو تلاعب، حدد المشرع مدلول العمليات العقارية على سبيل الحصر ، سواء المنجزة باتفاق بين طرفين أم بأحكام قضائية. ويتم وقف هذه العمليات العقارية إبتداءا من تاريخ نشر القانون الخاص في الجريدة الرسمية، على عكس تصاميم التهيئة الواردة في القانون 12.90 التي يتم فيها وقف العمليات العقارية بموجب قرار صادر عن رئيس المجلس الجماعي بطلب من الإدارة أو بمبادرة منه، بعد مداولة المجلس الجماعي في ذلك. هذا القرار يستمر مفعوله لمدة 6 أشهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، قابل للتمديد مرة واحدة فقط إذا دعت الحاجة إلى ذلك. في حين أن مدة وقف العمليات العقارية في منطقة التهيئة الخاصة غير محدودة زمنيا، وتستمر إلى حين تاريخ نشر المرسوم الصادر بالمصادقة على تصميم التهيئة في الجريدة الرسمية .
وتقوم الوكالة بإيداع نظير من تصميم تحديد منطقة التهيئة المنصوص عليها في المادة الأولى من القانون رقم 16.04 مشتملا على بيان إحداثيات الأنصاب، لدى المحافظة على الأملاك العقارية المعنية حيث يمكن لمن يعنيه الأمر الاطلاع عليه.

2. وضع تصميم التهيئة الخاص والموافقة عليه
أ‌. وضع تصميم التهيئة الخاص
تكاد مسطرة وضع تصميم التهيئة تشبه مسطرة وضع تصاميم التهيئة الواردة في القانون رقم 12.90، لكن مع بعض الاختلافات الجوهرية، بحيث تتولى وكالة التهيئة وضع مشروع التهيئة الخاص، ثم تحيله على القطاعات المكلفة بالداخلية وإعداد التراب الوطني والماء والبيئة والتجهيز والسياحة ، وإلى المجلس أو الجالس الجماعية ومجالس المقاطعات المعنية لإبداء رأيها فيه. ويجوز للإدارات والمجالس المذكورة أن تقدم اقتراحات حول تصميم التهيئة الخاص داخل أجل شهر من تاريخ إحالته إليها، وإذا لم تبد رأيها داخل الأجل المذكور، فإن سكوتها يعتبر كما لو أن ليس لها أي اقتراح في الموضوع.
ب‌. البحث عن منافع ومضار مشروع التهيئة الخاص
لكي تتمكن وكالة التهيئة من تمكين المواطنين من الإطلاع على مشروع التصميم، يجري بحث علني مدته شهر واحد، وينجز خلال نفس المدة التي يعرض فيها المشروع على أنظار الإدارات والمجالس المختصة.
كما يعمل مدير الوكالة على نشر إعلان يتضمن بيان تاريخي افتتاح واختتام البحث المذكور، وذلك بالطرق والوسائل القانونية التي نصت عليها القانون الخاص ، إضافة إلى ذلك يوجه مدير الوكالة إلى رئيس المجلس الجماعي المعني، الإعلان المذكور مصحوبا بمشروع تصميم التهيئة الخاص وسجل الملاحظات، ويتولى القيام بتعليق الإعلان بمقر الجماعة وفتح سجل الملاحظات طوال مدة شهر.
توجه اقتراحات المجالس الجماعية ومجالس المقاطعات مشفوعة بسجل الملاحظات إلى مدير وكالة التهيئة ، الذي يتولى دراستها بالإضافة إلى اقتراحات الإدارات المعنية خلال مدة البحث.
ج. الموافقة على تصميم التهيئة الخاص
ما يلاحظ هو أن القانون رقم 16.04 استعمل مصطلح المصادقة وذلك على غرار القانون المتعلق بالشؤون المعمارية الصادر في 30 يوليوز 1952، في حين أن المرسوم رقم 2.05.1514 لتطبيق القانون رقم 16.04 استعمل عبارة الموافقة، على عكس القانون رقم 12.90 ومرسومه التنفيذي اللذان نصا على عبارة الموافقة بدل المصادقة .
وهكذا يوافق على تصميم التهيئة الخاص بضفتي أبي رقراق بمرسوم ، يصدر باقتراح من وزير الداخلية . ويباشر كل تعديل أو تغيير في التصميم وفق الإجراءات والشروط المقررة لوضعه والموافقة عليه.
3. تنفيذ تصميم التهيئة الخاص
لا يمكن لوضع المخططات والتصاميم التعميرية بشكل عام، أن يساهم في تنظيم عمليات التشييد والبناء، إذا لم يرفق بوسائل في يد السلطات المختصة من أجل ضمان تنفيذها تنفيذا محكما من جهة، ومراقبة مدى توافقها مع الشروط والأحكام المنصوص عليها في قوانين التعمير من جهة أخرى .
ولا يخرج تصميم التهيئة الخاص عن هذه القاعدة العامة بالرغم من خصوصيته، إذ يحمل النصيب الأكبر من المسؤولية في تنفيذ مقتضياته لوكالة التهيئة ، والتي تلعب دورا محوريا من أجل احترام مختلف الضوابط المتعلقة بالتعمير والبناء، ومراقبة عمليات البناء والسكن وذلك تفاديا للعمليات العشوائية التي تخرج عن القواعد المنصوص عليها قانونا.
انطلاقا مما سبق، سنتطرق إلى شكلين من التدخلات التي تقوم بها الوكالة، في إطار ما يمكن الاصطلاح عليه عمليا بمهام شرطة التعمير، وتتجلى في العمل الوقائي المتمثل في تسليم أو رفض تسليم الرخص الادارية ، ثم العمل الزجري المتمثل في ضبط وزجر مخالفات التعمير، ولهذه الغاية تتوفر الوكالة على هيئة مأمورين محلفين ينتدبهم مدير الوكالة بوجه قانوني من أجل ضبط مخالفات التعمير، حيث توكل إليهم إلى جانب ضباط الشرطة القضائية، مهمة إثبات المخالفات الواردة في القوانين المذكورة وداخل حدود منطقة التهيئة.
4. الآثار المترتبة على تصميم التهيئة الخاص
إن الموافقة على تصميم التهيئة، تجعله مصدرا للالتزامات والقيود التي يفرضها، كما ينظم حقوق وواجبات الملاك العقاريين الذين يمتلكون أراضي أو عقارات داخل المجال أو المنطقة التي يغطيها، وينظم كذلك كيفيات القيام بتعميرها وبنائها . وتعتبر الموافقة على تصميم التهيئة الخاص بمثابة إعلان على أن العمليات اللازمة لتهيئة منطقة ضفتي أبي رقراق، ولا سيما قصد تعميرها، ذات منفعة عامة ، بحيث تنتهي الآثار المترتبة عنها عند انصرام أجل عشر سنوات من تاريخ نشر المرسوم الصادر بالموافقة على تصميم التهيئة الخاص في الجريدة الرسمية .
وتجدر الملاحظة أن المشرع في القانون رقم 16.04 لم يتعرض بكيفية صريحة لآثار التصميم لا إزاء الخواص ولا إزاء الأشخاص المعنوية العامة ولا الخاصة، وعلى العكس من ذلك فإن المشرع الفرنسي قد أوضح بصيغة صريحة هذه الآثار وذلك في المادة L123-5 التي تسري “… إزاء كل شخص عمومي أو خاص بالنسبة لتنفيذ أي عمل من أعمال التغيير.”
وهكذا تنشأ مجموعة من الحقوق والواجبات اتجاه الأشخاص العمومية وكذا الخواص، بل وتتعدى ذلك لتنتج آثارا اتجاه باقي وثائق التعمير والتصاميم القطاعية الأخرى.
أ‌. آثار تصميم التهيئة الخاص على وثائق التعمير والتصاميم القطاعية:
تنص المادة 22 على أنه إبتداءا من تاريخ نشر المرسوم الموافق على تصميم التهيئة الخاص بضفتي أبي رقراق في الجريدة الرسمية، وفي حال وجود تعارض، ترجح مقتضيات هذا التصميم على أحكام وثائق التعمير. وإن اقتضى الحال أي تصميم قطاعي آخر داخل حدود منطقة التهيئة.
يمكن القول أن المشرع قد منح تصميم التهيئة الخاص قوة قانونية، على جميع وثائق التعمير بدون استثناء ، فالمخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية الذي يعد حسب قانون التعمير وثيقة رئيسية تفرض على باقي الوثائق التقيد بأحكامه، عليه أن يتقيد بتدابير تصميم التهيئة الخاص، في حال الشروع في إعداده، أو أن ترجح أحكام التصميم المذكور في حال وجود تعارض بينها وبين أحكام المخطط التوجيهي، نفس الأمر ينطبق على باقي وثائق التعمير والتصاميم القطاعية وكمثال على ذلك المخطط التوجيهي للتهيئة المندمجة لموارد مياه ضفتي أبي رقراق .
ب‌. آثار تصميم التهيئة الخاص إزاء الأشخاص العمومية
تنص المادة 26 على ضرورة اتخاذ كافة التدابير اللازمة لتنفيذ واحترام تصميم التهيئة الخاص من طرف وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق، وبذلك تخضع الوكالة إلى جانب باقي الأشخاص العمومية لمقتضيات تصميم التهيئة الخاص من ثلاث زوايا:
فالوكالة من جهة، وفي حال أنيط بها لحساب الدولة أو الجماعات المحلية المعنية مهمة صاحب المشروع أو المشرف على أعمال البنيات التحتية والمنشآت العامة ، تكون بذلك مسؤولة إلى جانب باقي الأشخاص العامة عن إحداث كافة التجهيزات والمنشآت والمرافق التي يستوجب إنشاؤها التصميم.
ومن جهة ثانية تلتزم الوكالة باحترام قواعد ومقتضيات التصميم، مثلها مثل الأشخاص الخاصة تطبيقا لمبدأ الشرعية، كما تلزم به باقي أشخاص القانون العام، عندما تقوم ببناء أو تجزئة أو استعمال أرض إلى غير ذلك.
ومن جهة ثالثة، يلزم تصميم التهيئة الخاص وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق دون غيرها، بتنفيذ التصميم وحسن تخطيط منطقة التهيئة وفق ما ينص عليه ذلك التصميم.
ج. آثار تصميم التهيئة الخاص إزاء الأفراد
إن تصميم التهيئة الخاص يظل بدون مفعول سواء اتجاه الخواص أو اتجاه الأشخاص العمومية، إلا ابتداءا من تاريخ نشر المرسوم الصادر بالموافقة عليه ونشره بالجريدة الرسمية، وبمجرد نشره يلتزم الأفراد باحترام أحكامه، بحيث يتعين عليهم الحصول على رخصة التجزئة والبناء لإنجاز المشاريع المتضمنة في هذا التصميم.
والملاحظ أن هذه الآثار فد تكون سابقة لتاريخ المصادقة على التصميم، إذ تنص المادة 8 من القانون رقم 16.04 على أنه وفور نشر القانون المتعلق بتهيئة واستثمار ضفتي أبي رقراق وإلى حين صدور النص المصادق على تصميم التهيئة الخاص في الجريدة الرسمية يؤجل البت في في جميع طلبات رخص البناء والإذن في إحداث التجزئات والمجموعات السكنية أو تقسيم العقارات في منطقة التهيئة المعنية.
هذا الأمر ينطبق أيضا على تصميم التهيئة في القانون رقم 12.90، باستثناء أن المشرع قد أكد ضرورة صدور نص المصادقة داخل أجل اثنتي عشر شهرا، تحت طائلة بطلان أحكام مشروع التصميم ، في حين لم ينص القانون رقم 16.04 على أي أجل لصدور مرسوم الموافقة على تصميم التهيئة الخاص، الأمر الذي من شأنه أن يغل أيدي الملاك من التصرف في عقاراتهم في حال تأخر صدور هذا النص. كما أنه على الملاك بعد استرجاع التصرف في أراضيهم وبعد انتهاء الآثار المترتبة عن الإعلان عن المنفعة العامة، أي بعد عشر سنوات، أن يكون استعمالهم لهذه العقارات مطابقا للغرض المخصصة له المنطقة التي تقع فيها.
II. المسطرة الخاصة لنزع الملكية
كلما أرادت السلطات العمومية إنجاز عمليات التعمير وبرامج التجهيزات والمرافق العامة، يطرح مشكل توفير العقارات اللازمة لذلك . ولتفادي مثل هذه الحالات التي يمكنها أن تعرقل نشاط الدولة في مجال التهيئة والتعمير، عمل المشرع على بلورة مفهوم نزع الملكية من أجل المنفعة العامة .
ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأن القانون رقم 7.81 يعد الإطار القانوني العام المنظم لمسطرة نزع الملكية بالمغرب. ونعتبره إطارا عاما، نظرا لإمكانية وجود تشريعات خاصة تحدد مساطر خاصة لنزع الملكية دون الخروج عن الإطار الأصلي، وهو ما يؤكده الفصل الأول من القانون 7.81 “.. ولا يمكن إجراؤه إلا طبق الكيفيات المقررة في هذا القانون مع مراعاة الاستثناءات المدخلة عليه كلا أو بعضا بموجب تشريعات خاصة.”
ويندرج الباب الثاني من القانون رقم 16.04 والقانون رقم 25.10 المتعلق بالمسطرة الخاصة بنزع الملكية، ضمن هذه التشريعات الخاصة، بحيث تنزع الملكية داخل منطقة التهيئة وفق أحكام القانون رقم 7.81 لكن مع مراعاة الأحكام الخاصة لنزع الملكية والاستثناءات التي نص عليها هذا الباب.
1. الإجراءات الإدارية لنزع الملكية
تتكون المرحلة الإدارية لنزع الملكية من عدة إجراءات يلتزم نازع الملكية بالقيام بها، وتخضع لمراقبة القضاء.
أ‌. الإعلان عن المنفعة العامة
ويعتبر من الإجراءات الأساسية لمسطرة نزع الملكية، إذ ورد في المادة 33 من القانون 16.04 على أنه تطبق أحكام القانون رقم 7.81 مع مراعاة الإستثناءات الواردة عليه، ونجد أن هذا الأخير ينص في فصله الأول على أن: “نزع ملكية العقارات كلا أو بعضا أو ملكية الحقوق العينية العقارية لا يجوز الحكم به إلا إذا أعلنت المنفعة العامة”.
أولا. السلطة المخول لها إعلان المنفعة العامة:
تنص المادة 34 من القانون 16.04 على أن الإعلان عن المنفعة العامة يتم بموجب المرسوم الصادر بالموافقة على تصميم التهيئة الخاص بضفتي أبي رقراق، هذا المرسوم يصدر باقتراح من وزير الداخلية .
ثانيا. إشهار مرسوم إعلان المنفعة العامة:
لقد أحاط المشرع عملية نزع الملكية بإشهار واسع النطاق، وذلك من أجل إيجاد توازن بين مصالح نازع الملكية التي تقتضي المرونة والسرعة في التنفيذ، وضرورة الحفاظ على حقوق الملاك.
هذه التدابير هي كالتالي:
• نشر المقرر بكامله في الجريدة الرسمية (الجزء الأول) ونشر إعلان بشأنه في جريدة أو عدة جرائد مأذون لها في نشر الإعلانات القانونية مع الإشارة إلى الجريدة الرسمية التي وقع نشره بها ؛
• تعليق نصه الكامل بمكاتب الجماعة التي تقع فيها المنطقة المقرر نزع ملكيتها؛
• تعليق المرسوم كاملا في مقر وكالة التهيئة.

ثالثا. آثار مرسوم إعلان المنفعة العامة:
إن أهم آثر يترتب عن مرسوم الإعلان عن المنفعة العامة، هو إخضاع المنطقة التي يعينها لارتفاقات ترمي أساسا إلى منع القيام بأي بناء أو غرس أو تحسين في العقارات الموجودة بتلك المنطقة . وتجدر الإشارة إلى أن مدة صلاحية مرسوم الإعلان عن المنفعة العامة في منطقة التهيئة الخاصة يمتد طوال عشر سنوات، تمتد من تاريخ نشر المرسوم في الجريدة الرسمية .
ب‌. مقرر التخلي
إن الهدف من مقرر التخلي هو تعيين الأملاك التي سيشملها نزع الملكية، وذلك بإعطاء جميع البيانات المتعلقة بها، لاسيما وضعيتها القانونية وأسماء الملاك وذوي الحقوق وعناوينهم .
وتجدر الإشارة إلى أنه بإمكان نازع الملكية أن يدمج بين مقرر التخلي والإعلان عن المنفعة العامة في مقرر واحد، وتسري عليه قواعد الإختصاص فيما يخص السلطة المختصة بالإعلان عن المنفعة العامة، أي أنه يصدر باقتراح من وزير الداخلية. ويخضع مقرر التخلي قبل صدوره إلى البحث الإداري الذي يستغرق شهرا واحدا، وينجز خلال الفترة التي يكون فيها تصميم التهيئة الخاص قيد الدراسة ، ويخضع لإجراءات النشر التالية:
• نشر مشروع المقرر بالجريدة الرسمية(نشرة الإعلانات القانونية والإدارية والقضائية)؛
• نشر نفس النص في جريدة أو عدة جرائد مأذون لها في نشر الإعلانات القانونية ؛
• إيداعه مصحوبا بتصميم لدى الجماعة المحلية التابع لها موقع العقار موضوع نزع الملكية.
كما يودع نفس المشروع :
• بالمحافظة على الأملاك العقارية لتقييده في الرسم العقاري إذا كان العقار محفظا أو بسجل التعرضات إذا كان العقار في طور التحفيظ ؛
• بكتابة الضبط لدى المحكمة الإدارية في حالة ما إذا كان هذا العقار غير محفظ وذلك من أجل التقييد بالسجل الخاص المنصوص عليه في الفصل 455 من قانون المسطرة المدنية والمعد أصلا لتقييد الأوامر الصادرة بالحجز التحفظي على العقارات غير المحفظة.
وإذا اقتصر المرسوم المعلن عن المنفعة العامة على تحديد المنطقة موضوع نزع الملكية دون تفصيل، يكون لزاما تعيين العقارات اللازمة بواسطة مقرر للتخلي، هذا الأخير يتم اتخاذه من طرف والي الجهة، ويمكن اتخاذه طوال مدة التصريح بالمنفعة العامة (أي عشر سنوات). ويخضع هذا المقرر لنفس إجراءات النشر المتعلقة بمقرر نزع الملكية المعينة فيه العقارات المراد نزع ملكيتها.
وخلال مدة صلاحية مقرر التخلي، يمنع أيضا على الملاك القيام بأي بناء أو غرس أو تحسين، على غرار ما هو معمول به بالنسبة لمرسوم الإعلان عن المنفعة العامة. بعد صدور مقرر التخلي تبادر وكالة التهيئة إلى جمع لجنة إدارية للتقييم لتحديد قيمة العقارات موضوع نزع الملكية. وتكون القيمة المحددة من طرف اللجنة الأساس الذي يعتمده نازع الملكية للحصول على اتفاق بالتراضي مع المنزوع ملكيته، وبأي حال من الأحوال لا يجب أن يتجاوز مقدار التعويض القيمة التجارية للعقار أو الحقوق العينية في تاريخ نشر القانون في الجريدة الرسمية .
2. المرحلة القضائية
بعد صدور مرسوم نزع الملكية يتعين على وكالة التهيئة إيداع مقالي الحيازة ونزع الملكية لدى المحكمة الإدارية التي يقع العقار المنزوعة ملكيته في دائرة نفوذها.
ويرمي مقال الحيازة إلى الحصول على أمر استعجالي بحيازة العقار مقابل تعويض احتياطي يعادل مبلغ التعويض المقترح من طرف نازع الملكية. بينما المقال الثاني يرمي إلى الحكم بنقل ملكية العقار موضوع نزع الملكية لفائدة نازع الملكية وتحديد التعويض النهائي عن الملكية لفائدة المنزوعة منه الملكية.
المحور الثالث
تهيئة عصرية للمجال العمراني لا تخلو من نواقص
لقد كان لإحداث منطقة ضفتي أبي رقراق انعكاسات إيجابية على كيفية تدبير المجال العمراني داخل منطقة ضفتي أبي رقراق، إذ مكنت من تفادي مجموعة من الإشكالات التي يعاني منها ميدان التعمير.
إلا أنه وفي المقابل، نجد بعض الإشكالات المرتبطة بهذه العملية، لعل أبرزها المنازعات المتعلقة بتهيئة ضفتي أبي رقراق وخصوصا تلك المتعلقة بحالات الاعتداء المادي على الملكية العقارية. هذه المنازعات التي كان من الممكن التقليل من حدتها لولا ضعف المقاربة التشاورية.
I. نحو تدبير حكماتي لمشاكل التعمير
1. تفادي المشاكل المترتبة عن تعدد المتدخلين في إعداد وثائق التعمير
من المعلوم أن مسطرة إعداد وثائق التعمير تتدخل فيها كل من الوزارة المكلفة بالتعمير، والمفتشيات الجهوية التابعة لها، والوكالات الحضرية والمجالس الجماعية الى غير ذلك من الاطراف، وهذا التعدد راجع بالأساس إلى الصبغة الأفقية التي يتميز بها التعمير .
بالإضافة إلى تعدد المتدخلين في مسطرة إعداد وثائق التعمير، نلاحظ أن هناك هيمنة للدولة في هذا المجال وكذلك ضعف مشاركة المجالس المحلية بكيفية إيجابية، حيث إن المشرع حصر دورها فقط في إجراء الدراسات وفي إبداء الملاحظات والاقتراحات، سواء فيما يخص مشروع تصميم التهيئة أو مخطط توجيه التهيئة العمرانية، ما يترتب عنه قلة وثائق التعمير المصادق عليها وكذا البطء الإداري الذي يعرفه إعداد وثائق التعمير.
ولتفادي هذه الإشكالات تم تجميع اختصاصات جميع الفاعلين في مراحل إعداد تصميم التهيئة في يد وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق، بحيث يعهد إليها مهمة إعداد جميع الدراسات أو المخططات العامة التقنية والاقتصادية والمالية المتعلقة بتهيئة ضفتي أبي رقراق، إضافة إلى وضع مشروع تصميم التهيئة الخاص وعرضه على السلطات المختصة للمصادقة عليه وفقا لأحكام القانون رقم 16.04 .
كما أن الطابع المتخصص للوكالة وكذا دقة المساحة المتحكم فيها، يمكنها من تفادي مشكل غياب الواقعية في إعداد وثائق التعمير. فكما هو معلوم، تقوم وثائق التعمير ببرمجة مختلف التجهيزات الاجتماعية والإدارية والمرافق العمومية، وذلك بغية توجيه وتنسيق تدخل مختلف الفاعلين في هذا الميدان، حيث تعتبر فترة إعداد وثائق التعمير مناسبة مهمة بالنسبة للإدارات والمصالح العمومية للتعبير عن البرامج التي تريد إنجازها بالرقعة التي ستغطى بوثيقة التعمير ليتم تخصيص الأراضي اللازمة لإقامة المشاريع التي تبرمجها تلك الإدارات في المستقبل .
لكن ما يسجل على المستوى العملي، هو غياب التقدير الدقيق والمضبوط للحاجيات فيما يخص البرامج التي تتقدم بها مختلف الإدارات العمومية المعنية مما جعل في بعض الأحيان البرامج التي تقترحها بعيدة عن الواقع وتستلزم إعادة تكييفها لملاءمتها مع تهيئة الوضعية الحقيقية والإمكانيات المتوفرة .
ونظرا لكون وكالة التهيئة الخاص الجهة الوحيدة المختصة بوضع وتنفيذ تصميم التهيئة الخاص، فهذا يعني توفرها على جميع المعطيات التي تمكنها من وضع تقدير محكم للحاجيات بالاعتماد على الإمكانيات الحقيقية المتوفرة أو التي يتم الحصول عليها مستقبلا.
2. تدارك الإكراهات المرتبطة بتنفيذ وثائق التعمير
يتطلب تنفيذ وثائق التعمير وتفعيل مقتضياتها وتوجهاتها على أرض الواقع وجود جهاز يتولى الإشراف على مهمة المتابعة والتنسيق أثناء فترات التنفيذ حيث يسعى إلى تشجيع جميع الجهات المعنية على إنجاز مشاريع وعمليات التهيئة والتعمير كما يقوم بالسهر على التنسيق بين مختلف المتدخلين .
وقد أسندت مهمة تتبع تنفيذ وثائق التعمير الواردة في القانون رقم 12.90 لمجموعة من الأجهزة وعلى رأسها المجالس الجماعية حيث يعد ضمان احترام أحكام وثائق التعمير من بين أهم الأدوار المنوطة بها وذلك طبقا للمادة31 من ق 12.90 سواء من خلال المراقبة القبلية التي تقوم بها بمناسبة منح الرخص التعميرية أو المراقبة البعدية من خلال معاينة المنشآت وضبط المخالفات وزجر المخالفين، وذلك باتخاذ جميع التدابير اللازمة لتنفيذ واحترام أحكام تصميم التهيئة بتنسيق وتشاور مع المصالح الخارجية التابعة للسلطة الحكومية المكلفة بالتعمير أو الوكالة الحضرية بحسب الحالة لكي لا تبقى وثائق التعمير مجرد رسوم وبيانات دون تفعيل لمضامينها على أرض الواقع .
لكن ما يلاحظ على المستوى العملي، هو تداخل الاختصاصات بين المتدخلين في مجال تنفيذ وثائق التعمير الذي من شأنه أن يعرقل سيرورة تنفيذ هذه الوثائق على أرض الواقع. ينضاف إليه ضعف التنسيق بين المتدخلين ما يؤدي إلى تشتيت المسؤولية ، وبالتالي ظهور قرارات متباينة ومتناقضة .
ولتفادي هذه المشكل أناط المشرع بوكالة التهيئة اتخاذ كافة التدابير اللازمة لتنفيذ واحترام أحكام تصميم التهيئة الخاص ، داخل منطقة التهيئة الخاصة، كما منح اختصاصا حصريا لمدير الوكالة بمنح الرخص والأذون سواء في ما يتعلق بأعمال البناء أو إحداث تجزئات عقارية داخل المنطقة.
3. استحضار مبادئ الحكامة في عملية التهيئة
يصطدم تصميم التهيئة في مراحل تفعيله عموما، ومراحل إنجاز المرافق والتجهيزات العمومية التي يتضمنها بشكل خاص، بمجموعة من العراقيل، ولعل أبرزها تلك المرتبطة بمشكل العقار وتنوع الأنظمة المؤطرة له، ينضاف إلى ذلك ضعف التمويل المالي للبرامج المحددة وفق هذه الوثيقة التعميرية.
ووعيا منه بهذه الإشكالات التي يعاني منها قطاع التعمير، خص المشرع وكالة التهيئة باختصاصات تمكنها من تدارك المشكل المرتبط بتنوع الأنظمة العقارية الواقعة داخل منطقة التهيئة من جهة، وإمكانات مادية لتمويل برامج تهيئة المنطقة من جهة ثانية.
أ‌. تصفية وتوحيد الأنظمة العقارية
عموما، لا تستدعي تهيئة المناطق ذات نظام التهيئة الخاص ضرورة التوفر على احتياطي عقاري مسبق قبل البدء بعملية التهيئة. شأنها في ذلك شأن مناطق التهيئة التشاورية في مدونة التعمير الفرنسية . فبمجرد تحديد المنطقة المراد تهيئتها، يشرع الجهاز المنوط به تهيئة المجال باقتناء الأراضي سواء عن طريق المراضاة أو عن طريق نزع الملكية في حال تعذر ذلك .
إن عملية تكوين الرصيد العقاري لتهيئة هذه المناطق، سواء عن طريق الإقتناء بالتراضي أو الإقتناء الجبري تصبح أكثر تعقيدا إذا ما اصطدمت بأنظمة عقارية متنوعة كما هو الحال في منطقة تهيئة أبي رقراق التي يمكن اعتبارها صورة مصغرة للوضعية العقارية بالمغرب. فقد أفرز تطور وضعية الملكية العقارية بالمغرب أنظمة تتقارب في بعض جوانبها وتتباين في جوانب أخرى، وقد أدى هذا التباين إلى تعدد الأنظمة القانونية الخاصة بالأراضي ، وإذا كان هذا التنوع والتعدد يشكل غنى في نظامنا العقاري إلا أنه يعد في نفس الوقت عائقا أمام التعمير والتنمية الحضرية ، باعتبار أن هذه الأراضي تقع إما وسط التجمعات العمرانية وإما في المناطق الضاحوية للمدينة .
“… لقد ظل الوعاء العقاري ولمدة ليست باليسيرة، يعاني من مشكل تعدد الأنظمة المؤطرة له، الأمر الذي نتج عنه عدم توحيد الهيكلة العقارية…” ، وبالتالي يرى بعض الباحثين أن أمثل طريقة لتوحيد الأنظمة العقارية، تكمن في خلق جهاز مختص يهدف إلى:
• توحيد تسيير الرصيد العقاري المتعدد والتابع لمختلف الإدارات؛
• ايجاد متدخل وحيد للاقتناء لفائدة مجموع المتدخلين من القطاع العمومي؛
• تدخل هذا الجهاز على ثلاثة أصعدة متداخلة وهي الإقتناء والتهيئة ومقاومة المضاربات العقارية.
وقد سبق للدولة أن أنشأت سنة 1982 الوكالة الوطنية العقارية لكن سرعان ما تم تقزيم دورها، كما تم إعداد مشروع إحداث وكالة وطنية عقارية جديدة لكن لم ير النور إلى يومنا هذا.
هكذا يمكن القول أن وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق هو تحقيق لهاجس أرق السلطات العمومية لعقود، فقد نص القانون 16.04 في المادتين 38 و46 على كيفية تملك الأراضي الضرورية لعملية التهيئة، سواء عن طريق الاقتناء بالتراضي أو عن طريق نزع الملكية بخصوص العقارات التي يملكها الأفراد، كما تنقل ملكية جميع الأملاك الواقعة في منطقة التهيئة بدون عوض لفائدة الوكالة ، وبالتالي تصبح جميع هذه الأملاك تابعة لنظام واحد كملك خاص لمؤسسة عمومية بحيث تشرف عليه بشكل حصري، ما يسهل عملية تهيئته واستثماره على النحو الأمثل وبالتالي تفادي الركود على مستوى العمليات العقارية الناتج عن تعدد الجهات المالكة للعقارات .
ب‌. استحضار البعد المالي في عملية التهيئة
يعتبر التعمير من القطاعات ذات التكاليف المالية الباهظة، حيث يتطلب تجنيد إمكانيات تمويلية مهمة تتناسب وحجم المشاريع والبرامج والتجهيزات التي يتضمنها . فإنجاز البنيات التحتية والفوقية والتجهيزات الأساسية والمرافق العمومية، التي لا غنى للسكان عنها في حياتهم اليومية، تستدعي من السلطات العمومية توفير الإعتمادات المالية الضرورية، لإنجاز المشاريع التي تقررها وثائق التعمير .
إن النقص في الموارد المالية سيؤدي حتما إلى عجز الجهات المكلفة بتطبيق مضامين وثائق التعمير، عن القيام بمهامها وأدوارها في هذا المجال، وبالتالي الإخلال بمتطلبات وحاجيات السكان، وكذا عدم توفير الشروط المناسبة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية للمدن والتجمعات العمرانية.
وبما أن الدولة تسيطر على أهم العوامل التي تؤثر بها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية، فإن إنجاز التجهيزات الرئيسية والمرافق الكبرى التي تنص عليها وثيقة التعمير يعود إليها، باعتبار أن وثائق التعمير هي المرجع الأساس للمشاريع والعمليات التي يتوجب القيام بها لتحقيق التنمية المنشودة، فضعف التجهيزات والمرافق العامة له انعكاس سلبي علي النسيج العمراني بشكل خاص .
إلا أن تدخل الدولة في هذا الإطار يصطدم بصعوبات مالية، تتجلى أساسا في ضعف الميزانية المرصودة لعمليات التهيئة والتجهيز، مما يؤدي إلى عجز الإدارات العمومية عن تنفيذ ما تقرره وثائق التعمير داخل الأجال القانونية لوثائق التعمير، الأمر الذي يضعها في موقف حرج، نظرا لعجزها عن الوفاء بما التزمت به مسبقا لضعف الميزانية، وللملتمسات الملحة للملاك العقاريين الذين يطالبون برفع اليد عن أملاكهم.
نفس الأمر ينطبق على الجماعات المحلية، والتي تعتبر من الناحية النظرية مسؤولة عن إنجاز المرافق والتجهيزات الجماعية التي تدخل ضمن مهامها. إلا أن الواقع العملي يكرس أن المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتق الجماعات، لا تتناسب مع حجم الموارد المالية التي تتوفر عليها، إذ أن الواقع يبرز أن الجماعات المحلية تعرف صعوبات واضحة في ماليتها .
إن مسألة إيلاء تهيئة ضفتي أبي رقراق لوكالة عمومية، من شأنه أن يضفي نوعا من المرونة لا تتسم بها الإدارات المركزية المعقدة في تنظيمها والبيروقراطية في تدخلها ، فهي كمؤسسة عمومية تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي ما يمكنها من تدبير شؤونها بكيفية مستقلة. إضافة إلى ذلك، فقد مكنها المشرع من خلال القانون رقم 16.04، من مجموعة من الموارد المالية لتمويل عمليات التهيئة والاستثمار داخل منطقة تدخلها. وهكذا تنص المادة 45 من القانون المذكور على أن مداخيل الوكالة تتكون من:
• مخصصات سنوية من المزانية العامة تمنحها الدولة؛
• عائدات الأجور عن الخدمات المقدمة من طرف الوكالة؛
• العائدات والأرباح المتأتية من عملياتها وممتلكاتها؛
• الإعانات المالية التي تمنحها الدولة والجماعات المحلية؛
• التسبيقات والاقتراضات المأذون بها التي تمنحها الدولة والهيئات العامة والخاصة؛
• عائدات الرسوم شبه الضريبية المفروضة لفائدتها؛
• الهبات والوصايا والعائدات المختلفة؛
• جميع المداخيل الأخرى المرتبطة بنشاطها.
فالملاحظ أن المشرع قد حرص على تنويع مداخيل الوكالة للرفع من مستوى مواردها الأمر الذي أن سينعكس على مردوديتها وبالتالي قيامها بالدور المنوط بها على أتم وجه.
II. الإشكالات المرتبطة بتهيئة ضفتي أبي رقراق
بالرغم من طابع المرونة والحداثة التي تكتسيه تهيئة المناطق ذات النظام الخاص، إلا أنه عمليا تعتري هذه الآلية العديد من النواقص لعل أبرزها حالات الاعتداء المادي التي شهدتها العديد من الملكيات العقارية الخاصة من طرف وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق. كما أن عملية التهيئة ، وإن كانت في ظاهرها تتشابه إلى حد كبير مع مناطق التهيئة التشاورية الفرنسية، إلا أن آلية التشاور التي تعتبر الركيزة الأساسية في هذه الأخيرة تبقى ضعيفة عمليا في تهيئة ضفتي أبي رقراق.
1. بعض حالات الاعتداء المادي على الملكية العقارية
لقد تعددت القضايا المرفوعة ضد وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق ، خصوصا تلك المتعلقة بحالات الإعتداء المادي على الملكية العقارية. وسأحاول في ما يلي أن أسوق بعضا من الأمثلة عن تلك الحالات.
ففي حكم لها ، قضت المحكمة الإدارية بالرباط، بثبوت واقعة الإعتداء المادي في حق وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق، وترتيب مسؤوليتها في التعويض عن تصرفها.
وتتلخص حيثيات هذه القضية في كون “مديرية الترامواي” التابعة للوكالة، قد قامت في إطار انجاز شبكة خطوط الترامواي، بهدم شركة المدعو السيد حسن بولهرود المتخصصة في بيع مواد البناء دون إعلامه، كما قامت باحتلال مقر الشركة والاستيلاء على أكياس الرمال والاسمنت والطوب، واستخدامها في تهيئة الممر الخاص بالترامواي.
وحيث تبت للمحكمة أن الجهة المدعى عليها وضعت يدها على العقار حيادا على مبدأ الشرعية، حيث أن تصرفها لم يكن مبنيا على سند قانوني أو حق ناجم عن سلوك مسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، وهي واقعة مادية مستمرة تشكل اعتداءا ماديا على المدعي، وبالتالي حكمت المحكمة بأداء الوكالة تعويضا قدره 632 ألف درهما.
وفي حكم أخر ، قضت نفس المحكمة بأداء الوكالة تعويضا لفائدة شركة HABILLEZ MOI، والتي تملك عقارين يقعان بتجزئة الزهراء بولجة سلا، وقد قامت الوكالة باحتلالهما وإحاطتهما بسياج حديدي مع جميع القطع الموجودة بالتجزئة.
هذا العمل اعتبرته المحكمة من أعمال الإعتداء المادي، الذي يحمل الوكالة مسؤولية ذلك ويبرر منح المدعية تعويضا مناسبا عن الأضرار اللاحقة بها جراء حرمانها دون موجب حق أو قانون من استغلال عقارها.
كما أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط حكما يقضي بأداء الوكالة تعويضا للمدعي، واعتبرت تصرف الإدارة اعتداءا ماديا بالرغم من كون المدعي في وضعية تطاول على الملك العام. فقد قامت وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق بالاستيلاء على جزء من مدخل عمارة في ملكية المدعي، مساحته 15 متر مربع، لتوسيع شارع العلويين بحي حسان لإنجاز مشروع الترامواي. وبالرغم من دفوعات الوكالة الرامية لعدم قبول الدعوى شكلا ورفضها مضمونا، باعتبار مقتضيات المادة 37 من قانون التعمير التي تلزم السكان بإخلاء منطقة الارتداد وأيضا باعتبار أن المساحة موضوع النزاع تدخل ضمن الملك العام الجماعي.
إلا أن القاضي الإداري اعتبر عمل الإدارة من قبيل الاعتداء المادي، لكون أحكام القانون رقم 7.81 تسري أيضا على قرارات تخطيط الطرق العامة المعينة فيها الأراضي المراد نزع ملكيتها لما تستوجبه العملية ما لم ينص على خلاف ذلك في هذا القانون، وحيث لم يتبين للمحكمة احترام الوكالة لمسطرة نزع الملكية للجزء المستولى عليه، فإن عملها يعد حيادا على هذه الضوابط، وبالتالي تقوم معه مسؤوليتها في التعويض عنه.
2. ضعف المقاربة التشاورية في تهيئة ضفتي أبي رقراق
إن بلورة تخطيط حضري عقلاني وسياسة تعميرية فعالة، تقتضي ضرورة اعتماد مبدأ التشاور والحوار مع المواطنين وجمعيات المجتمع المدني وباقي المتدخلين المعنيين بهذه السياسة. فالتنمية العمرانية تهم جميع الأطراف، ولكي يكتب لها النجاح لابد من المشاركة الشعبية لإتمام عمليات التنمية العمرانية .
إن لآلية التشاور أهمية بالغة في ميدان التعمير، فهي من جهة تمكن الإدارة من معرفة الحاجيات الحقيقية للساكنة من حيث التجهيزات والمرافق العمومية، بحيث تمكن من تجاوز الهوة بين الاحتياجات المحلية والمخططات التنموية بشكل عام . ومن جهة أخرى، تخفض نوعا ما من النزاعات المترتبة عن إنجاز المشروع، نظرا لكون هذا الأخير قد تم بتوافق مع السكان، وبالتالي يقلص من إمكانية حصول تعنت أو رفض من طرف الملاك عند القيام بعملية الاقتناء، فتنخفض بذلك إمكانية اللجوء لمسطرة الاقتناء الجبري.
إلا أنه وبالمقارنة مع آلية التشاور في مجال التعمير في الدول المتقدمة كفرنسا، نلاحظ أن آلية التشاور في تهيئة ضفتي أبي رقراق وبالرغم من مرونة وحداثة المقاربة المعتمدة، لم ترق إلى المستوى المطلوب.
أ‌. آلية التشاور في التجربة الفرنسية
يعد التشاور بين الساكنة والفاعلين في مجال التعمير انعكاسا لتزايد الاهتمام بضرورة الأخذ بعين الاعتبار آراء المواطنين قبل التخطيط لتهيئة المدينة واستشارتهم في القضايا التي ترتبط بهم مباشرة، وذلك حتى لا ينفرد المسؤولون بالقرار لوحدهم.
وتعتبر الدول الأنجلوساكسونية رائدة في تطبيق التعمير التشاوري نظرا لترسخ المبادئ الديمقراطية في الممارسات العملية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وايرلندا، وألمانيا . ومن خلال دراسة نماذج بعض الدول الأنجلوسكسونية، يتبين أن التشاور حول قضايا التعمير يتم بين المنتخبين والسكان بمشاركة المهندسين والباحثين في مجموعة من القطاعات من خلال ثلاث آليات: الاجتماعات، والمعارض، وجمعيات الأحياء .

وفي فرنسا تتنوع آليات إشراك المواطنين في مجال التعمير والتهيئة ارتباطا بتنوع القوانين المؤطرة لها، فنجد مثلا:
 البحث العلني: وهي مسطرة قديمة في القوانين الفرنسية، وتعتمد في مجالات متعددة، مثلا عند إنجاز مخطط الترابط الترابي schéma de cohésion territoriale، أو التصاميم المحلية للتعمير les plans locaux d’urbanisme، أو عند الإعداد لمسطرة نزع الملكية.
 الوضع رهن إشارة العموم: هذه المسطرة نصت عليها مدونة البيئة في المادة رقم 122-11، بحيث يتم إعداد إعلان عن العمليات المراد القيام بها، ويوضع رهن إشارة المواطنين للإطلاع عليه عند الطلب.
 التشاور أو التفاوض المسبق المنصوص عليه في المادة300-2 من مدونة التعمير، وتعتمد مسطرة التشاور في إعداد مجموعة من وثائق التعمير، خصوصا في إعداد مناطق التهيئة التشاورية بحيث تعتبر أولى مراحل إعداد هذه المناطق. فتخول للهيئات العمومية الإعلان عن نيتها في إنجاز عملية التهيئة داخل منطقة معينة، وتحديد شكليات القيام بالتفاوض مع المعنيين بعملية التهيئة قبل الشروع في إنجاز الدراسات اللازمة لمشروع التهيئة.
ويعتبر التشاور من الضرورة بحيث يخضع لرقابة القاضي الإداري، فتعتبر بذلك مناطق التهيئة التشاورية مشوبة بعيب المشروعية في حالة عدم اعتماد هذه الآلية كمرحلة أولية لإعداد مشاريع مناطق التهيئة التشاورية .
أولا. مراحل التشاور لإنجاز مناطق التهيئة التشاورية:
تتمتع الهيئات العمومية بكامل الحرية لتنظيم عمليات التشاور مع المعنيين، وفي المقابل يتجلى نطاق تدخل القاضي الإداري في مراقبة مدى واقعيتها وفعاليتها .
تتم عملية التشاور إجباريا قبل وضع مشروع عملية التهيئة التشاورية، وقبل اتخاذ أي قرار بشأن المنطقة موضوع هذه العملية، وهو ما كرسه مجلس الدولة في قرار له، حيث ألغى قرار المجلس البلدي لمدينة بوردو القاضي بإنشاء منطقة للتهيئة التشاورية، إضافة إلى غرامة مالية لفائدة جمعية “Association Aquitaine Alternatives”، لكون هذه الأخيرة ثم تجاهلها في مرحلة التشاور .
لم تنص مدونة التعمير الفرنسية على المدة التي يجب أن تنجز خلالها عملية التشاور، إلا أنها نصت على أن هذه العملية يجب أن تتم خلال المدة التي يكون فيها مشروع التهيئة قيد الإنجاز. بحيث أنه بإمكان المواطنين والجمعيات وباقي الجهات المعنيين بهذا المشروع الإدلاء باقتراحاتهم وآرائهم، مادام الملف النهائي لم يصادق عليه من طرف المجلس التداولي ، كما أن لصاحب المشروع الحق في الإعلان عن الوسيلة أو الوسائل المناسبة للتشاور شريطة احترام ما أعلن عنه . ويمكن لعملية التشاور أن تأخذ أحد الأشكال التالية: شكل إعلان أو إشهار، أو سجل لتدوين ملاحظات وآراء العموم، أو عن طريق توزيع نشرات على السكان، أو فتح معارض متنقلة تضم نماذج للمشروع في جميع المناطق المعنية بعملية التهيئة وفتح باب النقاش مع السكان .
بعد انتهاء عملية التشاور، يقوم العمدة أو مدير المؤسسة العمومية “صاحب المبادرةl’initiateur ” بإعداد “ملف حصيلة التشاور le bilan de concertation “، وبعد المصادقة عليه تحدث مباشرة منطقة التهيئة التشاورية، ويتم إنجاز الملف النهائي الخاص بهذه العملية.
ثانيا. رقابة القضاء على عملية التشاور:
كما سبقت الإشارة، ونظرا لكون التشاور آلية ضرورية توجب على الإدارة اعتمادها بشكل تلقائي لإحداث مناطق التهيئة التشاورية ، فإن غيابها أو عدم اللجوء إليها خلال مسطرة إعداد مشاريع تهيئة هذه المناطق، من شأنه أن يطبع العملية بأكملها بعيب عدم المشروعية، وينطبق الأمر كذلك في حال عدم إنجاز ملف حصيلة التشاور Le bilan de la concertation المنصوص عليه في المادة 300.2 من مدونة التعمير .
وهكذا فقد أجمع الاجتهاد القضائي الفرنسي، على أن عملية التشاور تصبح لاغية في عديد من الحالات، ونذكر منها على سبيل المثال :
• تقديم معلومات مغلوطة حول المشروع المزمع إنجازه كمساحته أو الأراضي الممكن نزع ملكيتها مستقبلا، أو في حالة ما إذا تعمدت الإدارة إخفاء بعض المعلومات المهمة عن المواطنين؛
• إقصاء أو تجاهل مواطنين أو جمعيات من المعنيين بالمشروع من عملية التشاور.
من هنا يتضح الدور المهم الذي توليه مدونة التعمير الفرنسية لآلية التشاور في عمليات التهيئة والتعمير، فماذا عن تهيئة ضفتي أبي رقراق؟.
ب‌. التشاور في تهيئة ضفتي أبي رقراق
بالرجوع إلى النصوص القانونية المتعاقبة المنظمة لميدان التعمير، ومن ضمنها القانون رقم 16.04، يلاحظ أنها تقصي المواطن من المشاركة في وضع تصور مستقبلي للوسط الذي يعيش فيه . فمن خلال هذه القوانين نلاحظ أنها خطت خطوة صغيرة إزاء من يملكون أراضي داخل المنطقة التي يغطيها مشروع تصميم التهيئة، عندما نصت على أنه يمكن لهم تسجيل ملاحظاتهم أو تحفظاتهم إزاء المشروع، وذلك أثناء البحث العلني الذي يتم تنظيمه لمدة شهر، لكن حسب الممارسة العملية فإن هذه المسطرة لا يستفيد منها إلا الملاك والمنعشون العقاريون ذووا النفوذ، في حين تظل مساهمة المواطنين ضعيفة ، ناهيك عن أن طبيعة الوثائق تبقى تقنية وصعبة الفهم على المواطن العادي. وما يزيد الأمر صعوبة، غياب إطار قانوني منظم لعملية التشاور.
لقد خولت المادة 12 من القانون رقم 16.04 لمدير وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق إمكانية اللجوء إلى أي وسيلة إشهار يراها ملائمة، فبالإضافة إلى مسطرة الإعلان عن المشروع وفتح سجل الملاحظات بخصوصه، قامت الوكالة بالتفاوض مع ملاك الأراضي الواقعة داخل منطقة التهيئة، إلا أن عملية التفاوض هذه لم تكن بهدف التعريف بالمشروع والتشاور بشأنه ومعرفة حاجيات السكان، بقدر ما كان الهدف منها التفاوض بشأن تسريع تصفية الوعاء العقاري .
أولا. التفاوض بين الوكالة والهيئات الوزارية:
من الصعب الحديث عن كيفية سير المفاوضات بين الوكالة والوزارات المعنية، وهذا راجع لغياب المعلومات بهذا الصدد، لكن ما يلاحظ أن هذه الأخيرة تؤيد وبشكل مطلق -على الأقل من الناحية الرسمية- هذا المشروع ، بالرغم مما يحمله من أعباء مالية ضخمة من جهة، بالنسبة لبعض هذه الوزارات. فقد تم توقيع اتفاقية بين الوكالة ووزارة الصيد البحري بموجبها تقوم الوكالة بتهيئة البنيات التحتية لميناء الصيد الساحلي بسلا، على أن تلتزم الوزارة بإنجاز جميع الأشغال الفوقية من أبنية ومنشآت، مع ما يصاحب ذلك من اعتمادات مالية بحجم هذا الاستثمار الضخم.
ومن جهة أخرى، حرمان إدارات أخرى من بعض المداخيل المالية المهمة، كمداخيل الأملاك الحبسية، حيث وقعت الوكالة اتفاقية مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تنتقل بموجبها مجموعة من العقارات تقدر مساحتها بـ 850 هكتار والواقعة داخل منطقة التهيئة.
كما أن تضرر بعض الفئات من الحرفيين سواء بمنطقة الولجة أو بمجمع الحرف التقليدية بالرباط جراء تنقيلهم، تولد عنه احتقان في صفوف هذه الفئة واحتجاجات أمام وزارة الصناعة التقليدية هي في غنى عنها.
ثانيا. التفاوض مع المجالس الجماعية:
بالرجوع إلى القانون رقم 16.04، يلاحظ أن الجماعات المحلية مقصية بشكل شبه تام في مرحلة إعداد تصميم التهيئة الخاص، بحيث ينحصر دورها في إبداء الرأي في مشروع التصميم كما أن سكوتها يعتبر كما لو أن ليس لها أي رأي بخصوصه، وفي هذا تبخيس من دور الجماعات المحلية لكونها المجال الترابي الأقرب للمواطنين في التنظيم الإداري للدولة، والأكثر دراية بحاجاتهم.
وما يزيد الأمر تعقيدا هو كون المدة الزمنية التي تلتزم خلالها الجماعات المحلية بالإعلان عن اقتراحاتها حول المشروع لا تتعدى شهرا واحدا، وهي نصف المدة المخولة للجماعات والواردة في القانون رقم 12.90 .
لقد أشارت المادة 18 من القانون رقم 16.04 إلى ضرورة عقد دورات استثنائية متى دعت الحاجة إلى ذلك وبطلب من الوالي قصد التداول في المشروع، باعتباره النقطة الوحيدة المدرجة في جدول الأعمال، كما يتم إدراج المشروع أيضا ضمن جدول الأعمال برسم الدورة العادية على وجه الأولوية، وفي هذا نوع من الضغط والتعجيل على المجالس الجماعية للتداول في موضوع حساس ويهم الساكنة، وخلال فترة تعتبر في الأساس قصيرة وغير كافية.
انطلاقا مما سبق، يمكن القول بأن التداول بشأن مشروع تصميم التهيئة الخاص لا يتعدى كونه إجراءا شكليا فحسب، فبالإطلاع على محتوى المادة 19 من القانون المذكور وبالصيغة التي جاءت بها، لا نجد بها أي إلزام للوكالة بالأخذ بملاحظات المجالس الجماعية، بحيث تقوم الوكالة بدراستها فقط دون مشاركة هذه المجالس على غرار ما هو منصوص عليه في قانون التعمير ، ودون الإشارة إلى أي إجراء في حالة رفض المجلس الجماعي للمشروع ، ما يعطي للوكالة سلطة تقديرية واسعة للأخذ بملاحظات هذه المجالس أو عدم الأخذ بها.
فإذا كان من ضمن ما يعاب على القانون 12.90 كونه ضعف مشاركة الجماعات المحلية في إعداد وثائق التعمير بشكل عام وتصميم التهيئة بشكل خاص، فإن القانون 16.04 يشكل تراجعا في مجال إشراك الجماعات المحلية في ميدان التعمير.
ثالثا. التشاور مع المواطنين:
تعتبر مشاركة المواطنين في قضايا التعمير والتهيئة الحضرية معطى أساسي لنجاح كل سياسة للتعمير، لأن تعقد المشاكل المطروحة وقوة العلاقات والترابط بين جميع الأطراف يحتم على السلطات أن تبحث على موافقة الأشخاص والجماعات المعنية .
فنصوص التعمير وقواعده تتضمن قرارات تهم المواطنين بصفة أساسية، وبالتالي فالمنهجية التشاورية لا مناص منها، فتوسيع مشاركة الفاعلين وجميع المعنيين في التهيئة الحضرية، لا يمكنه أن يتحقق إلا عبر تنظيم التشاور في التوقعات العمرانية وتبني القرارات ذات الصلة بمجال التعمير .
إن تهيئة ضفتي أبي رقراق، وبالرغم من اعتبارها نموذجا عصريا في تدبير المجال، إلا أنها لم ترتكز بالشكل المطلوب على المقاربة التشاورية والتشاركية خصوصا مع السكان وجمعيات المجتمع المدني على الأقل خلال مرحلة الإعداد للمشروع، على غرار ماهو معمول به في مناطق التهيئة التشاورية بفرنسا، حيث أن التشاور القبلي مع الساكنة من أساسيات عملية التهيئة.
فآلية الإعلان المنصوص عليها في القانون رقم 16.04 ، تأتي بعد انجاز مشروع التهيئة، وبالتالي تفرغ مفهوم التشاور من محتواه، على اعتبار أن الملاحظات التي سيدلي بها العموم، ستصب في مجال تعديل ما ورد في المشروع على سبيل التعرض على محتواه، وليس كإضافات جديدة. وهو ما وقع من الناحية العملية، فخلال البحث العلني مابين شتنبر وأكتوبر 2008، تم تسجيل 2692 حالة تعرض على مسطرة نزع الملكية الخاصة بضفتي أبي رقراق و685 تعرض بخصوص تصميم التهيئة الخاص بضفتي أبي رقراق . وهذا الأمر راجع إلى تغيب منهجية التشاور مع الساكنة المحلية قبل البدء في إعداد المشروع، الأمر الذي كان من شأنه أن يخفف من شدة الاحتجاجات والمنازعات المترتبة عن عملية التهيئة.
خاتمة
لقد شكل إحداث منطقة تهيئة ضفتي أبي رقراق، منعطفا هاما في مجال التهيئة العمرانية. إذ وضع قطيعة مع سبل التدبير والتهيئة الكلاسيكية للمجال العمراني في النظام القانوني المعمول به، وبالتالي أخذت بذلك إيجابياته وحاولت تدارك سلبياته. فقد جاء النظام القانوني المحدث لهذه المنطقة بأدوات منهجية خاصة، تبتغي المرونة والكفاءة في مساطرها، كما أحدث جهازا إداريا خاصا ومنحه اختصاصات حصرية وواسعة في مجال التهيئة.
لقد كان لهذا النمط العصري في التهيئة، انعكاسات محمودة في مجال الحكامة العمرانية؛ إذ مكن من تجاوز العديد من السلبيات التي لا يزال يتخبط فيها ميدان التعمير. إلا أنه، وإن تأكدت نظريا، فعالية هذا الأسلوب الحديث في التهيئة، من خلال الإيجابيات التي قمنا بعرضها خلال هذا البحث، فعمليا، طبعت هذه التجربة مجموعة من السلبيات قمنا بسرد أهمها من منظور شخصي، والتي تتمثل بالأساس في ضعف المقاربة التشاورية في مراحل إعداد وتنفيذ تصميم التهيئة الخاص بالمنطقة، الأمر الذي ترثب عنه كثرة المنازعات القضائية والمرتبطة خصوصا بنزع الملكية وحالات الاعتداء المادي على الملكية العقارية. فبالرغم من أن أسلوب تهيئة هذه المنطقة مقتبس من حيث المبدأ والمنهجية من مناطق التهيئة التشاورية الواردة في مدونة التعمير الفرنسية، إلا أنها أهملت آلية التشاور والتي يرتكز عليها إحداث هذه المناطق في فرنسا بشكل أساسي.
وصفوة القول أنه يمكن اعتبار مشروع تهيئة واستثمار ضفتي أبي رقراق، مرجعية أساسية في مجال تهيئة المناطق الخاصة، من خلال القيمة المضافة التي من شأنه أن يضيفها على نمط التهيئة والتعمير بشكل عام، سواء من حيث عصرنة أساليب التدبير العمراني أو مرونة المساطر المتبعة. وفي أفق تعميم هذه التجربة، لا يسعنا سوى الإدلاء ببعض الاقتراحات التي من شأنها أن تخفف من حدة المشاكل المرتبطة بهذا الأسلوب:
• إدماج آلية التشاور في جميع مراحل تهيئة المناطق الخاضعة لنظام قانوني خاص، من خلال استحداث أساليب جديدة للتشاور والتفاوض مع الساكنة وباقي مكونات المجتمع المدني، على غرار ما هو معمول به في فرنسا كالمعارض المتنقلة والندوات التحسيسية، إضافة إلى توزيع نشرات خاصة على المواطنين.
• تفعيل المقتضيات الواردة في القوانين المحدثة لشركات المساهمة التابعة لوكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق، والتي تنص على إمكانية مساهمة الملاك العقاريين في رأس مال هذه الشركات بأملاكهم الخاصة، بدل اللجوء المفرط لنزع الملكية.
• توسيع مجال هذه المناطق لتشمل إحداث مناطق صناعية أو أقطاب مالية بنفس هذا الأسلوب في التهيئة، إذ أن التوجه الحالي يركز على البعد السياحي بالأساس.
• الإسراع بإخراج مدونة التعمير إلى حيز التطبيق، والدمج بين المناطق ذات النظام الخاص وبين مناطق التهيئة التشاورية المنصوص عليها في مشروع المدونة، خصوصا من حيث إعمال آلية التشاور.