مظاهر انفراد العرض الالكتروني عن التقليدي في التشريع المغربي

311

مظاهر انفراد العرض الالكتروني عن التقليدي

في التشريع المغربي

 

منال الأندلسي

طالبة باحثة في سلك الدكتوراه،

جامعة محمد الخامس الرباط،

مقدمة :

ساهمت التقنية الرقمية العالمية في بزوغ قانون الفضاء الالكتروني الذي غير من المنحى الذي تسير عليه العقود التقليدية، إذ أصبح معظمها ذو طابع الكتروني محض، مسايرة بذلك التطور الهائل الذي طرأ على الأفراد والمجتمعات في معاملاتهم واهتماماتهم والتي أصبحت منصبة بشكل كلي على التكنولوجيا الرقمية، وهذه الخصوصية التي أصبح يتميز بها العقد الالكتروني باعتباره نوع خاص من العقود المبرمة عن بعد، أصابت كذلك الأحكام الخاصة بركن التراضي في شقه المتعلق بالإيجاب الالكتروني.

فالإيجاب بصورة عامة  هو التعبير الأول البات والجازم عن الإرادة الالكترونية أي ما أوجبه الطرف الأول على نفسه بتقديم العرض المتضمن لشروط معينة  للطرف الثاني الذي قد يكون شخص محدد أو أشخاص غير محددين أو إلى العموم وذلك  عبر الوسيط الالكتروني ، هذه الأخيرة   تعتبر من أهم  مظاهر خصوصية العقد الرقمي،  عكس ما كانت عليه قبل ظهور الشبكة المعلوماتية على مختلف أنواع المعاملات التعاقدية ، ففي ظل هذا التطور الذي شهدته المعاملات المدنية والتجارية خلال العقود الأخيرة   كان لزاما على المشرع المغربي أن يتدخل لتنظيم الإيجاب الالكتروني، وهو الأمر الذي تم بمقتضى القانون رقم( 53.05 ) المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية[1].

فقد استعمل المشرع المغربي بخصوص الايجاب الالكتروني مصطلح العرض، وبغض النظر عن هذه التسمية، فإن القانون الجديد استبعد المقتضيات المتعلقة بالإيجاب الواردة في قانون الالتزامات والعقود المغربي، وذلك بالمقتضى الفصل (2-65) من القانون (53.05[2]) .

ويكتسي الايجاب الرقمي أهمية ليست بالهينة لاتصافه بالعالمية بحيث يتم العرض على سوق دولية من خلال متجر افتراضي تجسده وسائل الاتصال الحديثة[3] مما يساعد على اختصار الجهد والوقت والتكاليف وتذليل العديد من العقبات التي يمكن أن تعترض الايجاب التقليدي.

غير أن هذه التقنية رغم أهميتها الإيجابية ساهمت في ظهور سلع غير تقليدية تتمتع عموما بالكثرة والتنوع بحيث أن الأمر أصبح بالغ الصعوبة بالنسبة إلى المستهلك العادي في تمييز أية سلعة من السلع المعروضة عليه [4].

ومن هذا المنطلق نستشف أن الإيجاب في العقد الالكتروني يتمتع بخصوصية تميزه عن باقي المفاهيم الأخرى القريبة منه، وهنا يطرح إشكال هام يتمثل في مدى تفوق المشرع المغربي في جعل الإيجاب الرقمي منفردا بالخصوصية القانونية عن الايجاب عامة وذلك رغبة منه في حماية المستهلك المحتمل التعاقد معه؟

وعليه سيتم إبراز الخصوصية القانونية للعرض الالكتروني و تمييزه عن المفاهيم القريبة منه (أولا) ليتم بعد ذلك الوقوف على أهم مظاهر انفراد الايجاب الالكتروني عن التقليدي (ثانيا) .

 

أولا : الخصوصية القانونية للعرض الالكتروني تتجلى في تمييزه عن  المفاهيم المختلطة به  

 

من المعلوم أن كل إيجاب هو عرض وليس كل عرض إيجاب[5] ويفهم من هذه القاعدة أن الإيجاب في العقد الالكتروني يتميز بخصوصية عن باقي المفاهيم الأخرى القريبة منه، ومنها الإعلان أو الإشهار الالكتروني الذي لا يعتبر إيجابا بل مجرد إشهار أو عرض يدعو للتعاقد وبالتالي يتضح لنا تلقائيا معنى مبدأ* ليس كل عرض هو ايجاب *، وبمفهوم المخالفة فإن العرض الالكتروني يكون إيجابا له قوة ملزمة وينتج أثره القانوني وذلك متى استوفى مجموعة من البيانات التي تؤكد إلزاميته.

ومما تجدر الإشارة إليه أن المشرع المغربي ميز بين العرض الالكتروني والاعلان عن بعد تمييزا حاسما وكذا اشترط في الإيجاب ليعقد به قانونا عدة شروط هذه الأخيرة هي التي تضفي على الإيجاب الصفة الإلزامية وتجعله يتمتع بالخصوصية[6].

1.التمييز بين الإيجاب الالكتروني  ومجرد  الإعلان أو الإشهار المقدم عن بعد  

يلاحظ أن ثمة فرقا بين الإيجاب الإلكتروني والإعلان عن بعد، فبالنسبة للإيجاب الرقمي لم تورد معظم التشريعات الوطنية الخاصة تعريفاً محدداً للإيجاب الإلكتروني على الرغم من اعترافها بجواز التعبير عن الإيجاب بالرسائل الإلكترونية.

إلاّ أن هنالك تعريفات من قبل فقه العقد الإلكتروني، حيث يعرفه بالتعبير البات عن إرادة شخص يتجه به إلى شخص آخر يعرض عليه، وذلك بأسس وشروط معينة وكل ذلك يتم بواسطة المحادثة على شبكة الإنترنت أوعبر البريد الالكتروني أو صفحة الويب [7]  بحيث إذا اقترن به قبول مطابق له انعقد العقد.

كما عرف الفقه الإنكليزي الإيجاب ( The offer)  بأنه بيان لرغبة الشخص الذي أصدره في التعاقد وفق الشروط       المذكورة فيه.[8]

كما عرفته التوجيهة الأوربية   الخاصة بحماية المستهلكين في العقود المبرمة عن بعد بأنه كل اتصال عن بعد يتضمن العناصر اللازمة بحيث يستطيع المرسل إليه أن يقبل التعاقد مباشرة ، ويستبعد من هذا النطاق مجرد الإعلان[9].

ومما تجدر الإشارة إليه أن المشرع المغربي بين ووضح وحدد بشكل شافي لا لبس فيه، في الفصل(3-65) من قانون الالتزامات والعقود ثلاث حالات تدخل في إطار العرض[10] المبرم إلكترونيا مما جعله يتميز عن مجرد الإعلان وهي  كالتالي:

الحالة الأولى: وضع الإيجاب في شكل عروض تعاقدية، أو معلومات متعلقة بسلع أو خدمات، رهن إشارة عموم الناس، من أجل إبرام عقد من العقود، والتي يمكن فيها استعمال كل الوسائل الالكترونية بما في ذلك البريد الالكتروني والويب.. وغيرها من الوسائل المتاحة لأن المشرع استعمل *رهن إشارة العموم*.

الحالة الثانية: هي التي يطلب فيها شخص معين بالذات، معلومات من أجل إبرام عقد من العقود .

الحالة الثالثة: عندما يتعلق الأمر بتوجيه معلومات أثناء تنفيذ العقد.

بخصوص الحالتين الثانية والثالثة، فإن الوسيلة الإلكترونية محددة فقط في البريد الإلكتروني وحده، لأن الأمر يتعلق بشخص معين بالذات، حيث اشترط القانون في هذه الحالة أن يوافق هذا الأخير على استعمال تلك الوسيلة في العرض[11].

أما الإعلان الإلكتروني، فهو شكل من أشكال الاتصال في إطار تجاري أو صناعي أو فني، يهدف الدعاية إلى توريد أشياء أو خدمات، فهذا الأخير يلعب دورا هاما في تسويق السلع والخدمات بحيث يمثل الجزء الهام الذي يمد المستهلك بإشباع معين لأنه أصبح يصل إلى أكبر شريحة اجتماعية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والبريد الالكتروني ومواقع الالكترونية المشهورة؛

بحيث أصبح ينافس الإعلانات التلفزيونية والمطبوعة، ويشكل أكثر رسائل الترويج جاذبية وذكاء واكتساحا في ظل الاتجاه السائد نحو التسوق الالكتروني.

وقد انقسم آراء الفقهاء في تحديد الحد الفاصل بين الإيجاب والاعلان إلى اتجاهين ، الاتجاه الأول أخرج الإعلان من دائرة الإيجاب، واعتبره مجرد دعوى إلى التعاقد ومجرد عرض لا يرقى للإيجاب وارتكز في رأيه إلى عدم تعيين الشخص المقصود في الإعلان أو العرض ،فضلا عما قد يتضمنه الإعلان من ضغط معنوي على المستهلك يستحثه على شراء السلع ، بينما ينتفي هذا الضغط بالنسبة  إلى الموجب حالة حدوث ظرف خارج عن إرادته على الخدمة أو السلعة حتى يتمكن من تعديل أو تصويب الأوضاع مثل ارتفاع الأسعار أو نفاذ الكمية لأن العرض المقدم على الشبكة رهين بمدى توافر الكمية الكافية من السلعة لدى البائع ، لأنه من البديهي يستحيل على العارض أن يستجيب لكافة طلبات الشراء الوافدة عليه من كل أقطار العالم  [12] ، فإنه في مثل هذه الحالات يعفى صاحب العرض من مسؤولية الالتزام بهذا الأخير لأن الذي تم إرساله ما هو  إلا إعلان دعوى إلى التعاقد وليس إيجابا .

أما الاتجاه الثاني فيعتبر أن الإعلان الموجه للجمهور عبر تقنيات الاتصال عن بعد، يعتبر إيجابا موجها إلى الجمهور إذا تضمن العناصر الأساسية للعقد المراد إبرامه، كأن يتم تحديد السلعة أو الخدمة بكل وضوح وشفافية تحديدا تاما نافيا للجهالة، وأن يتم تحديد الثمن بشكل دقيق وبمفهوم المخالفة، أي إذا لم يتضمن الإعلان ذلك، فإنه يظل مجرد دعوى للتعاقد.

والمشرع المغربي أخذ بهذا الرأي الثاني، فقد أشار بمقتضى القانون رقم (05-53) لعام 2007 والمتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية إلى التمييز الحاصل بين الإيجاب الملزم ومجرد الإعلان أو الإشهار ، بحيث نص في الفصل( 4-65 ) على وجوب تضمين الإيجاب مجموعة من البيانات لكي يصبح ملزما وإلا فإن *كل اقتراح غير متضمن لكافة البيانات المشار إليها في هذا الفصل لا يجوز اعتباره عرضا بل يبقى مجرد إشهار ولا يلزم صاحبه *.

وعامة، فالإيجاب المعلن عنه بوسيلة رقمية يتعين على العارض أن يوجب على نفسه أن يتضمن التعريف به وبالسلعة والخدمة الموردة، وبصفة عامة جميع المعلومات التي تجعل الطرف الآخر يعلم أنه أمام إيجاب موجه إليه قصد التعاقد وليس مجرد عرض اعلاني أو اشهاري غير ملزم.

  1. 2. العناصر البيانية الالزامية التي تكسب الإيجاب الإلكتروني الخصوصية القانونية  

 

لقد كان القانون الإنجليزي سباقا في التنظيم القانوني للعروض المتعلقة بالبيوع عن بعد بحيث اشترط فيه عناصر بيانية إلزامية نذكر منها  تبيان الاسم الكامل للعارض وعنوانه  والخصائص الأساسية للسلعة أو الخدمة ومقدار تكاليف النقل ورسم القيمة المضافة ، والزمان المتوقع لتسليم ،وبيان إمكانية رد السلعة المعيبة والإصلاح الفوري لأي عيب[13]، مع ضرورة توضيح شروط العرض بكل وضوح وشفافية بعيدا عن كل غموض  .

وقد سار المشرع المغربي على نفس المنوال متبعا النهج الفرنسي الذي استسقى تقنينه من النهج الإنجليزي بخصوص العناصر البيانية الإلزامية التي تضفي على العرض الإلكتروني صبغة الخصوصية.

وهذا ما تضمنه الفصل (4-65) من قانون الالتزامات والعقود بحيث وجب تضمين الإيجاب المقدم عن بعد من طرف العارض بصفة مهنية وبطريقة إلكترونية، توريد سلع أو تقديم خدمات أو تفويت أصول تجارية أو أحد عناصرها، أن يضع رهن إشارة عموم الناس الشروط التعاقدية المطلوبة والمطبقة بشكل يمكن من   الاحتفاظ بها واستنساخها؛

وحسب الفقرة الثانية من الفصل، والتي جاء فيها * دون الإخلال بالمعلومات المنصوص عليها في العرض المذكور أو إن تعذر ذلك، طالما أن العرض متيسرا بطريقة إلكترونية نتيجة فعل العارض * .

وقد قصد المشرع المغربي  في الفقرة الأخيرة من هذا النص العرض المطلق الغير مقيد بأجل  بحيث يظل العارض ملتزما بعرضه  طالما بقي الولوج إلى مضمون العرض ميسرا  إلكترونيا بفعله أي الموجب نفسه وليس بفعل غيره كما لا يتعقب ولوجه أية عراقيل تذكر  مثال على ذلك ، حذف عرض الموجب من خط الشبكة  وبقي الولوج إليه ممكنا على الرغم  من ذلك لسبب حدده المشرع  في تدخل الغير ، كما إذا بقي العرض في ذاكرة الحاسوب أو الخادم وتمكن شخص من استرجاعها بمهارة تقنية ، ثم أعيد بعد ذلك إطلاقه على الخط الجديد ،ولا يهم هنا حسن النية أو سوءها ففي هذه الحالة يعفى صاحب العرض من مسؤولية الالتزام بهذا الأخير .

ومما تجدر الإشارة إليه أن خصوصية الإيجاب الالكتروني تتجلى بوضوح في هذا المثال الأخير والمتمثلة أساسا في ذكر المشرع لتدخل الغير في السبب الأجنبي وحده فقط، مع إغفاله ذكر القوة القاهرة والحدث الفجائي، لأنه من الناحية العملية لا يتصور إعمال هذين الظرفين في الفضاء الإلكتروني نظرا للخصوصيته التقنية[14].

 

وعلاوة على ما سبق ذكره فإن نفس الفصل (4-65) أضاف مجموعة من الشروط والعناصر الإلزامية على هذا النمط الإلكتروني وعلى أساسها يكتسي الإيجاب صبغة الخصوصية تحت طائلة اعتباره مجرد اشهار لا يلزم صاحبه، وهي: [15]

العنصر الأول: يتعين أن يتضمن الإيجاب الخصائص الأساسية للسلعة أو الخدمة المقترحة أو الأصل التجاري المراد بيعه أو أحد عناصره إذا كان محل عرض للبيع.

العنصر الثاني: يتعين على العارض أن يعين شروط بيع البضاعة أو الخدمة المعروضة أو شروط بيع الأصل التجاري أو أحد عناصره.

العنصر الثالث: يتعين على الموجب أن يبين كيفية تنفيذ الالتزامات التبادلية لأطراف العقد المزمع عقده.

العنصر الرابع: أن يتضمن الإيجاب وسائل تقنية يمكن المتعاقد المحتمل من الاطلاع على الأخطاء المرتكبة أثناء تحصيل المعطيات وتصحيحها.

العنصر الخامس: لم يشترط المشرع في العقد الإلكتروني أن يحرر باللغة العربية وإنما ترك الحرية لأطراف العقد استعمال اللغة التي يجيدانها، ومن البديهي أنه إذا حرر بلغة أجنبية تعين الاستعانة بترجمان محلف لترجمته باللغة العربية ليمكن الاحتجاج به أمام القضاء المغربي ذلك أن اللغة العربية هي لغة التقاضي وإلا ردت الدعوى بعدم القبول.

العنصر السادس: أن يتضمن الإيجاب طريقة حفظ العقد في الأرشيف من لدن صاحب العرض وشروط الاطلاع على العقد المحفوظ إذا كانت طبيعة العقد تقتضي ذلك.

العنصر السابع: أن يتضمن الإيجاب الأسلوب الإلكتروني الذي يمكن من معرفة القواعد المهنية والتجارية التي يروم الموجب الخضوع لها.

وكل اقتراح لا يتضمن البيانات المذكورة يظل مجرد إشهار لا يلزم الموجب.

وقد اقترح الأستاذ أحمد دريوش أن تنضاف إلى البيانات المعددة في الفصل المذكور بيانا أخرى تتعلق بهوية وعنوان العارض ووسائل الاتصال به من رقم الهاتف أو الفاكس والبريد الإلكتروني وذلك قبل العنصر الأول .وأن يتمم العنصر الثاني بذكر الثمن أو السعر المقترح للسلعة أو الخدمة وتكاليف التسليم والتأمين إن  اقتضى الحال مع بيان المدة التي تكون خلالها السلعة او الخدمة معروضة بالسعر المحدد ،والضمانات والخدمة بعد البيع وإمكانية العدول عن الشراء وطرق ارجاع السلعة وتبديلها وشروط فسخ العقد [16]، علما بأن كل هذه البيانات كما سبق الإشارة إلى ذلك  قد نص عليها القانون الإنجليزي ونظمها  ،والمشرع المغربي حاول أن يتفادى هذا النقص بتنظيم بعض هذه  البيانات ضمن قانون حماية المستهلك  رقم 31.08 رغبة منه في حماية المستهلك الرقمي في الفضاء الإلكتروني باعتباره الطرف الضعيف في العقد  .

ومما ينبغي الإشارة إليه أن الإيجاب الإلكتروني لا تقتصر خصوصيته على ما ذكرناه آنفا بل هناك مظاهر أخرى تجعله منفردا ومتميزا عن الإيجاب الكلاسيكي .

 

ثانيا :أهم مظاهر إنفراد الإيجاب الإلكتروني عن التقليدي  

من أجل التعرف على أهم المظاهر التي ينفرد بها الإيجاب الإلكتروني ويجعله ذا خصوصية قانونية تميزه  عن الإيجاب التقليدي فسنقتصر في هذا المقام على تبيان القوة الملزمة  للإيجاب في العقد التقليدي وكذا القوة الملزمة للإيجاب الإلكتروني(1) على أن ننتقل إلى تحديد دقيق لأهم أسباب سقوط الإيجاب في العقد التقليدي ،وحالات التي يسقط فيها العرض الإلكتروني (2).

1.القوة الملزمة للإيجاب في العقد التقليدي والعقد الرقمي :

هناك فرق بين القوة الملزمة للإيجاب في العقد التقليدي عن الإيجاب في العقد الإلكتروني هذا الأخير ينفرد بالخصوصية القانونية على اعتبار أن الأصل في النظر القانوني ينفي للإيجاب القوة الإلزامية إذا كان بحد ذاته، وأن للموجب أن يرجع عن إيجابه مادام لم يقترن به قبول، أو مادام الطرف الآخر الذي وجه إليه الإيجاب لم يشرع في تنفيذ العقد، هذه الحالة  هي موضوع  الفصل 26 من قانون الالتزامات والعقود المغربي التي لا تتحقق إلا في التعاقد بين حاضرين في مجلس العقد  .

فاستثناء من الأصل المتقدم في الفصل السابق فإن الفصل 29 من قانون الالتزامات والعقود اعتبر الإيجاب ملزما، ولا يجوز الرجوع عنه، إذا حدد الموجب ميعادا للقبول ، فإنه يلتزم بالبقاء على إيجابه حتى انقضاء هذا الأجل.

يعتبر  تحديد الميعاد الذي بقي فيه الإيجاب ملزما صريحا  في أغلب الأحيان كما قد يكون ضمنيا ، كأن يستخلص من ظروف التعاقد ، وقد تعرض للنقض الحكم الذي رفض التصريح بصحة البيع رغم أنه ثبت لدى المحكمة توصل الوسيط بقبول عرض البيع خلال الأجل القانوني [17] ، بحيث إذا حدد الموجب في إيجابه مهلة يتعين على الموجه إليه الإيجاب ، إعلان قبوله خلالها ، فإن الإيجاب يكون ملزما ، ولا يجوز للموجب الرجوع طالما لم تنتهي المهلة المحددة منه مثلا لو وجه عمرو إيجابا لزيد وحدد عمرو مدة  أسبوع  لبقائه على إيجابه ، فلا يستطيع عمرو الرجوع عن إيجابه إلا بعد انقضاء مدة أسبوع دون وصول رد القبول إليه من زيد .

والأساس التي تقوم عليه القوة الملزمة للإيجاب هو الإيجاب وحده، أي أن الالتزام يقوم على الإرادة المنفردة للعارض ، وهذه حالة من الحالات التي تعتبر فيها الإرادة المنفردة مصدرا للإلتزام .

 

والذي ذكرناه آنفا يتعلق بالقوة الملزمة للإيجاب في العقد التقليدي، وأما ما يتعلق بالقوة الملزمة للإيجاب الإلكتروني، فقد عالج المشرع المغربي القوة للإيجاب الإلكتروني في الفقرة 2 من الفصل(65-4) من قانون (05-53) [18] بحيث يتضح من خلال هذا النص أن المشرع اعتبر الإيجاب الإلكتروني ملزما في حالة اقتران الإيجاب بأجل القبول ، لذا يتعين على الموجب الالتزام بعرضه إلى غاية الإيجاب بالقبول أو الرفض .

 

نلاحظ من خلال قراءة هذا الفصل الأخير والذي تناول تنظيم القوة الملزمة للإيجاب الرقمي أنه ينفرد بخصوصية ألا وهي عدم اتصافه بالقوة الإلزامية إلا إذا تحقق شرط تطابق واقتران الإيجاب بأجل القبول فمثلا يتعين على زيد الالتزام بعرضه إلى غاية أن يجيبه عمرو بالقبول أو الرفض .

 

بعدما تعرفنا على خصوصية الإيجاب الإلكتروني في إطار القوة الملزمة له ننتقل إلى خصوصيته من حيث حالات سقوطه هل هي نفس حالات سقوط الإيجاب التقليدي أم تنفرد عنه بالخصوصية؟

 

 

2 .حالات سقوط الايجاب التقليدي والإلكتروني

 

لا يعني صدور الإيجاب من الموجب، أنه بالضرورة سيترتب عن ذلك العرض صدور قبول من الطرف الآخر، مع ما يترتب عن ذلك من نشوء عقد صحيح، بل إن هناك العديد من الحالات التي يسقط فيها الإيجاب التقليدي دون أن يتحقق الأثر الرامي إلى انعقاده في البداية [19].

 

  1. 1سقوط الإيجاب الكلاسيكي

1 – يسقط الإيجاب في حالة رفضه من قبل متلقي العرض، ويستوي أن يكون ملزما أو غير ملزم، والرفض قد يكون مجردا ،  وقد يكون بمثابة إيجاب جديد يناقض ويعارض الإيجاب الأول ، وتطبيقا للفصل 27 من ق.ل.ع  قد يتخذ شكل قبول معلق على شرط أو المتضمن لقيد أدخل على الإيجاب بحيث  يعتبر بمثابة إيجاب جديد من قبل متلقي العرض الأول .

2-حالة انقضاء المدة التي حددها الموجب ولم يصدر قبول خلالها وهذه الحالة التي يكون فيها الإيجاب ملزما بحيث دلل الموجب صراحة على أنه لا يريد البقاء على إيجابه أكثر من هذه المدة، فإذا انقضت سقط الإيجاب تلقائيا من نفسه متى تعلق الأمر بتعاقد بين غائبين .

3- حالة انفضاض مجلس العقد دون صدور قبول من الشخص المفترض أنه القابل.

4- ويسقط الإيجاب أيضا في حالة موت الشخص المتلقي للعرض، إذا كانت شخصيته محل اعتبار في العقد كما هو الشأن بالنسبة للمحامي أو الطبيب أو الفنان .

5- وأخيرا يسقط الإيجاب في حالة موت الموجب أو فقد أهليته، واتصل ذلك بعلم من وجه له الإيجاب قبل أن يقبله، أما إذا وقع قبول من وجه إليه الإيجاب قبل علمه بموت الموجب أو فقد أهليته ، فإنه يعتد بهذا القبول ويبرم العقد ، وهذا ما نص عليه الفصل 31 من قانون الالتزامات والعقود[20] ؛

     إن  موت الموجب أو فقد لأهليته ، يجعل الإيجاب الصادر من أحدهما كأن لم يكن إلا إذا حصل القبول من طرف الشخص الذي وجه إليه قبل أن يعلم بالوفاة أو بنقصان الأهلية ، ومن باب أولى ، أن موت الموجب أو فقد أهليته بعد وقوع القبول لا يؤثر على إبرام العقد ولو بعد وقوع الوفاة ، أو وقوع فقد الأهلية قبل وصول القبول إلى الطرف الموجب ،لأن العقد في قانون الالتزامات والعقود المغربي ، يتم بمجرد وقوع القبول ، ومدام الشخص المتلقي للإيجاب قد أعلن عن قبوله قبل موت الموجب ، أو قبل فقد أهليته ، فإن العقد قد تم لأنه من البديهي في حالة وفاة يحل ورثته محله في الحقوق والالتزامات.

ويلاحظ أن تطبيق نص الفصل 31 من قانون الالتزامات والعقود المغربي يضع إشكالا عويصا عند تطبيقه ، وخاصة في مجال الإثبات ،ولكن الكلمة الأخيرة ترجع للقضاء الذي من حقه أن يتخذ موقفا اجتهاديا يحدد من يكون عليه عبء الإثبات.[21]

 

2.2 سقوط الإيجاب الإلكتروني

 

إن التعديل الذي أتى به قانون تبادل المعطيات القانونية بمقتضى الفصل 1-65 من قانون الالتزامات والعقود احتفظ ببعض الأحكام العامة ،لكي تسري هي أيضا على ابرام العقد الإلكتروني [22]

واستثنى من التطبيق مقتضيات الفصول من 23 إلى 30 من نفس القانون، وهي المتعلقة بالإيجاب والقبول وكذا الفصل 32 منه ، والمتعلق بالمزايدة العلنية ، وأورد مكانها تحت عنوان العرض أحكاما خاصة بالإيجاب.

فالمشرع المغربي عند تنظيمه العقد الإلكتروني، لم يستبعد تطبيق مقتضيات الفصل 31 من ق.ل.ع[23]على الإيجاب الإلكتروني وذلك حسب ما يتضح من خلال الفصل (2-65) من قانون التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية .

وتأسيسا على ذلك فليس هنا فرق بين الإيجاب التقليدي والإيجاب الإلكتروني بالنسبة لحالة سقوط الإيجاب بانتهاء أجل القبول، فكلاهما يسقط أثناء المدة المحددة للقبول أما بالنسبة لحالة وفاة الموجب أو فقدان أهليته أو نقصانها وأخبر بذلك متلقي العرض قبل التعبير عن قبوله ، فإنها تؤدي كذلك إلى سقوط الإيجاب الإلكتروني .

وأما بالنسبة لحالة رفض متلقي العرض الإيجاب الموجه له فإن القانون رقم (53-05) استثنى تطبيق الفصل 27 من ق.ل.ع [24]على الإيجاب الإلكتروني، وذلك ما يتضح من خلال الفصل (2-65) من قانون التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية ففي هذه الحالة تتجلى الخصوصية القانونية للإيجاب الرقمي عن التقليدي.

 

ومما ينبغي الإشارة إليه أن اختفاء الإيجاب الناتج عن خلل في وسائل معالجة البيانات التي يتم من خلالها إرسال الإيجاب فلا علاقة للعارض بها ولا تعتبر من أسباب سقوط الإيجاب ولا تمنع من بقاءه وترتيب أثره القانوني .

 

خاتمة

وفي الختام توصلنا إلى وجود فوارق جلية لا غبار عليها بين الإيجاب الإلكتروني والإيجاب التقليدي وأن الفارق الزماني والمكاني في هذا النوع من العقود تظهر لنا انفراد الإيجاب المنشأ في الفضاء الإلكتروني بالخصوصية القانونية .

فهذا الإطار الذي وضعه المشرع ليس من شأنه إلا أن يكرس الحماية المقررة للعقد الإلكتروني من جهة ،والمستهلك الرقمي من جهة أخرى باعتباره الطرف الأقل قوة في العقد ،وبالتالي حماية استقرار المعاملات التجارية عبر الوسائط الإلكترونية .

ورغم تفوق المشرع المغربي في جعل الإيجاب منفردا بالخصوصية القانونية  لحماية المستهلك المحتمل التعاقد معه  في الفضاء الرقمي  إلا أن التساؤل الذي يبقى مطروحا هنا هل هذه الحماية كافية لتكون إرادة  الموجب ومتلقي العرض سليمة أم أن هذه الخصوصية التي يمتاز بها الإيجاب الإلكتروني  تفرض استحداث قوانين أكثر حمائية لإرادتين  الموجب ومتلقي العرض من تزييف وتحريف البيانات من قبل الهاكر الافتراضي  ؟

 

 

[1] – ظهير شريف رقم 1.07.129 صادر بتاريخ 19 من ذي القعدة 1428(الموافق نوفمبر 2007) بتنفيذ القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية ، الجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 25 ذو القعدة 1428 (6 ديسمبر 2007).

2  –عبد الرحمان الشرقاوي *القانون المدني * دراسة حديثة للنظرية العامة الالتزام على ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي -2017 ص98 .

3 امانج رحيم أحمد ، التراضي في العقود الالكترونية عبر شبكة الانترنت ،رسالة ماجستير منشورة ،دار وائل للنشر ، الأردن ،ص156.

 4-عبد الكريم شهبون ،الشافي في شرح قانون الالتزامات والعقود المغربي، الكتاب الأول  – الجزء الأول  :مصادر الالتزامات ،الطبعة 2018 ، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء .

  http//yout.be /L8OD9DZOBTI[5] مصطفى عابد : دراسة في العقد الالكتروني 5

 6- المختار بن أحمد عطار ، العقد الإلكتروني ،مطبعة النجاح الجديدة -الدار البيضاء ، الطبعة الأولى 2010 ص26

 7- المختار بن أحمد العطار ، مرجع سبق ذكره  ، ص 24.

)- 8 An offer is astatement that the person making it is willing to contract on the terms stated(

Treitel  the law of contract,3 edition 1970,p-7 .

 9 – التوجيهة أو الدورية الأروبية الصادرة بتاريخ 8 يونيو 2000، أنظر الموقع : WWW.europa.eu.int/lex/fr/oj

10- العربي جنان ، التبادل الالكتروني للمعطيات القانونية -القانون المغربي رقم 53-05 -دراسة تحليلة نقدية ،المطبعة والوراقة الوطنية الحي المحمدي ، زنقة الداوديات – مراكش ،  الطبعة الأولى 2008 ص13

 

 11 – ينص الفصل 65-3 من قانون الالتزامات والعقود على ما يلي :* يمكن استخدام الوسائل الإلكترونية لوضع عروض تعاقدية ،أو معلومات متعلقة بسلع أو خدمات ،رهن إشارة العموم ،من أجل إبرام عقد العقود .

يمكن توجيه المعلومات المطلوبة من أجل إبرام، أو المعلومات الموجهة أثناء تنفيذ العقد، عن طريق البريد الإلكتروني، إذا وافق المرسل إليه صراحة على استخدام الوسيلة المذكورة.

يمكن إرسال المعلومات إلى المهنيين عن طريق البريد الإلكتروني، ابتداء من الوقت الذي يدلون فيه بعنوانهم الإلكتروني.

إذا كان من الواجب إدراج المعلومات في استمارة، تعين وضع هذه الأخيرة بطريقة إلكترونية رهن إشارة الشخص الواجب عليه تعبئتها.

12- Jean -François Bourque *spécificité des contrats du commerce électronique :clauses et contrats-types en matière vente internationale* Revue tunisienne de l’arbitrage N°2,Imprimerie Alamate ,Tunis,2002,p.92.

13   -you should receive your order on time and in excellent condition is so please leave us feedback.if not please contact us messages and we will endeavor to rsolve any problems quickly and to your satisfaction.

14- العربي جنان ، مرجع سبق ذكره ص 16

15 – عبدالله الكرجي -صليحة حاجي  ،التعاقد الإلكتروني ونظم الحماية الإلكترونية ،مطبعة الأمنية -الرباط  ،الطبعة الأولى 2015 ص58

16- أحمد دريوش ، تأملات حول قانون التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية-عناصر لمناقشة مدى تأثير القانون رقم 05-53على قانون الإلتزامات والعقود ،الطبعة الأولى 2009 ،مطبعة الأمنية -الرباط ص 56

 17- قرار مدني عدد: 316 ، عن المجلس الأعلى بتاريخ :25/06/69 منشور بمجلة (قضاء المجلس الأعلى ) عدد 8 السنة الأولى ماي 69،ص 49

18-  جاء في الفصل4 -65 فيه: * دون الإخلال بشروط الصحة المنصوص عليها في العرض فإن صاحب العرض يظل ملزما به سواء طيلة المدة المحددة في العرض المذكور وأن تعذر ذلك طالما ظل ولوج العرض ميسرا  بطريقة إلكترونية نتيجة فعله *

19 عبد الرحمان الشرقاوي، مرجع سبق ذكره ص 100

20- الفصل 31 من قانون الالتزامات والعقود جاء فيه * موت الموجب أو نقص أهليته إذا طرأ بعد إرسال إيجابه ، لا يحول دون إتمام العقد إن كان من وجه إليه الإيجاب قد قبله قبل علمه بموت الموجب أو بفقد أهليته *

21- عبد الكريم شهبون ،مرجع سبق ذكره ص185

 

 

22- يتعلق الأمر على وجه الخصوص بالفصول من 19إلى 22 من قانون الإلتزامات والعقود.

23- جاء فيه *موت الموجب أو نقص أهليته إذا طرأ بعد إرسال إيجابه ،لا يحول دون إتمام العقد إن كان من وجه إليه الإيجاب قد قبله قبل علمه بموت الموجب أو بفقد اهليته *.

24- الفصل 27 من ق.ل.ع جاء فيه :* الرد المعلق على شرط والمتضمن لقيد يعتبر بمثابة رفض للإيجاب يتضمن إيجابا جديدا *.