مشروع الحكم الذاتي وسيلة لحل نزاع الصحراء

236

مشروع الحكم الذاتي وسيلة لحل نزاع الصحراء

شرافي محمد

دكتور في القانون العام

مدرس الأشغال التوجيهية في كلية الحقوق عين الشق

 

 

بعد استحالة إجراء الاستفتاء لحل مشكل الصحراء الذي عمَّر أزيد من أربعة عقود [1]، واستوعبت سواء منظمة الأمم المتحدة وكذا الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية وصول قضية الصحراء إلى النفق المسدود، حيث لم يعد مقبولا الإبقاء على هذه الوضعية إلى ما لا نهاية، وإنما أضحى أمر البحث عن حل آخر أكثر إلحاحا، وهو ما دفع بالأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان يدعو إلى استكشاف سبل ووسائل التوصل إلى حق سريع ودائم ومتفق عليه للنزاع القائم حول قضية الصحراء، أو ما سيعرف بالحل الثالث الذي يبقى في الحقيقة من إلهام منظمة الأمم المتحدة نفسها، حل سياسي متوافق عليه لا يكون فيه غالب ومغلوب، حل يستلهم معاييره أيضا في ما خلُصت إليه المفوضية السامية للأقليات الوطنية التابعة لمنظمة الأمم والتعاون بأوربا عندما دعت مجموعة من الخبراء والمختصين من أجل وضع مختلف التصورات والترتيبات التي تجعل ممكنا المشاركة الفعلية للأقليات الوطنية في الحياة العامة ودمجها في الدولة من أجل صيانة هوياتها وخصائصها الذاتية وكذا من أجل التدبير الجيد للشأن العام والوحدة الترابية للدولة،[2] وقد خرجت لجنة الخبراء هذه، بعد عدة لقاءات بمجموعة من توصيات- شكلت دليلا ونموذجا اجتمعت فيه المعايير الدولية – يهتدي بها كل من أراد تطبيق نظام حكم ذاتي ديمقراطي وقابل للاستمرار. فمثل هذا الحل الذي يشكل جهوية في أقصى مراحلها ضمن الدولة الموحدة ليس بغريب على المغرب ولا على المغاربة[3]، فالمجال المجتمعي التقليدي المغربي أفرز واقعا تاريخيا تميزت به الإمبراطورية الشريفة، هذا الواقع التاريخي يتمثل في الواقع القبلي الذي يعتبر فضاءا متميزا بمكوناته البشرية المتنافرة، وبنياته الاقتصادية والتنظيمية المستقلة، وبروابطه الثقافية والفكرية واللغوية المشتركة، فالقبائل المغربية لم تكن فقط وحدات اقتصادية واجتماعية متعلقة بل كانت أيضا عبارة عن وحدات تدافع عن مصالحها وعن كينونتها وهويتها القبلية، بل أكثر من ذلك أن القبيلة لعبت دورا أساسيا في وصول عدد غير قليل من الدعوات إلى الحكم وترسيخها، والحفاظ على كيانها، فحضورها أثبت فعاليته في كل المشاريع السياسية المطروحة، فالمجموعات القبلية الكبرى وخاصة منها قبائل السيبا[4] كانت تمارس ما يشبه الحكم الذاتي بواسطة مجالسها الخاصة بها وطبقا لأعرافها الخاصة في معزل عن السلطة المركزية وباعتراف تام بسلطة السلطان العصبوي أو الشريفي الذي يجسد السيادة الجماعية باعتباره أميرا للمؤمنين يتمتع بالسلطة الروحية والأدبية وممثلا للإسلام؛[5] ومن أجل هذا، إذا كانت الجهوية  السياسية تصلح كحل وسط لإنهاء نزاع الصحراء بشكل نهائي وصون الوحدة الترابية للدولة المغربية (المبحث الأول)، فإنه كذلك لا يمكن استثناء باقي الجهات ببلادنا من هذا الخيار ترسيخا للديمقراطية الحقة بتوسيع دائرة المشاركة والممارسة السياسية في كل مناطق المغرب التي يبقى تمديد الحكم الذاتي فيها، إنما هو “ربط المغرب بماضيه التقليدي دون أن يمس ذلك بوحدته الوطنية أو بمؤسساته التقليدية والموروثة والمقدسة”[6] (المبحث الثاني).

إن تبني نظام الجهوية الموسعة يفرض تعديلا دستوريا لن يقتصر على مستوى محدود داخل البنية الدستورية وإنما سيمتد ليشمل فصل السلط العمودي، أساس التمثيل السياسي وشكل الدولة وغيرها، وهي أبعاد حسب البعض لا يمكن لتعديل دستوري محدود أن يجيب عنها، إذ القدرة الاحتوائية لسياسة التعديل الدستوري لسنوات 1992- 1996 لم يعد بالإمكان إنتاجها، فالأمر هنا لا يتعلق بالبحث عن التوافق مع أحزاب المعارضة، ولا إلى امتصاص الحركات الاحتجاجية الحقوقية.[7]

 

المبحث الأول: مشروع الحكم الذاتي حل وسط لإنهاء نزاع الصحراء المغربية

بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1495 في يوليوز 2003 بأن الاستفتاء لم يعد خيارا ممكنا لإنهاء النزاع في الصحراء، وتأكيد ذلك بشكل نهائي في فبراير لسنة 2006 عندما تم إعلان وفاة مخطط التسوية لمّا أعلن الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره أن ثمة خيارين لا ثالث لهما لإيجاد حل قضية الصحراء: إما الاستمرار في الوضع الحالي مع خطر الانزلاق نحو العنف، وإما خيار التفاوض والحوار المباشر بين الأطراف المعنية أساسا بالنزاع – ويعد الخيار الأخير الإطار الأمثل والملائم لفض هذا النزاع بشكل يرضي سائر الأطراف -، أصبح خيار الجهوية السياسية يمثل صيغة سياسية ملائمة وحلا مناسبا يصون الحقوق الثابتة للمغرب ويحفظ خصوصية المنطقة ويفتح آفاق رحبة للبناء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي التساكن المبني على التضامن الوطني، كما أن هذا الحل يعد السبيل الوحيد الذي يسمح بالخروج من النفق الذي وضعته جملة الأخطاء التاريخية التي استغلتها الجزائر لدعم النزعة الانفصالية التي تشخصت في حركة البوليساريو[8]، فإرساء جهوية موسعة بالصحراء يمثل الحل الأمثل والواعي لأن الجهوية أثبتت جدارتها في بلدان كثيرة كإيطاليا، وإسبانيا… فلا الخيار يتعلق بصيغة الاندماج الكلي التي يدعو إليها المغرب عبر الاستفتاء التأييدي، أو بصيغة الاستقلال التام الذي تتشبت بها جبهة البوليساريو وانطلاقا من مبدأ تقرير المصير[9]، وإنما هو صيغة وسطية توفيقية تنظر إلى منطق الأشياء على أرض الواقع[10]، والمبني على السيادة والوحدة الترابية للمملكة ومنح سكان الأقاليم الصحراوية صلاحيات واختصاصات واسعة في الميادين التشريعية والتنفيذية والقضائية لتدبير شؤونهم المحلية[11].

وفعلا استجاب المغرب للنداء الصادر عن المجموعة الدولية حين قام بإعداد مشروع نظام حكم ذاتي لجهة الصحراء واضعا بهذه المبادرة الكرة في ملعب الطرف الآخر، لا سيما وكما نعلم أن هذا الأخير المدعوم من طرف دولة الجزائر استطاع فرض هذه الجهوية الموسعة ضمن مخطط أممي بحيث عدم تطبيقها كان سيجر بلادنا للمواجهة الصريحة مع المنتظم الدولي وهو ما تسعى الجزائر إليه دائما، هذا المسعى سيخيب إذ بهذه المبادرة سيتم إحباط مناورة الانفصاليين والذين يدعمونهم، فهي كانت واضحة في عرضها للجهوية الموسعة كمحطة نهائية متفاوض عليها لكنها في الآن ذاته عملت على إبعاد فرضية الاستقلال، وهنا نتساءل عن مدى جدية الطرح المغربي، وهل بإمكانه وضع حد نهائي لهذا الصراع المفتعل؟ (المطلب الثاني) بتمكين سكان جهة الصحراء وحدويين وانفصاليين من حقوقهم وعزتهم وكرامتهم وضمان للمملكة المغربية سيادتها ووحدتها الترابية، بل وقبل هذا سنبحث في الممررات والأسس التي طالما حاججت بها بلادنا في دفاعها الصامد والثابت عن هذا الجزء من ترابه، والعدول عن مواقفها وقبولها لكل الخيارات ما عدا الانفصال (المطلب الأول).

 

المطلب الأول: الأسس والمبررات لتمتيع جهة الصحراء بالحكم الذاتي

بعد تشكل الهوية المغربية التي استلهمت عناصرها أساسا من الدين الإسلامي ومما توارثته من تقاليد وعادات الأجداد، سار المغرب دائما في البحث عن ذاته والانفراد بخصوصياته وتطوير أساليب حياته الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية[12] التي ساعدته في مواجهة المشاكل التي اعترضت سبيله، خصوصا الأطماع الخارجية التي كانت دائما تتربص به وبمجاليه الذي سيتعرض لعملية التجزيء من طرف القوى الاستعمارية التي تكالبت عليه، هذه الأخيرة وعند استشعار نهاية تواجدها على أرض المغرب عمدت إلى خلق كيان مصطنع ينهي الوحدة الترابية التي جمعت عبر التاريخ شمال المملكة بجنوبها.

فإذا استطاعت الهوية المغربية – التي ارتبطت بالعناصر الدينية والسياسية واندماجها مع العنصر الاجتماعي- من إفراز مقاومة شعبية وطنية نالت من الاحتلال ومخططاته وفرضت عليه الخروج، فإن هذه الروح المقاومة ستظل مستمرة إلى اليوم، إذ من معينها ستنهل الدولة في محاولتها الدفاع عن حوزة ترابها بالاعتماد على مجموعة من الأسس القوية- التي تدحض ادعاءات من انقلبوا على هويتهم المغربي لصالح هوية مزعومة لا أساس لها- هذه الأسس منها ما هو داخلي أفرزته تشكل الهوية المغربي عبر مسار تاريخي مديد، ومنها ما هو خارجي تأكد بها – بعد التحقق من قوة حجية الأسس الأولى – أن الخيار الأمثل يظل إبقاء المنطقة تحت سيادة المملكة المغربية.

 

الفرع الأول: المبررات والأسس الداخلية لتمتيع جهة الصحراء بالحكم الذاتي

لقد كان للفتح العربي الإسلامي لشمال إفريقيا دور كبير في التأثير على المجرى التاريخي للمنطقة عموما وعلى المغرب خاصة الذي أصبح جزءا من دار الإسلام، وإن انسلخ النفوذ المركزي للمشرق[13] فإنه بقي ملزما بإتباع الإرث الإسلامي المتواتر عليه[14]، الذي يستمد منه الذين تقلدوا أمر شؤونه أدوات المشروعية لتجسيد الممارسة السياسية واستمراريتها؛ فكانت البيعة[15] الأداة الفاعلة في الحياة السياسية والدينية منذ دولة الأدارسة إلى اليوم[16]، والتي بواسطتها أمكن للسلاطين وملوك المغرب أن يمارسوا مهامهم على كامل ترابه عبر جهاز مخزني شملت تدخلاته كافة المناطق بما فيها جهة الصحراء، هذه المنطقة سيتأكد ارتباطها التاريخي والقانوني بالمملكة من خلال مبايعة سكانها لملوك المغرب، وكذا من خلال تشكل ملامح إدارة مخزنية بتلك المنطقة انبثقت من السلطان وعملت على تنفيذ أوامره فيها.

 

الفقرة الأولى: بيعة سكان جهة الصحراء للملوك المغاربة.

لقد أثبتت الوقائع التاريخية ارتباط الصحراء المغربية بمنطقة سوس، وذلك نظرا لكون منطقة سوس تعتبر معبرا للقوافل المتجهة نحو الصحراء أو نحو الشمال. ومنذ عهد محمد بن إدريس الثاني، تولى عبد الرحمان بن إدريس الثاني عمالة لمطة ثم بنى بها مدينة تامدلت، وقد تمكن الأدارسة من مراقبة الطريق التجاري الممتد إلى غانا جنوبا ، وهدا ما يدل على أن الأدارسة باشروا حكمهم على الصحراء المغربية.

أما بخصوص المرابطين فإن النواة الأولى لهذه الدولة ظهرت في الصحراء وبالتالي فإن الكلام عن البيعة في هذه الفترة لا يخضع لأي شك ما دام المنطلق هو الصحراء.

وفي العهد المريني، تزامن حكمهم مع ظهور الزوايا، وقد تحدث ابن خلدون عن زوايا أولاد بونعمان المعقليين على ساحل البحر، وقد تلقى ملوك المرينيين بيعة سكان الصحراء وبالخصوص بيعة المعقليين، ونظرا لارتباطهم بالملوك المرينيين فقد استنجد بهم يعقوب في بعض تحركاته سنة 670 هــ. وفي سنة 683 قام المرينيون بغزوة ضد الخوارج بسوس وقد اقتفى الجيش أثرهم إلى الساقية الحمراء.

أما السعديون ففي عهدهم أنشئت عمالة بالجنوب مقرها (تكاوست) وقد ساعدت نجدات هذه العمالة المنصور الذهبي في حملته إلى السودان سنة 992 هــ.

وهكذا ففي عهد السعديين انتشرت طريقة توجيه البيعات كتابة على يد وفود القبائل والمدن بالإضافة إلى البيعة المباشرة. واستند السلطان أحمد المنصور الذهبي في دعوته [17] للبيعة إلى تزكية النسب القرشي وكذا الانتماء إلى السلالة النبوية.

والعلويون منذ أن تولوا أمر قيادة المغرب عملوا على أن يدخل في البيعة جميع الأطراف التي لها صفة تمثيلية أو مكانة [18] اجتماعية، وكذلك ممثلو القبائل، وتتم بيعة السلطان بحضور الأمراء والوزراء والعلماء والصلحاء، ثم يأتي بعد ذلك دور وفود الحواضر والبوادي مصحوبين بهدايا العاهل.

فقد اهتم العلويون بالصحراء، وذلك أن مؤسسي الدولة العلوية ينتمون إلى الصحراء وتجمع بينهم روابط الدم و القرابة، فقد شهدت سنة 1265 هجرية قدوم الشيخ ماء العينين إلى السلطان مولاي بعد الرحمن من أجل أداء البيعة، وفي سنة 1300 هــ تمت زيارة الشيخ ماء العينين إلى سلطان المولى الحسن الأول لأداء البيعة مع وفود أخرى من الصحراء، وفي عهد المغفور له جلالة الملك محمد الخامس قدمت البيعة بتاريخ 18 نونبر 1927 وتكلمت الصحافة الأجنبية والوطنية عن ازدحام الوفود القادمة من جميع جهات المملكة لتجديد البيعة وذلك سنة 1958، وقد تقدم نائب الصدر الأعظم محمد الأغظف لجلالة الملك محمد الخامس من أجل تقديم البيعة، وحاول الاستعمار الإسباني وهو في طريقه إلى الرباط، وبعد وصوله إلى إقليم كلميم انتقل إلى الرباط على متن طائرة خاصة[19].

هذا وفي 2 نونبر 1975 رفع خطري ولد سعيد الجماني اليبعة [20] إلى الملك الراحل الحسن الثاني رحمهما الله، وذلك باسمه واسم السكان الصحراويين وقد كان الجماني يشغل آنذاك رئيسا للجماعة الصحراوية. هذا وبعد عودة الصحراء المغربية إلى حظيرة الوطن، قدَّم سكان الداخلة ووادي الذهب البيعة إلى الملك الحسن الثاني وذلك بـ 13 غشت 1979، ومن ضمن ما جاء في نص البيعة “… واجتمعت كلمتنا التي لا تجتمع على ضلال على أن نجدد لأمير المؤمنين وحامي حمى الوطن والدين، سيدنا الحسن الثاني، حفظه الله بالسبع المثاني، البيعة التي بايع بها آباؤنا وأجدادنا، آباءه وأجداده الكرام، نعَّم الله أرواحهم في دار السلام، فبايعناه على ما بايع عليه رسول الله  ( صل الله عليه وسلم) أصحابه تحت شجرة الرضوان وأقررنا بحكمه والتزمنا طاعته ونصحه في كل وقت وآن، فنحن أنصاره وأعوانه وعساكره وجنوده نوالي من ولاه ونعادي من عاداه، أخذنا بذلك على أنفسنا العهود والمواثيق راضين مختارين راغبين مستبصرين وأشهدنا الله علينا وهو خير الشاهدين…”.

هكذا كانت البيعة تقدم من قبل سكان الصحراء إلى السلاطين المغاربة كتابة أو شفوية حضورا أو مراسلة، وكان علماء الجنوب يحثون قبائل الصحراء على تقديم البيعة.[21]

 

الفقرة الثانية: العمل السلطاني في جهة الصحراء

إن تقديم البيعة من طرف سكان الصحراء للسلطان المغربي لا يعني سوى شيئا واحدا، وهو اندماجهم المباشر ضمن المجال الترابي المغربي، وأن الصحراء المغربية جزء من المملكة المغربية، وإذا كانت البيعة تجسد إحدى ملامح الهوية السياسية في المغرب، فإنها تعطي للسلطان حق ممارسة الشؤون اليومية بما فيها السياسية والإدارية للدولة المغربية إما مباشرة بنفسه أو عبر جهاز مخزني[22]، وتعد المعاهدات التي يبرمها السلطان إحدى هذه الممارسات حيث إبرامها إنما ينبثق من عقد البيعة الذي يخوله هذا الحق، فالإمام أو الخليفة هو اللسان الناطق باسم جماعة المؤمنين فإنه بهذه الصفة يمكنه إبرام معاهدات مع دول أجنبية.

ولإبراز تدخل السلاطين وملوك المغرب في جهة الصحراء يمكن العودة إلى ما تم إبرامه من طرفهم من معاهدات واتفاقيات مع دول أخرى تقر إما صراحة أو ضمنا سيادتهم على أرض الصحراء (1) وكذلك عبر تعيينهم من يمثلهم في تلك المنطقة (2).

 

  • تدخل ملوك المغرب في الصحراء من خلال إبرامهم للمعاهدات والاتفاقيات مع الدول الأجنبية:

هذه المعاهدات صنفان منها ما يقر ضمنا بسلطان الدولة المغربية على هذا الإقليم ومنها التي تقر بذلك صراحة[23] .

فمن بين المعاهدات التي تقر ضمنا سلطان الدولة المغربية على إقليم الصحراء، نجد العديد منها تخص الصيد البحري والتجارة فعلى سبيل المثال هناك المعاهدة التي أبرمها السلطان سيدي محمد بن عبد الله مع الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1789 حيث تم التنصيص في إحدى بنودها على ما يلي: “… إذا ما جنحت سفينة أمريكية بضفاف وادي نون أو على الضفاف المجاورة له، فإن ركابها يبقون في الأمان إلى أن تتيسَّر العودة إلى بلادهم إن شاء الله …” وقد تم تجديد هذه المعاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية من طرف السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام وذلك سنة 1886م.[24]

فمن خلال ما ورد في هذه المعاهدة يتضح بما لا يترك مجالا للشك أن السلطان يمتد نفوذه إلى ما وراء وادي نون وهو ما يعني أن سيادة الدولة المغربية مبسوطة على أرض الصحراء المغربية.

أو ما أورده الأستاذ القباج في كتابه “قضية الصحراء المغربية”[25] حول الاتفاقية المبرمة بين المغرب وإسبانيا والتي تم التوقيع عليها سنة 1799 وتطلب إسبانيا من خلالها، حماية السلطان للأساطيل الإسبانية وطاقمها عند الرسو في وادي نون، أو ما وراء هذا الواد يعني الصحراء المغربية. أما المعاهدات والاتفاقيات التي تقر صراحة بسط سيادة الدولة المغربية على الأراضي الصحراوية، يمكن الاستدلال بالاتفاق المغربي البريطاني حول رأس طرفاية سنة 1885 وقد تضمن هذا الاتفاق ما يفيد صراحة سلطان الدولة المغربية في إحدى فقراته والتي جاء فيها: “…إذا اشترى المخزن زينة المحل المذكور لا يبقى كلا م لأحد في الأراضي التي من وادي درعة إلى رأس بوخادور والمعروف بالطرفايا المذكورة  وكذلك فيما فوق هذا المحل من الأراضي لكون ذلك كله من حساب أرض المغرب…”.[26]

كما يمكن الاستشهاد بمجموعة من الاتفاقيات بين المغرب والدول الأوربية أو بين الدول الأوربية والصحراء التي نجدها كلها تقر بأن المغرب يمارس اختصاصاته السياسية بالصحراء المغربية، وكمثال على هذا البروتكول المغربي الإسباني المؤرخ في 20 يونيو 1900 الخاص بإيفني والاتفاق الفرنسي الألماني المؤرخ في نونبر 1911 .[27]

 

  • سيادة المغرب على الصحراء من خلال تعيين ممثلي السلطان:

إذا تأكد أن ملك المغرب وسلطانه كان الفاعل وممثل بلاده على المستوى الخارجي، فإنه قبل ذلك باعتباره أمير المؤمنين ورئيس الدولة وجهازها التنفيذي (المخزن)[28] يمارس اختصاصاته على كل تراب المغرب، ومن هذه الاختصاصات تعيين أو خلع من يمثله، هذا الاختصاص الذي كان في الغالب يباشره عبر تقنية الظهير[29] والتي لا زال العمل جاريا بها حتى اليوم. فعلى سبيل المثال نجد السلطان مولاي إسماعيل عندما قام بعزل القائد أحمد بن أحمد وعوضه بالقائد الزرهوني بتوات، كما خلع السلطان المولى الحسن الأول الشيخ الحبيب وقام بتعيين شقيقه الطالب الحبيب قائدا على منطقة بالصحراء المغربية وذلك بمقتضى وثيقة محررة بتاريخ 2 رمضان عام 1299 هــ[30].

كما عيَّن السلاطين المغاربة مجموعة من القواد على قبائل الصحراء المغربية من خلال ظهائر، وكان السلاطين المغاربة يختارون قوادا من وسط المملكة أو شمالها وأحيانا يختارون شخصية لها نفوذ في  بعض القبائل الصحراوية ويعينونها على رأس هذه القبائل، والملاحظ أيضا أن السلطان قد يعين خليفة له في الصحراء من أفراد عائلته المقربين له، وقد يعين أميرا أو خليفة بالجنوب بمراكش أو الصويرة أو آسفي أو أكادير، ويقوم هذا الأخير بمباشرة شؤون الصحراء[31].

وما يبرز ذلك مثلا ويؤكده:

لما قام الأمير مولاي إدريس بن عبد الرحمان بتسليم ظهائر تعيين عمال المخزن إلى رؤساء وأمراء وشيوخ بالصحراء معينا آنذاك خليفة لأخيه مولاي عبد العزيز بالصحراء المغربية.[32]

إن الذي أسلفناه يؤكد وجود بيعة سكان جهة الصحراء وما يتبع ذلك من نتائج بممارسات سلطانية على أرض تلك الجهة والتي تستوجب تواجد إدارة مخزنية والتي يُعين رجالاتها السلطان بمقتضى ظهائر، هؤلاء يقومون بمتابعة القضايا ويرفعون التقارير إلى الأجهزة العليا وينفذون التعليمات وبهذا يتم ربط (الجنوب) الصحراء بالمركز من ناحية ومن ناحية أخرى بشمال المملكة.

 

 الفرع الثاني: المبررات والأسس الخارجية لتمتيع جهة الصحراء بالحكم الذاتي.

إن تمتيع جهة الصحراء بالحكم الذاتي الموسع لا يقفل عند المبررات والأسس الداخلية، وإنما يتخطاه إلى ما هو خارجي تمظهر أساسا في الرأي الاستشاري الذي صدر عن محكمة العدل الدولية حول الصحراء المغربية، بعدما طالب المغرب من هيأة الأمم المتحدة من التدخل لحمل إسبانيا على التفاوض لاستعادة أراضيه، كما تجلى ذلك في استحالة تطبيق مخطط بريز ديكويلار أو ما عُرف بمخطط التسوية من أجل تنظيم استفتاء حول تقرير المصير بالصحراء، والذي بدى منذ الوهلة الأولى أنه غير قابل الإنجاز.

 

الفقرة الأولى: الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول الصحراء المغربية

كرد فعل للمغرب على نية إسبانيا المحتلة لأراضي الصحراء – عزمها الأحادي تنظيم استفتاء لتقرير مصير الصحراء المغربية [33] التي تحتلها والذي كان الهدف منه خلق دويلة مصطنعة – أن اقترح عليها في 17 شتنبر 1974 أن تطلب من محكمة العدل الدولية التدخل لفك النزاع الترابي العالق بينهما حول أراضي الصحراء بالنظر في مسألة: هل الصحراء كانت تابعة لسيادة المغرب إبان احتلالها، وهو ما كان سيوقف مؤقتا تنظيم الاستفتاء أو بشكل نهائي في حالة الرد الإيجابي للمحكمة؛ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فما هي الروابط القانونية التي كانت تربط هذا الإقليم بالمملكة المغربية ومجموع موريطانيا.[34]

وقد طلبت الجمعية العامة من خلال توصياتها- التي طلبت بموجبها الاستشارة من محكمة العدل الدولية ومحاولة الحصول على الإجابة عن التساؤل السابق- من إسبانيا أن تمتنع عن إقامة الاستفتاء الذي كانت تنوي تنظيمه في الصحراء لأن الجمعية العامة لم تبث بعد في السياسة التي يجب اتخاذها قصد تصفية الاستعمار بالمنطقة في أحسن الظروف طبقا للتوصية رقم (XV) 1514، وعلى ضوء الرأي الاستشاري الذي ستصدره محكمة العدل الدولية. كما طلبت الجمعية العامة من خلال نفس التوصية من أطراف النزاع [المغرب، موريتانيا وإسبانيا] أن يقدموا لها جميع  الوثائق حول مدى طبيعة الصحراء  الغربية ارض خلاء مستقلة أم تابعة للسيادة المغربية وفي 16 أكتوبر 1975 أصدرت المحكمة حكما أجابت فيه عن التساؤل الأول بالإجماع على أن الصحراء المغربية لم تكن أرضا خلاء كما كانت تدعي إسبانيا.

وفي الشق الثاني أكدت المحكمة بأن إقليم الصحراء كانت له روابط بيعة بين بعض قبائل الصحراء وملك المغرب[35]؛ لكن المحكمة وقبل أن تنهي خلاصاتها في الموضوع، أعلنت أمام استغراب الجميع بأنه لم تستخلص وجود روابط قانونية التي من شأنها تغيير التوصية (XV) 1514 المتعلقة بتصفية الاستعمار بالصحراء المغربية وبالخصوص تطبيق مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والأصلي لإدارة سكان الإقليم.[36]

إن مثل هذه الخلاصة [37] لتحمل تناقضا كليا مع ما جاء في شِقي جوابها عن التساؤل المركزي عندما أقرت المحكمة بوجود روابط قانونية بين الصحراء والمغرب وموريتانيا.

والحقيقة أن المحكمة حاولت الخروج برأي توفيقي[38] بين المغرب وإسبانيا وأن أسباب اتخاذها لهذه الاستشارة على هذا النحو جاء نتيجة لعدة عوامل تتعلق بتشكيلها وبالظروف والاعتبارات السياسية، وتأثر أغلب أعضائها بالفكر الغربي الأوربي وعدم إلمامهم بالهوية الإسلامية والهوية السياسية والاجتماعية المغربية، إذ لم يتمكن بعض قضاة المحكمة من فهم تلك الهوية لكونهم لم يفرقوا بين السيادة بمفهومها الكلاسيكي ورابطة البيعة، بين السيادة في ظل الدولة الأوربية العصرية التي تقيم علاقة مباشرة بين الدولة والأرض، وبين السيادة في ظل الدولة التقليدية التي تتجسد في رابطة البيعة والتي لا تقبل الفصل بين ما هو ديني وسياسي.

 

الفقرة الثانية: فشل مخطط التسوية

تكللت المساعي الحميدة[39] للأمين العام للأمم المتحدة خافيير بريز ديكويلار بتقديم اقتراحه يوم 11 غشت 1988 للتسوية من أجل السلام الهادف إلى تنظيم استفتاء تقرير المصير بالصحراء، هذا المقترح سيتم قبوله من كافة الأطراف المعنية في 30 غشت، الذي سيحظى بدعم مجلس الأمن في 20 شتنبر من نفس السنة، وهو ما سيشجع الأمين العام في البحث عن وسائل لتفعيل ذلك الاقتراح، غير أن بحثه سيصطدم بعدة عراقيل جعلت من مخطط التسوية مستحيل التحقيق، فهو من جهة: شكل قطيعة مع ممارسة هيأة الأمم المتحدة فيما يتعلق باستفتاءات تقرير المصير، فالمنتظم الدولي كان دائما ينأى بنفسه عن تنظيم مثل هذه الاستفتاءات ويترك المهمة للبلد المعني بمستقبل الإقليم موضوع النزاع، بحيث الأمم المتحدة في شخص مبعوثها والموظفين التابعين لها ينحصر دورهم كملاحظين ملزمين بإخبار الجمعية العامة حول الظروف التي مرت فيها الاستشارة، فعلى غير هذا النهج سار مخطط التسوية[40] عندما أكد في فقرته 47: «بأن منظمة الأمم المتحدة ستعمل على تنظيم ومراقبة الاستفتاء وستنشر وستعمل على نشر اللوائح، والقواعد والتوجيهات الضرورية لحسن سير تنظيم الاستفتاء» وأضافت أن «الممثل الخاص للأمين العام… سيكون المسؤول الوحيد بكل المواضيع المتعلقة بالاستفتاء لا سيما تنظيمه مراقبته»، إن المخطط لم يقف عند هذا الحد بل تجاوز ذلك في الفقرة [41] 10 من المخطط، التي أعطت سلطات شبه مطلقة على إقليم الصحراء للمبعوث الخاص بشكل يلغي في المرحلة الانتقالية- أثناء إعداد اللوائح وعميلة التصويت- الإدارة، القوات المسلحة والقوات المساعدة المغربية على أرض الصحراء المغربية.

ومن جهة أخرى، أتى مخطط التسوية غير كامل لعدم نصه على المعايير المحددة للأشخاص المؤهلين للتصويت في الاستفتاء، ففي الوهلة الأولى حاولت لجنة تحديد الهوية اعتماد إحصاء 1974 الذي قامت به إدارة الاحتلال الإسباني دون استقصاء منها لأهداف مثل هذا الإحصاء، وهو ما سيولد احتجاجات شيوخ القبائل أثناء  أول اجتماع للجنة بجنيف في يونيو 1990، حيث أوضحوا ما يعتري الإحصاء الإسباني من عدم الدقة والنقصان لإزاحته كثيرا من الصحراويين خصوصا الذين لجأوا إلى المغرب بسبب قمع المحتل الإسباني.

وأمام رفض سكان الصحراء لمثل هذا الإحصاء وكثرة الاحتجاجات تدخل الأمين العام لهيأة الأمم في العديد من المرات مقدما اقتراحات في شأن اللوائح التي وجب أن تشارك في عملية التصويت[42].

لكن رغم كل الاقتراحات لن يُكتب لمخطط التسوية النجاح حيث سيدخل نفقا لن يرى بعدها النور بسبب تباعد مواقف طرفي النزاع، فإذا كانت البوليساريو تتشبث بإحصاء 1974 فإن المغرب ألح على إقحام الذين لجأوا إلى داخل المغرب إبان احتلال الصحراء، وقد اعتبر المغرب مطالبة هؤلاء بالإدلاء بوثائق هوية مكتوبة مقدمة من طرف المحتل قبل عقود من الزمان، يشكل عقوبة بل مطلبا تعجيزيا يراد به إقصاء من هم أهل لتحديد مصير أرضهم، فالمعروف عن هؤلاء الذين هم جزء من الساكنة الرحل ذات الطابع التقليدي اعتدادها فقط بالقرآن والدلائل الشفوية.

لكن رغم هذا التباعد والصعوبات الجمة فقد استمرت جهود الأمين العام والتي ستتكلل باجتماع بين أطراف النزاع بالعيون 17- 19 يوليوز 1993 للتقريب بينها، هذا اللقاء لن يسفر عن أي جديد حيث بقي التنافر يطبع مواقفها، إلا أنه ومع ذلك سيعلن المنتظم الدولي رسميا في 8 فبراير 1994 بداية عملية تحديد الهوية بفتح عدة مراكز للتسجيل في العيون وتندوف، وحتى 15 أكتوبر 1994 اليوم الأخير للتسجيل، تقدم المغرب بــ176.533 طلب و42,468 من قبل البوليساريو؛ وأثناء فحص الملفات لوحظ أن هيأة تحديد الهوية تبنَّت في ذلك إحصاء 1974 وتجاهلت المعايير المقترحة من طرف بريز دي كويلار، وهو ما سيدفع المغرب إلى تقديم شكواه معيبا على الهيأة عدم حيادها، آخذا عليها التغاضي على مناورات شيوخ جبهة البوليساريو الرافضة والمُبعدة للشهادات الشفوية، هذا الأمر سيدخل المغرب والهيأة المكلفة بتحديد الهوية في أزمة ثقة، هذه الأزمة ستشتد[43] .

إن هذه الأزمة ستكون موضوع اجتماع مجلس الأمن في 31 يناير 1996 والتي عبر في شأنها بانشغاله بالمأزق الذي دخل فيه مسلسل تحديد الهوية داعيا طرفي النزاع بالتعاون مع الأمين العام والمينورسو من أجل إحياء عملية تحديد الهوية، والتغلب على كل ما يعرقل سريانها الطبيعي وتطبيق العناصر الأخرى لمخطط التسوية وفق التوصيات الصادرة في الموضوع ذاته)  وستبلغ مداها الأقصى مما سيحكم على عمل الهيأة بالتوقف بشكل نهائي.

إن غياب اتفاق بين الأطراف حول معايير تحديد الهوية جعل من مخطط التسوية غير قابل للتطبيق، مما تطلَّب البحث عن حل بديل، هذا الأخير بمرور الوقت سيأخذ شكل الحكم الذاتي الترابي فوحده القادر على الصمود والاستمرار وحل هذا النزاع المفتعل[44].

 

المطلب الثاني: المبادرة المغربية لتمتيع جهة الصحراء بحكم ذاتي موسع (قراءة المشروع)

تدخل المبادرة المغربية بمنح جهة الصحراء حكما ذاتيا موسعا ضمن التزام المملكة الدائم بمبدأ التسوية السلمية للنزاع وتشبتها الصارم بالحل السياسي المتفاوض حوله والقائم على فكرة لا غالب ولا مغلوب، لا سيما بعدما تأكد تعذر تطبيق مخطط التسوية لسنة 1991، كما تندرج هذه المبادرة[45] – وفق ما نصت عليه الفقرة الثالثة منها – في إطار بناء مجتمع ديمقراطي حداثي، يرتكز على مقومات دولة القانون والحريات الفردية والجماعية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

كما أن هذه المبادرة هي ككل أنظمة الحكم الذاتي إنما هي في «المبدأ استجابة لحاجيات وضعية معينة، أو نتيجة مفاوضات بين الدولة والأقليات من أجل تدبير حالة لها خصوصياتها؛ كذلك هي تجسيد لعلاقات القوة المتواجدة في وقت معين بين أطراف النزاع»[46] .

وحتى نتمكن من تشكيل فكرة عن مضمون وفحوى هذه المبادرة يتوجب معاينة مدى استجابتها لتوصيات لجنة الخبراء المستقلين- المحدثة من قبيل المفوض السامي من أجل الأقليات الوطنية في 1998 (التابعة لمنظمة الأمن والتعاون الأوربي) – إضافة إلى مقارنتها بالتجارب المتقدمة والسابقة التي طبقت نظام الحكم الذاتي حيث تبقى هذه الأخيرة أبرز مثال لقياس مدى جدية الطرح المغربي من عدمه.

إن من بين المعايير الواجب توفرها في أي نظام حكم ذاتي ناجح متعارف عليه عالميا هو ضرورة تمتيع الجهة المستقلة ذاتيا بمجموعة من الاختصاصات الماسة بكثير من القطاعات مع استثناء ما يتعلق بالسيادة التي تبقى من الصلاحيات الحصرية للدولة المركزية، ووجود هيآت محلية: جمعية تشريعية محلية وحكومة محلية منبثقة من انتخابات حرة مباشرة وسلطة قضائية محلية[47] .

فهل بالفعل تضمنت المبادرة المغربية لتمتيع جهة الصحراء بالحكم الذاتي الموسع مثل هذه المعايير والمقتضيات؟ أو بمعنى آخر، إلى أي حد احترمت المبادرة المغربية هذه المعايير؟.

 

الفرع الأول: الاختصاصات المنصوص عليها في المبادرة المغربية

بقراءة مشروع الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب نجده خص جهة الصحراء باختصاصات جد واسعة في ميادين عدة، في حين أبقى على أخرى حصرية لفائدة الدولة، أما التي لم يتم التنصيص على تحويلها صراحة فإنها تمارس باتفاق بين الطرفين، وذلك عملا بمبدأ التفريع[48].

 

الفقرة الأولى: اختصاصات جهة الصحراء المستقلة ذاتيا [49]

لقد خصت المبادرة جهة الحكم الذاتي للصحراء بعدة اختصاصات تمارسها داخل حدودها الترابية، هذه الاختصاصات شملت الميادين التالية:

ــ الإدارة المحلية والشرطة المحلية ومحاكم الجهة؛

ــ على المستوى الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي وتشجيع الاستثمارات والتجارة والصناعة والسياحة والفلاحة؛ ميزانية الجهة ونظامها الجبائي؛

ــ فيما يخص البنى التحتية: الماء والمنشآت المائية والكهرباء والأشغال العمومية والنقل؛

ــ على المستوى الاجتماعي: السكن والتربية والصحة والتشغيل والرياضة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية؛

ــ على المستوى الثقافي: التنمية الثقافية، بما في ذلك النهوض بالتراث الثقافي الصحراوي الحساني؛

ــ البيئة.

فالملاحظ أن هذه الاختصاصات الممنوحة لجهة الصحراء تتماشى مع ما هو متضمن في التجارب المتقدمة في تطبيق الحكم الذاتي (إسبانيا، وإيطاليا)، كما تحترم الضوابط والمعايير المتعارف عليها عالميا في هذا الشأن، بل هناك من ذهب[50]  إلى حد اعتبار أن ما جاء في المشروع المغربي متفوق في كثير من مقتضياته على توصيات لجنة لاند “lundi” التي أوصت على وجوب أن تمس اختصاصات الجهة “قطاعات: التربية، الثقافة، استعمال لغات الأقليات، البيئة، إعداد التراب المحلي، الثروات الطبيعية، التنمية المحلية، حفظ النظام المحلي، السكن، الصحة والخدمات الاجتماعية” في حين استثنت من ذلك ميادين مهمة جاءت متضمنة بالمبادرة المغربية كاختصاص لجهة الصحراء مثل العدل، والجباية، السياحة والنقل، التي جعلت (لجنة لاند) منها اختصاصات مشتركة بين الجهات والسلطات المركزية.

ولتمكين جهة الصحراء من ممارسة اختصاصاتها، وتحقيق تنميتها على جميع الأصعدة، حددت المبادرة المغربية الموارد المالية الضرورية التي ستساعدها في ذلك وقد اشتملت على:

ــ الضرائب والرسوم والمساهمات المحلية المقررة من لدن الهيآت المختصة للجهة؛

ــ العائدات المتأتية من استغلال الموارد الطبيعية المرصودة للجهة؛

ــ جزء من العائدات المحصلة من طرف الدولة والمتأتية من الموارد الطبيعية الموجودة داخل الجهة؛

ــ الموارد الضرورية المخصصة في إطار التضامن الوطني؛

ــ عائدات ممتلكات الجهة[51].

ومن خلال هذه الموارد يتضح بما لا يدع مجالا للشك انعقاد الاختصاص للجهة الصحراء فيها يخص السياسة الجبائية (المحلية)، وهو ما يجعل من المبادرة المغربية متميزة عن توصيات  “Lundi” التي ترفض مثل هذا الاختصاص للسلطة الجهوية المستقلة لوحدها والتي تدعو لاقتسامه (الاختصاص) مع السلطة المركزية المعنية[52].

 

الفقرة الثانية: الاختصاصات الحصرية للدولة

مقابل اختصاصات جهة الصحراء المستقلة، نجد الدولة احتفظت لنفسها باختصاصات حصرتها، في الفقرة 14 من المبادرة، في كل:

ــ ما يتعلق بالسيادة، لا سيما العلم والنشيد الوطني والعملة؛

ــ ما هو متعلق بالاختصاصات الدستورية والدينية للملك بصفته أمير المؤمنين والضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية وللحريات الفردية والجماعية؛

ــ ما يخص الأمن الوطني والدفاع الخارجي والوحدة الترابية؛

ــ العلاقات الخارجية؛

ــ النظام القضائي للمملكة.

وتباشر هذه الاختصاصات من طرف مندوب الحكومة في جهة الحكم الذاتي للصحراء[53].

فإذا كنا لاحظنا في الفقرة السابقة توسعا في الصلاحيات التي منحتها المبادرة لجهة الصحراء مقارنة بأهم أنظمة الحكم الذاتي، فإننا كذلك نستشف تقليصا واضحا فيما خصت به الدولة من صلاحيات بالموازاة مع ما جاءت به التوصية رقم 15 للجنة لاند Lundi التي حددت المهام الخاصة بالسلطات المركزية في: الدفاع، الشؤون الخارجية، الهجرة والجمارك، السياسة الماكرو- اقتصادية والسياسة النقدية.

فالأمر لم يتوقف عند هذا الحد وإنما ذهب أبعد من ذلك، ففي الفقرة 15 من المبادرة المغربية ثم إشراك جهة الصحراء في أحد أبرز الاختصاصات الحصرية المشار إليها أعلاه الخاصة بالدولة وهي الاختصاصات الديبلوماسية عندما تكون لها صلة مباشرة باختصاصات جهة الصحراء المستقلة، كما أعطيت هذه الأخير،إمكانية إقامة علاقات تعاون مع جهات أجنبية بعد تشاور مع الحكومة.

إن المبادرة المغربية في هذا الشأن أتت جريئة بالشكل الذي لا نجده إلا باستثناء في بعض الأنظمة المتقدمة للحكم الذاتي كالمطبق بالمجموعات المستقلة الإسبانية.

 

الفرع الثاني: هيآت جهة الحكم الذاتي للصحراء

فعند معاينة المشروع الذي تقدمت به المملكة، نجده خصص فقرات من 19 إلى 26 للحديث عن هيآت الجهة والتي جاءت كالتالي:

 

الفقرة الأولى: البرلمان الجهوي

من بين الأشياء التي يقتضيها الاستقلال الداخلي الذي يتمتع به إقليم الحكم الذاتي وجود مؤسسة تشريعية[54]، يتم اختيار أعضائها عن طريق أسلوب الانتخاب الذي يعتبر دليلا على مشاركة سكان الإقليم في إدارة حياتهم السياسية بشكل ذاتي[55]، وتتولى هذه المؤسسة سن القوانين وإصدار قرارات محلية وتتشكل بطريقة تتوافق مع القانون وتجعلها موضع اتفاق السكان.

وفي نفس الاتجاه نصت المبادرة المغربية من أجل منح الصحراء حكماً ذاتياً على ضرورة توفر برلمان محلي يتكون من أعضاء منتخبين من طرف مختلف القبائل الصحراوية، وكذا من أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر من طرف مجموع سكان الجهة ومن نسبة ملائمة من النساء[56]، ويمارس هذا البرلمان جميع الاختصاصات التي تدخل في إطار الوظيفة التشريعية المحلية مع اشتراط مطابقة جميع القوانين الصادرة عنه لنظام الحكم الذاتي في الجهة، ولدستور المملكة والقانون الوطني[57]، وفي حالة وقوع تعارض بين القوانين المحلية والوطنية أو في حالة ظهور بعض الاختصاصات التي لم يتم التنصيص عليها في مشروع المبادرة يتم اللجوء إلى تطبيق مبدأ التفريع[58]، ويجوز للبرلمان أن يحدث محاكم تتولى البث في المنازعات الناشئة عن تطبيق الضوابط التي تضعها الهيئات المختصة لجهة الحكم الذاتي للصحراء[59].

وفي المقابل نص اتفاق الإطار الذي وضع مقترحه المبعوث الخاص للأمم المتحدة “جيمس بيكر” في 20 يونيو 2001، على أن السلطة التشريعية تمارسها جمعية تشريعية منتخبة، ويشارك في انتخابهم كل الأشخاص الذين توفر فيهم الشروط التالية:

  • شرط السن: أن بلوغ الشخص 18 سنة كاملة.
  • شرط الإقامة: ويقصد به أن يكون الشخص مقيما بشكل متواصل في الإقليم منذ 31 أكتوبر 1998، أو أن يكون ممن أدرجت أسماؤهم في قائمة العودة إلى الوطن في 31 أكتوبر 2000 .[60]
  • كما يشترط في الانتخابات والاستفتاءات التي يتضمنها الاتفاق أن تكون متلائمة مع قواعد السلوك المتفق عليه بين المملكة المغربية والبوليساريو في سنة1997[61].

أما بالنسبة لخطة السلام من أجل تقرير شعب الصحراء المغربية، فقد نصت على أن السلطة التشريعية للصحراء تمارسها جمعية تشريعية منتخبة من طرف السكان المحليين الذين تشترط فيهم ألا تقل أعمارهم عن 18 سنة، وأن تكون أسماؤهم واردة في اللائحة المؤقتة المؤرخة في 30 دجنبر 1999، أو لائحة المفوضية  السامية الخاصة بالنازحين والمؤرخة في 31 أكتوبر 2000، مع وجوب تحديد هؤلاء الأشخاص من طرف هيئة الأمم المتحدة، شريطة مراعاة الانتخابات والاستفتاءات المشار إليها في هذه الخطة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان ومبادئ مدونة السلوك المتفق عليها بين المملكة المغربية، وجبهة البوليساريو سنة1997[62].

وإذا ما قارنا بين المحاولات الثلاثة المتعلقة بمنح الحكم الذاتي للصحراء المغربية، نجد أن جميعها أسندت مهمة التشريع وسن القوانين المحلية لجمعية تشريعية أو برلمان الحكم الذاتي، لكنها وضعت لهذه الممارسة شروط محددة في حالة وقوع تعارض بين القوانين المحلية والوطنية، أو في حالة ظهور اختصاصات لم يتم التنصيص عليها في هذه  المشاريع، حيث يتم اللجوء إلى شرط العمل بمبدأ التفريع، الذي يختلف تأويله من مشروع إلى آخر، ففي المبادرة المغربية من أجل التفاوض لمنح الصحراء حكماً ذاتياً وفي اتفاق الإطار ثم الاعتماد على ترجيح كفة القوانين الوطنية، حفاظا على وحدة المملكة  في حين اختارت خطة السلام مبدأ التفويض لصالح السلطة المحلية ا لذي يستند إلى فكرة: كل ما لا يخول للسلطة المحلية يعد من اختصاص السلطة المركزية [63]، فالأصل هو السلطة المحلية.

وإذا كانت المبادرة لم تأت بجديد في حفاظها على النهج الديمقراطي باعتماد الاقتراع المباشر المعبر عن الإدارة الحرة للسكان والتي من خلالها تنبثق كل هيآت الجهة المستقلة ذاتيا، فإنها زادت على ذلك عندما أكدت على ضرورة أن يمثل البرلمان المحلي كافة أطياف ومكونات المجتمع القبلي الصحراوي، فهذا الأمر يدخل في خانة حماية الأقليات الوطنية أو التجمعات القبلية ذات الهوية والخصوصيات المحلية في مفهومها الخاص؛ وهذه الإشارة هي استنباط لما قد يحمله الانتخاب الحر والمباشر – من بلوغ أغلبية – من جور وتعسف في حق بعض الأقليات التي تتشكل منها قبائل الصحراء، وفي هذه النقطة نجد المبادرة المغربية مستلهمة ذلك المقتضى من الدستور الإسباني الذي ينص في فصله 152 الفقرة الأولى على التمثيل النسبي الضامن لتمثيل لمختلف المكونات البشرية للمجموعات المستقلة، وقد رأى البعض في إقحام فئة ممثلي القبائل ضمن الهيئة الناخبة أمرا غير مفهوم ما دام البرلمان المحلي يتم انتخاب أعضائه من مختلف سكان الجهة بأغنيائها وفقرائها وأعيانها وقبائلها كما اعتبروا اعتماد هذه الفئة تعارضا مع الأسلوب الديمقراطي في انتخاب المؤسسات، فهذه الطريقة قد تفتح المجال مشرعا للتلاعب بإدارة المواطنين والتأثير عليها إما عن طريق استعمال المال أو من خلال تدخل السلطة لفرض ولائها داخل البرلمان المحلي.

أضف إلى هذا أنه رغم خصوصيات المجتمع القبلي الصحراوي، فالمبادرة أبت إلا أن تضمن تمثيلية للنساء الصحراويات بنسبة ملائمة يتفق عليها ويتضمنها النظام الأساسي لجهة الحكم الذاتي، وهي – أي المبادرة – في هذا إنما أتت مواكبة لتطور المجتمع المغربي المكرس بتخصيص 30 مقعد للنساء بالبرلمان الوطني[64].

 

الفقرة الثانية: الحكومة الجهوية

يمارس السلطة التنفيذية في جهة الحكم الذاتي للصحراء رئيس حكومة ينتخبه البرلمان الجهوي وينصبه الملك، فهو من يمثل الدولة في الجهة[65]، كما يتولى تشكيل حكومة الجهة ويعين الموظفين الإداريين الضروريين لمزاولة الاختصاصات الموكولة إليه، بموجب نظام الحكم الذاتي، وهو مسؤول أمام برلمان الجهة[66].

تُعتبر الهيئة التنفيذية إحدى المؤسسات الأساسية التي يتطلبها نظام الحكم الذاتي، إذ أنها تمثل رمز استقلالية السلطة المحلية وقدرتها على القيام بتنفيذ الأعمال القانونية[67]، ويتم تشكيل هذه الهيئة من طرف المجلس التشريعي المحلي، حيث ينتخب هذا الأخير أعضاء المجلس التنفيذي ورئيسه أو يكتفي فقط بترشيحهم للسلطة المركزية،  في حين يصدر قرار التعيين من رئيس الدولة، ويلعب رئيس المجلس التنفيذي دوراً مزدوجا، إذ أنه يشرف على الإدارات والمؤسسات الإقليمية من جانب ويمثل الإقليم في علاقاته مع الحكومة المركزية من جانب آخر[68].

وقد أناطت الفقرة الثالثة من اتفاق الإطار السلطة التنفيذية في الصحراء المغربية بهيئة تنفيذية تنتخب بأصوات الأشخاص المدرجة أسماؤهم في قوائم الناخبين المؤقتة المنجزة في تاريخ 30 دجنبر 1999، وذلك لمدة أربعة سنوات، وبعد ذلك تنتخب الهيئة التنفيذية بأغلب أصوات أعضاء الجمعية التشريعية، وتعين الهيئة التنفيذية إداريين للدوائر التنفيذية لمدة أربع سنوات[69].

أما بالنسبة لخطة السلام فقد أقرت في فقرتها العاشرة: بأحقية شعب الصحراء المغربية بانتخاب رئيس تنفيذي طبقا للشروط المنصوص عليها في الفقرات 15 و16 و17 من هذه الخطة [70]، ويمارس الرئيس المنتخب السلطة التنفيذية، ويمكن أن يعين بعض الإداريين لمساعدته في ممارس الإختصاصات التي تخولها له الخطة وذلك إذا اقتضت الضرورة .

وبالنظر إلى ما قد يترتب عليه انتخاب السكان المحليين المباشر للرئيس التنفيذي من مشاكل وصعوبات خاصة على مستوى العلاقات التي تربط بين هذا الشخص والجمعية التشريعية، التي غالباً ما تطغى عليها الاتجاهات السياسية المختلفة، رفض المغرب خطة السلام جملة وتفصيلا واعتبرها تراجعا عن المكتسبات التي حققها اتفاق الإطار، فهي لن تساهم إلا في إذكاء الحالات التنازعية مما قد يصيب الأجهزة بالشلل[71].

في المقابل حدد المغرب موقفه الرسمي على ضوء الحل السياسي الذي يعتبره حلا وسطا يتمثل في حكم ذاتي ضمن سيادة مغربية، بمقتضاها ينتخب البرلمان الجهوي رئيس الحكومة وينصبه الملك، فيمارس الرئيس السلطة التنفيذية ويكون ممثلا للدولة في الجهة مسئولا أمام البرلمان الجهوي، ويتولى تشكيل حكومة بتعيينه للموظفين الإداريين الضروريين لمزاولة الإختصاصات الموكولة إليه بموجب الحكم الذاتي[72].

من هنا يتبين لنا أنه هناك نوعا من التشابه التقريبي بين المبادرة المغربية واتفاق الإطار بخصوص السلطة التنفيذية، فكلاهما يعتبران الهيئة التنفيذية بمثابة حكومة إقليمية تمارس صلاحية التنفيذ والضبط والإدارة المحدودة بنطاق الإقليم، وليس لها صلاحيات سيادية كما ينص على ذلك اتفاق الإطار لأنها تظل مرتهنة بوجود الدولة، وتقتصر ممارستها على الدولة المركزية باعتبارها تتمتع بكامل الشخصية الدولية على صعيد العلاقات الدبلوماسية والدولية، في حين أن الجهات وأقاليم الحكم الذاتي لا تتمتع بمثل هذه الشخصية[73].

فهكذا وكما يتضح من الفقرتين فإن السلطة التنفيذية لجهة الحكم الذاتي للصحراء يتولها رئيس ينتخبه البرلمان المحلي، مما يجعل مسؤوليته تنعقد فقط أمامه ومن خلاله أمام ساكنة منطقة الصحراء، كما أن الرئيس يتم تنصيبه من الملك والتنصيص على ذلك إنما يدخل في إطار الشكليات التي يراد بها التذكير بالوحدة الترابية للدولة المغربية وليس للإستناد في مزاولة صلاحياته، كما أنه بذلك التنصيب يكون الممثل للدولة في الجهة، وهذه الصفة لا تنعقد لمندوب الحكومة حسب ما جاء في الفقرة 16 من المبادرة والتي لم تسمّه ممثلا للدولة وإنما مندوبا ينفذ اختصاصات الدولة في الجهة المنصوص عليها في الفقرة 14، فالمشروع اكتنفه غموض فيما يخص مؤسسة مندوب الحكومة بسبب غياب أي إشارة لطبيعتها القانونية،[74] وكذا لأهم الوظائف المنوطة بها خاصة بما يرتبط بطبيعة العلاقة بين هذه المؤسسة ورئيس السلطة التنفيذية لجهة الحكم الذاتي للصحراء هذا من جهة وعلاقتها من جهة أخرى بمختلف الوحدات الإدارية التحتية لجهة الحكم الذاتي- من عمالات وأقاليم وجماعات حضرية وقروية- ورجال السلطة وأعوانها من عمال وولاة… المنتمون لنفس تراب جهة الحكم الذاتي للصحراء.

وبالعودة إلى الفقرة 21 يتجلى الدور المحوري الذي يقوم به رئيس الحكومة، تأسيا برئيس حكومة المجموعات المستقلة في إسبانيا الذي تجتمع له الإدارة والتنسيق بالشكل الذي يتم فيه سيطرة الرئيس في نظام برلماني وعلى أرض الواقع ملامح نظام رئاسي مما جعل أحد الباحثين[75] الإسبان يتساءل: لما لا يتم تغيير طريقة انتخاب رئيس المجموعة المستقلة من طرف البرلمان المحلي إلى انتخاب مباشر من قبل مواطني المجموعة المستقلة؟

 

الفقرة الثالثة: المحاكم الجهوية

تشكل الهيئة القضائية الضلع الأخير في مثلث مؤسسات الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، وليس احتلالها المرتبة الأخيرة في حديثنا عن الجهاز  المؤسساتي للحكم الذاتي دليل على قلة أهميتها، بل اختيارنا للحديث عنها في نهاية المطاف كان بسبب ما أثارته هذه المؤسسة من إشكاليات حساسة مست بالسيادة المغربية، وكانت إحدى الأسباب التي أدت إلى تحفظ المغرب على اتفاق الإطار ورفضه لخطة السلام.

لقد أنيطت السلطة القضائية وفق الفقرة الثالثة من اتفاق الإطار بالمحاكم المحلية التي تقتضيها الحاجة، وبقضاة يتم اختيارهم من المعهد الوطني للدراسات القضائية على أن يكونوا من الصحراء المغربية، وهذه المسألة تثير بعض الإشكالات الدستورية على مستوى التنفيذ ونوعا من الغموض فيما يخص المسطرة، فالدستور المغربي لسنة 1996م ينص في فصله 84 على أن القضاة يعينون من طرف جلالة الملك بظهير شريف وبناء على اقتراح المجلس الأعلى[76]، كما أن الفصل 83 من الدستور ينص على أن الأحكام الصادرة يجب أن تصدر وتنفذ باسم جلالة الملك، لأن القضاء في المغرب مرتبط بمؤسسة الملك، إذ يعتبر أهم ضمانات استقلال القضاء وعدالة أحكامه باعتباره حامي حقوق وحريات المواطنين[77].

أما بالنسبة للقرارات الملكية فهي غير قابلة للطعن كيفما كان شكلها ومضمونها، في حين نجد أن عبارة اختيار القضاة من ا لمعهد الوطني للدراسات الوطنية، على أن يكونوا من الصحراء المغربية عبارة غامضة وفضفاضة يمكن أن يفهم منها تجريد الملك من صلاحياته الدستورية المتعلقة بتعيين القضاة، كما يمكن أن يفهم منها أيضا مخالفة الأحكام الدستورية السابقة الذكر[78]، الشيء الذي يعتبر في نظر المغرب تهديداً لسيادته في الصحراء المغربية[79].

هذا بالنسبة لاتفاق الإطار، أما بالنسبة لخطة السلام فقد نصت على أن السلطة القضائية تمارس من طرف سلطة محكمة عليا بالإضافة إلى محاكم سفلى أخرى تتشكل من طرف السلطات المحلية بالصحراء المغربية، أما تعيين أعضاء المحكمة العليا والمحاكم السفلى فهو يتم من طرف الرئيس التنفيذي وباتفاق مع الجمعية التشريعية، كما أن المحكمة العليا تصدر أحكاماً قضائية تكون مطابقة لأي قانون تعتمده الصحراء المغربية، وهي تملك السلطة النهائية في تأويل القوانين السارية بالصحراء، ولها سلطة التصريح بإلغاء وعدم صلاحية أي قانون أو تشريع أو قرار من القرارات التي تتخذها السلطات المحلية في الصحراء المغربية، ولا يحق للمجلس الأعلى بالمغرب في هذا الإطار إلا سلطة توضيح الأحكام القضائية الصادرة عن المحكمة العليا[80].

بعيدا عن فكرة إبقاء نفس النظام القضائي للدولة بالوحدة الترابية المستقلة ذاتيا، أجازت المبادرة المغربية للبرلمان الجهوي إحداث محاكم للبث في المنازعات الناشئة عن تطبيق الضوابط التي تضعها الهيآت المختصة لجهة الحكم الذاتي للصحراء، وتُصدر هذه المحاكم الأحكام الكاملة الاستقلالية، وباسم الملك[81]، وهو ما يفهم منه أن هذا النظام القضائي المحلي في كليته يضل ضمن دائرة – وإن لم تصرح بها المبادرة – الجهاز القضائي للمملكة[82]، ومما يؤكد هذا المعطى هو الفقرتين 23 و24 من المبادرة المغربية.

ففي الفقرة 23 التي جاءت بالمحكمة العليا الجهوية كأعلى هيأة قضائية الجهة التي تتولى النظر انتهائيا في تأويل قوانين الجهة، نجدها تدعو إلى عدم الإخلال باختصاصات المجلس الأعلى والمجلس الدستوري للمملكة، أما الفقرة 24 فقد أكدت أنه إلى جانب القوانين والمراسيم التنظيمية يجب على الأحكام القضائية الصادرة عن هيأة الحكم الذاتي للصحراء أن تكون مطابقة بالإضافة إلى نظام الحكم الذاتي للجهة، إلى دستور المملكة، وها الأمر مفهوم لأن غير ذلك سيتم فيه المس بوحدة القضاء المعمول به في المملكة، إن هذه الإشارة المستوحاة من الفقرة 24 إنما أتت لتسد الباب أمام أي تأويل للفقرة 22 التي قد يُفهم منها أن القضاء المحلي سيكون مستقلا عن القضاء الوطني.

إن منح الجهة محاكم محلية ذاتية يعد مخالفا لما جاءت به توصيات لاند “Lundi” التي فضلت استمرار الاعتماد على النظام القضائي السابق على منح الجهة الحكم الذاتي وذلك بالثقة فيه، ودعت إلى ضمان استقلالية هذا النظام بدعمه بآليات الوقاية من النزاعات، التحكيم، الوساطة[83].

إلى جانب هذه الهيآت نصت المبادرة المغربية في فقرتها 26 إلى ضرورة أن تتوفر الجهة على مجلس اقتصادي واجتماعي يتشكل من ممثلي القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية والجمعوية، ومن شخصيات ذات كفاءات عالية.

تجدر الإشارة إلى أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تضمنت في آخر فقراتها مسار الموافقة عليها وكيفية تفعيلها، حيث سيطرح الحكم الذاتي للجهة موضوع التفاوض على السكان المعنيين بموجب استفتاء حر ضمن استشارة ديمقراطية وهو ما يعد في حد ذاته ممارسة حرة من لدنهم لحق تقرير مصيرهم[84]، كما أدرجت الآليات لتفعيله بعد موافقة سكان الصحراء عليه: بحيث يتم تعديل الدستور المغربي بإدراج الحكم الذاتي فيه وذلك لضمان استقرار هذا النظام وإحلاله المكانة الخاصة اللائقة به داخل المنظومة القانونية للمملكة[85]، كما يتم إدراج الأشخاص العائدين إلى الوطن إدماجا تاما في حظيرته بالشكل الذي يحفظ كرامتهم وسلامتهم ويحمي ممتلكاتهم[86]، ولهذه الغاية ستصدر المملكة عفوا شاملا يستبعد أي متابعة أو توقيف أو اعتقال أو حبس، أو أي شكل من أشكال الترهيب[87].

إن المبادرة المغربية لما تضمنته من عناصر استطاعت إقناع مجلس الأمن[88] والعديد من دول العالم بجديتها وبكونها ذات مصداقية، كما تأكد للكل بأن المبادرة تعد الأداة الوحيدة القادرة على حل النزاع حول الصحراء، وجعل دول المنطقة تتجه صوب التنمية وتفعيل الاتحاد المغاربي الذي أضحى مطلبا محليا لمجموع الشعوب المغاربية الخمسة، إن الحكم الذاتي الموسع لم يعد فقط وسيلة لإنهاء الصراع حول المناطق الجنوبية للمملكة وإنما تعدّى ذلك ليصير مطلب العديد من المغاربة لتطبيقه على باقي تراب بلادنا.

ولما كان النظام القضائي في المغرب نظاما موحدا ومركزيا ومحوره محكمة عليا واحدة، تقيم التنفيذ الموحد للقانون بواسطة الهيئات القضائية الأخرى، فإنه يصعب التوفيق بينه وبين وجود محكمة عليا تابعة للسلطة المحلية، لأن في ذلك ما يشبه لنظام اتحادي متقدم غير قابل للتطبيق في المغرب، كما أن استقلالية المحكمة العليا المحلية تبقى محل التشكيك على اعتبار أن أعضاءها يعينون من طرف السلطتين التنفيذية والتشريعية في الإقليم، فكيف يمكن لمحكمة بهذه الخصائص أن تتعامل مع التجاوزات المحتملة للسلطة المحلية في ممارسة إختصاصاتها؟[89].

وأمام هذه الانتقادات الموجهة لكل من اتفاق الإطار وخطة السلام جاء المغرب بمبادرة جديدة للحكم الذاتي في الصحراء، حاول فيها أن يعبر عن وجهة نظره ويبين للعالم بأجمعه تشبثه بالسيادة في منطقة الصحراء المغربية، هكذا خولت المبادرة المغربية للبرلمان الجهوي الحق في أن يحدث محاكم تتولى البث في النزاعات الناشئة عن تطبيق القوانين التي تضعها هيئات الحكم الذاتي بالصحراء، كما منحت للمحكمة العليا الجهوية سلطة التأويل النهائي لقوانين الجهة بشرط عدم المس باختصاصات المجلس الأعلى والمجلس الدستوري للمملكة، وفي مقابل هذه الحقوق وضمانا للسيادة المغربية، نصت المبادرة المغربية على أن الأحكام القضائية التي تصدر عن المحاكم الجهوية يجب أن تكون مطابقة لقوانين نظام الحكم الذاتي وللقوانين الوطنية ولدستوري المملكة[90].

 

المبحث الثاني: تمديد الحكم الذاتي الموسع على باقي الجهات

إذا كان تمتيع جهة الصحراء بوضع خاص استثناء على التراب الوطني يجد مبرره في حل نزاع مفتعل عمَّر أكثر من ثلاثة عقود، بالشكل الذي تقسم فيه المملكة إلى منطقتين كمرحلة أولى، منطقة الجنوب ذات نظام خاص تطبق فيه، نظام الجهوية السياسية القائم على الحكم الذاتي، وأخرى ذات نظام عادي يقوم على اللامركزية الإدارية مع التنصيص على مبدأ وحدة الدولة وعدم قابليتها للتجزيء؛ فإن ربط الجهوية السياسية بجهة واحدة فقط (جهة الصحراء) قد يكون مغامرة غير محسوبة العواقب، إذ وإن تم حل النزاع بواسطتها فإنه قد ينتج عنها مشاكل أخرى قد تعصف بالوحدة الترابية للمملكة.

فمشروع الحكم الذاتي المطروح للتفاوض والذي قد يلقى قابلية لدى الطرف الآخر ويجعله يتخلى عن طرحه الانفصالي، لأحق بأن يُمكن منه كل المغاربة ويستفيدون منه، فلدى هذا المشروع كل العناصر والمقومات التي تجعل منه بذرة لإحياء دولة الحق والقانون التي تجعل المواطن يجدد ارتباطه بالوطن عبر إعطائه فرصة تسيير شؤونه بنفسه.

فإذا كان هناك من يتوجس[91] من إقرار جهوية سياسية بداعي أن ذلك سيفسح الباب أمام ظهور حركات انفصالية ببلادنا، وبالتالي يدعو إلى تبني سيناريو الحفاظ على الجهوية الحالية مع إضافة بنود دستورية تعطي للأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا، فإنه بالمقابل هناك من يرد عليهم بأنه لا مبرر لهذا التوجس ما دامت الجهات تربطها بملك البلاد رابطة البيعة، كما أنه إذا كان شعب موحد- كالشعب الجرماني – اختار لنفسه نظاما فيدراليا فلا يعقل حرمان بلد “بمثابة فسيفساء بشرية، وجغرافية،[92] هو حقل هوياتي متعدد الأبعاد والاتجاهات، أو استثناء بعض مناطقه من نظام هو أدنى درجة من الفيدرالية.

كما أن بلادنا التي استلهمت مقترحها حول الحكم الذاتي لإنهاء مشكل الصحراء من تجارب الدول القريبة منا جغرافيا وثقافيا لا يمكنها أن تتغافل ما سارت عليه هذه الدول التي لم تكتف بمنح نظم الاستقلال الذاتي إلى بعض جهاتها وإنما عممته على سائر ترابها وإن تم ذلك عبر مراحل، ولربما هذا ما بدأت تفكر فيه المؤسسة الملكية، فقد جاء في خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس يوم 31 يوليوز 2007 «…وفي هذا الصدد، نؤكد من جديد توجهنا الراسخ، إقامة جهوية متدرجة ومتطورة، جهوية متضامنة تشكل كل مناطق المملكة، على أساس تقسيم جديد وصلاحيات موسعة ضمن مسار مغربي – مغربي، بإرادتنا الوطنية الخاصة، مراعاة لخصوصيات كل جهة،…».

إن الدعوة لتعميم نظام الحكم الذاتي الموسع على كافة جهات المغرب يجد أسسه أيضا في كثير مزاياه وإن كنا واعين أن تطبيق مثل هذا النظام في بلاد ما زال يتلمس طريقه نحو الديمقراطية ستواجهه الكثير من العوائق والمثبطات، (المطلب الأول)، كما أن النهج الذي سيتبع في تعميمه لن يخرج عن إحدى النموذجين الإسباني، أو الإيطالي المؤسس على اللامركزية المتقدمة (المطلب الثاني).

 

المطلب الأول: مزايا وعيوب تعميم الحكم الذاتي الموسع لباقي جهات المملكة

إذا كانت اللامركزية السياسية أسلوب من أساليب الحكم – كما سبقت الإشارة إلى ذلك – تتعلق بممارسة الوظائف الأساسية للدولة من تشريع وقضاء وإدارة، فإن ما يميز تطبيقها في المغرب هو ارتباطها المباشر بالمؤسسة الملكية حفاظا على وحدة الدولة حيث ذلك الارتباط يمثل وجاء يحمي من التفكك رغم ما يكون للجهوية من استقلالية، إن خصوصية التجربة المغربية تضل في الارتكاز على العرش رمز الوحدة واستمرارية الدولة، مما يضعف شك وتخوف البعض من الحكم الذاتي في إمكانية أن يتسبب في ظهور نزاعات انفصالية، هذا ما عبّر عنه الملك الراحل الحسن الثاني عندما أكد أنه: “… يمكن أن نسير في اللامركزية إلى أبعد الحدود ما دمنا متمسكين برابطة البيعة، فكلما تم احترام هذا الميثاق من طرف الأجيال المقبلة كان بإمكان السلطة المركزية ترشيد الجهات المغربية أكثر فأكثر…[93]. فهذا المنظور الملكي الاستباقي والمتطور للجهوية، إنها هو نابع من إدراكه لكثير مزايا الجهوية السياسية التي وصفها بالفضيلة من خطاب له بتاريخ 15-9-1992، هذا مع إدراكه في الوقت ذاته ما في الأمر من صعوبات وعراقيل بل ومخاطر حيث وجب التريث والتدرج والتهييء لها جيدا قبل أي تطبيق لهذه الفضيلة، وهو ما دفع بجلالته رحمه الله في نفس الخطاب أن دعا لأن تكون بداية التطبيق على الأقاليم الصحراوية.

 

الفرع الأول: مزايا تعميم الحكم الذاتي

هي كثيرة ترتبط في أغلبها بالغايات التي ستتحقق إذا ما نحن عممنا مثل هذا النظام على كامل تراب المغرب، هذه المزايا:

ــ احترام الحقوق الأساسية التي تكمن في التعددية الثقافية والاستقلال الذاتي، وترسيخ الديمقراطية الحقة بتوسيع دائرة المشاركة والممارسة السياسية وتقريب السياسة إلى الجمهور، كل هذا يدرب الفرد داخل الجهة على تحمل المسؤولية وينمي المهارات القيادية والحنكة السياسية الشيء الذي يمهد الأرضية لبروز نخب جديدة[94] وتيارات سياسية مختلفة متضاربة أو متناقضة.

فتعددية الجهات السياسية التي تتحقق من التعميم لا بد أن تقوم على أساس رباط المواطنة، الذي يعتبر القاسم المشترك بين مختلف الجهات، حيث لا يسمح لهذه التعددية بأن تؤدي إلى انعزال كل جهة باسم خصوصيتها المتميزة فتلغي كل إمكانية للتآزر والانسجام في ظل الوحدة الوطنية[95].

ــ تعزيز فصل السلط والاختصاصات إن عموديا أو أفقيا، على اعتبار أن الجهوية السياسية ما هي إلا إعادة للتوزيع الترابي للسلطة في أقصى تجلياتها على مستوى وسطي بين الدولة والوحدات المحلية[96] .

ــ فعلى الصعيد الاقتصادي خصوصا والتنموي عموما سيتم بفضل الحكم الذاتي إعادة توزيع الثروة بشكل عادل بين كافة الجهات وتحقيق العدالة الاجتماعية، وذلك بتمكين سكان المناطق بصفتهم المعنيين الأوائل ببرمجة وتنفيذ المشروعات الخاصة بنطاقهم والاستفادة من خيرات جهاتهم، ويتم هذا في ظل تنافسية حقيقية بين كل المناطق يكون المستفيد الأول هو الدولة المغربية، ولن تتحقق هذه الغاية إذا ما لجأت كل جهة في “تنمية ذاتها بالاستناد فقط على مقوماتها وشروطها الخاصة إلى درجة تشكل به دولة داخل دولة أو تدخل في صراع تناحري مع جهات أخرى، وإنما يجب على جهات الحكم الذاتي أن تنخرط في إقامتها لمشاريعها التنموية ضمن صيرورة تنموية شمولية مرتكزة على الاعتماد المتبادل بين الجهات المكونة للمجتمع وعلى التكامل بين الخاص والعام وبين الجهوي والوطني”[97].

بتعميم الحكم الذاتي على باقي جهات المملكة ستستعيد الدولة المركزية توازنها التي كانت بافتقاده ستؤثر سلبيا على الجهات المحورية منه، ولنا في التجربة الإسبانية خير مثال التي نودي فيها في بادئ الأمر بتمتيع كطالونيا وبلاد الباسك وكاليسيا بالاستقلال الذاتي دون باقي المناطق، وإن جاء دستور 1978 بالنقيض من ذلك النداء عندما سمح لجميع المجموعات المستقلة بأن تلج نظم الحكم الذاتي الموسع إلا أنه قسم المناطق إلى مجموعتين إحداها باختصاصات أوسع من الأخرى[98] ، والنتيجة كانت دولة مختلة التوازن وتقليص للحكم الذاتي الموسع لجميع المجموعات المستقلة[99]، وقد خلفت هذه الوضعية كثيرا من الانتقاد كادت أن تعصف بالتجربة برمتها لولا التفاهم الذي جرى بين أهم المكونات السياسية للجارة الإيبيرية سنة 1992 والذي تساوت بفضله في الاختصاصات المجموعات المستقلة السبعة عشر.

ــ يسمح للدولة – في إطار الوظيفة التعاونية La Subsidiarité – من خلالها كتنظيمة عليا أن تتدخل أو تجر لنفسها تلك المهام التي لا تستطيع التنظيمية الدنيا (الجهة) القيام بها بشكل مرضي رغم توفرها على موارد بشرية ومالية كافية[100].

ــ هو أفضل آلية تمكّن من التعايش بين وحدويين وانفصاليين ملكيين وجمهوريين، ولما في نموذجي إسبانيا وإيطاليا خير مثال، فبالحكم الذاتي الموسع وحده أمكن الجمع بشكل قل نظيره في حكومة جهة كتالونيا بعد انتخابات المجموعات المستقلة لسنة 2004، ائتلاف ثلاثي ضم حزب جمهوري هو حزب اليسار الجمهوري ERC إلى جانب الحزب الاشتراكي العمالي واليسار الموحد (فرع كتالونيا)، كما أنه بفضل نظام الحكم الذاتي تم استيعاب القوميين الباسكيين الممثلين في الحزب الوطني الباسكي – هذا الأخير هو من يحكم منطقة الباسك منذ عقدين من الزمان- ضمن المملكة الإسبانية بالشكل الذي يؤكد أن الحكم الذاتي إنما هو “أساسا صيغة تفاهم مع إثنية معينة لا تقبل بمؤسسات مركزية وتبحث عن قواسم مشتركة  وإن كانت ضعيفة للتعايش في فضاء جغرافي يجمعهما[101]، فإذا ما تم قبول المقترح المغربي سنرى على أرض الواقع تعايشا بين سكان الصحراء الملكيون والجمهوريون، الوحدويون والانفصاليون هؤلاء ستعطي لهم المبادرة المغربية العمل ضمن مؤسسات مغربية، كذلك إذا ما تم تعميم التجربة على جهات المغرب سنرى كيف سيتم استيعاب مثلا أنصار الحركة الأمازيغية الداعين إلى تعميم نموذج الحكم الذاتي المطروح تطبيقه بجهة الصحراء كحل وحيد لحفاظ باقي مناطق المغرب على خصوصياتها وتنوعها الثقافي والإثني، والجناح العروبي المناصر لتقوية سلطة الدولة المركزية والرافض الذهاب أبعد من تبؤ الجهة أكثر من اللامركزية الإدارية اتقاء لأي بلقنة مستقبلية للمملكة على غرار ما حدث في إيطاليا حيث تم التوفيق بين اتجاهين أحدهما الداعي إلى استقلال ذاتي واسع والآخر المطالب باستقلال ذاتي ضيق، وهو ما ترجمته المادة الخامسة من دستور 1948 بتأكيدها مبدأ وحدة الجمهورية وعدم تجزئتها من جهة وتشجيعها الاستقلال الذاتي واللامركزية من جهة ثانية.

 

الفرع الثاني: عيوب تعميم الحكم الذاتي .

مقابل هذه المزايا نجد أن للحكم الذاتي الموسع عيوبا قد يخلفها تعميمه على باقي تراب بلادنا، فأول ما يعاب عليه هو ما قد يمس وحدة الدولة من تهديد جراء بروز جهات قوية بالشكل الذي يضعف الدولة وهو ما يفسر التحجيم الذي عرفته الكثير من الجهات في أوربا وإن أرجع البعض ذلك إلى الخصوصيات التاريخية.

والأكيد أن حجم الجهات ليس وحده هو الذي يشكل تهديدا لوحدة الدولة، أيضا إذا ما اقترن حجمها مع خصائص أخرى كما هو  حال اليوم في بلجيكا المهددة في وحدتها بسبب اجتماع الفروقات اللغوية بالاختلالات الاقتصادية التي يتواجه بسببها الوالونيون والفلامنيون[102]؛ لدى تعمل الدول عند تشكيل الجهات ومؤسساتها بإرفاقها بكثير من الضمانات القانونية ضمانا لوحدة الدولة، ففي إسبانيا إلى جانب المادة الثانية من دستور 1978 التي تعلن الوحدة غير القابلة للتجزئ للأمة الإسبانية، هناك المادة 145 التي تمنع الاتحاد بين المجموعات المستقلة؛ وأن كل اتفاقات التعاون بينها يتم إخضاعها وجوبا لترخيص الكورتيس أو مواد 153 إلى 155 التي جاءت بآليات الرقابة اتجاه المجموعات المستقلة كي يتم ضمان إنجاز هذه الأخيرة لواجباتها اتجاه المملكة الإسبانية.

فمن مخلفات تعميم الحكم [103] الذاتي على باقي جهات المملكة حرمان الدولة المغربية من المزيد من وسائل تدخلها لتنفيذ سياساتها، فإذا كانت سلطات الرباط في إطار قانون 47.96 و 111.14 تعتمد بموجب الجمع بين آليتي اللامركزية وعدم التركيز على إدارتها الترابية وكذلك على ما منحها القانون السالف الذكر من وصاية ثم رقابة على أعمال المجالس الجهوية، فإن الأمر لن يبقى كذلك عند تطبيق الحكم الذاتي الموسع والذي سينتج عنه إحداث برلمانات جهوية منبثقة من انتخابات محلية ومباشرة مما سيعرض “سيادة الدولة الداخلية” إلى الخطر[104]، لاسيما إذا ما نتج عن تطبيق نظام الحكم الذاتي ما هو قائم بالتجربة الإسبانية من ريادة رئيس الحكومة الجهوية للمشهد السياسي والإداري على تراب جهته [105].

كذلك قد ينتج عن تمديد الحكم الذاتي على سائر الجهات ببلادنا تخوف الجماعات المحلية التحتية (جماعات حضرية، قروية) من أن يتم المس بصلاحياتها والانتقاص من استقلاليتها، هذا الأمر تنبّه له المشرع الدستوري الإسباني عندما فرض على أي مجموعة مستقلة أرادت لنفسها الحكم الذاتي الموسع أن تحصل على موافقة (بموجب الفصل 143) الدوائر الإقليمية Diputaciones provinciales وثلثي البلديات الممثلة على الأقل لنصف ساكنة كل إقليم أو جزيرة، هذا التخوف والقلق على المس بالاستقلال الذاتي للوحدات الترابية التحتية (القاعدية) سيبلغ مداه الأقصى في حالة إيطاليا الذي يجد مبرره في رسوخ وقدم تلك الوحدات على الجهات التي مازالت تبحث عن موضع قدم لها بين الوحدات المشكلة للجمهورية الإيطالية، لدى كان الدستور الإيطالي لسنة 1947 واضحا في مادته 114 الفقرة الثانية، عندما أكد على أن كلا من البلديات والأقاليم الحواضر الكبرى Urbes metropolitanas والجهات وحدات مستقلة بذاتها لها نظامها الأساسي، اختصاصاتها Facultades ومهامها وفقا للمبادئ المقررة في الدستور. إن مثل هذا التخوف كان سببا كافيا في إعاقة مسار الجهوية في البرتغال حيث بلدياتها – التي يعود تأسيسها إلى القرون الوسطى ـ تتوجس من إحداث الجهات التي سيفقدها دورها في إدارة البلاد، فبدون ضمانات دستورية للاستقلال الذاتي للبلديات سيظل تطبيق الجهوية يعرف التعثر والعرقلة[106].

إن هذه العيوب مهما بلغت حدّتها تظل مقارنة بما رأيناه من مزايا وفضائل تمديد الحكم الذاتي ضعيفة التأثير، فالنظام اللامركزي عموما والحكم الذاتي خصوصا يكتسي قيمة ديمقراطية لا محيد عنها فبه تتجسد سياسة القرب والتشاركية عندما يتمكن السكان حقيقة تسيير مرافق ومؤسسات الجهات التي ينتمون إليها.

إن الدعوة إلى تمديد الحكم الذاتي على باقي جهات المغرب يستتبع التساؤل عن أي السيناريوهات، سيتم إتباعها في ذلك؟

 

المطلب الثاني: أوجه تمديد الحكم الذاتي .

لما كان مشروع الحكم الذاتي لفائدة جهة الصحراء قد تم إعداده وفق أهم ما جاءت به تجارب الدول القريبة من المغرب جغرافيا وثقافيا، فإنه يكون من المنطقي في حالة تمديده على باقي جهات المملكة إتباع السبيل الذي انتهجته نفس تلك الدول، بما يعني السير على منوال إحدى الطريقتين الإسبانية أو الإيطالية.

فالطريقتان تختلفان في تطبيقهما لمقتضيات الحكم الذاتي الموسع، حيث تتميز كل منهما عن الأخرى كما وكيفا؛ فإذا كان الدستور الإسباني أقر لكل القوميات والجهات المشكلة لإسبانيا حق الحكم الذاتي حيث أغلب القوانين التي تنظم هذا الحق ترده إلى المستقبل (الفرع الأول)، فإن الدستور الإيطالي جاء أكثر تحديدا وتدقيقا وإن احترم مبدأ التدرج فيما عرف باللامركزية المتقدمة (الفرع الثاني). إن إدراج الطريقتين لا يعني أن بلادنا ملزمة باتباع أي منهما، فقد يحدث أن تأخذ منهما على حدى أو عن كليهما فقط ما تراه يناسب ويوافق مسيرته وصيرورته التاريخية ويعبّر عن تميزه واختلافاته الجغرافية ويلبي تطلعات سكانه.

 

الفرع الأول: تمديد نظام الحكم الذاتي على الطريقة الإسبانية

فكما سبقت الإشارة إلى ذلك أن الدستور الإسباني إنما أتى نتاج توافق عسير لما كان يُعتمل داخل الساحة الإسبانية من صراعات ونزاعات ترابية وحزبية خلفت تضاربا وتعارضا في التوجهات لا سيما فيما يخص التنظيم الترابي؛ بحيث لم يكن ممكنا بلوغ التوافق إلا بفضل حلول جد واقعية وعملية بعد رفض العديد من الاقتراحات “نماذج” وترك أبرز القرارات للمستقبل[107] فأول ما تم القيام به هو إدخال أكبر قدر من المرونة على نظام الحكم الذاتي الموسع حيث تم الاتفاق على وضع حلول فورية للمشاكل التي تعرفها بعض المناطق (كتالونيا، بلاد الباسك وكاليسيا) وترك الباقي – للغموض دون تحديد – لما ستسفر عنه قرارات الدوائر الإقليمية وللبلديات.

إن الاتفاق حول نظام الحكم الذاتي المتضمن بالجزء الثامن من الدستور، لم يكن من الممكن إدراكه بإتباع بعض النماذج في القانون المقارن وإنما بالتركيز فقط بحل بعض القواعد العامة وربط تحقيقه بقوانين مستقبلية أساسا بالأنظمة الأساسية للمجموعات المستقلة وبعض القوانين العامة للدولة كالقانون التنظيمي المتعلق بتمويل المجموعات المستقلة[108]، فهذا الجزء تضمن بالفعل بعض المبادئ العامة (كحرية التجول)، وبعض الحدود (كالاختصاصات الابتدائية الأولية للمجموعات المستقلة في حدودها الدنيا والقصوى) وكثيرا من الإجراءات والمساطر (من أجل بلوغ الحكم الذاتي، ومن المصادقة على الأنظمة الأساسية، إلخ…).

فالدستور المغربي عند مراجعته عكس التطورات التي يشهدها داخليا وأتى بحلول تجيب عن كثير من انتظارات الشعب المغربي لاسيما فيما يخص تنظيمه الترابي، فمن بين ما يجب أن يضمه القانون الأسمى بين مواده الأولى الإقرار بتعدد مكونات الشعب المغربي مع التأكيد على وحدة الأمة المغربية غير قابلة للتجزيء واختلاف جهاته مع ضمان حقها في الحكم الذاتي لكن أن يتم ذلك بالتضامن فيما بينها[109]، بعده يتم تخصيص باب للتنظيم الترابي للمملكة وفيه يجب أن يسلك تقنية النص المفتوح حيث يكون تفسيره وتطبيقه مرتبطا بمجموعة من القوانين والقرارات السياسية المستقبلية على الخصوص بالأنظمة الأساسية للجهات؛ فقد يتم منح الحكم الذاتي الموسع كمرحلة أولى إلى جهة الصحراء ثم يليه في مرحلة موالية التمديد لكل جهات المغرب استجابة وتحقيقا لمطالب إحدى مكونات الأمة المغربية (الأمازيغ) التي ما فتئت تطالب بمثل هذا النظام حفاظا على خصوصياتها ولغتها، دون أن يعني هذا أننا ندعوا إلى إرساء جهوية عرقية أو إثنية ما دام أن الحكم الذاتي سيعم جميع مناطق المغرب ذات الأصول العربية أو البربرية، وفي هذا الخصوص لا نساير ما جاء في التصميم الوطني كون المناطق التي يتكلم غالبية سكانها البربرية لا تشكل جهات بربرية كما لا نتفق مع من اعتبر أن هذه الجهات لا تندرج في إشكالية الاستقلال أو الحكم الذاتي، فقط في نظره ترتبط بكل بساطة بمسلسل اللامركزية واللاتمركز[110] ؛ إن تحديث ممارسات الحكم ومساهمة المواطنين في تسيير شؤونهم المحلية والجهوية بشكل فعلي لا يمكن الوصول إليه إلا بتقنية نظام الحكم الذاتي الموسع، فهذا الأخير لم يعد فقط اختيار سياسي وإنما هو نتيجة منطقية لمسار بلادنا التاريخي.

 

الفرع الثاني: تمديد نظام الحكم الذاتي على الطريقة الإيطالية

إذا كان التنظيم الترابي في إسبانيا عرف طريقه إلى الصيغة المتوافق عليها بفضل تقنية النص المفتوح الذي صبغ به دستور 1978، فإنه في إيطاليا تم نهج اللامركزية المتقدمة وفق مسلسل متدرج يساير الواقع الجغرافي والتحولات التي تعيشها إيطاليا، فمن سنة 1947 حتى اليوم عرف عدد الوحدات الجهوية المستقلة ذات الأنظمة الأساسية تزايدا من 5 إلى 20، بل سمح الدستور الإيطالي في مادته 132 بإمكانية اندماج الجهات أو إحداث جهات جديدة بساكنة تقل عن مليون نسمة إذا ما كان ذلك مطلب البلديات الممثلة على الأقل لثلث السكان المعنيين ويتوجب تأكيد ذلك بأغلبية أولائك في استفتاء، أضف إلى هذا أن الفقرة الثانية من نفس المادة خولت بموجب قانون جمهوري لأقاليم معينة وبلديات الانفصال عن جهات والالتحاق بأخرى.

لكن يبقى وصف اللامركزية الإيطالية بالمتقدمة بما لهذا النموذج من قدرة تعايش نسقين في نظام واحد، نظام الجهوية السياسية بخمس الجهات ذات الأنظمة الأساسية الخاصة مع باقي الجهات ذات الأنظمة الأساسية العادية التي يطبق فيها حقيقة نسق اللامركزية الإدارية [111].

فإذا كانت الجهات الخمس دخلت أنظمتها الأساسية[112] حيز النفاذ مباشرة بعد العمل بدستور 1947، فإن الجهات الأخرى بأنظمة عادية لم تصبح حقيقية واقعا إلا سنة 1970 مع أول انتخاب للمجالس الجهوية.

فاللامركزية الإيطالية لن تقف عند هذا الحد، بل ستستجيب لمتطلبات المرحلة مرة أخرى حيث سيعمل المشرع على توسيعها سنة 1997 بموجب القانون رقم 59 لــ 15 مارس 1997 الذي عمل على تمكين الجهات والأقاليم والجماعات وتحويل المهام إليها.

إذن على المشرع الدستوري المغربي وهو يسير وفق نهج النموذج الإيطالي أن يماثل في ذلك بين الجهوية والترابية المبنية على التفاوت في منح السلطات حسب خصوصية كل منطقة، بحيث يكون تدخل الدولة بدرجات متفاوتة[113] ، كما هو حاصل في إيطاليا بين الجهات الخمسة ذات النظام الخاص والجهات المتبقية ذات النظام العادي، وعليه يجب أن تتكلف الهيآت المشرعة في البلاد في وضع ميثاق جهوي يقسم المملكة إلى منطقتين، منطقة الجنوب ذات نظام خاص فيها الجهوية السياسية القائمة على الحكم الذاتي، حيث تتنازل الدولة لهذه الجهة (الصحراء) عن بعض سلطاتها واختصاصاتها لتجعل منها منطقة يمارس سكانها عن طريق هيآت تنفيذية وتشريعية وقضائية السلطة الكلية على إدارة الحكم المحلي[114]، على أن تحتفظ الدولة المركزية المغربية بالسلطة الكلية على كل ما يتعلق بمظاهر السيادة. أما المناطق الأخرى فيتم إبقاء سريان اللامركزية الإدارية عليها، لكن وفق قانون جديد يتجاوز تصور قانون  47.96[115] و111.14، لاسيما فيما يخص تحديد وتوزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات تفاديا لكل تضارب في الأدوار والتدخل الذي لا يخدم التنمية… فالمشرع لم يعد مقبولا منه إصدار قانون يتضمن عبارات غامضة وغير دقيقة، بل يجب أن تكون محددة بوضوح «حتى يتم تفادي تداخل وتشابك الصلاحيات وكذا تسلسلية الشؤون السياسية وطريقة إدارتها»[116]، أسوة بالدستور الإيطالي في مادتيه 117 و118 والذي حدد بوضوح في المادة 117 الاختصاصات الحصرية للدولة وكذا الاختصاصات المتنافس عليها بينها وبين الجهات مضيفة فيما يخص هذا النوع من الاختصاصات بشكل لا يدع مجالا للتأويل، أن للجهات حق التشريع في كل الميادين المتنافس عليها باستثناء ما يتعلق بتحديد المبادئ الأساسية المنظمة لتلك الميادين فإن حق التشريع فيها يكون فقط للدولة.

كما أن المادة 117 نصت بصريح العبارة في أحد فقراتها أن كل مادة غير مدرجة كاختصاص حصري للدولة فهو يصبح من صلاحيات الجهة يحق لها التشريع التنظيمية بين الدولة وجماعاتها الترابية التحتية حيث جعلت سلطتها التنظيمية في كل الميادين فإلى هذه الأخيرة ينعقد تنظيمها، كما تكون السلطة التنظيمية من نصيب البلديات والأقاليم والحواضر الكبرى لتنظيم ومباشرة الصلاحيات المخولة لها بنفس التوضيح والتدقيق أتت المادة 118 التي خصصت للبلديات المهام الإدارية التي تباشرها بشكل انفرادي، كما تعهد بها، إلى الأقاليم والحواضر الكبرى والجهات والدولة وفقا لمبادئ التفريع subsidiariedad والتفاضلية diferenciacion والتكييف adecuacion، أو ما جاء في الفقرة ما قبل الأخيرة من هذه المادة والتي تنص على أنه يتم تحديد بواسطة قانون طرق التنسيق بين الدولة والجهات في مواد الهجرة والنظام العام والأمن مع استثناء للشرطة الإدارية المحلية، كذلك تحدد أشكال الاتفاق والتعاون فيما يخص الخدمات الثقافية.

فيجب على المشرع الدستوري المغربي وكذا المشرع العادي أن يقتفيا أثر النموذج الإيطالي لتلافي الازدواجية وتضارب الجهود وتشتيت الوسائل بين الدولة وكافة الوحدات الترابية التحتية، ومن أجل بلوغ هدف تخويل مؤسسات جهوية سلطات تقريرية وجعلها وحدة ترابية لامركزية تتمتع بالاستقلالية وتتوفر على هياكل مؤسساتية وأجهزة إدارية واختصاصات يتم توزيعها توزيعا جيدا بين المركز والجهات من جهة وبين الجماعات والإقليم والجهة من جهة أخرى.

إن تطبيق المقترب السياسي للجهوية ببلادنا سواء أكان على الطريقة الإسبانية أو الإيطالية لمن شأنه ليس فقط أن يحل نزاع قضية الصحراء وإنما سيعمل على تحجيم التفاوتات الصارخة بين تراب جهات المملكة، كذلك سيعطي السكان المحليين فرصة حكم مجالهم بأنفسهم وهو ما سيفتح الباب أمام تنافسية حقيقية بين جهات المغرب بل سيوقدها ويشعلها، حيث يكون التراب الوطني بكامله هو المستفيد على جميع الأصعدة أولا وأخيرا، بالشكل الذي سيكون معه خيار الجهوية السياسية، صيغة ملائمة وحلا مناسبا يصون الحقوق الثابتة للمغرب ويحفظ خصوصية المنطقة ويفتح أفاقا رحبة للبناء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والتساكن المبني على التضامن الوطني”[117] .

 

 

 

وبالترتيب على كل ما سبق ذكره، سيتضح بأن تبني المغرب لمقاربة جديدة للتهيئة المجالية وإعطائها الدور الحقيقي للتأثير إيجابيا في السياسة العمومية وفق منظور المفهوم الجديد للسلطة يكون قد استوعب الدرس جيدا وتعلم من أخطاء التي ارتكبتها السياسة الترابية القديمة التي لم تكن تتوفر على إطار قانوني، فبالإضافة إلى ما جاء به المنظور الجديد لإعداد التراب من فلسفة جديدة بمبادئ (التشاركية، المواطنة والفعالية) واختيارات (ضمان وحدة المجال، إعادة بناء العلاقة الترابية وخلق دينامية محلية للنمو) فإنها أرفقتها بآليات لتفعيلها على أرض الواقع فكان أن تمت صياغة ميثاق لإعداد التراب وإحداث المجلس الأعلى لإعداد التراب وإنجاز التصميم الوطني لإعداد التراب.

إن الهدف من هذا التغيير كان هو تجاوز النظرة الأحادية التي كانت تطبع التعامل مع قضايا إعداد التراب وتعويضها بنظرة شمولية أساسها التشاور والتواصل وكذا التعاون والتنسيق بين كل الفاعلين، مع التأكيد على أولوية البعد الجهوي والمحلي في هذه المقاربة وذلك في إطار تسيير تشاركي لا مركزي ينزل قضايا إعداد التراب على أرض الواقع بتمكين المسئولين على التنمية المحلية والجهوية من أدوات تقنية تحمي الخصوصيات وتشجع الابتكار، كل هذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تعاملنا مع المجال كما هو وليس كما نريد أن يكون لأجل توفير مجالات للتنمية تكون قادرة على إنجاز المهام المنوطة بها، ولبلوغ هذه الغاية لا بد من ضمان الانسجام والتكامل الجغرافي، التاريخي، الإثني، اللغوي والثقافي… آنذاك فقط يمكن الذهاب في تطبيق على تلك إطارات الترابية أقصى مراحل اللامركزية المجسدة في الحكم الذاتي، هذا الأخير سيفتح أمام المغرب فرصة تأكيد وحدة أراضيه الترابية من خلال الحل النهائي لنزاع الصحراء، والمرور بعد ذلك إلى تفعيل أوراش التنمية بباقي تراب المملكة وتكريس دولة العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

 

 

[1] – شرافي سيدي محمد، ” الجهوية المتقدمة في الدولة الموحدة، نموذج المغرب” أطروحة الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – عين الشق – الدار البيضاء، 2015 – 2016.

[2] – El Ouali (A) : op. Cit ; p : 146.

[3] – إذ سبق للملك الراحل الحسن الثاني أن طرحه في نهاية الثمانينات حيث صرح بإمكانية منح الحكم الذاتي للصحراء مقابل الحفاظ على رموز السيادة: العلم، والطابع البريدي والعملة.

[4] – قد سبقت الإشارة إلى هذه القبائل عند الحديث عن بلاد السيبا وبلاد المخزن.

[5] – عبد اللطيف بكور: “الجهوية السياسية بالمغرب بين متطلبات المرحلة ومحدودية التطبيق”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 70، شتنبر- أكتوبر 2006، ص: 122.

[6] – المرجع السابق، نفس الصفحة.

[7] – عبد اللطيف باكور ، المرجع السابق، ص: 123.

[8] – البوليساريو هي الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، تأسست في 10 مايو 1973، احتضنتها الجزائر ومولتها ليبيا.

وقد تم استدراج أعضاءها بطريقة محكمة من طرف المحتل الإسباني فأول ما قم به هذا الأخير هو:

تشويه الهوية  المغربية عن قصد ونية مبيتة وقد تمكن من ذلك عندما أحدث قطيعة إيديلوجية اجتماعية وفكرية بين الوطن الأم والأجزاء التي احتلتها، وأول ما قام به في هذا الإطار هو إظهار القبائل وكأنها مجمعات سكونية وجامدة خلافا لما هي عليه في الواقع، بل وفي شكل آخر تبنت إسبانيا على غرار مثيلاتها من الدول  الاستعمارية الأخرى تقسيم القبيلة الواحدة فيما بين دول الاحتلال (في هذه الحالة بين إسبانيا وفرنسا) وفي تقسيمها ذلك لم تأخذ بعين الاعتبار التعمير البشري علما بأن كل قبائل الصحراء توجد فروعها أو أصولها بشمال المغرب ووسطه.

إن القطيعة التي أحدثتها إسبانيا كانت موجهة بالخصوص إلى مواليد الأربعينات والخمسينات و الستينات من القرن الماضي حيث عملت بتنشئتهم داخل مدارسهم وتوجيههم كما تريد، وقد نجحت تلك الاستراتيجية في خلق زعماء ينادون بالاستقلال عن الوطن الأم (المغرب) أو يزكون الوجود الإسباني في المنطقة بخلق مجموعات مرتبطة بالتواجد الإسباني. كذلك البحث عن السلطة كان أبرز الأسباب في نشأة نخبة جبهة البوليساريو التي ستتولى مقاليدها من بعد وكذا المصالح الذاتية لتلك النخبة، فعودتهم إلى  الوطن الأم كان يعني تهديدا لمصالحهم الضيقة التي اكتسبوها من خلال التجارة السوداء أو تربية المواشي،…

[9] – في التاريخ المعاصر لم يعرف أي من مبادئ القانون الدولي سوء استخدام بل وتناقض في كثير من الأحيان كالذي عرفه مبدأ تقرير المصير في قضية الصحراء، فنزاع الصحراء هو نزاع ترابي بين المغرب و إسبانيا حيث الأول يطالب من الثاني استعادة أراضيه الصحراوية التي احتلتها أواخر القرن 19. أما الطرف الثاني (إسبانيا) فيرفض ذلك محتجا بحقوقها المستوفاة من القانون الاستعماري والتي يعطيها حقوقا في الأراضي التي اكتشفتها ووجدتها بدون سيد، حسب زعمها.

[10] – هذا بالضبط ما ذهب إليه المبعوث الأممي بتيرفان ولسوم المكلف سابقا بتسوية ملف الصحراء، عندما اعتبر في تقريره الذي وجهه إلى الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون في أبريل 2008، بأن خيار الاستقلال الذي تطالب به البوليساريو اقتراح غير واقعي، وقد تسبب هذا التقرير للمبعوث الأممي في عدة ضغوطات من قبل الجهة المعادية لوحدتنا الترابية عدلت باستقالته.

[11] – عبد اللطيف بكور، نفس المرجع السابق، ص: 119.

[12] – لقد اقتنع المغرب ومعه بعض مناطق شمال إفريقيا بضرورة الانسلاخ عن النفوذ العباسي والمركزي بالمشرق، ومحاولة خلق مركز قادر على اتخاذ القرارات على المستوى المحلي وهو ما سيفرز هوية سياسية وثقافية جديدة في هذه المناطق.

[13] – إذا توخى الفاتحون لمنطقة شمال إفريقيا فرض المركزية من الشرق فإنه بالمقابل استفادت هذه المنطقة من هذا المستجد لتتوحد قبائلها.

[14] – عبد الحق عوفير: “الصحراء الغربية والهوية المغربية”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في شعبة القانون العام، 1993- 1994، كلية الحقوق، جامعة محمد الخامس، الرباط – أكدال، ص: 260.

[15] – عرَّفها الماوردي بكونها “بحق عقد مرضاة واختيار لا  يدخله إكراه ولا إجبار” فمقتضاها يصير الخليفة وكيلا عن الأمة، ويكون موضوع هذه الوكالة هو ما تفوضه الأمة إليه من اختصاصات، إذ من الواجبات اللازمة للخليفة (السلطان) الالتزام بكتاب الله تعالى ورسوله وإقامة العدل بين الناس، مقابل طاعة الجماعة بأن تسلم له النظر في أمر نفسها وهو ما يعني أن بيعة الأمة، للسلطان هو تكليف بجملة من المهام والاختصاصيات التي ليست شخصية ومطلقة، إذ لا يتم باسمه بل باسم الجماعة التي استخلفت السلطان عليها. وهكذا تظل البيعة مستمرة منتجة لآثارها ما لم يطرأ عليها أي سبب من أسباب الانقضاء أو البطلان أو الفسخ.

إذن البيعة هي التزام بما جاء فيها، وهي أساس التعاقد بين السلطان والرعية وقد ورد لفظ البيعة في عدة آيات قرآنية:

“… الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه….” أية 27 من سورة البقرة.

“… إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسوف يؤتيه أجرا عظيما…” آية 10 سورة الفتح.

” لقد رضي الله عن المؤمنين، إذ يبايعونك تحت الشجرة…”  آية 18 سورة الفتح.

ويعتبر عقد البيعة إرثا نبويا جسد الحياة الإسلامية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهده عليه الصلاة والسلام جرت مبايعته شفويا وعن طريق المصافحة (في بيعة العقبة وبيعة الرضوان بيعة أهل مكة بعد الفتح)، كذلك كانت في عهد الخلفاء الراشدين ولم تعرف هذه الطريقة تغير ا إلا في عهد بني العباس التي أصبحت تعقد فيها البيعة عن طريق الكتابة.

للمزيد راجع في هذا الشأن :

ـ إسماعيل البدوي: “ولاية العقد (الاستخلاف) في الشريعة الإسلامية: دراسة مقارنة”، الطبعة الأولى 1982.

ـ أحمد الكنسوسي: “السلطان ظل الله في الأرض”، ندوة البيعة والخلافة في الإسلام، المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1985، العيون، ص: 16.

[16]  –عبد الحق عوفير،  المرجع السابق، ص: 261.

[17] – إبراهيم حركات: “المبايعة والخلافة وتطورات الموقف المغربي”، ندوة البيعة والخلافة في الإسلام 1985، ص: 23، هذا المرجع أشار  إليه الباحث عبد الحق عوفير في رسالته التي سبق الإشارة إليها في ص: 277.

[18]  – المرجع السابق، ص: 2.

[19] – إذ ذاك كانت تنشر جريدة صحراء المغرب، وقد أوردت في عددها 69/70 ليوم 28 يوليوز 1958 مقالة خصصته لاستقبال العاهل المغربي محمد الخامس لمحمد الأغظف بن ماء العينين، مجددا البيعة ومن بين ما ورد في هذه الكلمة:

“… فأنا باسمي واسم سكان الصحراء الأماجد أجدد الإخلاص والولاء لجلالتكم كما كانت أسلافنا متمسكة بذلك لأسلافكم، بكوني كنت نائبا عندكم في ذلك الجزء من الوطن باعتراف من الدولتين الإسبانية والفرنسية، بعد أن كان والدنا رضي الله (……) واسطة فيما بين أسلافكم المقدسين مع ذلك الجزء من رعيتكم من عقد جدكم الأكبر مولاي عبد الرحمان إلى أن توفي والدنا رضي الله عن الجميع وأسكنهم فسيح جنانه….”.

[20] – وبقول الجماني من خلال نص البيعة التي تم تحريرها بلاس بالماس في 2 نونبر 1975 “… إنني أضع يدي الضعيفة في يدكم الكريمة لأجدد بيعتي وأؤكد ولائي وطاعتي لأن مبايعتك هي مبايعة الله وطاعتك كطاعة الله تعالى…”.

[21] – عبد الحق عوفير: المرجع السابق، ص: 279.

[22]  – عبد الحق عوفير،  المرجع السابق، ص: 293.

[23] – شرافي سيدي محمد، ” الجهوية المتقدمة في الدولة الموحدة، نموذج المغرب” نفس المرجع السابق، ص 245.

[24]  –  عبد الحق عوفير، المرجع السابق، ص: 296.

[25] – Kabbaj (T) : « L’affaire du Sahara Occidental », Abidjan, 1981, p : 86, cité par Ghoufir (A) dans sa Mémoire, op. cit, p : 297.

[26] –الإدريسي السالمي:”الأقاليم الصحراوية في الاتفاقيات الدولية المغربية قبل الحماية”، مجلة أبحاث، مجلة العلوم الاجتماعية، العدد الثامن، السنة الثانية، خريف 1985، ص: 26.

[27] – Kabbaj (T) , Ibid. p : 101- 102.

[28] – لقد عرف جهاز المخزن تطورا مهما عبر الدول التي تعاقبت على الحكم في المغرب، لاسيما مع ظهور الدولة السعدية وبعدها مع الدولة العلوية، حيث أصبحت كلمة المخزن تطلق على الحكومة المغربية وعلى مؤسسة بيت المال وعلى الجهاز العسكري، هكذا فقد كانت لجهاز المخزن علاقات وطيدة مع النواحي والأقاليم والحواضر وذلك عبر ممثليه من قواد وباشوات وخلفاء وشيوخ ومقدمين وأمناء.

[29] – الظهير في اللسان هو العون، والواحد والجمع في ذلك سواء، أما في المعجم الوسيط هو المعين.

ويندرج المعنى اللغوي في المعنى السياسي للظهير الذي ينطوي على دلالتين:

دلالة شرعية حينما يؤدي إلى إضفاء الشرعية على رجال الدولة الذين يستمدون هذه الشرعية من تولية الإمام لهم. ودلالة معنوية يستمدها رجال الدولة من سلطة الإمام الذي يحظى بطاعة المؤمنين الذين قلدوه بيعتهم.

[30] – محمد صدوق أبيه: الصحراء المغربية قبل الاحتلال وبعده”، مطبعة فضالة، المحمدية، ص: 66.

[31] – كمثال على ذلك: ـ الأمير مولاي الحسن بن محمد بن عبد الرحمان الذي كان خليفة لأبيه السلطان مولاي محمد بن عبد الرحمان بمراكش وكان يباشر شؤون الصحراء المغربية سنة 1869 م.

ـ والأمير سيدي محمد بن الحسن الذي كان خليفة لأبيه السلطان مولاي الحسن الأول بمراكش ومكلفا بشؤون الصحراء سنة 1886.

ـ ثم الأمير مولاي عرفة الذي كان خليفة للسلطان بتزنيت سنة 1905م.

ـ أو الأمير مولاي حفيظ بن الحسن الأول الذي كان خليفة لأخيه السلطان مولاي عبد العزيز بمراكش ومكلفا بشؤون الصحراء سنة 1886.

[32] – عبد الحق عوفير: المرجع السابق، ص: 309.

[33] – إن رد الأسبان على مطلب المغرب التي تقدم  بها، أمام منظمة الوحدة الإفريقية وكذا الأمم المتحدة خصوصا أمام لجنة تصفية الاستعمار، حيث أكد أن اقتراحه اللجوء لمبدأ تقرير المصير هو أفضل وسيلة لضمان تحرير أراضيه المستعمرة من طرف الأسبان إما بفرض التفاوض عليها أو بالتعبير الحر لسكان الصحراء.

وثانيا لتعميق الخلاف الذي يظهر بين الدول المغاربية حول مشكل الصحراء فموريتانيا بدأت تطالب هي أيضا باستعادة أراضي الصحراء والتي كانت تدفعها إليها الجزائر هذه الأخيرة أعلنت عن أطماعها ضمنيا وصراحة في المنطقة باسم إبقاء التوازن الجيوالسياسي بالمنطقة.

والسبب الثالث الذي كان وراء سعي إسبانيا خلق دويلة مصطنعة هي وضع يدها على الفوسفاط الذي اكتشف بتلك الأراضي سنة 1963 والذي بدأت تستغله في 1966.

[34] –  El Ouali (A) : op. cit. p: 98.

[35] – المرجع السابق، ص: 283.

[36] –  Ibid, p : 99.

[37] – يمكن الجزم أن هذه الخلاصة كانت السبب في إدامة هذا النزاع إلى اليوم، فهي تشكل خروجا عن الوظيفة الاستشارية التي أريد لرأيها، فالمحكمة ارتكبت خطأ بتجاوز اختصاصاتها وتمادت في تأويلها كما رفضت اعتبار البيعة دليلا كافيا للسيادة، فقد كان على المحكمة أن تكتفي بالجواب بالإيجاب أو النفي حول ما إذا كانت الصحراء أرض خلاء Terra Nullius وقت احتلالها وإذا كان الجواب بالنفي: ما هي الروابط القانونية التي تربط ذلك الإقليم مع المملكة المغربية والقطر الموريطاني، أما  النظر في كون البيعة تفضي إلى السيادة أو العكس؛ فذلك لم تكن مطالبة بإدلاء رأيها فيه، أو إعداد خلاصات حوله، وأمر ذلك متروك للهيآت الأخرى التابعة لمنظمة الأمم المتحدة.

[38] – هو رأي سياسي حاول إرضاء جميع الأطراف، رأي لا يعارض طموحات أحد، بشكل يمكن للدول المتنازعة أن تنهل من معينه ما تراه يتماشى وادعاءاتها.

[39] – هي عبارة عن مسطرة تدخل ضنت ممارسات الهيأة الأمم المتحدة والتي تستهدف إعداد الشروط لتسوية النزاعات والمشاكل، والتي يلجأ إليها  لما يتعذر على الجمعية العامة ومجلس الأمن في بلوغ تلك التسوية، أو يفشلان في حمل الأطراف المتنازعة قبول الحلول التي يقترحانها.

[40] – مما جاء في هذه الفقرة: “أن الممثل الخاص سيتم تخويله حق اتخاذ الإجراءات ذات الطابع الإداري تقنية أو أمنية، التي يراها ضرورية التطبيق على الأقاليم خلال المرحلة  الانتقالية. هذه الإجراءات ستخص كل ما يتعلق بسير عملية الاستفتاء (اللقاءات السياسية والدعائية)، يمكن كذلك للممثل الخاص للأمين العام أن يطلب إلغاء أي قانون أو إجراء يرى فيه عرقلة لحسن سير استفتاء الحر والعادل، إذا أراد أحد التدخل يبن أطراف النزاع وبين الممثل الخاص يلزمه في ذلك قرار من الأمين العام لهيأة الأمم المتحدة.

[41] – من بين ما تضمنه مخطط التسوية أيضا: إلى جانب تحديد الهيأة الناخبة وتنظيم استفتاء تقرير المصير هناك أيضا: السهر على تطبيق وقف إطلاق النار بين المغرب  والبوليساريو، تحرير الأسرى، العودة الطوعية للاجئين، وقد تكلفت بتطبيق هذا المخطط بعثة الأمم المتحدة من أجل تنظيم استفتاء تقرير المصير بالصحراء المغربية والمسماة اختصارا المينورسو (MINURSO).

[42] – فمرة بضغط من شيوخ القبائل حيث طلب الأمين العام من لجنة تحديد الهوية فحص طلبات لأشخاص يدعون أنهم صحراويون ولم يشملهم  إحصاء 1974، وتارة أخرى بسبب ضغط سلطات المغرب التي قدمت للأمين العام لائحتين تضم 120.000 صحراوي مؤهل للمشاركة في التصويت – هاتين اللائحتين ثم اعتماد معيار الأصول في إعدادها – هذا التحرك المغربي الممثل الخاص للأمين العام السيد جوهانس مانزو بكونه لا علاقة له بمخطط الأمم المتحدة، وهو ما استتبع تدخلا حازما من العاهل الراحل الحسن الثاني في خطابه في 20 غشت 1991 والذي أكد فيه أن على الأمم المتحدة أن تتفق والمملكة في شأن المعايير التي تخول لشخص ما صفة الصحراوي والتي سيتمكن بفضلها من حق التصويت، وللخروج من هذا التصلب قدم الأمين العام ضمن التقرير الذي تقدم به لمجلس الأمن في 19 دجنبر 1991 اقتراحات إضافية تجلت في قبول ضمن لائحة الناخبين كل شخص من أب صحراوي ولد على أرض الصحراء المغربية في أن يشارك في الاستفتاء إذا قطن بإقليم الصحراء مدة ست سنوات متتالية َأو 12 سنة بشكل متقطع قبل 1 من دجنبر 1774، وقد برر الأمين العام اقتراحاته هاته بكونه لا يمكن حرمان أشخاص خرجوا من أرضهم بسبب الاحتلال من المشاركة في تقرير مصير أرضهم.

[43] – والسبب رفض البوليساريو أن يتم فحص طلبات التسجيل المقدمة من طرف الصحراويين الذين لم يشملهم إحصاء 1974، وبالخصوص المنتمين للفخذات القبلية المنضوية في الأنواع المصنفة: H1 H61 52/J51.

[44] – El Ouali (A) –  Ibid, p:113 à 127.

[45] – فقرات هذه المبادرة في الملحق، أنظر ص: 549، كذلك للإطلاع على المبادرة أنظر: “نظام الحكم الذاتي للجهات، المبادرة المغربية على ضوء التجارب الأجنبية لأنظمة الحكم الذاتي الجهوي”، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “نصوص ووثائق”، عدد 191، السنة 2008، ص: من 34 إلى 38.

[46] – El Ouali (A) – Ibid, p: 146.

[47] – شرافي سيدي محمد، ” الجهوية المتقدمة في الدولة الموحدة، نموذج المغرب” نفس المرجع السابق، ص 253.

[48] – الفقرة 17 من المبادرة المغربية حول الحكم الذاتي.

[49] – الفقرة 12 من المبادرة المغربية حول الحكم الذاتي.

[50] – El Ouali (A), Ibid, p: 148.

[51] – الفقرة 13 من المبادرة المغربية.

[52] – توصيات لاند “lundi” رقم 20 الفقرة الثانية.

[53] –  الفقرة 16 من المبادرة المغربية.

[54] – عبد العزيز إدريس الخطابي “الوحدة العربية ومفاهيم اللامركزية الإدارية والسياسية”،  مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية العدد 273، نونبر 2001، ص: 47.

[55] – محمد الهماوندي: “الحكم الذاتي ونظم اللامركزية الإدارية والسياسية،ـ دراسة نظرية مقارنة”، مرجع سابق، ص:112.

[56] – الفقرة 19 من نص المبادرة المغربية بشأن التفاوض لتخويل الصحراء حكما ذاتيا والذي تقدم بها المندوب الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة المصطفى الساهل إلى الأمين العام للأمم المتحدة بأن كي مون بنيويورك في 11 أبريل 2007.

[57] – تنص المادة 24 من نص المبادرة: “يجب أن تكون القوانين والمراسيم التنظيمية الصادرة عن هيئات الحكم الذاتي للصحراء مطابقا لنظام الحكم الذاتي ولدستور المملكة”.

[58] – هناك تأويلان مختلفان لمبدأ التفريع هما: أن يتم اللجوء إلى تطبيق القانون في حالة وقع تعارض بين القوانين المحلية والقوانين الوطنية، وأن يتم اللجوء إلى القوانين الوطنية في حالة وقوع التعارض، فالتأويل الأول يعتبر أن مبدأ تفريع السلطات هو الأساس المنطقي لعملية وتطبيق اللامركزية السياسية طبقا لهذا المبدأ يجب أن تمارس المسؤوليات العامة بواسطة السلطات المنتخبة الأكثر التصاقا بالمواطنين.

[59] – المادة 22 من المبادرة المغربية بشأن التفاوض لتخوي الصحراء حكما ذاتيا.

[60] – الفقرة 4 من اتفاق الإطار بشأن مركز الصحراء المغربية الملحق بتقرير الأمين العام 613/2001 بتاريخ 20 يونيو 2001.

[61] – نفس الفقرة السابقة.

[62] – المادتان 16 و17 من خطة السلام من أجل تقرير شعب الصحراء المغربية تقدم بها جيمس بيكر إلى الأمين العام للأمم المتحدة في سنة 2003.

[63] – محمد بوبوش: “قضية الصحراء ومفهوم الاستقلال الذاتي” مرجع سابق، ص: 144.

[64] – فقد جاء بالمادة الأولى من القانون التنظيمي رقم 97 ـ 31 المتعلق بمجلس النواب أنه: “يتألف مجلس النواب من 325 عضوا ينتخبون بالاقتراع العام المباشر عن طريق الاقتراع باللائحة وفق الشروط التالية:

ـ 295 عضوا ينتخبون على الصعيد الدوائر الانتخابية المحدثة طبقا لأحكام المادة 2 بعده؛

ـ 30 عضوا ينتخبون على الصعيد الوطني…”

والملاحظ في هذه المادة أن المشرع لم يشر صراحة أو ضمنا لكون المقاعد الثلاثين مخصصة للنساء وذلك حرصا منه على عدم مخالفة الفصل الثامن من الدستور المغربي الذي ينص على المساواة في الحقوق بين المواطنين إلا أنه بالانسحاب مع التوجهات الإصلاحية للدولة ورغبة في الرفع من مستوى تواجد النساء في المؤسسة البرلمانية، توافقت الأحزاب السياسية سنة 2002 ـ قبيل الانتخابات التشريعية ـ على تخصيص اللائحة الوطنية لفائدة النساء.

[65] – الفقرة 20 من المبادرة المغربية.

[66] – الفقرة 21 من المبادرة المغربية.

[67] – عبد العزيز إدريس الخطابي: “الوحدة العربية ومفاهيم اللامركزية الإدارية السياسية”، مرجع سابق، ص: 47.

[68] – محمد الهماوندي: “الحكم الذاتي ونظم اللامركزية الإدارية والسياسية،ـ دراسة نظرية مقارنة”، مرجع سابق، ص: 113.

[69] – عبد العالي حامي الدين: “السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية من خلال اتفاق الإطار، ملاحظات دستورية في الأمم المتحدة وقضية الصحراء المغربية: وقائع الندوة التي نظمها منتدى 21 الحوار والتنمية بتاريخ 16 أبريل 2002 الرباط.

[70] – تتعلق هذه الشروط بطريقة انتخاب الرئيس التنفيذي التي تكون عن طريق الإدلاء بالأصوات بشكل منفصل وكذلك بالأشخاص المؤهلين للمشاركة في التصويت في الانتخابات والذين يجب ألا تقل أعمارهم عن 18 سنة وأن تكون أسماءهم واردة في اللائحة المؤقتة في 30 دجنبر 1999 أو في لائحة المفوضية السامية الخاصة بالنازحين والمؤرخة في 31 أكتوبر 2000. كما ترتبط هذه الشروط بتنظيم الحملات الانتخابية التي يجب أن تكون متلائمة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان  ومبادئ مدونة السلوك المتفق عليها من طرف المملكة وجبهة البوليساريو سنة 1997.

[71] – سعد الدين العثماني: ” الصحراء المغربية والجهوية الموسعة”. أشغال ندوة الصحراء وثوابت القيم الوطنية بتاريخ 8 مارس 2005، (مقال غير منشور).

[72]  – المادتين 20 و21 من المبادرة المغربية لتخويل الصحراء حكما ذاتيا.

[73] – محمد الهماوندي: “الحكم الذاتي ونظم اللامركزية الإدارية والسياسية،ـ دراسة نظرية مقارنة”، مرجع سابق، ص:114.

[74] – ففي الجارة إسبانيا أتى الفصل 154 من الدستور مشيرا إلى هذه المؤسسة El Delegado del Gobierno والتي نصت على أن “مندوب يعين من قبل الحكومة، فهو يضطلع بتوجيه إدارة الدولة بتراب المجموعة المستقلة وينسق مع الإدارة الخاصة بالمجموعة المستقلة عندما يدعو الأمر إلى ذلك”.

[75] – Rico Ruiz (G) “La organizacion politica de las comundades Autonomas en Espana”, Cursos de Verano, 2006, E.N.C.G, Tager.

[76] – القضاء يمارس عن طريق التفويض والنيابة بواسطة قضاة يتم تعيينهم بظهائر ملكية غير خاضعة للتوقيع عليها بالعطف لا من جانب رئيس الحكومة ولا من جانب وزير العدل.

[77] – انظر الفصل 19 من الدستور.

[78] –  يعتبر احترام المبادئ الدستورية الكبرى من أهم أسباب نجاح الجهوية السياسية في الدول المتقدمة،  ففي ألمانيا مثلا بالرغم من توفر جهات اللاندر على محاكمها الخاصة فإنها تخضع لمراقبة القضاء الفيدرالي.

[79] – عبد العالي حامي الدين: “السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية من خلال اتفاق الإطار، ملاحظات دستورية في الأمم المتحدة وقضية الصحراء المغربية”، مرجع سابق، ص: 137.

[80] – الفقرة 12 من خطة السلام.

[81] -El ouali (A): op. cit, p: 154.

[82] – الفقرة 22 من المبادرة المغربية.

[83] -El Ouali (A), Ibid, même page.

[84] – الفقرة 27 من المبادرة المغربية.

[85] – الفقرة 29 من المبادرة المغربية.

[86] – الفقرة 30 من المبادرة المغربية.

[87] – الفقرة 31 من المبادرة المغربية.

[88] – ففي قراره الأخير رقم 1813 دعا الأطراف إلى التحلي بالواقعية وروح التوافق، إذ عمل هذا القرار على الإشارة قدما في طريق التسوية، وفي هذا تفوق المقترح المغربي على مقترحات الطرف الآخر وتعزيز لمقاربته داعيا الكثير من الإشارات تلمح إلى إيجابية وقوة مقترح الحكم الذاتي الموسع الذي تقدمت به بلادنا، منها دعوة المجلس إلى أن تأخذ المفاوضات بعين الاعتبار الجهود المبذولة منذ عام 2006 والتطورات اللاحقة في الحسبان – أي المبادرة المغربية – من أجل التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول للطرفين بما يكفل – حسب القرار دائما – لشعب الصحراء المغربية تقرير مصيره في سياق ترتيبات تتماشى مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة مقاصده.

[89] – في حقيقة الأمر إن مهمة الفصل في توزيع الاختصاصات يجب أن تعود للمحكمة العليا للبلد على اعتبار أنها الهيئة الضامنة لوحدة تفسير القانون وتطبيقه.

  • محمد بوبوش: “قضية الصحراء ومفهوم الاستقلال الذاتي”، مرجع سابق. ص: 146.

[90] – المواد 22، 23، و24 من المبادرة المغربية بشأن التفويض لتخويل الصحراء حكما ذاتيا.

[91] – منهم سعيد مبشور والذي جاء في إحدى فقرات مقالة له بعنوان: “الصراع العرقي بالمغرب: بين هدوء الواقع وعاصفة الاحتمال”: واليوم،وقد أثير النقاش الفكري والقانوني حول مشروعية السماح رسميا بإنشاء الأحزاب ذات العناوين الجهوية والشعارات المرتبطة بالخصوصيات اللغوية والثقافة، بما يفتح الباب لتشكيل قوى وهيآت أخرى على نفس النهج والشاكلة، تأخذ مكانها في الحراك السياسي المغربي، ويحمل بعضها أو جلها شعار الفيدرالية بشكل علني، دونما الإحساس بأدنى مسؤولية فيما قد تقود إليه مثل هذه الشعارات الذي قد توقظ بتراكماتها، والصعوبات التي قد تواجهها، فتنة التفتيت في بلد من المفروض يكون وطنا للجميع… إن ما نخشاه هو أن يتحول الفشل الذي لاقته المخططات الاستعمارية الرامية إلى تقسيم المغرب، إلى نجاح يسهم فيه البعض ولو دون وعي، وعن نية صادقة في التعبير عن الذات وتحقيق الاستقلالية والتميز، ولعل الجميع – فيما يبدو – على وعي تام بكون المغرب هو بلد الجميع، يتقدم بتقدم الجميع، ويتخلف بتخلفهم أيضا، وليس لأحد المصلحة على الإطلاق في إذكاء نار التفرقة والخلاف حول هوية محسومة بين المغاربة منذ قرون.

للمزيد راجع:  http:/pulpit.alwatanvoice?com

[92] – الحسن الثاني: “ذاكرة ملك”، المرجع السابق، ص: 125.

[93] – المرجع السابق: ص: 126.

[94] – عبد الجبار عراش: “الآفاق المستقبلية للمسلسل الجهوي بالمغرب”، المرجع السابق، ص: 55.

[95] – صالح المستف: “التطور الإداري في أفق الجهوية بالمغرب”، المرجع السابق، ص: 318- 319.

[96] – شرافي سيدي محمد، ” الجهوية المتقدمة في الدولة الموحدة، نموذج المغرب” نفس المرجع السابق، ص 269.

[97] – عبد اللطيف بكور: المرجع السابق، ص: 125.

[98] – انظر الفصل الأول من هذا الباب ص: 372.

[99] – انظر الفصل الأول من هذا الباب، ص: 372.

[100] – عبد الجبار عراش: المرجع السابق، نفس الصفحة.

[101] – حسن مجدوبي: “ملف الصحراء في استراتيجيات الدول الكبرى”، مجلة نظر، عدد 28، ربيع 2006، ص: 21.

[102] – Ministerio de Administraciones publicas: “La regionalizacion y sus consecuencias sobre la autonomia lical”, op. cit. p: 56.

[103] – Ibid, p: 57.

[104] – هذا التهديد أشار إليه التقرير حول السويد الذي أعده م.أسطول M.Osthol، في إطار التقارير الوطنية حول الجهوية وتأثيراتها على الحكم الذاتي المحلي، هذه التقارير التي اعتمدتها اللجنة العليا من أجل الديمقراطية المحلية والجهوية التابعة للمجلس الأوربي لصياغة أهم القواسم المشتركة للبنيات الترابية المحلية بالقارة الأوربية، للإطلاع على هذه التقارير،

أنظر المرجع السابق: “La regionalizacion y sus consecuencias sobre la autonomia lecal”

[105] – وخير دليل على ذلك الاحدات التي عرفتها جهة كتلانيا سنة 2017 عند اعلان البرلمان الجهوي لإستقلال الجهة نتيجة إستفتاء جهوي تم دعمه من طرف الحكومة الجهوية مما أصفر عن طلب الحكومة المركزية بمدريد  من مجلس الشيوخ تفعيل الفصل 155 من الدستور الإسباني (وتنص على أنه يجوز للحكومة المركزية “اتخاذ الإجراءات اللازمة لحمل (المنطقة المعنية) على احترام الالتزامات التي يفرضها الدستور أو غيرها من القوانين”، ولكن الدستور لا يفصل ماهية “الإجراءات اللازمة”. وتتخذ تلك “الإجراءات اللازمة” في حال “لم يمتثل مجتمع حكم ذاتي بالواجبات التي يلزمها به الدستور أو تلزمه إياها قوانين أخرى، أو في حالة قام بتصرف يضر بشكل خطير المصلحة العامة لإسبانيا”.

[106] – Ministerio de Administraciones publicas, Ibid, p: 58.

[107] – فمن بين النماذج التي تم تداولها في الكواليس آنذاك هو نموذج الحكم الذاتي الموسع على الشكل الفيدرالي، مما كان سيؤجج انتقادات الفريق المعبر والمناصر لإبقاء إسبانيا كدولة مركزية، خصوصا وأن هذا الفريق ذو الميولات الفرانكوية مازال نافذا في أغلب مؤسسات الدولة – باستثناء البرلمان – هذه المعارضة ستجعل الحزب الحاكم آنذاك UCD اتحاد الوسط الديمقراطي،يغير موقفه بالتراجع إلى الوراء ورفض مشاريع اليساريين والقوميين الساعين إلى الفيدرالية .

[108] – Aja (E) : op.cit, p: 67.

[109] – على شاكلة الفصل 2 من الدستور الإسباني مع فارق أنه لا يوجد بالمغرب قوميات Nacionalidades فوضع هذا المصطلح إلى جانب مصطلح الجهات يوضح التمييز والاختلاف الذي طبع مختلف مناطق إسبانيا، وهو التمييز الذي نتج عنه جهات من الدرجة الأولى (كاطالونيا بلاد الباسك وكاليسيا) والجهات الباقية هي من الدرجة الثانية، فرغم مرور على الدستور الإسباني ثلاثة عقود مازال مصطلح Nacionalidades يثير كثير من النتقاد، فأغلب الجهات اعتمدت عليه عند تعديلها لأنظمتها الأساسية كطالونيا مثلا أو أندلوسييا التي نص نظامها الأساسي في مادته الأولى الفقرة الأولى بكونها أمة Nacion، وهو ما أثار حفيظة الحزب الشعبي الذي عمل على الطعن في تلك المواد إلى جانب مواد أخرى أمام المحكمة الدستورية معللا طلبه بكون الفصل 2 من الدستور الإسباني تنص على وحدة الأمة الإسبانية غير القابلة للتجزئة

[110] – التصميم الوطني لإعداد التراب”، المرجع السابق، ص: 54.

[111] – – شرافي سيدي محمد، ” الجهوية المتقدمة في الدولة الموحدة، نموذج المغرب” نفس المرجع السابق، ص 276.

[112] – بل هناك من بين هذه الجهات من صادق على نظامها الأساسي حتى قبل تبني دستور 1947 كجهة صقلية.

[113] – عبد اللطيف بكور: المرجع السابق، ص: 123.

[114] – المرجع السابق، ص 126.

[115] – حدود هذا القانون تناولناه في الباب الثاني من القسم الأول عند الحديث عن وقع المنظور التقليدي على السياسة الجهوية.

[116] – عبد اللطيف بكور ، المرجع السابق، ص: 127.

[117]  – المرجع السابق، ص: 120.