مراقبة مشروعية القرار المالي المحلي: دراسة في دور المجالس الجهوية للحسابات في مراقبة الميزانية المحلية على ضوء التجربة الفرنسية

999

مراقبة مشروعية القرار المالي المحلي:

دراسة في دور المجالس الجهوية للحسابات في مراقبة الميزانية المحلية على ضوء التجربة الفرنسية

 

 

د. عمرو لغليمي

أستاذ زائر بكلية الحقوق بالدار البيضاء

 

 

 

مقدمـة

كثيرة هي الأبحاث والدراسات بل والندوات التي تطرقت إلى موضوع المراقبة المالية التي تمارسها المجالس الجهوية للحسابات على مالية الجماعات الترابية. لكن صنفا من هذه الرقابة ظل بعيدة عن تلك الأبحاث والدراسات، وحتى إن وجدت فهي تبقى قليلة إن لم نقل نادرة. يتعلق الأمر هنا بما يطلق عليه الفقه المالي بـــ ” مراقبة الميزانية le contrôle budgétaire” أو “مراقبة الأعمال المتعلقة بميزانية الجماعات الترابية le contrôle des actes budgétaires des collectivités territoriales”. في التشريع المغربي وبخاصة مدونة المحاكم المالية، فقد وردت هذه المراقبة تحت اسم “مراقبة الإجراءات المتعلقة بتنفيذ الميزانية”[1].

إن هذا النوع من الرقابة المالية، بالرغم من الأهمية الخاصة التي يكتسيها إلا أنها لم تنل حظها الوافر من الدراسة والبحث على مستوى الكتابات والأبحاث التي تناولتها لاسيما في المغرب حيث مازالت تلك الكتابات والأبحاث قليلة جدا.

إن أهمية مراقبة ميزانية الجماعات الترابية تنبع ليس فقط في كونها تعنى بمالية وحدات ترابية تعتبر شريكا أساسيا إلى جانب الدولة في عملية التنمية  وإنما في طبيعتها الخاصة التي تميزها عن باقي المجالات الرقابية التي تندرج ضمن اختصاصات المجالس الجهوية للحسابات. إن هذه الرقابة ـ وعلى حد تعبير Jean-François Picard ـ تشكل أحد الجوانب الأكثر تفردا على مستوى الاختصاصات الرقابية المسندة إليها، وهذه الطبيعة المتفردة تظهر خصيصا حينما تقوم بفحص تسيير الجماعات الترابية أو القيام بمهمة البت والتدقيق في حساباتها حيث تكتفي فيها تلك الغرف بتطبيق نفس المساطر التي تطبقها مجلس الحسابات la cour des comptes منذ مدة طويلة[2]. أما مراقبة الميزانية فإن الغرف تتبع في ممارستها مساطر تختلف تماما عما اعتادت عليه تلك الهيئات؛ مساطر تتلاءم والحالات المحدودة الموكل إليها مهمة مراقبتها[3].

في فرنسا، يعود استحداث مراقبة الميزانية إلى القانون الجديد حول اللامركزية[4] كبديل  عن نظام الوصاية الذي تم إلغاؤه بموجب القانون المذكور. ولعل المشرع الفرنسي، من خلال هذا القانون، أراد من وراء ذلك تعزيز الرقابة البعدية على مالية الجماعات الترابية في مقابل التخلي عن الرقابة القبلية التي تتجسد من خلال نظام الوصاية الذي لطالما اعتبر بمثابة العقبة الأبرز أمام لامركزية ترابية حقيقية تمكن الجماعات الترابية من استقلالية فعلية على مستوى تدبيرها المالي والإداري. فمن غير المعقول ولا المقبول أيضا أن يعترف للجماعات الترابية باستقلالها المالي والإداري وفي نفس الوقت تخضع لنظام رقابي لا ينسجم وأسلوب اللامركزية الترابية بل ويتناقض كل التناقض ومبدأ التدبير الحر الذي يعتبر المعدن الأساس الذي تقوم عليه تلك اللامركزية.

صحيح أننا حينما نتكلم عن هذه استقلالية الجماعات الترابية فإن الأمر لا يتعلق باستقلالية تامة عن السلطة المركزية بحيث تمارس الوحدات الترابية مهامها خارج أي رقابة من المركز، وإنما هي استقلالية في حدود ما يرسمها لها القانون. وضمن هذا الإطار يندرج دور الرقابة ومنها رقابة الميزانية التي هي بمثابة المقابل لتلك الاستقلالية المعترف بها للجماعات الترابية. في المغرب، بالرغم من التخلي عن نظام الوصاية من خلال القوانين التنظيمية الجديدة المنظمة للجماعات الترابية[5]، واستبداله بما يسمى بنظام ” المراقبة الإدارية”، إلا أنه مع ذلك لازالت السلطات الحكومية المكلفة بالداخلية تحتفظ بحضور قوي لا سيما على مستوى التأشير على القرارات المالية المهمة.

إن اعتماد رقابة الميزانية كرقابة بعدية وكبديل لنظام الوصاية المالية يندرج ضمن هذا التصور؛ تصور يقضي بأن تتمتع الجماعات الترابية باستقلالية حقيقية على نحو يمكنها من أن تمارس مهامها التنموية على أكمل وجه. ولم يكتف المشرع الفرنسي بذلك، بل أسند ممارسة تلك الرقابة إلى جهاز قضائي مستقل : الغرف الجهوية للحسابات. وهو نفس النهج الذي أخذ به المغرب حيث أوكل مهمة مراقبة ميزانية الجماعات الترابية (مراقبة الإجراءات المتعلقة بتنفيذ الميزانية) إلى المجالس الجهوية للحسابات. إلا أنه يختلف عن التجربة الفرنسية في كون مراقبة الميزانية تشمل فقط مجالا واحدا : حالة عدم المصادقة على الحساب الإداري.

وسواء تعلق الأمر بالمغرب أو فرنسا، فإن مراقبة الميزانية هي رقابة من نوع خاص وذات طبيعة خاصة وذلك بحكم العديد من الخصوصيات التي تنطوي عليها والتي تجعلها تتميز عن باقي الأشكال الرقابية بصفة عامة، وتلك التي تمارسها الغرف الجهوية للحسابات أو المجالس الجهوية للحسابات.

إن هذا المقال هو محاولة منا لاستجلاء هذه الطبيعة الخاصة لمراقبة الميزانية وذلك من خلال مناقشة النقاط الثلاث التالية :

النقطة الأولى سنخصصها لدراسة الإطار العام لمراقبة الميزانية حيث سنتناول فيها مفهوم هذه الرقابة، دواعي استحداثها قبل التطرق إلى الخصوصيات التي تنطوي عليها (أولا). النقطة الثانية سنخصصها للحديث عن مجال تطبيقها (ثانيا). أما النقطة الثالثة سنفردها للحديث عن بعض النواقص والثغرات التي تعتريها والتي تحد في حقيقة الأمر من فعاليتها.

المطلب الأول: مراقبة المجالس الجهوية للحسابات لميزانية الجماعات الترابية : دراسة في الإطار العام.

تنصب مراقبة الميزانية التي تختص بها المجالس (الغرف الجهوية للحسابات في فرنسا) الجهوية للحسابات على فحص مدى احترام القرارات المالية المتخذة من قبل الأجهزة المنتخبة للمقتضيات القانونية. وهي في هذا تلتقي مع الرقابة الأصل أي مراقبة المشروعية التي يمارسها القاضي الإداري. وهذا يفرض علينا تحديد المقصود بتلك المراقبة (أ) ثم إبراز الخصوصيات التي تنفرد بها والتي تميزها عن مراقبة المشروعية (ب).

أولاـ مراقبة الميزانية المحلية : المفهوم ودواعي الإحداث

أـ مفهوم مراقبة الميزانية

في فرنسا تجد مراقبة الميزانية أساسها القانوني في قانون 2 مارس 1982 المتعلق بحقوق وحريات الجماعات والأقاليم والجهات[6]. وقد استحدثت هذه المراقبة خصيصا لمراقبة المشروعية المالية للقرار المالي المحلي. وهذه الغاية تشكل نقطة التقاء بينها وبين مراقبة المشروعية التي يمارسها القاضي الإداري والتي تعتبر الرقابة الأصل في هذا المجال.

الأكيد أن القانون المذكور، حينما أسند إلى الغرف الجهوية للحسابات مهمة مراقبة ميزانية الجماعات الترابية، كان لا بد من تحديد بشكل دقيق مجالات تطبيق تلك المراقبة. وهذا ما تكفل به   منشور 19 أبريل 1983 المتعلق بمراقبة أعمال المتعلقة بميزانية الجماعات والأقاليم والجهات ومجموعاتها[7].

الذي عرف مراقبة الميزانية التي تمارسها الغرف الجهوية للحسابات بأنها رقابة تشمل فقط ” الأعمال أو الإجراءات الميزانية الأولية والميزانية التكميلية إضافة إلى القرارات المعدلة لها وهذا بالنسبة للميزانية الأساسية أو الميزانيات الملحقة “. واستثنت من ذلك الأعمال أو الإجراءات ذات الوقع المالي (impact financière) حيث أبقتها ضمن دائرة رقابة المشروعية التي يختص بها القاضي الإداري (كالصفقات العمومية، مداولات المجالس الترابية التي تقرر في النفقات أو المحدثة للموارد…).[8]

بالنسبة للتشريع المغربي، نجده قد أثار هذا النوع من الرقابة في مدونة المحاكم المالية[9] من خلال المواد 142 إلى 145 والتي تعتبر بمثابة الأساس القانوني لاختصاص المجالس الجهوية للحسابات في هذا المجال. لكن ما يسترعي الانتباه بهذا الخصوص، هو أن المادة 142، وبخلاف ما هو عليه الأمر في فرنسا، حصرت اختصاص المجلس في مراقبة الإجراءات المتعلقة بتنفيذ الميزانية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أوردت تلك الإجراءات بصيغة الجمع، بينما مضمونها لم يرد فيه سوى النص على اختصاص واحد ووحيد : عدم المصادقة على الحساب الإداري.

وإذا كان كل من التشريع الفرنسي والمغربي قد أسندا اختصاص مراقبة ميزانية الجماعات الترابية إلى هيئة قضائية مستقلة (الغرف / المجالس الجهوية للحسابات)، فهما في هذا لا يختلفان عما هو معمول به في بعض التجارب المقارنة[10]. ففي المانيا مثلا ممارسة تلك الرقابة تضطلع بها ما يسمى بــ ” غرفة الحسابات la chambre des comptes” التي تحدثها الوحدات المستقلة ” lander” ويعهد إليها بمراقبة والتأكد من مدى احترام القواعد المحاسبية لتلك الوحدات وجودة تسييرها من خلال تقرير سنوي ترفعه إلى برلمان الولايات الاتحادية des Etats fédérés.

نفس الشيء فيما يتعلق بإسبانيا حيث يعود الاختصاص في مراقبة ميزانية وحسابات الجماعات الترابية إلى غرفة للحسابات تحدثها كل مجموعة مستقلة. غير أن الأمر يختلف بالنسبة لإيطاليا التي أسندت مهمة مراقبة حسابات الهيئات المحلية إلى هيئة جهوية غير قضائية يتم إحداثها على مستوى كل جهة وتختص بمراقبة تسيير    بتعاون مع الجهاز التنفيذي.

بــ ـ دواع خاصة وراء استحداث مراقبة الميزانية

كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك، فإن استحداث مراقبة ميزانية الجماعات الترابية، لاسيما في فرنسا، جاء بديلا عن نظام الوصاية المالية الذي ظلت تخضع له الجماعات الترابية. ومعلوم أن هذا النظام يتعارض ومبدأ التدبير الحر الذي يعتبر الحجر الأساس للامركزية الترابية صحيح أن هذا المبدأ يقضي بمنح الوحدات الترابية استقلالية على مستوى تدبيرها المالي والإداري، لكنه، في نفس الوقت، لا يتعارض وإقامة رقابة تحول دون استغلال سيء لتلك الاستقلالية على نحو يؤدي بتلك الوحدات إلى الانحراف عن الأهداف المحددة لها قانونا.

إن المشرع الفرنسي حينما استحدث هذا النوع من المراقبة كانت غايته من وراء ذلك تعزيز الرقابة البعدية على مالية الجماعات الترابية في مقابل إلغاء الرقابة القبلية؛ خيار يتوافق أكثر فأكثر مع توجهه الرامي إلى تقوية وتعزيز الاستقلال المالي للوحدات الترابية.

عموما يمكن إيجاز دواعي إحداث مراقبة الميزانية في عاملين اثنين يمكن القول بأنهما وراء إقرار اعتماد المشرع الفرنسي لمراقبة ميزانية الجماعات الترابية : العامل الأول ويتمثل في  الحرص الكبير من قبل السلطات المركزية على دفع  الجماعات الترابية إلى المحافظة على التوازن المالي لميزانياته. والعامل الثاني يتجلى في حجم وأهمية المساهمات المالية المحولة من طرف الدولة لفائدة هذه الجماعات. في المغرب مثلا تشير الإحصائيات إلى أنه وإلى غاية 2015، بلغت حجم الموارد المالية المحولة من طرف الدولة لفائدة الجماعات الترابية حوالي نصف (2/1) مواردها العادية, وقد شملت حاصلات الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 30%  والضريبة على الشركات 1 %  والضريبة على الدخل 1%  وحاصلات من الرسم المفروض على عقود التأمين بنسبة 13 %.

من جهة أخرى، وفي أفق تدعيم الموارد المالية للجماعات الترابية في إطار الجهوية المتقدمة، فقد كرست المادة  141  من دستور 2011 مبدأين اثنين[11] :

  • تخصيص موارد مالية من ميزانية الدولة لفائدة الجماعات الترابية :” تتوفر الجهات والجماعات الترابية الأخرى على موارد مالية ذاتية وموارد مالية محولة إليها من طرف الدولة؛
  • نقل موارد مالية تزامنا مع نقل اختصاصات الدولة لفائدة الجماعات الترابية “كل نقل للاختصاص إلى الجهات والجماعات الترابية الأخرى يجب أن يرافقه نقل للموارد المالية الملائمة”؛

إضافة إلى ذلك، وضعت المادة 142 من دستور 2011 نظاما آخر فيما يتعلق بالتضامن بين الجهات حيث نصت على إحداث ” صندوق التضامن بين الجهات” غرضه الأساسي ضمان توزيع متساو للموارد بهدف التقليل من الفوارق الجهوية. كما رفعت المادة 188 من القانون التنظيمي للجهات (رقم 111.4) نسبة مساهمة الدولة من العائدات الضريبية المحولة لفائدة الجهات والتي حددتها في 5% من حاصلات الضريبة على الشركات ومثلها من الضريبة على الدخل و في 20%  عائدات الرسم المفروض على عقود التأمين. إضافة إلى مساهمة من الميزانية للدولة تصل إلى 10 ملايير في أفق 2021.

ويمكن أن نضيف إلى العاملين السابقين عامل آخر لا يقل أهمية عنهما. هذا العامل يتمثل في أن اعتماد مثل هذه الرقابة يندرج ضمن الاتجاه العام للرقابة المالية والذي يقوم على أساس تعزيز الرقابة البعدية والتخفيف من وطأة الرقابة القبلية، وهو اتجاه يفرضه المنطق الجديد للتدبير العمومي القائم على المحاسبة النتائج في مقابل تمكين المدبرين العموميين من هامش من الحرية في تدبير القطاعات التي توجد تحت مسئوليتهم.

ثانيا ـ مراقبة ميزانية الجماعات الترابية، رقابة بخصوصيات متعددة

إن مراقبة الميزانية التي تمارسها المجالس الجهوية للحسابات أو الغرف الجهوية للحسابات ليست كباقي الأشكال الرقابية التي تندرج ضمن اختصاصاتها. بل إنها تنفرد بعدد من الخصوصيات التي تجعل منها رقابة ذات طبيعة خاصة. ويمكن إجمال هذه الخصوصيات في ما يلي :

أـ نظام الإحالة : ممر إجباري لممارسة مراقبة الميزانية المحلية

إذا كانت المجالس الجهوية للحسابات (الغرف الجهوية للحسابات) تمارس اختصاصاتها القضائية أو غير القضائية عن طريق ما يسمى بالإحالة الذاتية، إلا أن الأمر مختلف بالنسبة لرقابة الميزانية التي لا بد لها من إحالة من طرف الغير (الإحالة الخارجية)[12]. نجد أن الأصل في ممارستها لتلك الاختصاصات هو الإحالة الذاتية (الأوتوماتيكية). فالمحاسب العمومي التابعة له الجماعة الترابية مثلا ملزم، سنويا، بتقديم حسابه التسييري إلى المجلس الجهوي للحسابات التابع له كما تقضي بذلك المادة  126 من مدونة المحاكم المالية.

أما في مجال مراقبة الميزانية،  فإن المجالس / الغرف الجهوية للحسابات تمارس اختصاصاتها الرقابية عبر ما يسمى بنظام ” الإحالة الخارجية ” أو الإحالة من طرف الغير. من جهة هناك العامل أو الوالي (ممثل الدولة في فرنسا) والذي يمكن اعتباره العنصر الأبرز في هذه المراقبة لدرجة أن هذه الهيئات الرقابية لايمكنها ممارسة مهمتها الرقابية إلا من خلاله. ولأن هناك حالات تقتضي تدخل أطراف أخرى معنية بمراقبة الميزانية المحلية، لم تحصر الإحالة على المجالس / الغرف الجهوية للحسابات في مؤسسة العامل أو الوالي (ممثل الدولة) وإنما تشمل جهات أخرى سواء من خلال الآمر بالصرف أو المحاسب العمومي أو من خلال أي شخص آخر له مصلحة في ذلك.

إن هذا التعدد في جهات الإحالة مرده بشكل أساسي تعدد وتنوع المجالات الرقابية حيث، وكما سنرى ذلك لاحقا، أن هناك مجالات رقابية مدد فيها المشرع حق الإحالة إلى أطراف أخرى كما هو الشأن بالنسبة لمجال النفقات الإجبارية والتي يحق فيها لأي شخص ممارسة حق الإحالة على هذه المجالس وذلك صونا لمصالحها (ملزم ضريبي، ممون…).

لكن وفي ظل هذا التعدد في جهات الإحالة، فقد احتفظ المشرع لمؤسسة العامل بحضور قوي على مستوى نظام الإحالة باعتباره الجسر الرابط بين الجماعات الترابية والمجالس / الغرف الجهوية للحسابات.  ولعل الغاية من وراء ذلك تفادي إخضاع الجماعات الترابية، بحكم الاستقلالية التي تتمتع بها، لــما يسمى بنظام “الوصاية القضائية”.

بــ ـ مراقبة الميزانية المحلية، استثناء من الرقابة الأصل (رقابة المشروعية)

إن ميزانية الجماعات الترابية هي مجال لتدخل نوعين من الرقابة : رقابة المشروعية باعتبار أن الأعمال المتخذة بشأنها تعتبر أعمالا (قرارات) إدارية، وبالتالي فهي بصفتها هاته تخضع لرقابة القاضي الإداري باعتباره صاحب الولاية العامة. ثم رقابة الميزانية بحكم أن القرارات المرتبطة بها هي قرارات مالية وبالتالي فهي تخضع لرقابة خاصة هي رقابة الميزانية التي تختص بها الغرف الجهوية للحسابات.

خصوصية مراقبة الميزانية تتجلى كذلك في كونها تشكل استثناء من مراقبة المشروعية التي يمارسها القاضي الإداري التي تظل الرقابة الأصل وصاحبة الولاية العامةcontrôle de droit commun على مستوى مراقبة المشروعية المالية للقرار المحلي.

إن مراقبة القاضي الإداري تتدخل في مجالات تخرج عن نطاق اختصاص القاضي المالي. فالقاضي الإداري هو المختص بمراقبة مشروعية تصويت المجالس التداولية للجماعات الترابية باستثناء الحالة التي تخص عدم التصويت على الميزانية في الأجل المحدد. كذلك هي الجهة المختصة بمراقبة مشروعية التصويت على الأسعار الضريبية أو على إحداث رسوم جديدة تدخل ضمن نطاق اختصاصها.[13] من جهة أخرى، فإن الغاية من مراقبة القاضي الإداري لهذه المجالات المالية هو إلغاء القرارات المرتبطة بها في حالة خروجها عن مبدأ المشروعية، فيما مراقبة الميزانية التي تمارسها المجالس / الغرف الجهوية للحسابات فيبقى هدفها تصحيحيا (fin réformatrice) بالدرجة الأولى.[14]

وإلى هذا أشار Guily حينما ذهب إلى القول بأن غاية مراقبة المشروعية كما ينظمها القانون هي إثبات الفعل المخالف لمبدأ المشروعية والحكم بإلغائه. فدورها ينتهي عند هذا الحد ويترك للجماعات الترابية استخلاص النتائج. بينما مراقبة الميزانية فهي تمكن السلطة المكلفة بالمراقبة الحلول عند الاقتضاء محل الهيئة المحلية والذهاب إلى أبعد من مجرد رفض القرار المتخذ وإنما إحلال قرار آخر اكثر مشروعية منه.[15]

نفس الرأي قال به Merloz في خلاصاته حول حكم Commune des Pamiers  حينما اعتبر بأن : ” الهدف من مراقبة المشروعية هو أن تتمكن المحاكم الإدارية عبرها من إثبات عدم شرعية قرار جماعة محلية معينة كله أو البعض منه والحصول على إلغائه، أما مراقبة الميزانية فإنها، على العكس من ذلك، تتيح إمكانية تعديل ميزانية جماعة محلية و إحلال قرار مكان قرار آخر…على الغرف الجهوية للحسابات تقع مسئولية تقديم رأيها مما يمكن مندوب الجمهورية من تسوية الميزانية وومنحها بالتالي صيغتها التنفيذية وإلى المحكمة الإدارية يعود اختصاص البت في عدم مشروعية قرارات الهيئات التداولية من خلال حكم تصدره “[16].

ولأن مراقبة الميزانية هي مراقبة خاصة un contrôle spécial، فيبقى لها الأولوية في التطبيق على مراقبة المشروعية للقاضي الإداري. وهذا ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية لمدينة Strasbourg  في حكمها الصادر بتاريخ 19 يوليوز1983[17], ذات الموقف زكاه مجلس الدولة الفرنسي في قراره الصادر بتاريخ 23 دجنبر 1988.[18]

ج ـ رقابة لها أولوية في التطبيق على رقابة المشروعية

إن مراقبة مشروعية الميزانية المحلية لا تنحصر في تلك المراقبة التي يمارسها القاضي المالي، وإنما هناك أيضا المراقبة التي يباشرها القاضي الإداري والتي تعتبر الرقابة الأصل.  وجود هاتين الرقابتين معا، أكيد أنه يثير مشكل تداخل المسطرتين، وبالتالي أي المسطرتين سيكون لها الأولوية في التطبيق: مراقبة الميزانية أم مراقبة المشروعية؟ لتجاوز هذا الإشكال، أوجد القاضي الإداري الفرنسي حلا توفيقيا يقوم على أساس منح الأولوية في التطبيق لمراقبة الميزانية؛ بل إنه ارتقى بها إلى مرتبة مسطرة إجبارية لها امتياز الأسبقية في التطبيق على مراقبة المشروعية. هذا ما أكدته المحكمة الإدارية لمدينة Strasbourg في أحد أحكامها والذي جاء فيه : ” في حالة غياب توازن فعلي (حقيقي) équilibre réelle  للميزانية المحلية، على ممثل الدولة، بعد رأي الغرف الجهوية للحسابات، تسوية الميزانية وجعلها مطابقة للمقتضيات القانونية. ومن شأن هذه المقتضيات أن تحول دون إحالة ميزانية الجماعات الترابية من طرف ممثل الدولة مباشرة على القاضي الإداري في إطار مراقبة المشروعية “.[19]

ولعل موقف القاضي الإداري هذا يتماشى ورغبة المشرع حينما أسند مهمة مراقبة ميزانية الجماعات الترابية إلى الغرف الجهوية للحسابات بناء على مبادرة من ممثل الدولة وتحت إشراف القاضي الإداري. ولهذا، فلا يجوز لممثل الدولة إحالة أية مداولة تدخل في هذا الإطار مباشرة على القاضي الإداري.[20]

دـ مآل مراقبة الميزانية.

خصوصية أخرى تنطوي عليها مراقبة ميزانية الجماعات الترابية و تفسر الطبيعة الخاصة لهذه. فهذه الرقابة تختلف عن باقي الأشكال الرقابية الأخرى التي تمارسها المجالس / الغرف الجهوية للحسابات من حيث المآل الذي تنتهي إليه. فإذا كانت هذه الهيئات تكتفي فقط, في إطار مراقبة الميزانية،  بتقديم آراء ومقترحات إلى الجهة مصدر الإحالة، فإنها،  في إطار مهامها الرقابية الأخرى (البت والتدقيق في الحسابات، التاديب المالي…)  تصدر بخصوص القضايا المتعلقة بها إما أحكاما أو قرارات أو توصيات.

ولهذا السبب ذهب البعض إلى القول بأن مراقبة الميزانية ليست مراقبة قضائية، لأن من طبيعة الرقابة القضائية إصدار أحكام أو قرارات يمكن الطعن فيها بالاستئناف أو النقض كما هو الشأن بالنسبة للاختصاصات الأخرى[21]. بينما مراقبة الميزانية، فيكتفى فيها بتقديم آراء ومقترحات. كما أنها ليست رقابة إدارية لافتقادها لما يسمى بالإحالة الذاتية[22]. فمراقبة الميزانية تعتمد بشكل كلي على  نظام الإحالة الذي يعتبر بالنسبة إليها ممرا إجباريا لإثارتها.

من جهة أخرى، إذا كانت أحكام أو قرارات المحاكم المالية يقبل الطعن فيها إما بالاستئناف أو المراجعة أو النقض، فإن الآراء المدلى بها من طرف تلك الهيئات لا تقبل الطعن أمام أية جهة قضائية أخرى باستثناء القضاء الإداري الذي يظل الجهة المختصة بمراقبة مشروعية الآراء الصادرة عنها.

لكن هذا لا يمنع من الإشارة بأن هناك نقط اشتراك تجمعها بالرقابتين مع (الرقابة الإدارية والقضائية) تتجلة أساسا في أن الغرق الجهوية للحسابات في إطار مراقبة الميزانية، تتوفر على نفس الصلاحيات الممنوحة لها في إطار المراقبة الإدارية. الحديث يخص هنا  الحق في الاطلاع على الوثائق والقيام بالزيارات المطلوبة في التحقيق في القضايا المتعلقة بها. من جهة أخرى، وكما الشأن بالنسبة للاختصاصات القضائية أو الإدارية، فإن الغرف الجهوية للحسابات مطالبة باحترام مسطرة التواجهية الذي يتيح للمعنيين بالأمر الاطلاع على ملفاتهم والإدلاء بالتالي  بملاحظاتهم ودفوعاتهم.[23]

 

 

 

المطلب الثاني : مجال محدود ومحدد لتطبيق مراقبة الميزانية

لا تنحصر خصوصيات مراقبة الميزانية في العناصر التي أتينا على ذكرها في النقط السابقة، بل تمتد لتشمل حتى المجال الذي تطبق فيه والذي يتميز بمحدوديته؛ محدودية  تتأتى أساسا من كونها تعتبر رقابة مكملة للمراقبة الأصل والتي تتجلى في مراقبة المشروعية التي يمارسها القاضي الإداري.

وإذا كانت في المغرب تقتصر على مجال رقابي واحد فقط : المصادقة على الحساب الإداري للجماعات الترابية. فإن الأمر مختلف تماما في فرنسا حيث المجال الرقابي للغرف الجهوية للحسابات أوسع بحيث يشمل أربعة مجالات أساسية (التوازن المالي، عدم اعتماد الميزانية المحلية في الأجل المحدد، تسجيل النفقات الإجبارية،  مراقبة الاختلالات المسجلة على مستوى تنفيذ الميزانية) (ثانيا) لكن ممارسة الغرف لاختصاصاتها الرقابية في هذه المجالات رهين بإحالة من قبل الجهات المختصة وبخاصة مؤسسة العامل الذي يعتبر العامل الأساسي في إثارتها (أولا).

أولا ـ العامل (أو الوالي) عامل أساسي في إثارة مراقبة الميزانية

لعل من السمات البارزة التي تنفرد بها مسطرة مراقبة الميزانية ذلك الحضور القوي والوازن لممثل السلطة المركزية بالجماعات الترابية (الوالي أو العامل/ ممثل الدولة في فرنسا). من جهة هو يمثل ممرا إجباريا لتدخلات المجالس/ الغرف الجهوية للحسابات، ومن جهة ثانية توفره على سلطة التصحيح التلقائي للميزانية.

 

 

أ ـ الوالي أو العامل : ممر إجباري لإثارة رقابة الميزانية.

كما سبق وأن أشرنا أعلاه، فإن ما يميز مراقبة الميزانية التي تمارسها المجالس الجهوية للحسابات هو افتقاد هذه الأخيرة لآلية التدخل المباشر أو ما يسمى بالإحالة الأوتوماتيكية كما هو الحال بالنسبة لاختصاصاتها الأخرى.  وإنما لابد لها من عبور ممر إجباري يتمثل في مؤسسة العامل أو الوالي.

صحيح أن ممارسة حق الإحالة ليست حكرا على العامل أو ممثل الدولة، وإنما يشمل جهات أخرى؛ يتعلق الأمر بكل من الآمر بالصرف والمحاسب العمومي أو من أي شخص آخر يهمه الأمر. لكن ممارسة هذا الحق مقصور فقط على الحالة التي تخص عدم تسجيل نفقات إجبارية. أما باقي الحالات فتعتمد بشكل كبير على العامل (ممثل الدولة) لإثارتها.

إن تدخل هذه الهيئات من أجل ممارسة رقابتها على ميزانية الجماعات الترابية يظل متوقفا على إحالة من طرف ممثل السلطة المركزية بتلك الجماعات. أكثر من ذلك، فقد ذهب القضاء الإداري الفرنسي إلى اعتبار الإحالة الممارسة من قبل ممثل الدولة إحالة اختيارية مما يعني أن قرار ممثل الدولة بعدم ممارسة العامل لهذا الاختصاص ( قرار الإحالة) يظل قرارا سليما من الناحية القانونية وبالتاليلا يجوز الطعن فيه بالإلغاء أمام القاضي الإداري.[24] وهذا يجعل المجالس/ الغرف الجهوية للحسابات في وضع المرتهن بقرارات ممثل السلطة المركزية طالما أنه ليس هناك ما يلزمه على ممارسة حقه في الإحالة.

بـ ـ الوالي أو العامل : سلطة التصحيح التلقائي للميزانية

إن قوة مؤسسة ممثل السلطة المركزية بالجماعات الترابية لا تتوقف عند استئثاره بحق الإحالة (باستثناء الحالات المشار إليها أعلاه) على مستوى رقابة ميزانية تلك الجماعات، وإنما تمتد لتشمل أيضا انفراده بسلطة التصحيح التلقائي للميزانية. فهو يملك كلمة الفصل في هذا الصدد، وهذا على الرغم من أن الاختصاص في ممارسة رقابة ميزانية الجماعات الترابية يعود إلى المجالس/ الغرف الجهوية للحسابات. فهذه الهيئات تكتفي فقط بإبداء الرأي في القضايا المعروضة عليها، أما قرار تسوية الميزانية وتصحيحها تلقائيا فيعود إلى ممثل السلطة المركزية. صحيح أنه لا يقوم بذلك إلا بعد إحالة على تلك الهيئات الرقابية، لكن هناك حالات تعتبر خروجا على المبدأ المذكور، وبخاصة في فرنسا، حيث يباشر فيها ممثل الدولة إجراءات التصحيح التلقائي للميزانية دونما إحالة الأمر على الغرف الجهوية للحسابات [25]:

  • الأمر بأداء نفقة إجبارية بعد انصرام الأجل القانوني على توجيه تنبيه من قبل السلطة المحلية.
  • الأمر بأداء فوائد التأخير فيما يتعلق بالطلبيات العمومية.
  • النظام الخاص المطبق على النفقات الإجبارية الصادر بشأنها حكم قضائي حائز على قوة الشيء المقضي به.

ولقد زكى القاضي الإداري الفرنسي هذا الحضور القوي على مستوى التصحيح التلقائي للميزانية حينما ذهب في أحد قراراته[26] إلى اعتبار اختصاص ممثل الدولة فيما يتعلق بالتصحيح التلقائي للميزانية اختصاصا غير مقيد مما يعني أن بإمكانه عدم الأخذ بعين الاعتبار مقترحات الغرف الجهوية للحسابات شريطة تعليل ذلك بقرار صريح وخال من الألفاظ العامة.[27]بل إن القاضي الفرنسي ذهب إلى أبعد من ذلك حينما اعترف لممثل الدول بإمكانيه رفض التصحيح التلقائي للميزانية مع تعليل رفضه بقرار صريح.[28]

ثانيا :  مجالات محددة لممارسة رقابة الميزانية

إذا كانت مراقبة ميزانية الجماعات الترابية والتي تندرج ضمن اختصاص المجالس الجهوية للحسابات تقتصر فقط على مجال واحد ووحيد يتمثل في مراقبة المصادقة على الحسابات الإدارية، فإنها في فرنسا أوسع بحيث تشمل المجالات الأربعة التالية :

  • التأكد من تسجيل النفقات الإجبارية بميزانيات الجماعات الترابية؛
  • احترام مبدأ توازن الميزانية المحلية؛
  • المصادقة على الحساب الإداري؛
  • اعتماد الميزانية المحلية داخل الأجل المحدد؛

وباستثناء حالة المصادقة على الحسابات الإدارية، فإن باقي المجالات الأخرى ظلت خارج اختصاصات المجالس الجهوية للحسابات لتختص بها السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية. ولأهمية هذه المجالات رأينا أنه من الأفيد دراستها لا سيما وأنه يتيح لنا إمكانية الوقوف على مواطن الاتفاق والاختلاف بين التجربتين معا (المغربية والفرنسية).

  • مراقبة مدى التزام الجماعات الترابية بتسجيل النفقات الإجبارية

تعتبر النفقات الإجبارية من العناصر التي تميز الميزانية المحلية عن الميزانية العامة للدولة. ذلك أن الجماعات الترابية ملزمة قانونا بتسجيل عدد من النفقات في ميزانياتها تحت طائلة عدم التأشير عليها من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية.

إن إلزام الجماعات الترابية بتسجيل عدد من النفقات الإجبارية مرده، من جهة، الأهمية أو الوزن الذي تمثله هذه النفقات داخل ميزانية تلك الجماعات، ومن جهة ثانية، حماية حقوق الغير كما هو الشأن بالنسبة للديون المستحقة على الجماعة (نفقات تسيير الجماعة الترابية، الديون المستحقة…). ولعل هذا ما دفع بالمشرع الفرنسي، وخلافا للمجالات الرقابية الأخرى، إلى عدم حصر حق ممارسة الإحالة على ممثل الدولة فقط بل وسع من مداه ليشمل أطراف أخرى لها مصلحة في تسجيل النفقات الإجبارية بميزانيات الجماعات الترابية (المحاسب العمومي، دائنو الجماعات الترابية…). إذا كان الاختصاص في مراقبة تسجيل النفقات الإجبارية بميزانية الجماعات الترابية يعود إلى السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية حينما ربط المشرع المغربي تأشير هذه الأخيرة على الميزانية، في فرنسا، تعتبر الغرفة الجهوية للحسابات صاحبة الاختصاص في هذا المجال.

صحيح أن التساؤل الذي يطرح نفسه وبقوة هو أن مراقبة تسجيل هذا الصنف من النفقات سواء كان ذلك من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية أو القاضي المالي، هو كيفية التمييز بين نفقة إجبارية من أخرى غير إجبارية؟

 

 

ـ مفهوم النفقة الإجبارية

يمكن التمييز في هذا الصدد بين مفهومين للنفقة الإجبارية: هناك من جهة المفهوم القانوني وهناك من جهة أخرى المفهوم القضائي.

في المفهوم القانوني، تعتبر نفقة إجبارية كل نفقة تتعلق إما بتسديد ديون مستحقة على الجماعة الترابية أو نفقة يقررها نص قانوني صريح وتسمى نفقات بتحديد القانون des dépenses obligatoires par détermination de la Loi.[29]

وبالرجوع إلى القوانين التنظيمية المنظمة للجماعات الترابية بالمغرب، نجد أن هذه الأخيرة لم تورد مفهوما محددا للمقصود بالنفقة الإجبارية حيث اكتفت فقط بتحديد قائمة لهذه النفقات[30] التي على الجماعة الترابية تسجيلها بميزانيتها تحت طائلة عدم التأشير على الميزانية من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية.

لكن القاضي الإداري الفرنسي أضاف إليها طائفة أخرى من النفقات الإجبارية التي على الجماعات الترابية تسجيلها. وتجد هذه النفقات مصدرها خارج النص التشريعي كما هو الشأن بالنسبة للنفقات المقررة بموجب عقود أو مخالفات أو قرارات انفرادية منشئة للحقوق، المساهمات المالية…)[31]؛

ـ معايير إجبارية النفقة

لم يكتف القاضي الإداري الفرنسي بتوسيع مفهوم النفقة الإجبارية، وإنما قام أيضا بتحديد مجموعة من المعايير على أساسها يمكن تحديد الطبيعة الإجبارية للنفقة من عدمها؛ وهي معايير يستهدي بها القاضي المالي أثناء مراقبته لهذه الصنف من النفقات. فلا تعتبر إجبارية، حسب القاضي الإداري الفرنسي، سوى النفقات التي :

  • تعتبر إجبارية في مبدئها ومبلغها؛
  • ليست محل نزاع حقيقي (فعلي).
  • تكون قابلة للتصفية (liquide) بمعنى إمكانية حساب مبلغها بدقة.[32]

كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإن من المسئوليات الملقاة على عاتق الجهاز المختص بمراقبة الميزانية المحلية، التأكد من مدى التزام الجهاز التنفيذي للجماعات الترابية بتسجيل النفقات الإجبارية. في المغرب، عدم قيام الجهاز التنفيذي بتسجيل نفقة إجبارية أو تسجيلها بالفعل ولكن باعتماد غير كاف لتغطية النفقة، يترتب عنه رفض السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية التأشير على الميزانية. أما في فرنسا فإن المسطرة المتبعة مغايرة تماما حيث أن ممثل الدولة le représentant de l’Etat  يقوم بإحالة القضية على الغرفة الجهوية للحسابات من أجل إثبات الواقعة أو نفيها وذلك في غضون شهر.

أكيد أن القاضي المالي لن يصدر قراره إلا بعد التأكد من أن النفقة تكتسي فعلا طابعا إجباريا. وهو في هذا الصدد مطالب بالاهتداء بالمعايير التي وضعها القاضي الإداري الفرنسي والتي تتلخص في ثلاثة معايير أساسية : أن النفقة تكتسي فعلا طابعا إجباريا، وجود اعتماد كاف وقابل للتصفية لتغطية النفقة الإجبارية، خلو النفقة الإجبارية من أي نزاع فعلي.

إذا تبين للقاضي المالي أن النفقة إجبارية مستوفية لكافة شروطها وأن الجماعة الترابية تقاعست فعلا عن تسجيلها في ميزانيتها أو سجلتها بمبلغ غير كاف، يقوم بتوجيه إنذار إليها وذلك داخل أجل لا يتعدى شهرا واحدا.

في حالة عدم استجابة الجماعة الترابية وقيامها بالتعديلات اللازمة، يطلب القاضي المالي من ممثل الدولة بالتسجيل التلقائي للنفقة الإجبارية بميزانية الجماعة المعنية. ويمكن أن يرفق طلبه بمقترحات بإحداث موارد أو التخفيض من نفقة غير إجبارية من أجل تغطية النفقة الإجبارية غير المسجلة.

وقد ذهب القاضي الإداري الفرنسي أن طلب الغرفة الجهوية للحسابات الموجه لممثل الدولة من أجل تسجيل النفقة الإجبارية بدلا عن الجماعة المعنية هو قرار غير ملزم، وبالتالي فبإمكان هذا الأخير تجاهله لكن شريطة تعليل ذلك بقرار صريح.[33] كما أنه اعتبر رأي الغرفة الجهوية للحسابات قرارا غير قابل للطعن فيه بالإلغاء وإنما هو فقط عمل تحضيري ممهد لقرار نهائي: قرار ممثل الدولة بتسجيل النفقة الإجبارية ووضع ميزانية الجماعة موضع التنفيذ.[34]

هذا الموقف الذي تبناه مجلس الدولة الفرنسي جاء بعد الجدل الكبير الذي ثار بخصوص الطبيعة القانونية لاختصاص ممثل الدولة في علاقته مع الغرف الجهوية للحسابات.

في مرحلة أولى، كان موقف القضاء الإداري مسايرا لرأي الفقه القائل بضرورة تقيد ممثل الدولة برأي الغرف الجهوية للحسابات. في قرار لها بتاريخ 18 أبريل 1988، أكدت المحكمة الإدارية لمدينة ستراسبورغ بأنه ليس بإمكان لممثل الدولة رفض تسجيل نفقة إجبارية سبق وأن أثبتتها الغرف الجهوية للحسابات.[35]وهو الموقف الذي زكته إدارية  بتاريخ Orléan 29 nov 1984[36].  وقد ساير في ذلك موقف الفقه الفرنسي الذي يرى بأن ممثل الدولة في علاقته بالغرف الجهوية للحسابات هو اختصاص مقيد، فلا يمكنه رفض تسجيل نفقة إجبارية أثبتتها الغرف الجهوية للحسابات وطلب تسجيلها تحت طائلة تعريض قراره للإلغاء من طرف القاضي الإداري.[37]  صحيح أن ممثل الدولة يتمتع بسلطة تقديرية واسعة تتيح له الحيد عن مقترحات الغرف الجهوية للحسابات. لكن هذه الإمكانية المتاحة له ينبغي ألا تشمل سوى الإجراءات المقترحة من طرف الغرف بهدف تسوية الميزانية وبالتالي لا تقوم سببا لرفض التسجيل التلقائي للنفقات الإجبارية.[38]

ومما يحد من السلطة التقديرية لممثل الدولة، هو أن التسجيل التلقائي لنفقة إجبارية يستمد أساسه من القانون وليس من تقدير الغرف الجهوية للحسابات. والقبول بأن يتملص ممثل الدولة من واجبه في تسجيل نفقة إجبارية معناه أن نجيز له خرق القانون طالما أن تلك النفقة  تستمد طبيعته الإجبارية من القانون وكما يكرسها الغرف.[39] إن الطبيعة الإجبارية للنفقة لن يكون له أي معنى في غياب آلية التسجيل التلقائي للنفقة الإجبارية.[40] نفس الموقف تبناه كل من Melleray Guy et Rougie Jacqueline  حينما أكدا بأن ممثل الدولة لا يملك سوى التقيد برأي الغرف فيما يتعلق بتسجيل نفقة إجبارية والذي (أي رأي الغرف) ما هو إلا تجسيد للإرادة الصريحة للمشرع. وأي تحليل غير ذلك ، علاوة على أنه يخالف المقتضيات الشكلية لقانون 2 مارس 1982، فإنه يحول تدخل الغرف إلى مجرد مراقبة سطحية وغير ذات جدوى.[41]

لكن القاضي الإداري لفرنسي سيكون له موقفا آخر حينما قام بتأويل نص المادة من قانون 2 مارس 1982 على نحو يعزز من سلطة ممثل الدولة. فقد صرح مجلس الدولة الفرنسي في أحد قراراته[42] بأن ممثل الدولة يمتلك سلطة تقديرية إزاء الآراء المقترحة من طرف الغرف الجهوية للحسابات، وهذا يتيح له، بقرار معلل وتحت مراقبة القاضي الإداري، إمكانية الامتناع عن التقيد بآراء تلك الغرف. نفس الموقف كانت قد اتخذته المحكمة الإدارية لمدينة Strasbourg في أحد أحكامها حينما اعتبرت تقيد ممثل الدولة بالتعليل يشمل فقط  ما تثبته الغرف الجهوية للحسابات، ولا يمتد إلى الإجراءات المقترحة حيث يتوفر في هذا الصدد على سلطة تقديرية تمكنه من اتخاذ إجراءات بديلة وملائمة.[43]

إن الغرف تقوم بصياغة مقترحات وتطلب من ممثل الدولة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتسوية الميزانية. التعليل الذي يلزم ممثل الدولة يهم فقط الموارد المقترحة أو النفقات المقترح تخفيضها.[44]

إن ممثل الدولة يتوفر على اختصاص مقيد على مستوى التسجيل الإجباري للنفقات، وعلى سلطة تقديرية فيما يتعلق بتعديل الموارد المخصصة لتلك النفقات.[45]

ولابد لنا من الإشارة في هذا الصدد بأن مجال النفقات الإجبارية لا تنحصر خصوصيتها بالنسبة لباقي المجالات الرقابية الأخرى، في تعدد الجهات المخول لها ممارسة حق الإحالة (محاسب عمومي، دائنو الجماعة…)، وإنما في كونها مسطرة سريعة ومجانية التي تتم بها مراقبة تلك النفقات وهذا يجعلها تصب في صالح دائني الجماعة الترابية لأن ذلك يشكل ضمانة إضافية لحماية حقوقهم تجاهها. من جهة أخرى، هي مسطرة تخضع لمراقبة القاضي الإداري حيث أن قرار القاضي المالي برفض البت في إجبارية نفقة ما من عدمه يجوز الطعن فيه بالإلغاء أمام القاضي الإداري.[46]

  • عدم اعتماد الميزانية المحلية في الأجال القانونية المحددة

بالرغم من أن ميزانية الجماعات الترابية تخضع مثلها في ذلك مثل ميزانية الدولة لمبدأ السنوية، إلا أن التقيد الصارم بهذا المبدأ من طرف الجماعات الترابية يكون في معظم الأحيان وذلك بالنظر إلى الإكراهات العديدة التي تصطدم بها والتي تفضي بها في آخر المطاف إلى تجاوز الآجال المحددة لها لاعتماد ميزانياتها. فمثلا على الجماعات تكون ملزمة بانتظار المصادقة على مشروع قانون مالية السنة للتوصل بحصتها من الضرائب المحولة إليها من طرف الدولة. ومثل هذا الإكراه يجعل من الصعب بالنسبة للجماعات الترابية وضع تقييم دقيق لمواردها المالية. ولهذا السبب، منح المشرع الفرنسي لتلك الجماعات إمكانية تمديد أجل اعتماد ميزانياتها إلى 15 من شهر أبريل. ويمكن تمديد هذا الأجل إلى غاية 30 أبريل في حالة التجديد الانتخابي.[47].

في المغرب، وفي حالة تأخر تلك الجماعات في اعتماد ميزانياتها داخل الآجال المحددة لها، تقوم السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية بدعوة مجلسها إلى دورة استثنائية وذلك في أجل لا يتعدى 15 يوما من تاريخ التوصل بالدعوة من أجل دراسة الاقتراحات بتعديل الميزانية التي من شأنها تفادي رفض اعتماد الميزانية.في حالة عدم اعتماد الميزانية بعد القراءة الثانية، تتدخل السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية بوضع ميزانية لتسيير تلك الجماعات على أساس آخر ميزانية مؤشر عليها وذلك داخل أجل أقصاه 30 ديسمبر[48].

في فرنسا، مهمة التحقق من مدى احترام الجماعات الترابية بالآجال المحددة لاعتماد ميزانياتها من اختصاص القضاء المالي من خلال الغرف الجهوية للحسابات.

إن تأخر الأجهزة التنفيذية لتلك الجماعات في اعتماد الميزانية داخل الآجال القانونية يفتح الباب أمام تدخل ممثل الدولة الذي يقوم بإحالة القضية على الغرف الجهوية للحسابات وذلك داخل أجل 20 يوما. جدير بالذكر أن هذا الأجل ليس ملزما بالنسبة لممثل الدولة مما يعني أن عدم التقيد به لا يؤثر على سير مسطرة المراقبة ولا يجرده من سلطته فيما يتعلق بالتصحيح التلقائي للميزانية.[49]

وتتوفر الغرفة المحال عليها طلب ممثل الدولة على أجل شهر من أجل صياغة المقترحات اللازمة والكفيلة بمساعدة الأجهزة التداولية للجماعات الترابية في تسوية ميزانيتها. وعلى أساس المقترحات التي تقوم ببلورتها تلك الغرفة، يتدخل ممثل الدولة من أجل تسوية الميزانية ومنحها طابعها التنفيذي.

ولا تعتبر مقترحات الغرف ملزمة لممثل الدولة الذي بإمكانه، كما هو الشأن بالنسبة لمراقبة النفقات الإجبارية، الحيد عنها شريطة تعليل ذلك بقرار صريح[50]. من جهة أخرى، فإن الأجل المحدد لها لإبداء رأيها لا يعتبر ملزما لها، وبالتالي فإن عدم تقيدها به لا يؤثر في شرعية رأيها.[51]

ولابد من التنبيه في هذا الصدد إلى أن أعضاء المجالس التداولية لا يمكنهم التداول بشأن الميزانية الجديدة إلى حين بلوغ مسطرة المراقبة التي باشرها ممثل الدولة نهايتها. وإن أية مداولة يتخذها المجلس أثناء سريان المسطرة مصيرها الإلغاء من طرف القاضي الإداري.[52]

وجدير بالذكر أن مسطرة الرقابة هاته لا تطبق إلا إذا كان التأخر في اعتماد الميزانية منسوبا إلى الهيئات التداولية للجماعات الترابية. أما إذا كان التأخر سببه عدم توصل تلك الهيئات بالمعلومات الضرورة اللازمة لإعداد الميزانية، في هذه الحالة تمنح لها أجل 15 يوما  لحصر الميزانية. نفس المسطرة تطبق في حالة إحداث جماعة ترابية جديدة.[53]

إشارة لا بد من لفت الانتباه إليها وهي أن ممثل الدولة بإمكانه، قبل إحالة القضية على الغرف الجهوية للحسابات، مباشرة مسطرة ودية من خلال دعوة الأجهزة التنفيذية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة من  أجل تسوية ميزانياتهم.  دعوة ممثل تظل إجراء تمهيديا لمسطرة الإحالة على الغرف الجهوية للحسابات. ومعنى ذلك أنه لا يعتبر قرارا إداريا قابلا للطعن فيه بالإلغاء أمام القاضي الإداري.[54]

 

 

 

  • عدم احترام مبدأ توازن الميزانية المحلية (التصويت على ميزانية غير متوازنة)

عديدة هي الخصوصيات التي تتميز بها الميزانية المحلية عن الميزانية العامة للدولة. ولعل أبرز هذه الخصوصيات توازن الميزانية الذي يعتبر من القواعد الذهبية التي تؤطر الممارسة المالية للجماعات الترابية. وهذا بخلاف الميزانية العامة للدولة التي لم تعد فيها الدولة مطالبة بالتقيد الصارم بمبدأ توازن الميزانية. فعجز الميزانية صار مسموحا به بل إن الدول صارت تلجأ إليه من أجل تحقيق ما يسمى بالتوازن الاقتصادي كما توصي بذلك النظرية الكنزية. وإذا كانت النظرية الكنزية قد أوصت بعجز في الميزانية فإنمت هو عجز مقصود ولغاية محددة و تحقيق التوازن الاقتصادي لا العجز من أجل العجز كما هو الحال من العديد من الدول ومنها المغرب الذي صار فيه العجز من المكونات البنيوية لميزانية الدولة لدرجة أن صار يطلق على تاريخ الميزانية في المغرب بتاريخ عجز الميزانية. فعجز الميزانية هو القاعدة و توازنها هو الاستثناء.

أما الميزانية المحلية فليس مسموحا لهذه الأخيرة بتقديم ميزانيات غير متوازنة، وإنما هي ملزمة بالتقيد الصارم بمبدأ توازن الميزانية. وهذا ما تنص عليه المواد 167[55] و 154[56] و 146[57] من القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية والتي تلزم هذه الأخيرة بأن تكون ميزانياتها متوازنة في جزأيها.

شأنها في ذلك شأن المجالات الرقابية السابقة (النفقات الإجبارية و التأخر في اعتماد الميزانية) عدم احترام هذا المبدأ يترتب عنه إحالة الميزانية على الغرف الجهوية للحسابات من قبل ممثل الدولة داخل أجل 30 يوما[58]. وعلى هذا الأخير اتخاذ كل ما يلزم من إجراءات من أجل احترام الأجل المحدد له تحت طائلة Forclusion[59]. إن اتخاذ ممثل الدولة لقرار بتصحيح الميزانية تلقائيا إثر إحالة متأخرة على الغرف الجهوية للحسابات مصيره الإلغاء في حال الطعن فيه من قبل الجماعات الترابية أمام القاضي الإداري.[60]

يتوفر القاضي المالي (غ.ج.ح) على نفس الأجل (30 يوما) من أجل اقتراح الإجراءات اللازمة لإعادة توازن الميزانية. وفي الوقت ذاته يطلب من الجهاز التداولي للجماعة الترابية المعنية القيام بمداولة جديدة وذلك داخل أجل شهر تحتسب من تاريخ  توصلها بمقترحات الغرف الجهوية للحسابات.

في حالة عدم اتخاذ الجهاز التداولي للجماعة الترابية المعنية ما يلزم من إجراءات لإعادة توازن الميزانية، أو كانت الإجراءات المتخذة من طرفها غير كافية، بقوم ممثل الدولة بتسوية الميزانية ومنحها الصبغة التنفيذية. ولا يمكن لممثل الدولة الحيد عن مقترحات القاضي المالي إلا بقرار صريح  ومعلل.

إن تدخل القاضي المالي لا ينحصر فقط في إثبات ان ميزانية الجماعات الترابية متوازنة فقط، وإنما ينبغي أن يتأكد من أن ذلك التوازن يلبي شرطين أساسيين : من ناحية أن يكون توازن الميزانية المحلية توازنا فعليا (حقيقيا) réel، ومن ناحية ثانية ثانية، أن يتم احترام مبدأ الصدقية على مستوى تقديرات الموارد والنفقات. تعتبر ميزانية متوازنة فعليا :

  • احترام مبدأ التوازن أثناء التصويت على جزأي الميزانية (الجزء المتعلق بالتسيير والجزء المتعلق بالاستثمار)؛
  • احترام مبدأ الصدقية على مستوى تقديرات الموارد والنفقات؛
  • وجود موارد كافية لسداد الأقساط السنوية للديون. ويقصد بالموارد هنا فقط المتأتية من الاقتطاعات من الموارد المخصصة للتسيير مضافا إليها الموارد الذاتية

إن الذي ينبغي ان يفهم من هذا كله، أن الاكتفاء بتوازن شكلي الميزانية المحلية لا يكفي لاعتماد الميزانية المحلية، بل بلابد أن يكون ذلك التوازن مبنيا على تقديرات صادقة. صحيح أن التقيد الصارم من قبل الجماعات الترابية بهذا المبدأ (مبدأ الصدقية) هو صعب المنال ويعتبر من الصعوبات الكبرى التي تعترض تلك الجماعات في إعداد ميزانياتها السنوية، ولاسيما وأن الميزانية في طبيعتها هي عمل توقع وبالتالي فهي لا تقوم على معطيات دقيقة.[61] و هذا المعطى ؤكده  كل من Chartier  و Doyelle حينما أشارا إلى أن حوالي 2/1 حالات الإحالة على الغرف الجهوية للحسابات تخص حالة عدم صدقية الميزانية المعتمدة[62].

والجدير بالذكر أن هذه المسطرة لا تخلو من خصوصيات تميزها عن المساطر السابقة. من جهة، لا يتدخل  ممثل الدولة بشكل مباشر من أجل معالجة مشكل عدم توازن الميزانية. وإنما غالبا ما يتم تسوية المشكلة عبر حوار بين الغرف الجهوية للحسابات والجماعة الترابية المعنية بهدف اتخاذ الإجراءات الضرورية لتسوية مشكل عدم توازن الميزانية.

من جهة أخرى، فإن الجماعات الترابية غير مقيدة بمقترحات الغرف الجهوية للحسابات التي لا تعدو أن تكون مجرد ضمانات في حالة عدم اتخاذ إجراءات في هذا الصدد. معنى ذلك أن بإمكان الجماعة الترابية المعنية الحيد عن مقترحات القاضي المالي واتخاذ إجراءات مغايرة كفيلة بإعادة التوازن لميزانيتها. ويكون تدخل القاضي المالي في هذه الحالة فقط من أجل تقييم مدى فعالية وكفاية تلك الإجراءات[63].

  • عدم المصادقة على الحساب الإداري

تشكل المصادقة على الحساب الإداري مراحل أساسية في تنفيذ الميزانية المحلية. المصادقة على الحساب الإداري من قبل الأجهزة التداولية معناه أن التسيير المالي للآمرين بالصرف كان سليما من الناحية القانونية. لكن هذه الأجهزة التداولية قد تجد نفسها ملزمة بعدم التصويت على الحساب الإداري المعد من قبل الأجهزة التنفيذية للجماعات الترابية بسبب اختلالات أو خروقات شابت تنفيذ الميزانية وأدت إلى وجود عجز بالحساب الإداري.

في فرنسا تعتبر عدم المصادقة على الحساب الإداري من الحالات التي تخضع لمراقبة الغرف الجهوية للحسابات. و لا تثار هذه المسطرة إلا إذا تجاوزت نسبة العجز السقف المسموح بها قانونيا والمحدد في 10% بالنسبة للجماعات من مداخيل الجزء الخاص بتسيير الجماعات الترابية التي لا يتعدى سكانها 20000 نسمة و 5% بالنسبة لباقي الجماعات الأخرى[64]. وهذا ما نصت عليه المادة 9 من قانون 2 مارس 1982 وأعادت التأكيد عليه المواد من 1612L. إلى L. 1612-14 من المدونة العامة للجماعات الترابية. وتتم إثارة هذا العجز إما من طرف الجهاز التداولي للجماعة الترابية أو من طرف ممثل الدولة بمناسبة إجرائه للمراقبة المكلف بها أو من طرف الغرف الجهوية للحسابات. فإذا ما تبين لممثل الدولة أن هناك عجزا بالحساب الإداري يقوم ممثل الدولة بإحالته على الغرفة الجهوية للحسابات التي تتوفر على أجل شهر لاقتراح الإجراءات الضرورية الكفيلة بإعادة التوازن للميزانية. ولا تخلو هذه المسطرة من خصوصية؛ خصوصية تتجلى أساسا في كون المقترحات التي تتم صياغتها من قبل القاضي المالي تؤخذ بعين الاعتبار أثناء إعداد الميزانية للسنة المالية المقبلة[65].

ولهذا، فإن الأجهزة التنفيذية للجماعات الترابية مطالبة بعرض ميزانياتها من جديد على أنظار القاضي المالي من أجل التأكد من مدى تقيدها بإقحام مقترحاته. ومتى تبث للقاضي أن هناك تقاعسا من جانب الجماعة الترابية المعنية عن اتخاذ الإجراءات المقترحة من قبل الغرفة الجهوية للحسابات تطلب هذه الأخيرة من ممثل الدولة تسوية الميزانية ووضعها موضع التنفيذ. لكن مقترحات القاضي المالي يمكن تجاهلها من طرف ممثل الدولة بشرط أن يدعم قراره بتعليل صريح.

الجدول التالي يبين عدد الإحالات على الغرف الجهوية للحسابات بحسب نوع مسطرة الرقابية (2004 ـ 2011)

بالنسبة للمغرب، وبخلاف الحالات الثلاث السابقة والتي تختص بمراقبتها السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية من خلال مؤسستي العامل أو الوالي، فإن حالة عدم المصادقة على الحساب الإداري تعتبر الحالة الوحيدة التي تعرف تدخلا من قبل المجالس الجهوية للحسابات من أجل مراقبتها[66].

إن حالة عدم المصادقة على الحساب الإداري تجد أساسها القانوني في المادة 142 من مدونة المحاكم المالية التي تسند اختصاص البت في هذه القضية إلى المجالس الجهوية للحسابات. تنص المادة المذكورة : ” يمكن لوزير الداخلية أو الوالي أو العامل في حدود الاختصاصات المخولة لهم تطبيقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل أن يعرض على أنظار المجلس الجهوي كل قضية تخص الإجراءات المتعلقة بتنفيذ ميزانية جماعة محلية أو هيئة”.

من جهة أخرى، تضع المادة 143 من نفس المدونة شروطا ثلاثة لصحة الإحالة على المجالس الجهوية للحسابات : أولا، أن يكون هناك رفض لحساب الإداري من طرف المجالس التداولية للجماعات الترابية المعنية. ثانيا، أن تمارس الإحالة من قبل الجهة المختصة قانونا ويتعلق الأمر بكل من الوالي أو العامل أو الآمر بالصرف (الجهاز التنفيذي للجماعة الترابية المعنية) أو الطرف الرافض للحساب الإداري. ثالثا، أن يكون الحساب المرفوض مرفقا بالوثائق الضرورية (مداولة المجلس وحساب التسيير يعده المحاسب العمومي).

تنص المادة 143 : “إذا لم يصادق على الحساب الإداري لجماعة محلية أو هيئة من طرف المجلس التداولي المختص بغض النظر عن المقتضيات المتعلقة بطلب دراسة جديدة، عرض وزير الداخلية أو الوالي أو العامل الحساب الإداري الغير المصادق عليه على المجلس الجهوي للحسابات بصفة تلقائية أو بناء على طلب من الآمر بالصرف المعني أو من طرف القابض الرافض للحساب الإداري.

وبناء على الحساب الإداري المرفوض والمداولات المتعلقة بهذا الرفض والمستندات المثبتة المقدمة من طرف المحاسب العمومي المعني بالأمر، يصدر المجلس الجهوي رأيه حول شروط تنفيذ ميزانية الجماعة أو الهيئة المعنية داخل أجل أقصاه شهرين يبتدئ من تاريخ عرض الأمر عليه”.

وهنا لابد من لفت الانتباه إلى ملاحظ جد هامة تتجلى في أن المادة 142 من مدونة المحاكم المالية نصت على اختصاص السلطة المحلية في الإحالة على المجلس الجهوي لكل قضية تخص الإجراءات المتعلقة بتنفيذ الميزانية المحلية.

غير أنه، وبالرغم من الصيغة العامة التي وردت بها، إلا أن المقتضيات الواردة فيها قد تم تأويلها بشكل ضيق من طرف السلطات العمومية، لدرجة أن الإحالات على المجالس الجهوية للحسابات في مجال مراقبة الإجراءات المتعلقة بتنفيذ الميزانية انحصرت فقط في الحالة التي تخص رفض التصويت على الحساب الإداري التي تنص عليها المادة 143 من مدونة المحاكم المالية[67].

ومعنى هذا، أن هذه الممارسة استثنت بشكل غير مفهوم الحالات والإجراءات الأخرى التي تتعلق بتنفيذ الميزانية كما ورد النص على ذلك في المادة 142 من المدونة المذكورة.

من جهة أخرى، بلغ عدد الإحالات على المجالس الجهوية للحسابات والتي تخص الحسابات الإدارية المرفوضة برسم سنة 2010 إحدى وأربعين ( 41 ) إحالة مقابل  إحدى وعشرين ( 21 ) إحالة فقط في سنة 2009 مسجلة بذلك تطورا ملحوظا أي بنسبة 79%.[68]

وقد شملت تلك الإحالات كل المجالس الجهوية للحسابات ما عدا المجلس الجهوي للحسابات لمدينتي الدار البيضاء والعيون. وبخصوص توزيع تلك الإحالات بحسب نوع  الجماعات، تمت إحالة 35 قضية تخص الحسابات الإدارية للجماعات القروية مقابل ست قضايا فقط تخص حسابات الجماعات الحضرية.[69]

إن المجلس الجهوي المختص يتوفر على أجل شهرين لإبداء رأيه وتبليغه إلى الجهة التي عرضت عليه القضية وكذا إلى الممثلين القانونيين للجماعات المحلية أو الهيئات أو الأجهزة المعنية الأخرى.[70] وعلى أساس الرأي الذي يدلي به يتخذ العامل أو الوالي ما يلزم من إجراءات. وفي حالة اتخاذه لرأي غير مطابق لرأي المجلس، فإن العامل أو الوالي يكون ملزما بتعليل قراره.[71]

إن ما يسترعي انتباهنا ونحن نتحدث عن مسألة رفض الحساب الإداري، هو أن القوانين التنظيمية الثلاثة المنظمة للجماعات الترابية، وعلى عكس القوانين السابقة، خلت تماما من أي إشارة إلى آلية الحساب الإداري كوسيلة رقابية للأجهزة التنفيذية من قبل أعضاء المجالس التداولية. فالمادة 203 من القانون التنظيمي للجماعات لم تشر سوى إلى ما أسمته ببيان تنفيذ الميزانية. وهي وثيقة محاسبية يقتصر دورها فقط في إثبات الحصيلة النهائية للمداخيل المحصلة والنفقات المؤداة. وهذا، بخلاف الحساب الإداري الذي لا يخفى دوره المحوري في تقييم الأداء المالي لرؤساء الجماعات المحلية. فالحساب الإداري، علاوة على كونه وثيقة إثبات un acte de constatation[72]، فهو يشكل نوعا من الرقابة السياسية البعدية التي تتيح لأعضاء المجالس التداولية تقييم وتقويم الأداء المالي والتدبيري للآمرين بالصرف للجماعات الترابية.

وما يدعو إلى الاستغراب أكثر فأكثر، هو أن المشرع المغربي، في الوقت الذي حذف فيه آلية الحساب الإداري، كان من الأجدر الاستعاضة عنه بوسيلة رقابية بعدية أكثر فعالية تعزز من منظومة الرقابة على تلك الوحدات الترابية. لكنه، عوضا عن ذلك، اكتفى فقط بالنص على ” بيان تنفيذ الميزانية” وظيفته محاسبية بحثة تتمثل في حصر المبلغ النهائي للعمليات المالية المنجزة لا تتيح تقييما حقيقيا للأداء المالي لرؤساء الجماعات الترابية[73].

إن المسطرة المتعلقة بعدم المصادقة على الحساب الإداري بالمغرب تتشابه إلى حد بعيد مع تلك المعمول بها في فرنسا والتي نصت عليها مدونة الجماعات الترابية. ذلك أنه، في حالة رفض الحساب الإداري من طرف الأجهزة التداولية بالجماعات الترابية، يقوم ممثل الدولة / العامل، ومن دون أن يتقيد بأجل، بإحالة مشروع الحساب الإداري المرفوض مرفقا بمداولة المجلس وحساب التسيير الذي يعده المحاسب العمومي على الغرفة الجهوية للحسابات. وتتوفر هذه الأخيرة على أجل شهر لإبداء رأيها فيما يتعلق بمدى مطابقة مشروع الحساب الإداري مع حساب التسيير.

إذا أصدرت الغرفة رأيها بخلو الحساب الإداري من أي عجز تبلغ قرارها المعلل إلى ممثل الدولة وإلى الجماعة الترابية المعنية. وتجدر الإشارة إلى أن القرار الصادر عن الغرفة الجهوية للحسابات يجوز الطعن فيه بالإلغاء أمام القاضي الإداري من قبل ممثل الدولة[74].

مدى قابلية القرارات الصادرة بشأن مراقبة الميزانية للطعن القضائي؟

بالرجوع إلى اجتهادات القضاء الفرنسي وبخاصة القضاء الإداري، نجد أن هذا الأخير منح إمكانية الطعن في القرارات المتخذة من قبل ممثل الدولة والصادرة بخصوص مراقبته للإجراءات المتعلقة بتنفيذ ميزانية الجماعات الترابية. فقرارات ممثل الدولة هي قرارات إدارية يجوز الطعن فيها بالإلغاء أمام القاضي الإداري سواء كانت تلك القرارات ضمنية أو صريحة، إيجابية أوسلبية[75].

من جهة أخرى، فإن أي تقصير من قبل ممثل الدولة في مراقبته لميزانية الجماعات الترابية يترتب عنه مسئولية الدولة اعتمادا على نظرية الخطأ الجسيم. وهذا ما أكده مجلس الدولة الفرنسي في العديد من قراراته[76].

أما بخصوص الآراء الصادرة عن القاضي المالي (الغرف الجهوية للحسابات)، فإن الطبيعة الخاصة التي تنفرد بها مراقبة الميزانية تدفع إلى طرح تساؤل بديهي بخصوص الطبيعة القانونية للآراء الصادرة بخصوصها : أيجوز الطعن فيها أم لا؟ أهي قرارات نهائية أم تحضيرية فقط؟ أهي قرارات نافذة أم غير نافذة؟ وإن جاز الطعن فيها فأمام أية جهة قضائية؟

في غياب اجتهاد قضائي مغربي يسعفنا في الإجابة عن كل هذه التساؤلات، فإن ضالتنا سنجدها في اجتهادات القضاء الإداري الفرنسي. هذا الأخير ميز بين نوعين من الآراء. هناك من جهة الآراء الإيجابية والتي لا يجوز الطعن فيها بالإلغاء. استثناء هذه الطائفة من القرارات من دائرة الطعن بالإلغاء أمام القاضي الإداري يجد تبريره في كونها تندرج ضمن ما تسمى بـ ” نظرية العمليات المركبة [77]. فالآراء الإيجابية التي تدلي بها الغرف الجهوية للحسابات والتي تتخذها، في إطار مراقبتها لميزانية الجماعات الترابية، لا تعتبر، طبقا لتلك النظرية، قرارات نهائية، بل تظل قرارات  أولية ممهدة لقرارات ممثل الدولة النهائية. وبالتالي، فهي غير محل للطعن بالإلغاء أمام القاضي الإداري. وهذا ما أكده مجلس الدولة الفرنسي في قراره الصادر بتاريخ 17 دجنبر 2003 [78].

وهناك من جهة أخرى، الآراء السلبية، والتي بخلاف الآراء الإيجابية، هذا الصنف من الآراء  يقبل الطعن فيها بالإلغاء أمام القاضي الإداري. وهو ما أكده مجلس الدولة الفرنسي في قراره الصادر بتاريخ 23 مارس 1984 والذي ذهب فيه إلى اعتبار امتناع الغرف الجهوية للحسابات عن توجيه إنذار إلى جماعة ترابية من أجل تسجيل نفقة إجبارية رفضت تسجيلها قرارا سلبي يجوز الطعن فيه بالإلغاء أمام القاضي الإداري[79].

نفس الأمر ينطبق حينما ترفض الغرف البت في الصفة الإجبارية لنفقة بناء على إحالة من ممثل الدولة أو تمتنع عن توجيه إنذار إلى جماعة ترابية بتوفير الاعتمادات اللازمة لسداد نفقة إجبارية[80]، أو ترفض التحقق من مدى تسجيل نفقة إجبارية أو قرار الغرفة بالامتناع، بعد إثبات الصفة الإجبارية لنفقة ما، عن التحقق من مدى كفاية الاعتمادات المخصصة لتغطيتها[81].

غير أن مجلس الدولة الفرنسي، وبصفة استثنائية، سيقبل بإمكانية الطعن في الرأي الإيجابي الصادر عن الغرف الجهوية للحسابات حينما يتعلق بمبلغ النفقة الإجبارية. حيث قام برفض الطعن الموجه إلى رأي الغرفة الجهوية للحسابات لجماعة Nord-Pas-calais والذي اثبتت فيه بأن الجماعة المذكورة وبعد امتتثاله للإنذار الموجه إليها، بتسجيل الاعتمادات الضرورية لأداء نفقة إجبارية. وقد علل مجلس الدولة الفرنسي قراره هذا بأن العناصر المثارة في القضية والمدعمة لطلب الطعن تتعلق بسوء تقدير sous-évaluation للنفقة الإجبارية من طرف الغرفة الجهوية للحسابات وليس بكفاية الاعتمادات اللازمة لتغطية النفقة الإجبارية المسجلة من قبل الجماعة المذكورة.[82]

المطلب الثالث : ثغرات ونواقص عديدة لمراقبة الميزانية

من دون شك أن الهيئات المسئولة عن مراقبة ميزانية الجماعات الترابية (المجالس / الغرف الجهوية للحسابات) تضطلع بدور محور على مستوى مراقبة القرارات المالية للجماعات الترابية وذلك على أكثر من مستوى. من ناحية أولى، أن مجرد وجود هذه الهيئات هو في حد ذاته دافع أساسي للمسئولين عن تسيير تلك الجماعات لأن يكونوا أكثر حكمة في تصرفاتهم المالية. ومن ناحية ثانية أن وجودها يؤدي إلى تفادي إطالة أمد المناقشات الميزانياتية débats budgétaies بمعنى أن هذه الهيئات تلعب نفس الدور الذي تقوم به المقتضيات الدستورية التي تعطي للحكومة الحق في حالة عدم التصويت على مشروع قانون المالية في الأجل المحدد له وحتى يتم تفادي تماطل البرلمان في التصويت عليه، فتح الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العامة. ثم إن وجودها كذلك يحد نوعا من السلطات المالية المخولة إلى الجماعات الترابية، كما أنه يحول دون تعسف تلك الجماعات في استعمال الحقوق والحريات المعترف لها بها[83].

لكن هذه الأهمية التي تكتسيها لم يمنع الفقه من تسجيل العديد من النواقص والثغرات التي تعتريها مما يحد من قوتها وفعاليتها.

إن هذه الهيئات الرقابية تفتقد لما يسمى بالإحالة الذاتية, ذلك أن تدخلها يظل رهينا بإحالة مسبقة من طرف سلطات المراقبة الإدارية ( العامل أو الوالي بالنسبة للمغرب، ممثل الدولة بالنسبة لفرنسا). عدم تحريك مسطرة الرقابة من قبل هؤلاء يجرد دور تلك الهيئات الرقابية من أية أهمية وبالتالي يمكن القول بأن حضورها على مستوى مراقبة ميزانية الجماعات الترابية يبقى كعدمه.

من جهة أخرى، عدم إلزام ممثل سلطات المراقبة الإدارية بالتقيد بآراء الغرف الجهوية للحسابات هو عامل آخر من جملة العوامل التي تضعف من رقابة تلك الهيئات. صحيح أن المشرع الفرنسي، من خلال قانون 3 مارس 1982، قام بحذف نظام الوصاية المالية في مقابل تعزيز الرقابة البعدية، إلا أن ذلك لم يخفف في شيء من قبضة ممثل الدولة على مستوى مراقبة ميزانية الجماعات الترابية. وهذا ما دفع بجانب من الفقه الفرنسي إلى اعتبار إلغاء نظام الوصاية المالية مجرد التفاف على مسطرة المراقبة. وفي هذا الصدد يقول كل منRondin   و  Guibert بأن ” عدم تقيد ممثل الدولة برأي الغرف الجهوية للحسابات معناه اعتبار تدخل تلك الهيئات الرقابية التفافا على المسطرة، وتجاهل للإرادة المفترضة للمشرع المتمثلة في الحذف التام لنظام الوصاية المالية على الجماعات الترابية كما جاء في قانون 2 مارس 1982 المتعلق بحقوق وحريات الجماعات والأقاليم والجهات.[84]

ويضيفان بأنه “اللهم إذا كنا سنخدع بمصطلحات مثل إلغاء أو حذف الوصاية، فليس من الصعوبة تمييز إرادة المشرع من وراء أصلاح مراقبة أعمال الميزانية (actes budgétaire) : الإبقاء على تدخل الجهاز الإداري في تسيير الشئون المالية (الموازنية) المحلية، ومن ثم الاحتفاظ لممثل الدولة، في إطار مسطرة خاصة، بسلطة تعديل وتصحيح القرارات المالية المحلية، بل وبسلطة الحلول في حالة تسجيل تقصير من طرف الهيئات المحلية”.[85]

ويمضيان قدما في انتقادهم لمراقبة الميزانية بالقول : “إن الدولة باعتبارها هيئة تنفيذية مركزية هي الوحيدة التي بمقدورها الحلول كسلطة مالية في حالة هناك قصور على المستوى المحلي.

إن مبدأ الفصل بين السلط والحذر من شبح حكومة القضاة الذي ما زال ماثلا لدى المؤسسات السياسية و الإدارية يفسر إسناد امتياز التدخل في الشئون المالية المحلية لممثل الدولة “.

يبدو أنه حتى على مستوى مراقبة ميزانية الجماعات الترابية لم يغب شبح حكومة القضاة عن المشرع الفرنسي في تصوره لمراقبة دستورية القوانين. وهذا يذكرنا بالمسار الذي قطعته مراقبة دستورية القوانين حيث كان الاتفاق منعقدا على الرفض التام والجازم لأن تسند إلى جهاز قضائي وإنما إلى جهاز سياسي (المجلس الدستوري) لتشكل فرنسا حالة فريدة من نوعها ضمن التجارب المقارنة التي تأخذ معظمها بنظام المحكمة.

إن قانون 2 مارس 1982، يرى Regound، في ظاهره ينص على حذف الوصاية المالية على الجماعات الترابية، لكن هذا التصريح المبدئي لا يمت لواقع القانون الجديد بصلة. وإن حذف تلك الوصاية ما هو في حقيقته سوى وهم لأن القانون الجديد لم يحدث إلا تغييرا على مستوى المسطرة وليس تغييرا في منطق الرقابة في حد ذاته.[86]

من جهته، يذهب كل من  Melleray و Rougié إلى حد القول بأن تجاهل الدور الرقابي الذي تضطلع به الغرف الجهوية للحسابات معناه جعل دور تلك الغرف عديم الأهمية، والتفافا مسطريا لن يكون بوسعنا إدراك فائدته سيما وأن هذا التدخل أراده المشرع من أجل حماية الأغيار المتضررين من خلال منحهم عددا من الضمانات أهمها إسناد مهمة فحص القضايا المثارة إلى سلطة حيث كفاءتها واستقلاليتها ليسا محل جدال. إن منح ممثل الدولة إمكانية تجاهل رأي (تدخل) الغرف الجهوية للحسابات معناه حرمان الغير من تلك الضمانة الممنوحة لهم وحرمان كذلك تلك الغرف من جزء من مصداقيتها.[87]

إضافة إلى ذلك، فإن العديد من القضايا والمشكلات المثارة على مستوى مالية الجماعات الترابية يتم تسويتها من قبل ممثل الدولة ” خارج إطار المساطر القانونية”، ذلك أن ممثل الدولة غالبا ما يعمد إلى عدم احترام الأجل المحدد له سواء فيما يتعلق بحالة عدم التصويت على مشروع الميزانية المحلية أو التصويت عليها ولكن من دون إرسالها داخل الأجل القانوني، حيث يقوم بمنح مهلا إضافية للأجهزة التنفيذية المسئولة عن تسيير الجماعات الترابية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، غالبا ما يتم اللجوء أيضا إلى ما يسمى “بالمساطر غير الرسمية” في حالة إغفال تلك الأجهزة تسجيل نفقة إجبارية أو التصويت على ميزانية غير متوازنة.[88] ثم إن هذه الهيئات الرقابية تمارس مهمة رقابية غير مألوفة لدى المحاكم المالية سيما وأن مهمتها هذه تؤدي بها إلى أن تتحول إلى سلطة حلول محل السلطات السياسية حينما تقوم بصياغة المقترحات اللازمة لتسوية الميزانية المحلية[89].

من جانبه، يرى Chapuisat بأن الغرف الجهوية للحسابات، لن تكون سوى جهاز مساعد لممثل الدولة، وكأن شيئا لم يكن بعد قانون 1982.[90]

لكن، هناك من الفقه من يرى بأن النظام المعمول به حاليا على مستوى مراقبة ميزانية الجماعات الترابية، بالرغم من محدوديته،يبقى أفضل بكثير من أن توكل إلى الغرف الجهوية للحسابات مهمة التدخل لوضع وتسوية  الميزانية المحلية.[91]

ثانيا، هناك مشكل تأخر معظم الجماعات الترابية في اعتماد الميزانية في الآجال المحددة بسبب الصراعات داخل أجهزتها التداولية. مما يؤدي إلى التقليص من أجل الإحالة المحدد في شهر أو شهرين حسب المجال الرقابي. وغالبا ما يكون هناك تزامن بين تصويت الجماعات الترابية على ميزانياتها مع حساباتها الإدارية وهذا في حد ذاته يشكل عامل ضغط على جهة الإحالة  بفعل تراكم عدد القضايا المعروضة عليها. بل إن بعض الجماعات الترابية تجد نفسها مضطرة لانتظار توصلها بالموارد المالية المحولة إليها من طرف الدولة.

ثالثا،  في الوقت الذي نجد فيه المشرع الفرنسي قد وسع من مجالات تدخل الغرف الجهوية للحسابات لتشمل المجالات الأربعة المذكورة سلفا، اكتفى نظيره المغربي فقط بحصر تدخلات المجالس الجهوية للحسابات في مجال رقابي واحد ووحيد : حالة عدم المصادقة على الحساب الإداري للجماعات الترابية وفي هذا تقزيم لدور المجالس الجهوية في ممارسة رقابة فعالة على ميزانيات الجماعات الترابية. وسواء تعلق الأمر بفرنسا أو في المغرب، فإن تدخل القاضي المالي على مستوى مراقبة الميزانية المحلية لا يجاوز حد المساهمة في مراقبة تلك الإجراءات طالما أن تدخلها مرهون بطلب السلطات المكلفة بالمراقبة الإدارية على الجماعات الترابية (العامل أو الوالي / ممثل الدولة في فرنسا).

إن دور الجالس الجهوية للحسابات في مراقبة القرار المالي المحلي دور على قدر كبير من الأهمية لاسيما في الوقت الراهن حيث الرهان كبير على الجماعات الترابية في النهوض بمجالات التنمية المحلية في مختلف جوانبها ( الاقتصادية والاجتماعية والبيئية…). ولئن كان الحديث مركز حاليا على الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص partenariat public/privé كوسيلة من وسائلإنجاز المشاريع التنموية الكبرى، فينبغي ألا ننسى الشراكة بين القطاع والقطاع العام partenariat public/public ومن بينها الشراكات مع الجماعات الترابية باعتبارها المنطلق الأساس الذي تبدأ منه عملية التنمية.

ثم إن دور هذه الهيئات الرقابية تحتمه أيضا متطلبات الحكامة المالية والتي تستوجب من الإدارات العمومية (المركزية والمحلية) اعتماد مبادئ الشفافية والنزاهة والفعالية والمحاسبة على النتائج.  ومعلوم أن دستور 2011 جعل من المحاكم المالية حامية لمبادئ الحكامة الجيدة. و بقدر ما يعلي هذا المستجد الدستوري من مكانة المحاكم المالية ضمن المؤسسات الدستورية المختلفة بقدر ما يعلي ويعزز من دورها في مراقبة المال العام والحيلولة دون تبذيره أو سوء التصرف فيه.

إن التوجه العام لسياسة الدولة والرامي إلى منح المزيد من الاستقلالية للجماعات الترابية في إطار الجهوية المتقدمة لا بد من أن يوازيه تعزيز وتقوية للرقابة البعدية ومن بينها رقابة المحاكم المالية.

 

[1] طوال هذا البحث سنعتمد المصطلح المستعمل من طرف الفقه المالي في حديثه عن مراقبة القضاء المالي (المجالس الجهوية/ الغرف الجهوية للحسابات)  للأعمال أو الإجراءات المتعلقة بميزانية الجماعات الترابية “مراقبة الميزانية  le contrôle budgétaire “.

[2] François (Picard), Finances locales, éd Litec  2009, p 266.

[3] Ibid.

[4]  La loi de 3 mars 1982.

[5] القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجهات.

القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم.

القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.

[6] JO 3 mars 1982, p 730.

[7]  JO 31 mai 1983, p 5023.

[8]  Stéphanie(DAMARY), le juge administratif, juge financier, éd Dalloz2001, p 143.

[9] القانون رقم 62.99 الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.02.124 فاتح ربيع الآخر 1423 (13 يونيو 2002).

[10] «les contrôles sur les finances des collectivités territoriales », rapport effectué par la Direction de l’initiative parlementaire et des délégations, Lc 222, Sénat 23 sep 2011. Rapport publié sur www.sénat.fr. consulté le 12/09/2018.

[11] Revue Al Maliya, n° 59 déc 2015, p 12.

[12] Jean-François (Picard), finances locales, éd Litec2009, p 267.

[13] Jean-François (Picard), opcit, p 276.

[14] Jean-François (Picard), opcit, p 275.

[15] Guily (Eric), l’élaboration des textes – un choix des débats parlementaires, les chambres régionales des comptes, Economica éd 1985, p 41. Cité par Stéphanie (Damarey), p 210.

[16] Merloz, conclusions sur TA Toulouse, 4 juin 1986, Commissaire de la république de l’Ariège c/ Commune de Pamiers, AJDA 1986, p 643,  cité par Stéphanie (Damarey), le juge administratif, juge financier, éd Dalloz , p 210.

[17] TA Strasbourg 19 juillet 1983, Commissaire de la république de la Moselle / c Commune de  Talang. Cité par  Stéphanie (DAMAREY), opcit, p 212.

[18] CE 23 déc 1988, département du Tarn / c Barbut et autres. ibid

[19]TA strasbourg cité en haut.

[20] Stéphanie (Damarey), opcit, p 212.

[21] François (Picard), opcit, 267.

[22]Ibid.

[23]François (Picard), opcit, p 267.

[24] CE, 9 sept 1996, syndicat CGTM des Sapeurs pompiers départementaux de la Martinique Rec.CE, P 744.

[25] Jean-François (Picard), op cit, p 269.

[26] Jean-François (Picard), opcit, p 270.

[27] CE, 10 oct 1990 Préfet du Val-d’Oise, Rec, CE P271, ibid.

[28] CE, 10 février 1988 commune de Brivie Charnesac, ibid..

[29] Article  L.1612-15 du code généra des collectivités territoriales  dispose : « ne sont obligatoires pour les collectivités territoriales que les dépenses nécessaires à l’acquittement des dettes exigibles et les dépenses pour lesquelles la loi l’a expressément décidé ».

[30] المادة 181 من القانون التنظيمي رقم 113.14 للجماعات “تعتبر النفقات التالية إجبارية بالنسبة للجماعة :

  • الرواتب والتعويضات الممنوحة للموارد البشرية بالجماعة وكذا أقساط التأمين؛
  • مساهمة الجماعة في هيئات الاحتياط وصناديق تقاعد الموارد البشرية بالجماعة والمساهمة في نفقات التعاضديات؛
  • المصاريف المتعلقة باستهلاك الماء والكهرباء والمواصلات؛
  • الديون المستحقة؛
  • المساهمات الواجب تحويلها لفائدة مجموعات الجماعات الترابية ومؤسسات التعاون بالجماعات؛
  • الالتزامات الناتجة عن الاتفاقيات والعقود المبرمة من لدن الجماعة؛
  • النفقات المتعلقة بتنفيذ القرارات والأحكام القضائية الصادرة ضد الجماعة؛
  • المخصص الإجمالي لتسيير المقاطعات بالنسبة للجماعات ذات نظام المقاطعات”. زمثل هذه النفقات ورد النص عليها في القوانين التنظيمية للجهات (المادة 196 من القانون التنظيمي رقم 111.14) وللعمالات والأقاليم (المادة 174 من القانون التنظيمي رقم 112.14).

[31] Jean- François (Picard), opcit, p 165.

[32] CE,  11 déc 1987, Commune de Point-à-Pitre : Rec, CE p 657,  cité par Jean- François (Picard), op cit, p 165.

  • Mattieu (Conan), Alain (Doyelle) et autres…, code des juridictions financières, 3ème éd le Moniteur , page 458.

[33] CE. 10 fév 1988, Commune de Brives-Charensac, n° 78230, 78805 et 78806) cité par François (Valembois), Réussir son budget, guide pratique à l’usage des communes et des EPCI, 3ème éd, fév 2016, page 761.

[34] CE. 30 janv 1987, Département de la Moselle, n° 702236 cité par le même auteur, page 761.

[35] TA strasbourg 18 avr 1984, institut Notre-Dame de la providence c/ Ville de théonville et Etat, RFD adm 1984.

TA Orléan 29 nov 1984, commune de Liqueil, RFD adm 1985, p 139. Cité par Stéphanie Damarey, opcit p 185.

[36] TA Orléan 29 nov 1984, commune de Liqueil, RFD adm 1985, p 139. Cité par Stéphanie Damarey, opcit p 185.

[37] Ibid.

[38] Stéphanie Damarey, opcit, p 185.

[39] Muzellec (Raymond), rapport introductif sur les chambres régionales des comptes, sous la direction de Loïc Philip, Economica, coll. Collectivités territoriales 1985, p171.

[40] Maspettol (Roland) et Larque (Pierre), la tutelle administrative, Sirey 1930, p 278. Cité par Stéphanie (Damarey), opcit, p 278.

[41] Melleray (Guy) et Rougie, A propos du nouveau régime d’inscription d’office des dépenses obligatoires au budget d’une collectivité locales, RFD adm 1984, p 215. (cité par Stéphanie Damarey, opcit, p 187).

[42] CE fév 1988, commune de Brives-Charensac.c/Sieur      Arnaud, CE, p 53 AJDA 1988, p 279 (conclusion ROUX).

[43]  Balat (J-C), recours contre les décisions des chambres régionales des comptes,note sous CE, 3° et 5°  sous section… cité par (Stéphanie Damarey, opcit, p 180).

[44] TA Chalôn-sur-Marne, 20 déc 1983. Ibid.

[45] Balat (J-C), opcit, p 180. TA strasbourg 18 avr 1984, JCP 1985 I – 20 p 339.

[46] CE 23 mars 1984, OGEC office de gestion des écoles catholiques de Goueron, AJDA 1984, p 390.

[47] Stéphanie (DAMAREY), opcit,  p 105.

[48]  يمثلا ينص القانون التنظيمي للجهات  في مادته 200 : ” إذا لم يتأت اعتماد الميزانية في التاريخ المحدد في الفقرة الثالثة من المادة 198 أعلاه، يدعى المجلس للاجتماع في دورة استثنائية داخل أجل أقصاه خمسة عشر يوما (15) ابتداء من تاريخ الاجتماع الذي تم خلاله رفض الميزانية. ويدرس المجلس جميع الاقتراحات المتعلقة بتعديل الميزانية التي من شأنها تفادي أسباب رفضها.

ويتعين على الآمر بالصرف أن يوجه إلى السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية في تاريخ أقصاه فاتح ديسمبر الميزانية المعتمدة أو الميزانية غير المعتمدة مرفقة بمحاضر مداولات المجلس”

[49] TA Paris, 26 sept 1984, OPHLM  Montreuil c/commissaire de la république de la Seine-Saint-Denis, lebon, T    p 542.

[50] Bernard (Betsch),Collectivités locales et chambres régionales des comptes, Tome 1, Analyse de la réglementation , éd MB formation 2002, p 117.

[51]  TA Montpellier, 3 avr 1987, Albert, req, n° 17690, cité par Stéphanie (DAMAREY), art. précité, p 106.

[52]  TA Paris 9 oct 1985, Bod    , Rec TA sept 1985-déc 1986. Ibid.

[53] Bernard (Betsch), opcit, p 116.

[54] CE 29 janv 1992, cne de trappes, req, n° 83 691, cité par Stéphanie (DAMAREY), art. précit. P 107.

[55] من القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات.

[56] من القانون التنظيمي المتعلق بالجهات.

[57] من القانون التنظيمي المتعلق بالعمالات والأقاليم.

[58] Article L 1612-4 du code général des collectivités territoriales.

[59] Livre du ministère de l’intérieur, contrôle de légalité, cité par Stéphanie (Damarey), op cit, p 146.

[60] Stéphanie (Damarey), opcit, p 146.

 

[61]  Stéphanie (Damarey), opcit. P 146.

[62] Chartier (Jean-Louis) et Doyelle (Alain), la notion de sincérité des évaluations budgétaires, AJDA 1989, p 164.

[63] Stéphanie (Damarey), opcit. P 146.

[64] Bernard (Betsch), Collectivité locales et chambres régionales des comptes, Tome 1 (analyse de la réglementation), éd MB formation 2002, p 137.

[65] Bernard (Betsch), opcit, p 139.

[66] هنا نتحدث عن مرحلة السابقة على القوانين التنظيمية للجماعات الترابية حيث تم إحلال “بيان تنفيذ الميزانية” محل “الحساب الإداري”.

[67] Rapport annuel de la cour des comptes 2016, p 682.

[68] Ibid.

[69] Rapport précité, p 682.

[70] المادة 146 من مدونة المحاكم المالية.

[71] المادة 144 من مدونة المحاكم المالية.

[72] Jean-François (Picard), op cit, p 273

[73] المهدي (الفحصي)، قراءة في بعض مظاهر اختلالات التدبير الإداري ومعيقات التنمية الترابية والحكامة الجيدة، مقال منشور بالمجلة المغربية للقانون الإداري والعلوم الإدارية ـ عدد مزدوج 2ـ3 ـ 2017، ص 89.

[74] Jean-François (Picard), opcit, p 273.

[75] Jean-François (PICARD), opcit, p.

[76] CE,21 avr 1987, Ecole Notre-Dame de Kernitron : Rec.CE, p 161

CE, 6 oct 2000, Commune de Saint-Florent, AJDA 2001, p 201.

[77] نظرية العمليات المركبة تتحقق حينما تكون القرارات النهائية المتخذة نتيجة حتمية لقرارات سابقة ممهدة لها.( CE, 17 déc 2003).

[78] CE, 17 déc 2003.

[79] Jean-Marie -Marie (AUBY), Le contentieux des actes des chambres régionales des comptes, note sous  CE, 23 mars  1984,  Organisme de gestion des écoles catholiques de Coueron, RDP, 1984, p 1134, cité par Stéphanie (Damarey), opcit, p 157-158.

[80]  CE, 10 juillet 1987.Ibid.

[81] TA strasbourg du 4 juillet 1985. ibid

[82] Stéphanie (Damarey), opcit, p 159-160.

[83] Jean-François (Picard), opcit, p 277.

[84] Rondin (Jacques) et Guibert (Jean-Michel), problématique du contrôle des actes budgétaires, rev.trésor 1985, p 673-674, cité par Stéphanie (Damarey), opcit, p 176.

[85] Rondin (Jacques) et Guibert (Jean-Michel), problématique du contrôle des actes budgétaires, rev.trésor 1985, p 673-674, cité par Stéphanie (Damarey), opcit, p 176.

[86] Ibid.

[87] Melleray (Guy) et Rougie (Jacqueline) ; A propos de la procédure d’inscription d’office : mise au point et nouveaux problèmes, note sous CE 30 janv 1987, Département de la Moselle, RFD adm, 1987, p 981. Cité par Stéphanie (Damarey), opcit, p 175.

[88] Jean-François (Picard), opcit, p 278.

[89] Ibid.

[90] Chapuisat (Jérôme), Tutelle ou contrôle ?, AJDA 1984, p 353. Ibid.

[91]  Stéphanie (Damarey), opcit, p 175.