مخاطر الفيضانات بين النص القانوني والتدبير العملي

317

 

مخاطر الفيضانات بين النص القانوني والتدبير العملي

 

ابتسام خليل

باحثة بجامعة محمد الخامس السويسي

مركز دراسات الدكتوراه كلية الحقوق – سلا

 

لقد اضحت قضايا الكوارث التي تحدثها الطبيعة نتيجة التقلبات المناخية من بين أولويات السياسات العامة للدول المتقدمة ، إذ يتم تخصيص برامج و نفقات خاصة للتدبير والحد من المخاطر المفاجئة والمحتملة للطبيعة. و يعد خطر[1] الفيضانات من أهم الظواهر التي تحتاج لتدبير محكم سواء قبل حدوثها بالتنبؤ والاحتياط أو بعدها بمحاولة التقليص من تفاقم الظاهرة بإصلاح الأضرار المخلفة عبر البرامج المستعجلة التي تضعها الدولة، خاصة أن التقدم التكنولوجي والصناعي والتدخل البشري المجحف في حق الطبيعة يجعل من التقلبات المناخية واحتمال حدوث الكوارث المفاجئة ظاهرة متوقعة .

والمغرب كغيره من الدول تعرض للعديد من الكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات حاول من خلالها تطوير طرق تدبيره للتقليص من الخسائر،إلا انه لازال يحصد كل سنة خسائر مادية وبشرية تدفعنا لتسليط الضوء على نماذج الفيضانات المدمرة التي عاشها ، ونذكر على سبيل المثال فيضانات وادي أوريكا سنة 1995 إذ كانت حصيلتها ثقيلة (240 قتيلا وخسائر مادية كبيرة). فيضانات شمال المغرب في اكتوبر 2008 (طنجة، تطوان، الفنيدق والتي كانت حصيلتها حسب الأرقام الرسمية 28 قتيلا، وانهيار 200 منزل عتيق وانهيار قنطرتين في اقليم الناضور وخسائر مادية هائلة بسبب المياه التي غمرت العديد من المباني والمنشآت العامة وكذا المنطقتين الصناعيتين بطنجة) فيضانات وادي المالح سنة 2002 والتي أغرقت مدينة المحمدية وخلفت خسائر مادية كبيرة.

ثم فيضان وادي بهت[2] سنة 2009 والتي غمرت حوالي 3000 هكتار من الأراضي في منطقة الغرب ودمرت حوالي 2700 منزل ، وتركت آلاف الأشخاص بدون مأوى في أقاليم سيدي سليمان وسيدي قاسم بالإضافة الى عشرات القتلى.

تلتها التساقطات المطرية 30 و 29 نونبر من نفس السنة التي خلفت خسائر هائلة وضحايا أزيد من 40 قتيلا بمدينة الدار البيضاء. وهذه أول مرة في تاريخ المدينة تسجل تساقطات بهذه الكمية والقوة والتي بلغت 178 ملم، أي ما يعادل تساقطات نصف سنة ووجدت المدينة نفسها يوم 30 نونبر معزولة عن باقي المدن[3] حيث غمرت المياه الشوارع والطرق وشلت الحركة تماما اضطرت معها السلطات إلى تعطيل الدراسة وأغرقت المياه أحياء الصفيح والعديد من الأحياء وأجزاء من الطريق السيار، وغمرت المياه المنطقة الصناعية لسيدي البرنوصي مخلفة خسائر هائلة يصعب تقديرها في الوقت الراهن. وأدى سقوط حافلة تقل المستخدمين بين بوزنيقة والمحمدية الى مقتل أزيد من 20 شخصا، ودمرت قناطر في تاونات وتارودانت، وشملت هذه الفيضانات مناطق الحسيمة والفنيدق ومدنا أخرى..

مما سبق يتضح ان مخاطر الفيضانات لا تزال مطروحة بشدة مما يستدعي التساؤل عن سبب عدم  الحد من هذه الظاهرة او على الأقل التقليص من الخسائر التي تخلفها سنويا، هل من نقص في النصوص القانونية ام في غياب إستراتيجية شاملة في التدبير تضع كل التوقعات المحتملة لتفادي الأضرار المحتملة.

لمعالجة الموضوع سنسلط الضوء على النصوص القانونية التي لها علاقة بتدبير مخاطر الفيضانات بما فيها قانون البيئة ثم قانون الماء الى جانب قانون التعمير (أولا) ثم الإستراتيجية الوطنية والدولية المبذولة للتقليص من خطر الظاهرة (ثانيا).

  1. تدبير خطر الفيضانات على المستوى القانوني

أولى المشرع المغربي اهتمامه بمخاطر الفيضانات لما تخلفه من خسائر مادية وبشرية ، بإصداره مجموعة من القوانين التنظيمية والزجرية لتدبير خطر الفيضان ، جاء بها كل من قانون الماء وقانون التعمير. غير أنه يسجل غياب قانون خاص بالأخطار الطبيعية لحد الآن. وقد تبعت هذه المنجزات القانونية مجموعة من العمليات الميدانية الهادفة للحد من خطر الفيضان في عدد من المدن كبناء السدود التلية و القنوات الخاصة بتصريف المياه المطرية ، لكن الاشكال المطروح في مدى فعالية النصوص التشريعية للحد من اخطار هذه الظاهرة.

  • تدبير خطر الفيضانات في قانون الماء

أصدر المشرع المغربي قانون الماء 10-95 لتدبير أحسن للموارد المائية وحسن استعمالها وصيانتها والمحافظة عليها سواء كانت سطحية أم باطنية[4]. و أبرزِ كيفية الوقاية من الفيضانات خاصة بالمناطق التي تغمرها المياه ثم منع إقامة حواجز لعرقلة حركة الجريان. و تعتبر المجاري المائية دائمة الجريان أو غير دائمة الجريان والمستوى الذي تبلغه مياه الفيضان هي ملك عمومي وبالأخص المجالات الفارغة التي تقطعها الأودية.

وخصص قانون الماء فرعا كاملا من الباب الحادي عشر لمحاربة الفيضانات، حيث تنص المادة 97 على منع كل عرقلة لسيلان مياه الفيضانات ماعدا إذا كان الغرض من هذه الإقامة – أي الحواجز – هو حماية السكان وممتلكاتهم الخاصة القريبة من المجاري المائية .

وبهدف تدبير أحسن لخطر الفيضان أسندت هذه المهمة إلى وكالة الحوض المائي للقيام بعملية المراقبة وحماية الملك العام المائي من أي عرقلة لحركة سيلان المياه بكيفية مضرة لنطاق الفيضانات[5] . وتسمح وكالة الحوض للملاك بوضع حواجز لحماية ممتلكاتهم من طفوح مياه المجاري ويمنع إقامة الأغراس أو بنايات أو إيداع على الأراضي الواقعة بين مجرى الماء وحواجز الحماية (المادة 97) ،إلا أن الواقع العملي يثبت وجود بنايات مقامة في ضفاف الأنهار مما يجعلها مهددة بخطر الفياضان خاصة في فصل الشتاء.

ولقد تم إحصاء ومعاينة 158 منزل مهدد بخطر الفيضان وانهيارات ضفاف الوادي على طول وادي الناشف ووادي إسلي جهة المغرب الشرقي كمثال ، هذه المنازل تدخل في المناطق الحاجزة (مجال الخطر) المحددة في ما بين 40 متر و 95 متر انطلاقا من ضفة الوادي (سنة 2008). وحسب المادة 102 من القانون 10-95 فإن مهمة إنجاز البنيات التحتية الضرورية لحماية السكان وممتلكاتهم من خطر الفيضان أسندت إلى الجماعات المحلية و إلى لجن العمالات و الأقاليم[6].

كما يشكل قانون الماء 10-95 تحولا نوعيا في تدبير قطاع الماء في المغرب بالرغم من كونه جاء متأخرا مقارنة بفرنسا 1964 و الجزائر 1983. ذلك انه اتى بتوجهات جديدة على المستوى المؤسساتي : اي إحداث وكالات الأحواض المائية و عددها سبعة موزعة عبر التراب الوطني . كما أنيطت بوكالات الأحواض المائية مهمة وضع وتنفيذ مخططات للتهيئة المندمجة للموارد المائية التابعة لنفوذها ومنح الرخص الخاصة باستغلال الفرشات الباطنية و المياه السطحية ثم تتبع و مراقبة جودة الماء وتتبع حالات الفيضانات من أجل حماية السكان وممتلكاتهم والملك العام المائي . وتعتبر وكالة الحوض المائي الوصي الشرعي في الأمر بتفعيل و تطبيق المواد المتعلقة بمحاربة الفيضان في قانون الماء كالتالي:

  • تمنع ان تقام بدون ترخيص في الأراضي التي يمكن أن تغمرها المياه الحواجز والتلال والتجهيزات الأخرى التي من شأنها أن تعرقل سيلان مياه الفيضانات ما عدا إذا كان الغرض من هذه الإقامة هو حماية المساكن والملكيات الخاصة المتاخمة
  • لوكالة الحوض أن تأمر مقابل التعويض عن الأضرار بتغيير أو بحذف الحواجز والبنايات والمنشآت الأخرى مهما كانت وضعيتها القانونية إذا ما تبين أنها تعرقل سيلان المياه.
  • عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك يمكن لوكالة الحوض أن تفرض على الملاك المجاورين لمجاري المياه القيام بإقامة حواجز لحماية ممتلكاتهم من طفوح مياه هذه المجاري.
  • يمنع إقامة أغراس أو بناء أو إيداع على الأراضى الواقعة بين مجرى الماء وحواجز الحماية المنشأة بالجانب المباشر لهذا المجرى[7].

فمثلا تساهم وكالة الحوض المائي لملوية في تدبير خطر الفيضان بمنطقة نفوذها[8]،  فقد قامت الوكالة بتتبع عدد من حالات الفيضانات وإعداد مجموعة من الدراسات الشخصية لمواقع مهددة بخطر الفيضان، كما ساهمت في بناء مجموعة من السدود التلية والحواجز للحد من تدفق الحمولات نحو المدارات الحضرية كما هو الحال بمدينة بركان : حيث أشرفت على إنجاز السدين التليين المنزل و سيدي علي بن يخلف وسد قيد الدراسة على واد إسلي لحماية مدينة وجدة من الفيضانات. كما تقوم وكالة حوض ملوية بتتبع واردات السدود و التحكم فيها انطلاقا من شبكة من المحطات الهيدرولوجية و الميترولوجية[9] على طول واد ملوية.

  • تدبير خطر الفيضانات في قانون التعمير

يهدف التعمير أساسا الى تخطيط تنمية المدن وتنظيم الحياة فيها ، ويقوم على توفير التجهيزات الضرورية للتحكم في استعمال الأرض باعتبارها الركيزة الأساسية له. و تعتبر البيئية عاملا مؤثرا بصفة مباشرة على نوعية البناء و بالتالي على سياسة الدولة في مجال التعمير.

إذ يمكن للتعمير أن يؤثر في المكونات البيئية على اعتبار أنه جزء لا يتجزأ منها، ويمكنه أن يحافظ على العناصر الطبيعية إذا ما تم احترام القوانين المنظمة له خاصة منها ما يتعلق بالمخططات والتصاميم التي تحدد مجالات استعمال الأراضي ، الشيء الذي قد يقلص خطر حدوث الفيضان اذا ما تم ضبط بنوده ، كما يجب أن يتم احترام رخصة البناء لتصميم التهيئة و التنطيق و يجب احترام المعطيات البيئية كرفض رخصة البناء عندما يكون المجال المعني غير موصول بشبكة تطهير او توزيع الماء ، وفي نفس السياق اذا كان البناء المرخص له يقتضي اقلاع اشجار موجودة على هذا المجال يتعين على صاحب الرخصة طلب ترخيص خاص لذلك[10].

فقد جاء في المادة 47 من قانون التعمير[11] انه لا تسلم رخصة البناء اذا كانت الأرض المزمع اقامة المبنى عليها غير موصولة بشبكة الصرف الصحي او شبكة توزيع الماء الصالح للشرب. بيد انه يمكن تسليم الرخصة وان لم يتوفر هذا الشرط  اذا كانت طريقة الصرف الصحي و التزويد بالماء تتوفر فيها الضمانات التي تستلزمها متطلبات النظافة و الصحة وذلك بعد استطلاع رأي المصالح المختصة في هذا الميدان.

كما تنص المادة السابعة من قانون 25-90 المتعلقة بالتجزئات العقارية على رفض القيام بتجزئة بوجه خاص إذا كان العقار المراد تجزئته غير موصل بشبكات الصرف الصحي والطرق وتوزيع الماء الصالح للشرب و الكهرباء ، وهو ما يتنافى بطبيعة الحال مع نمط السكن العشوائي المتواجد على هوامش المدن حيث انعدام قنوات التطهير مما يضع احتمال حدوث الفيضان مرتبط بكمية التساقطات.

ويبقى التطبيق الفعلي للقانون واهنا أمام تدخلات ونفوذ المنعشين العقاريين حيث  البناء فوق الدرجات النهرية السفلى لازال يطرح إشكالا في هذا المجال. ولتدبير الأخطار الطبيعية عامة والفيضانات بالأخص تم نشر مجموعة من الدوريات الوزارية لتدبير خطر الفيضان تهدف الى التقليص من المخاطر المحتملة كالتالي:

  • دورية لوزير الداخلية رقم 2DU//2167 / DUA بتاريخ 14 نونبر 1984 تتعلق” بتجنب الخسائر التي يمكن أن تنتج عن الفيضان.
  • دورية لوزير الداخلية رقم DAG/1288 / DGAI بتاريخ 25 أكتوبر 2000 تتعلق “بالوقاية من الحمولات للأودية وقت الإعلان عن حالت الطوارئ”.
  • دورية لوزير الداخلية رقم / DGA 26 بتاريخ 19 يناير 2001 تتعلق” بمهمة الوقاية وتدبير الأخطار”.
  • دورية للوزير المنتدب المكلف بالإسكان و التعمير رقم 824/2173 بتاريخ 20 فبراير 2003 تتعلق” بمخطط الحماية الجهوي من الفيضان و اللجنة الإقليمية للماء”.
  • دورية مشتركة لوزير الداخلية و الإسكان و إعداد التراب الوطني عدد 08 بتاريخ 7 يناير 2005 تتعلق “بإرساء آليات تنسيق العمليات التي يقوم بها مختلف الفاعلين المحليين لمكافحة خطر الفيضان”.

إلى جانب الدوريات نجد التخطيط الحضري الذي يعتبر بدوره غاية في الأهمية إذ يساعد على إجراء مقاربة إجمالية لمخاطر الفيضانات ، ويعتبر الرافعة الرئيسية للحد من المشكلات التي تسببت فيها الفيضانات المفاجئة والغمر الساحلي ، فغالبا ما يكون دور المؤسسات العمومية بالأساس موجه نحو عمليات التحضير والعمل على الوقاية من المخاطر المحتملة و المتوقعة للكوارث الطبيعية وعلى رأسها الفيضانات. ومن خلال التخطيط الحضري يمكن وضع استراتيجية لحماية السكان من المخاطر في مناطق التعمير المستقبلي. وفي هذا الصدد فمن الأولوية الحرص على التنفيذ الفعال والتطبيق الجيد لأنظمة البناء وللتعمير[12].

  1. الإستراتيجية الوطنية والدولية في مواجهة خطر الفيضانات

أصبحت البيئة اليوم إحدى الانشغالات الكبرى لمعظم الدول وإحدى أعمدة مسلسل التنمية في مختلف البلدان التي تتعبأ لرفع تحدي بلوغ تنمية منسجمة تضمن رغد عيش المواطنين دون المساس بمستقبل الأجيال القادمة[13]، مما يحتم وضع استراتجيات للتعايش مع التقلبات الطبيعية التي قد تهدد سلامة وأمن الإنسان.

وقد عرف المغرب مجموعة من الفيضانات الكارثية الناتجة عن التقلبات المناخية مما استدعى وضع سياسة للحد او التقليص من تفاقم أخطار الظاهرة (ثانيا) مستندا بالدول المتقدمة والإستراتيجية المتبعة دوليا (اولا).

اولا: الاستراتيجية الدولية في تدبير الوقاية من المخاطر.

تصنّف الفيضانات ضمن الظواهر الفجائية و تختلف درجات حدتها باختلاف الأسباب الرئيسية[14] لحدوثها مما يخلف خسائر مادية وبشرية حسب حدة  الظاهرة.

و مهما بلغ تقدم  الدول إلا أن شبح الفيضان لازال يخلف خسائر وخيمة استدعت الاهتمام أكثر بالتنقيب عن حلول للحد منها وهو ما تلخص في الاستراتيجية الدولية في مجال التدبير والوقاية من المخاطر المتبعة ، متضمنة في توصيات المؤتمر الدولي حول الوقاية من الكوارث المنعقدة سنة 2005 في مدينة “كوبي” اليابانية . هذه القمة الدولية المنظمة بإشراف الأمم المتحدة حضر فيها المغرب كأحد الأعضاء المشاركة . وإطار عمل “هيوغو” (2005/2015) الذي يمتد على مدى عشر سنوات يتضمن برنامج عمل يتمحور حول 5 محاور ذات أولوية من أجل تقليص مخاطر الكوارث.

1- الحكامة الجيدة وتقوية الإطار المؤسساتي التشريعي والسياسة العامة.
2- ابراز وتقييم ومراقبة المخاطر والإنذار المبكر والسريع.

3- تدبير المعرفة والتربية.

4- تقليص عوامل الخطر.

5- إعداد مخططات فعالة للتدخل.

والهدف من هذه المخططات[15] حسب توصيات “هيوغو” هو التقليص الفعلي والملموس من الخسائر البشرية والخسائر المادية والتوترات الاجتماعية والاقتصادية وتدهور البيئة.،لكن يجب الاعتراف بأن أكبر المؤتمرات الدولية للدول والمنظمات الدولية في مجال تدبير الكوارث والمخاطر الطبيعية لم تسفر حتى الآن سوى عن إعلانات تتضمن توصيات مباديء ومخططات عمل، دون بلوغ مستوى تنفيذ قانون او اتفاقية دولية. والفكرة كانت دائما هي وضع اهداف على المستوى الدولي وترك الدول تختار الوسائل لبلوغها. بمعنى ضرورة « التفكير شموليا ، والعمل محليا ».

كما يجب ان تذهب الترتيبات المؤسسية لإدارة مخاطر الكوارث الطبيعية عموما والفيضانات خصوصا الى ما هو ابعد من الاستجابة  في حالات الطوارئ ، اذ نجد لدى الكثير من البلدان هيئة تنسيق قائمة بذاتها معنية بإدارة مخاطر الكوارث و مسؤولة عن تنسيق تقييمات المخاطر ورسم خرائط المناطق المحفوفة بالأخطار ، ومساندة وضع السياسات والأطر التشريعية. لكن هذه الهيئات نادرا ما تتوفر لها القدرة او التفويض للتأثير على القرارات المتخذة على اعلى مستوى على صعيد السياسات. اما البلدان ذات البرامج الفاعلة لإدارة مخاطر الكوارث فتتواجد بها عموما هيئات متخصصة ذات نفوذ سياسي كبير، ويوجد مقرها غالبا في مكتب رئيس الوزراء او رئيس البلاد و احيانا في مكتب وزير التخطيط او وزير المالية[16].

        ثانيا: سياسة الدولة للتقليص من اخطار الفيضانات.

شرعت الدولة المغربية منذ مدة في محاولة الحد من أخطار الفيضانات[17] على الأراضي الزراعية ومختلف المنشئات البشرية وذلك عن طريق بناء السدود كإحدى الآليات الوقائية ، إذ تم بناء  ما يزيد عن 100 سد كبير وسدود تلية. وهكذا ساعدت سياسة مشاريع تأسيس السدود بالقدرة على تجميع 1405 مليار متر مكعب من الماء ، مما سيحد من خطورة الفيضانات والرفع من المساحات المروية وتوفير الماء  للشرب و إنتاج الطاقة الكهرومائية.

كما تم إنشاء شبكة مهمة تقوم بجمع المعلومات عن الحالات الميتيرولوجية الاستثنائية عبر مختلف المحطات الموزعة عبر التراب الوطني ، فالمحطات التي تساهم في تتبع حالة الأخطار الهيدرولوجية تصل الى 175 محطة منها محطة رئيسية بمقر المديرية العامة للمياه بالرباط تتصل بشكل مباشر مع 11 محطة جهوية موزعة داخل مقرات وكالات الأحواض المائية ، وهي بدورها تقوم بجمع المعطيات عبر 165 محطة محلية موزعة بمختلف مناطق المغرب ، أي عبارة عن محطات ميتيرولوجية أو محطات هيدرولوجية لقياس الصيب[18].

كما بادر المغرب[19] منذ شهر نونبر 2008 الى وضع آليات تساعد على تقليص آثار الفيضانات، وذلك بإنشاء صندوق خاص لمكافحة أخطار الكوارث الطبيعية يهدف الى تمويل العمليات الميدانية في حالات الطوارئ ومساعدة السكان ألمتضررين والتركيز على الجانب الوقائي.

  • رهان تقليص مخاطر الفيضانات بالمغرب

للتقليص من اخطار الفيضانات لابد من وضع استراتيجية وقائية ضد هذه الاخيرة تتطلب بناءا على التجارب المأساوية التي عرفها المغرب ، اتخاذ إجراءات تقنية قبل وأثناء وبعد الكارثة

قبل الكارثة ، وبشكل عام يجب دراسة ومعرفة هذا المعطى ومخاطره بشكل علمي من خلال الرجوع ودراسة التجارب وأيضا من خلال شهادات الناس الذين عاشوا هذه التجارب وأيضا من خلال أعمال البحث ، إلا أنه لا يمكننا التعامل بشكل فعال مع هذا المعطى إذا لم تكن لدينا معرفة مسبقة بحجمه وانعكاساته على النظام الاجتماعي والطبيعي.

– لابد أن تكون هناك أيضا سياسة وطنية في مجال التربية و التحسيس بمخاطر الفيضانات واستعمال جميع وسائل التواصل المتاحة (وسائل الإعلام المتوفرة ، المدرسة ، الجمعيات…).

  • اعادة او اصلاح البنيات التحتية
  • توسيع شبكات صرف المياه

      لابد أيضا من وضع نظام للوقاية والإنذار المبكر بهدف تقليص مخاطر الفيضانات[20] من خلال ما يسمى بمحطات الإنذار المبكر وهي عبارة عن مخاطر تتوفر على شبكة من نقط الإنذار لإخبار السكان المهددين والسلطات والمصالح المختصة عبر إشارات الإنذار.
الاستعداد للخطر، ويتعلق الامر بإجراءات يتعين اتخاذها للتحكم في التدخل ، من قبيل تنظيم تمرينات افتراضية دورية تهم عمليات التدخل.

  يمكن الوقاية من مخاطر الفيضانات من خلال :

  • عمليات تهيئة أحواض مائية ولاسيما تعزيز البنيات التحتية مثل السدود والحواجز على طول مجاري الأنهار لتقليص صبيب المياه خلال موسم الامطار.
  • الاخذ في الاعتبار المناطق ذات المخاطر الكبيرة خلال وضع تصاميم التهيئة العمرانية.
  • تعزيز الاطار التشريعي او على الاقل تطبيق النصوص القانونية الموجودة حول الوقاية من مخاطر الفيضانات والموجودة في قانون 95/10 المتعلق بالماء. حيث تنص الفصول المتعلقة بمخاطر الفيضانات على منع البناء بالقرب او في سفح مجرى الأودية وكذا انجاز البنيات التحتية الضرورية للوقاية ومكافحة الفيضانات من طرف وكالات انجاز البنيات المائية التي هي مؤسسات عمومية تتوفر على الشخصية المعنوية والاستقلال المادي.
  • تنظيم حملات تطهير لاسيما في المدن لتفادي اختناق وامتلاء قنوات التطهير والصرف الصحي خلال موسم التساقطات.

اما خلال الكارثة يجب إطلاق مخطط للتدخل و الاسعاف وهذا المخطط الذي يجب ان تعده السلطات لاحتواء الكارثة يتضمن عددا من الاجراءات :

         – خلق لجن لليقظة والتنسيق داخل وزارة الداخلية بالتعاون مع مختلف القطاعات الاخرى المعنية بالفيضانات.

– الإيواء الفوري وتوزيع المساعدات الغذائية و الادوية و الاغطية على الاشخاص المتضررين.

– إنشاء صندوق «للكوارث » لتلبية حاجيات السكان المتضررين.

و بعد الكارثة يجب:

– تقييم حجم الاضرار التي خلفتها الكارثة

– إعادة تأهيل المنطقة المنكوبة.

– تعويض المتضررين.

 

هكذا، وبالرغم من الجهود المبذولة من طرف الدولة المتمثلة في تعدد المخططات وبرامج التنمية وإصدار قوانين البيئة وتدبير الموارد الطبيعية، فكل ذلك لم يمنع من تردد الاخطار التي اصبحت وتيرتها عالية وأخطارها المادية والبشرية مهولة وفي تزايد، اذ لا تزال حصيلة الفيضانات في المغرب تكون دائما كارثية لسبب بسيط وهو أن الاستراتجيات الوطنية في مجال الوقاية من مخاطر الفيضانات لا تأخذ بعين الاعتبار كل الإجراءات الضرورية لتخفيف هشاشة المغرب أمام هذا المعطى الطبيعي وتقوية قدرته على المواجهة. صحيح أنه من الصعب احتواء أسباب التغيير المناخي على المدى ألقصير ولكن تبقى بلورة استراتيجية للتأقلم مع التغيير المناخي أمرا ممكنا لتقليص الخسائر.

وختاما تتطلب فاعلية ادارة مخاطر الفيضانات [21] ان تعمل الحكومة على المستوى الوطني مع المجتمعات المحلية والأطراف الاخرى صاحبة المصلحة المباشرة و بتنسيق مع المجتمع الدولي كما يجب ان تتولى مسؤلية ضمان سلامة المواطنين وممتلكاتهم ، ولدى الحكومة الصلاحية والقدرة على تشجيع البحوث وتوفير سلع النفع العام وتنفيذ برامج واسعة النطاق للحد من مخاطر الفيضانات. كما ان الحكومة قادرة على وضع السياسيات و التشريعات التي تقدم الضوابط والحوافز الصحيحة موضع التنفيذ للحد من مخاطر الكوارث. ويستلزم العمل الفعال قوة التآزر بين الحكومات والهيئات المحلية والوكالات الخارجية المخصصة و القطاع الخاص ، والمجتمع المدني والأوساط العلمية والأكاديمية.

[1]مفهوم الخطر يعني عموماً  أي طارئ طبيعي أو تكنولوجي محتمل. وبعبارة أخرى يتعلق بأي ظاهرة أو نشاط بشري من شأنه أن يؤدي إلى خسائر في الأرواح البشرية أو خسائر في الممتلكات أو اضطرابات اجتماعية أو اقتصادية أو تدهور في البيئة. و بصفة عامة، وحسب طبيعة الطارىء، يمكن أن تكون مصادر المخاطر متنوعة، ويمكن تقسيمها الى صنفين كبيرين.
صنف المخاطر الطبيعية وهي نوعان: صنف المخاطر الجيولوجية والتكتونية مثل الزلازل والبراكين والنيازك، والصنف الثاني هو المرتبط بالمخاطر المناخية أو الهيدروجوية، مثل الفيضانات والأعاصير والجفاف والتصحر والانهيارات الأرضية وحرائق الغابات واجتياح الجراد… إلخ.  وهناك صنف المخاطر التكنولوجية، مثل المخاطر المرتبطة بتدهور البيئة والتلوث (الهواء، الماء، التربة) والمخاطر النووية والمخاطر الكيماوية والبيولوجية والمخاطر المرتبطة بالحرائق في المنشآت الصناعية والتجارية.

[2] محمد خيرات “غياب استراتجية شاملة للوقاية تجعل حصيلة الفيضانات كراثية”  جريدة الاتحاد الاشتراكي 06/12/2010

[3] http://www.aljazeera.net/news/pages/db13a486-5e8d-4b88-83c3-540219cea78f

 

[4]   بنيحي محمد: قانون الماء (.المادة 1 من قانون 10.95) منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية,سلسلة نصوص ووثائق الطبعة الأولى 2005, مطبعة المعارف الجديدة الرباط  ص 386

[5] ظهير شريف رقم 1.95.154 صادر في 18 من ربيع الاول 1416/ 16 غشت 1995 ، بتنفيذ قانون رقم 95-10 المتعلق بالماء (الجريدة الرسمية عدد 4325 بتاريخ 20 شتنبر 1995.

[6]  محمد خيرات ” غياب استراتيجية شمولية تجعل حصيلة الفيضانات كارثية”  جريدة الاتحاد الاشتراكي 06/12/2013

[7]  المواد 94-97 من قانون 95-10 السالف الذكر

[8]  أحدثت هذه الوكالة بمقتضى مرسوم رقم 475-00-2 الصادر في 17 شعبان الموافق ل 14 نونبر 2000 و الصادر بالجريدة الرسمية بتاريخ 23 نونبر 2000 عدد 4850

[9]  الهيدرولوجية  او علم المياه هي دراسة المياه وتوزيعها فوق الأرض ودراسة صفاتها وخصائصها الطبيعية والكيميائية وتفاعلها مع البيئة والكائنات الحية. اما الميترولوجيا فهو علم إجراء عملية القياس مع تحديد نسبة الخطأ المترتبة على عملية القياس. ويشمل هذا العلم جميع النواحي النظرية والعملية في القياس. ومن ثلاث كميات رئيسية هي الطول والكتلة والزمن يمكن اشتقاق جميع الكميات الميكانيكية الأخرى مثل المساحة والحجم والتسارع والقدرة. وأي نظام شمولي للقياس العملي يجب أن يتضمن ثلاث أسس على الأقل، تشمل قياس الكميات الكهرومغناطيسية، ودرجة الحرارة، وشدة الإشعاع مثل الضوء.

[10] EL Yaagoubi Mohamad ‘’permis de construire et environnement au Maroc’’  revue marocaine d’administration local et de développement n 44-45 mai-aout 2002 p70.

[11]  الجريدة الرسمية، بتاريخ 15/07/1992. ظهير شريف رقم 1.92.31 صادر في 15 من ذي الحجة 1412 /17 يونيو 1992. بتنفيذ القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير.

[12] Rappeur  final «  adaptation ou changement climatique et aux désastre  naturel des villes côtières  d’Afrique du nord » 23 aoute 2011 . p :6

[13] La préservation de l’environnement et le développement durable dans les textes  juridiques Marocains : Ministère de l’aménagement  du territoire et de l’Eau  et de l’environnement.

[14] أنواع بطيئة : تتكون من هطول الأمطار المستمر، أو ذوبان الثلوج بسرعة تتجاوز قدرة قناة النهر. وتتمثل أسبابها في الأمطار الغزيرة الموسمية، والأعاصير الاستوائية ، والرياح والأمطار الحارة التي تؤثر على تجمع الثلوج. العقبات غير المتوقعة  للصرف، مثل انهيار ارضى أو ثلجى، أو من الحطام يمكن أن يسبب بطء الفيضانات النظري للعرقلة.

أنواع سريعة : يشمل الفيضانات الناجمة عن هطول الأمطار(كثافة العواصف الرعدية) أو الإفراج المفاجئ من المنبع وراء مصادرة خلف السد، والانهيارات الأرضية، أو الجليدية.

الفيضانات الساحلية:  وغالبا ما تكون  بسبب العواصف الشديدة البحرية، أو نتيجة لخطر آخر مثل تسونامي أو إعصار). اندفاع العواصف، وإما من الأعاصير المدارية أو الإعصار خارج المدار

[15] محمد خيرات في حوار مع الاستاذ والباحث  بكلية ابن مسيك اللبيضاء ، “غالم زهور ” غياب استراتيجية شمولية للوقاية تجعل حصيلة الفيضانات في المغرب كارثية / لاتحاد الاشتراكي 06.12.2010

[16]  تقرير سينداي ” ادارة المخاطر من اجل القدرة على مواجهة المخاطر في المستقبل” حكومة اليابان، البنك الدولي،  والصندوق العالمي للحد من الكوارث والتعافي من اثارها.  ص 25

[17] شاكر الميلود “الاخطار الهيدرولوجية على السطح و المدارات الحضرية بالمغرب” دراسة بشعبة الجغرافيا كلية الاداب والعلوم الإنسانية الرباط.  ص 6

[18]  شاكر ميلود مرجع سابق ص 6

[19] BANQUE AFRICAINE DE DEVELOPPEMENT, ROYAUME DU MAROC PROPOSITION VISANT L’OCTROI D’UN DON DE  1.000.000,00 USD AU TITRE DE L’AIDE D’URGENC E AU PROGRAMME D’ACTIONS POUR ATTENUER LES EFFETS DES INONDATIONS DANS LA REGION DU GHARB, Novembre 2009 ; p :3

[20] ZAHOUR G  ” STRATEGIES DE GESTION DES RISQUES D’INONDATIONS AU MAROC  “Chercheur à la Faculté des Sciences Ben M’Sik, Casablanca

[21] تقرير سينداي ” ادارة المخاطر من اجل القدرة على مواجهة المخاطر في المستقبل” حكومة اليابان، البنك الدولي،  والصندوق العالمي للحد من الكوارث والتعافي من اثارها.  ص 25