مجهودات المملكة العربية السعودية في المجال البيئي.

عبد الله بن ناصر آل داوود الطالب الباحث بسلك الدكتوراه تخصص القانون الخاص- بجامعة محمد الخامس السويسي - سلا

300

المقدمة

تقتضي العولمة القانونية وجود قوانين عالمية، ولكن ذلك يحتاج إلى من يسنها، وليس في الوقت الحاضر وجود لا لحكومة “عالمية”، ولا “لبرلمان عالمي”، يعبر عن إرادة “مواطنين عالميين”كما هو عليه الحال في التنظيم الداخلي للدولة ، مما ألزم الاستعانة بمفاهيم جديدة لاستيعاب أبعادها، وهي على كثرتها راجعة إلى مفهوم أساس، وهو الحكامة العالمية، بإعتبارها الإطار التنظيمي والمؤسسي للعولمة، إذ مدلولها يشير إلى التدبير الجماعي للمشكلات العالمية التي لا سبيل للدولة إلى فهمها أو حلها على انفراد، وخصوصا المشكلات الأمنية والبيئية والصحية، وغيرها مما يتجاوز الحدود الوطنية، مما يدعو إلى شبكة من المؤسسات والآليات والعلاقات للتنسيق بين الدول والأسواق الأفراد والجماعات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية والشركات، قصد التوصل إلى سياسات وقرارات وقوانين موضوعة على مقتضى الحكامة العالمية .

ويعتبر المجال البيئي من أهم هذه المجالات التي تتجاوز الحدود الوطنية، والتي سعت المملكة العربية السعودية إلى الارتقاء به إلى المستوى المتعارف عليه عالميا، مستعينة بمجموعة من الآليات والحلول.

ولرصد مجهودات المملكة في هذا المجال، سنعمل على ادراج مجموعة من العناصر المهمة في هذا المقال، من خلال مبحثين.

المبحث الأول : نخصصه لدراسة البيئة من خلال الخطط الخمسية للتنمية بالمملكة العربية السعودية.

المبحث الثاني: سيعنى بدراسة الإطار القانوني المنظم لحماية البيئة بالمملكة العربية السعودية.

المبحث الأول: التنمية البيئية من خلال الخطط الخمسية للتنمية

تعتبر البداية الحقيقية للتنمية البيئية بالمملكة العربية السعودية والدراسات العلمية المتعلقة بها عندما فكرت المملكة بوضع الخطط التنموية الخمسية، والتي ركزت فيها على قضايا البيئة، وبدأت في عرضها وتوضيحها ووضع الحلول التي تناسبها، ولعل أهم ما جاء في هذه الخطط الخمسية على مستوى البيئة ما يلي:

الخطة الأولى: امتدت ما بين 1390 إلى 1395ه الموافق ل 1970- 1975م، وركزت هذه الخطة على قضايا البيئة ذات التأثيرات السلبية على الصحة، حيث دعت مثلا إلى تحسين أوضاع حركة المرور في الشوارع، وإنشاء احتياجات البلديات من المسالخ وغيرها، وبذلت الجهود الكبيرة لإكمال شبكات المجاري في المدن الرئيسية، كما عنيت بسوء استغلال موارد المياه بسبب الأساليب المتبعة في الري.

الخطة الثانية: ما بين 1395 إلى 1400ه الوافق ل 1975 إلى 1980م، وجاءت هذه الخطة لتزيد المفاهيم البيئية عمقا عند الطفرة التي صاحبت البترول وزيادة انتاجه، فمثلا في مجال الصناعة  تم اعتماد برنامج تجميع الغاز ومعالجته، في حين كان يتم حرقه فوق الآبار مما يسبب كثيرا من الثلوث البيئي، كما تم التركيز على ضرورة ترشيد المياه ودراسة الاستفادة من مياه الصرف الصحي.

الخطة الثالثة: ما بين 1400 إلى 1405ه موافق ل 1980- 1985م، ودعت فيه إلى إعادة التركيز على ما تم اعتماده في السابق، كما تم إدخال هدف حماية البيئة للمرة الأولى في خطط قطاع النفط النامي، وكذلك دعت إلى تنفيذ إجراءات حماية البيئة السياحية الداخلية وكذا موارد المياه. كما أُدخل البعد البيئي في حسابات جدول المشاريع، وضمنت أمن الملاحة البحرية وسلامتها، كما تم توفير معدات لمواجهة تلوث المياه الناجم عن ناقلات النفط، والاهتمام بمناطق البضائع الخطيرة في جميع موانئ المملكة، ولعل أهم شيء تم انجازه خلال هذه الفترة إدراج خطة لمصلحة الأرصاد وحماية البيئة حيث يعتبر أساس خدمات حماية البيئة وقاعدتها.

الخطة الرابعة: ما بين 1405 إلى 1410ه موافق ل 1985- 1990، وشهدت نوعا من تطور الوعي والمفهوم البيئي، وكانت المسألة الجوهرية خلال هذه الفترة هي تطبيق اللوائح والمواصفات البيئية في خطة مصلحة الأرصاد وحماية البيئة، كما شجعت القطاعات المختلفة على المحافظة على البيئة وتراث المملكة.

الخطة الخامسة: ما بين 1410 إلى 1415ه موافق 1990- 1995، وقد اعتمدت تخصيص المرافق العامة والتركيز على التنمية الإقليمية، وعالجت موضوع البيئة والتنمية وحددت السياسات المناسبة للتعامل مع تلك القضايا، وأبرزت المخاطر التي بدأت تظهر في بيئة المملكة مثل : التلوث والأخطار الناتجة عن المعالجة غير المناسبة للنفايات بأنواعها وتلوث البحار ووضع الأمر البيئي في الاعتبار، كما ركزت على طرق رفع الوعي والقيم والفهم البيئي لدى السكان.

الخطة السادسة:  ما بين 1415 إلى 1420ه الموافق 1995- 2000م ، والتي شكلت المسألة البيئية فيها المكانة الرئيسية، ففي قطاع الطاقة تم التركيز على ضرورة حماية بيئة المملكة من التلوث الناتج عن العمليات المختلفة المتعلقة بالنفط والعمل على توفير الجازولين الخالي من الرصاص، وكذا الضغوط البيئية الناجمة عن التوسع العمراني، وبصفة عامة فقد تم تناول مبدأ التنمية المستدامة، كما تم تطوير إدارة استخدام الأراضي ومكافحة تصحر التربة والانجراف.

ولعل المتتبع لهذه الخطط يدرك أن المملكة تحاول ما أمكن تحقيق التنمية البيئية المرجوة ليس فقط داخل المملكة ، وإنما كذلك على صعيد جميع بلدان العالم.

ولقد توجت هذه الخطط التنموية الخمسية بمجموعة من الإنجازات البيئية، يمكن إدراج بعضها كالتالي:

  • اعداد وثيقة لبرنامج عمل القرن الحادي والعشرين، والتي حددت أولويات التنمية السعودية في إطار مفاهيم التنمية المستدامة.
  • تشكيل اللجنة الوزارية للبيئة عام 1415ه موافق 1995م.
  • تأسيس مشروع التوعية البيئية السعودية بالتعاون بين مصلحة الأرصاد وحماية البيئة والقطاع الخاص.
  • تخفيض منسوب المياه الأرضية في نحو 40% من الأراضي المتضررة من ذلك مدينة الرياض.

و غير هذه الإنجازات  كثير، وإذا كان هذا ما يتعلق بجانب الخطط التنموية الخمسية وما تضمنته حول البيئة، فما هي ياترى مميزات القانون البيئي؟

المبحث الثاني: القانون الناظم للبيئة بالمملكة العربية السعودية

عنى المنظم السعودي بتنمية البيئة وأولاها اهتمامه ابتداء بالخطط التنموية الخمسية، وصولا إلى إصدار النظام العام للبيئة واللائحة التنفيذية المتعلقة به، بتاريخ 27/7/1422ه، والذي جاء في سياق مجموعة من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتي تستهدف المملكة من خلالها تحقيق التنمية الشاملة وعلى جميع المستويات وصولا إلى التنمية المستدامة، متأثرة في ذلك بالمناخ العالمي ومحاولة بذلك التكيف مع المحيط الدولي، وما تقتضيه من التزامات متبادلة، ولعل ما يدل على هذا التأثير ما جاءت به مقدمة النظام العام للبيئة حيث جاء فيها التالي:

” وفي حاضرنا البيئة وقضاياها وإدارتها وحمايتها تستقطب اهتمام العالم…

ولكوننا ليس بمعزل عن العالم نتأثر بما حولنا فقد أولت حكومة خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله اهتماما كبيرا بحماية البيئة وإنماء مواردها…. وقامت المملكة ممثلة في الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة بدورها الريادي في هذا المجال من خلال وضع النظام العام للبيئة ولائحته التنفيذية….[1]  .

ولإبراز ما جاء به  النظام العام للبيئة، سنقوم بدراسته وذلك على مستوى الشكل والمضمون.

أولا: على مستوى الشكل

يتكون النظام العام للبيئة السعودي من 24 مادة موزعة على أربعة فصول معنونة كالتالي:

الفصل الأول: تعاريف وأهداف

(يتكون من مادتين الأولى والثانية)

الفصل الثاني: المهام والالتزامات

( من المادة الثالثة إلى المادة السادسة عشر)

الفصل الثالث: المخالفات والعقوبات

( من المادة السابعة عشر إلى المادة الحادية والعشرون)

الفصل الرابع: أحكام عامة

( من المادة الثانية والعشرون إلى المادو الرابعة والعشرون)

وعلى العموم فقد جاء هذا النظام من حيث الشكل واضح وبعيد عن الغموض، حيث إن صياغته الشكلية  لا تتعب المشتغل بالمادة القانونية للبيئة.

ثانيا: على مستوى المضمون

إذا كان الهدف الأساس من هذا النظام هو تنمية العمل البيئي المتوازن، بجانب الاهتمام بالبيئة والحفاظ على مواردها الطبيعية، ورفع مستوى الوعي البيئي في المجتمع، وهو ما أكدت عليه مقدمة النظام، فهل المقتضيات المضمنة فيه تحقق ذلك؟ وللإجابة على ذلك ، سنعمل على دراسة وتحليل مضمون النظام.

نبدأ بالمادة الأولى من الفصل الأول ،والتي تتميز بالدقة والوضوح في تحديد  في تحديد المفاهيم الأساسية في مجال البيئة، فعلى سبيل المثال حددت مفهوم البيئة كالتالي:” كل ما يحيط بالإنسان من ماء وهواء ويابسة وفضاء خارجي، وكل ما تحتويه هذه الأوساط من جماد و نبات وحيوان وأشكال مختلفة من طاقة ونظم وعمليات طبيعية وأنشطة بشرية”.

كما حددت المادة مفهوم الجهة المرخصة والتي اعتبرتها: “أي جهة مسئولة عن ترخيص مشروعات ذات تأثير سلبي محتمل على البيئة. كما عرفت حماية البيئة بأنها “المحافظة على البيئة ومنع تلوثها وتدهورها والحد من ذلك”

أما المادة الثانية فجاءت بتحديد أهداف هذا النظام، ونرى أنها أهداف تساير ما هو متعارف عليه دوليا، ولعل أبرز هذه الأهداف ما يلي:

  • المحافظة على البيئة وحمايتها وتطويرها، ومنع التلوث عنها،
  • المحافظة على المواد الطبيعية، وتنميتها وترشيد استخدامها،
  • جعل التخطيط البيئي جزء لا يتجزأ من التخطيط الشامل للتنمية في جميع المجالات الصناعية والزراعية والعمرانية وغيرها،
  • رفع مستوى الوعي بقضايا البيئة، وترسيخ الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية للمحافظة عليها وتحسينها، وتشجيع الجهود الوطنية التطوعية في هذا المجال.

أما الفصل الثاني فقد نص على مجموعة من المقتضيات تنظم مهام الجهات الوصية على المجال البيئي، والتزامات أصحاب المشاريع بشأن البيئة، والتي تسعى المملكة من خلالها تحقيق التنمية المستديمة والتي تعتبر البيئة أحد أهم عناصرها، فعلى سبيل المثال ،فقد نصت المادة السادسة عشرة على إلزام صناديق الإقراض بجعل الالتزام بأنظمة ومقاييس حماية البيئة شرطا أساسيا لصرف دفع القروض للمشروعات التي تقوم بإقراضها.

كما أن الفصل الثالث ركز على جانب مهم من حماية البيئة وتنميتها وهو الجانب المتعلقة بالحماية المدنية والجنائية، وقد خصص له خمسة مواد من مواد النظام بغرض محاربة الخلل الذي قد يلحق أحد المقاييس أو المعايير البيئية، وذلك إما بإزالتها أو إيقافها أو معالجتها.

وعلى سبيل المثال ندرج المادة الثامنة عشرة والتي نصت على التالي: “مع مراعاة المادة (230) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الموافق عليها بالمرسوم الملكي ذي الرقم (م/17) والتاريخ 11/9/1416ه ومع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد تقررها أحكام الشريعة الإسلامية أو ينص عليها نظام آخر، يعاقب من يخالف أحكام المادة الرابعة عشرة من هذا النظام بالسجن لمدة لا تزيد على خمس سنوات أو بغرامة مالية لا تزيد على خمسمائة ألف ريال أو بهما معا مع الحكم بالتعويضات المناسبة، وإلزام المخالف بإزالة المخالفة، ويجوز إغلاق المنشأة أو حجز السفينة لمدة لا تتجاوز تسعين يوما، وفي حالة العود يعاقب المخالف بزيادة الحد الأقصى لعقوبة السجن على ألا يتجاوز ضعف المدة أو بزيادة الحد الأقصى للغرامة على ألا يتجاوز ضعف هذا الحد أو بهما مع الحكم بالتعويضات المناسبة وإلزام المخالف بإزالة المخالفة ويجوز إغلاق المنشأة بصفة مؤقتة أو دائمة أو حجز السفينة بصفة مؤقتة أو مصادرها…..”

وعموما لقد كان النظام العام للبيئة من خلال مقتضياته خطوة إيجابية نحو تحقيق التنمية المستديمة والمحافظة على البيئة.

الخاتمة:

يتبين من خلال تتبع الخطط التنموية الخمسية وكذا النظام العام للبيئة كإطار منظم لحماية البيئة، أن المملكة العربية السعودية تسعى جاهدة من أجل المحافظة على البيئة والارتقاء بها، ومنع تدهورها أو تلوثها ،وترسيخ مبادئ التنمية المستدامة، وهي بذلك تعد في مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال .

المراجع المعتمدة:

  • عشرون عاما من إنجازات التخطيط التنموي، 1390-1410، الإعلام الداخلي، المراكز الإعلامية، وزارة الإعلام والشؤون الإعلامية، دار الموسوعة العربية للنشر والتوزيع،1411، الرياض، المملكة العربية السعودية.
  • خطط التنمية من الأولى إلى السادسة، وزارة التخطيط، الرياض المملكة العربية السعودية، 1390- 1395/ 1395-1400/ 1400-1405 /1405- 1410/ 1410- 1415/ 1415- 1420.
  • النظام العام للبيئة السعودي واللائحته التنفيذية الصادر بتاريخ 27/7/1422ه .

المحافظة على البيئة تستحوذ على اهتمام القطاعات المختلفة في السعودية، مقال منشور على الموقع الإلكتروني، http://www.aawsat.com، بتاريخ 18 جمادى الثانية 1424ه.

[1]  مقدمة صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن ناصر بن عبد العزيز، الرئيس العام للأرصاد وحماية البيئة.