قوانين المالية انعكاس لهيمنة الحكومة على العمل التشريعي

209

 

 

قوانين المالية انعكاس لهيمنة الحكومة على العمل التشريعي

 

 قوانين المالية انعكاس لهيمنة الحكومة على العمل التشريعي

محمد الغواطي 

باحث بسلك الدكتوراه وحدة الحياة السياسية والدستورية بالمغرب – السنة الثالتة –

جامعة محمد الخامس السويسي

البريد الالكتروني:ghouati25@hotmail.fr

يحظى قانون المالية باهتمام كبير وتتبع واسع من قبل مختلف الفاعلين، وأهميته ليست فقط بالنسبة للحكومة باعتبارها هي من تتولى إعداده وإحالته على السلطة التشريعية للمصادقة عليه وتنفيذه فيما بعد، وتضمن من خلاله تنفيذ سياستها في مختلف المجالات بل أيضا لكون تأثيره يكون فوريا مباشرة بعد دخوله حيز النفاذ على المعنيين بقراراته، ومن هذا المنطلق يبقى الخضوع للأحكام وفصول الدستور والقانون التنظيمي للمالية الضابط لمسطرة إعداده والمصادقة عليه وتنفيذه ومراقبة تنفيذه واجبا من تجاوز كل تعدي على سلطة على سلطة أخرى ولما كان الحيز  الزمني محدود ويتطلب دراسة جميع بنود مشروع قانون المالية المحال إلى البرلمان للمصادقة عليه فإن الممارسة أثبتت وتنبث تضمينه مقتضيات مخالفة للدستور والقانون التنظيمي للمالية وهي ممارسة مشينة تنطوي على لعبة الحيلة وخداع ممثلي الأمة على مستوى جهل أغلبهم للمسطرة التشريعية وافتقاد الفرق البرلمانية  للكوادر الإدارية المتخصصة في العمل البرلماني لتنبيههم لخطورة الخرق للدستور  وتفويت لفرصة الإحالة على المجلس الدستوري للنظر في مدى مطابقته لأحكام الدستور وهو ما سنبينه بالدليل والبرهان في إطار هاته المساهمة العلمية المتواضعة.

المحور الأول : مشروع قانون المالي ومراسيم التأهيل التشريعي.

إذا كان المجال المالي للبرلمان وتدخله  في المسطرة التشريعية لمشروع القانون المالي أي المصادقة، هو حق يكفله الدستور باعتبار أنه بدون هذه المرحلة لا يمكن لهذا الأخير أن يدخل حيز التنفيذ، فإنه بالإضافة إلى عامل الزمن الذي لا يسعف أعضاء مجلسي البرلمان من  التأني والتدقيق الضروريين لمساءلة الحكومة على مضمون هذا المشروع، في مقابل مشروع قانون ليس كباقي المشاريع الأخرى يتضمن أرقاما وحسابات وصفحات بالمئات ويطغى عليه النقاش السياسي على التقني ويعتبر تضمينه مقتضيات خارج الغاية التي يهدف إلى تحقيقها مشروع قانون المالية بمثابة استخفاف بمهام التمثيل البرلماني، حيث أصبح اليوم عبارة عن وسيلة لتمرير مجموعة من المقتضيات في تعارض تام مع مقتضيات المادة الثالثة من القانون التنظيمي للمالية التي تنص على أنه: ” لا يمكن أن يتضمن قانون المالية إلا أحكاما تتعلق بالموارد والتكاليف، أو تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحسين المداخيل، وكذا مراقبة استعمال الأموال العمومية”.

إن القراءة المتأنية لهذا الفصل تفيد أن الحكومة لا يمكنها أن  تضمن مشروع قانون المالية، إلا الأحكام المتعلقة  فقط بالموارد والمداخيل أو تلك التي تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحسين المداخيل، على اعتبار أن المشرع استعمل عبارة “القانون المالي” وليسس عبارة مشروع القانون المالي لأن الأولى تعني الصيغة التي يجب أن يكون عليها مشروع قانون المالية بعد التصويت عليه، أما الثانية فهي تعني الصيغة التي يتعين أن يكون عليها مشروع قانون المالية، بعد إيداعه من قبل الحكومة لدى مكتب أحد مجلس النواب، ونعتقد أن ما يقصده المشرع هو العبارة الثانية أي مشروع قانون المالية وليس العبارة  الأولى أي قانون المالية، لأن القراءة الحرفية لمضمون المادة تفيد عكس ما جاء فيها، وبالتالي فإنه يتعين تفادي هذه الهفوة في أول تعديل قادم للقانون التنظيمي للمالية.

وإذا كان مشروع قانون المالية من أهم المشاريع التي تبين درجة الامتياز الذي تحظى بها الحكومة فإن هذا المشروع يتضمن جزأين أو قسمين.

* القسم الأول: ويتضمن التعديلات الخاصة بالترسانة المالية من تعديل لضريبة أو إلغاءها أو الرفع منها، أو تعديل شروط تحصيل الدين العمومي.

* القسم الثاني : ويهم الميزانية العامة أي الموارد والنفقات. ومن هنا يتبين أن كل شطر من المشروع يتطلب تهيئي مشروع مستقل بذاته1.

إن تقليص دور البرلمان وصلاحياته في إطار المصادقة على مشروع قانون المالية يعود إلى سببين، ويتعلق الأول بالتزايد المتصاعد لهامش تأهيل الحكومة للتشريع، فالفصل 70 من دستور المملكة ينص على أنه ” يمارس البرلمان السلطة التشريعية

يصوت البرلمان على القوانين، ويراقب عمل الحكومة ويقيم السياسات العمومية.

للقانون أن يأدن للحكومة أن تتخذ في ظرف من الزمن محدود، ولغاية معينة بمقتضى مراسيم تدابير يختص القانون عادة باتخادها، ويجري العمل بهذه المراسيم بمجرد نشرها. غير أنه يحب عرضها على البرلمان بقصد المصادقة، عند انتهاء الأجل الذي حدده قانون الإذن بإصدارها، ويبطل قانون الإذن إذا ما وقع حل مجلسي البرلمان أو أو أحدهما. “ لكنه وعلى اعتبار أن الحكومة هي التي تقوم بتحضير مشروع قانون المالية كما تنص على ذلك المادة 32 من القانون التنظيمي للمالية، فإن تطبيق هذا الفصل أصبح عملية أوتوماتيكية، ودائمة في كل قوانين المالية، ولم يعد أي قانون للمالية يخلو من نصوص تأذن للحكومة بالتشريع مكان    البرلمان، فقبل 1997-1998 كان قانون المالية يتضمن 3 مواد ، كمواضيع للتأهيل، المادة الثانية في فقرتها الأولى، المتعلقة بتغيير أسعار أو وقف استيفاء الرسوم الجمركية وغيرها، ومادتان أخريتان تتعلقان بالافتراضات الداخلية والخارجية، إلا انه ومنذ 1997-1998 أصبح قانون المالية، يتضمن 4 مواد كمواضيع لتأهيل الحكومة للتشريع، أي نفس المواضيع السابقة، وأضيفت إليها مادة تتعلق بموضوع التدبير الفعال للدين الخارجي، وابتداء من سنة 1999 زيادة على المواد المذكورة، فقد وسع القانون التنظيمي للمالية رقم 98-7 الذي صادق عليه البرلمان في دورة أبريل 1998، من مجال تأهيل الحكومة، في المادة 18 المتعلق بإحداث الحسابات الخصوصية، خلال السنة بمرسوم، وغيرها، مما يعني أن البرلمان أصبح بالنسبة للجزء الكبير من مشروع قانون المالية هو المشرع، الاستثنائي والحكومة هي المشرع  الأصلي1.

وإذا كان الفصل70من الدستور، استمده المشرع الدستوري المغربي، من المشرع الدستوري الفرنسي لسنة 1958، وفق إجراءات ومساطر يتعين احترامها، والالتزام بها من أجل إعمال مسطرة التفويض التشريعي، ومن بينها المصادقة على تلك التدابير من أجل إعطائها قوة قانونية، وكذلك فإن الحكومة مطالبة بتحديد الأهداف التي تطلب الإذن من أجلها لاتخاذ تدابير تشريعية، في إطار مشروع قانون المالية، وبانتفاء هذه الشروط فإنه لا يمكن الحديث عن تفويض تشريعي في إطار ضوابط المادة 38 من الدستور الفرنسي1، وهذه المبادئ كرسها القضاء الدستوري الفرنسي والتي أعطت وأفرزت ضوابط استعمال قانون الإذن، إضافة إلى أن عدم عرض هذه التدابير التي تتخذها الحكومة في إطار ضوابط الفصل 38 من الدستور الفرنسي يدخلها في خانة البطلان.

وبالتالي فعندما نتحدث عن الترخيص البرلماني في إطار مشروع قانون المالية فإن الأمر يثير العديد من الإشكالات حول المصادقة على التدابير التي اتخذتها الحكومة، في إطار قانون المالية للسنة المالية الأخيرة، والتفويض التشريعي الذي يمنحه البرلمان بموجب قوانين مالية السنة القادمة، هو كل ترخيص يمنحه البرلمان للحكومة، قصد ممارسة الوظيفة التشريعية في مجال معين ولمدة معينة ولتحقيق هدف معين2.

كما أن غياب رهانات الإحالة على القضاء الدستوري يجعل مشروع القانون المالي مجالا لتمرير مقتضيات وتشريعات أجنبية عن الغاية التي حددها الدستور والقانون التنظيمي للمالية، حيث أنه في التاريخ الدستوري المغربي، لم يسجل إحالة قانون المالية على القضاء الدستوري سوى مرات معدودة، نذكر منها ثلاث حالات:

الحالة الأولى : فقد تم فيها إحالة قانون ذي مصدر برلماني (مقترح قانون) يهدف إلى تعديل إحدى مواد قانون المالية، ساري المفعول على المجلس الدستوري وذلك بتاريخ 22 مارس 2000، ويتعلق الأمر بإحالة القانون رقم 24.00 القاضي بتغيير المادة 20 من قانون المالية رقم 99.26 للسنة المالية 2000 على المجلس الدستوري من طرف الوزير الأول.

 

الحالة الثانية: كانت في نهاية سنة 2001، وكانت تتعلق بإحالة بعض مواد قانون المالية رقم 01.44 للسنة المالية 2002، على المجلس الدستوري من طرف 97 عضوا بمجلس النواب يمثلون فرق المعارضة.

الحالة الثالثة: وكانت في نهاية سنة 2012 وتتعلق بإحالة بعض مواد قانون المالية رقم 115.12  بث فيه المجلس الدستوري بعدم الإختصاص لكون إحالته تمت بعد إصدار الأمر بتنفيذه.

غير أن المجلس الدستوري لم يتعامل مع الطعنين الأولين  بنفس المعاملة، إذ من جهة لم يتجاوب، في قراره المتعلق بالطعن المقدم من طرف النواب مع هذا الطلب1،  ومن جهة أخرى اعتبر أن أحكام القانون رقم 24.00 القاضي بتغيير المادة 20 من قانون المالية رقم 26.99 للسنة المالية 2000 غير مطابقة للدستور2.

إن التأهيل التشريعي يمكن الحكومة من تمرير تشريعات يتعين أن يخصص لها الوقت الكافي للدراسة والمناقشة، في حين أن الواقع يؤكد أن الحكومة تستغل الوقت المحدود لأعضاء مجلسي البرلمان في مناقشة مشروع القانون المالي، لتضمينه بعد التعديلات على التشريعات القائمة مثل التشريعات الضريبية،

وقد أكد المجلس الدستوري في إحدى اجتهاداته بمناسبة نظره في مدى مطابقة القانون التنظيمي للمالية، بل القضاء الدستوري عموما الذي انصب على فحص دستورية بعض المواد التي تضمنها القانون التنظيمي رقم 95.29 المتعلق بتغيير ظهير 1972 بمثابة قانون التنظيمي للمالية، حيث أكد في اجتهاده بمناسبة مراقبة المادة 18 و 43 من القانون التنظيمي للمالية المتعلق ببلورة الفصل 45 من الدستور من دستور 1996، المنظم لتأهيل الحكومة والإذن لها بالتشريع بمراسيم في موضوع قوانين المالية، حيث اعتبر أنه لكي تكون الأحكام الواردة في المادة 18، والمتعلقة بتأهيل الحكومة لإحداث حسابات خصوصية للخزينة خلال السنة بمرسوم مطابقة للدستور، يجب أن يكون القانون الآذن في إصدار ذلك المرسوم دقيقا، وأن يتضمن تحديد صنف الحساب المطلوب إحداثه، والغرض من ذلك، وألا يصاغ بعبارات عامة ومجردة، تنقل من قانون مالية إلى آخر إذ أن ذلك سيقضي في نهاية التحليل إلى أن يكتسي الإذن طابع الدوام، فيصبح قاعدة عامة، ويتحول إلى تفويض من المشرع لجزء من اختصاصاته إلى السلطة التنفيذية إلى تفويض دائم، ولذلك اشترط مراعاة تلك الشروط الواردة لكي تكون تلك الأحكام مطابقة للدستور1

وقد أتار ذلك نقاشا فقهيا واسعا حول اكتساب تلك التدابير التشريعية المتخذة قوة القانون  وحاول بعضهم الإجابة عن هذا التساؤل وذلك بالاستناد إلى مجموعة معطيات ومؤشرات تختلف حسب زاوية مقاربة هذه المراسيم ، فقد استند البعض إلى المعيار الموضوعي، ومنهم الأستاذ مصطفى قلوش ، واعتبرها ذات طبيعة تشريعية بحكم أن هذه المراسيم تدخل في مجال القانون و يمكنها إلغاء أو تعديل كافة القوانين العادية وبالتالي استثناء القواعد الدستورية و القوانين التنظيمية التي تعلوها منزلة و مرتبة[1]  ، وهو ما أكده الأستاذ عبد الله حداد، حيث اعتبر أن السلطة التنفيذية عندما تتولى مهمة التشريع ، و استنادا إلى المعيار الشكلي ، فإنها تتخذ المراسيم التشريعية بصفتها سلطة تشريعية لا سلطة إدارية، و عليه فعندما تتاح الفرصة للمجلس الأعلى ليبدي رأيه، فلا شك أنه سيرفض النظر فيها لاعتبارها أعمالا صادرة من سلطة تشريعية[2] .

و يؤخذ على هذا الموقف كون الاعتراف لهذه المراسيم بالصبغة القانونية يؤدي إلى تحصينها ضد رقابة القضاء الإداري، حيث تقبل فقط رقابة القضاء الدستوري و التي لا يمكن العمل بها إلا بعد المصادقة البرلمانية على هذه المراسيم وفقا للفقرة 3 من الفصل 81 من الدستور، و ينجم بالتالي عن هذه الوضعية تجاوزات لقواعد قانونية أسمى منها درجة و مرتبة مما تتضرر معه حقوق ومصالح المواطنين[3] .

هذه المؤاخذة دفعت بعض الفقه ، ومنهم الأستاذ عبد القادر باينة ، إلى الدفاع عن الطبيعة التنظيمية لمراسيم التفويض التشريعي، و إن كان مضمونها تشريعيا، ليس فقط في معنى القرارات الإدارية التنظيمية ذات هذه الصفة والمعروفة بالقرارات التنظيمية المستقلة، بل هي تدخل في المجال التشريعي الوارد في الفصل 46 من الدستور أساسا  وفي فصول أخرى ترتبط بمجال القانون، فإنها تعتبر نوعا من أنواع القرارات التنظيمية ما دام البرلمان لم يصادق عليها ، و بالتالي تخضع للنظام القانوني الذي تخضع له هذه القرارات من حيث التدرج ومن حيث قابلتها للإلغاء[4]  ، لأنها لو كانت ذات طبيعة تشريعية لفقدت المصادقة البرلمانية موجباتها، فالنص التشريعي لا يمكن أن يصادق على نص تشريعي آخر كما أن هذه المراسيم التفويضية لا تسري عليها مجموعة من الفصول الدستورية التي تطبق على القانون، فالفصل 45 من دستور 1996 يؤكد في فقرته الأولى على أن القانون يصدر عن البرلمان بالتصويت وهذه المراسيم لا يصوت عليها البرلمان إلا عند عرضها على المصادقة، كما أن الملك يصدر الأمر بتنفيذ القانون حسب الفصل 26 وهو الأمر الذي لا ينطبق على هذه المراسيم، وكلها قرائن تؤكد على أن هذه المراسيم التفويضية بالرغم من موضوعها التشريعي فهي تظل مراسيم تنظيمية.

ولقد حاول بعض الفقهاء ( محمد أشركي) التوفيق بين المعيارين الشكلي والموضوعي في دراسة هذه المراسيم، وبالتالي اعتبرها ذات طبيعة مزدوجة، فهي تنظيمية باعتبارها صادرة عن سلطة إدارية، وتشريعية باعتبارها تتناول موضوعا يندرج في مجال القانون [5] .

وترتبط بإشكالية طبيعة مراسيم التفويض التشريعي، إشكالات أخرى فرعية أبرزها تلك المتعلقة بمرتبة هذه المراسيم ضمن هرمية تدرج القوانين. فما هي مرتبتها ضمن البناء القانوني ؟

 

 المطلب الثاني: غياب رهان الاحتكام إلى القضاء الدستوري

لقد نص الدستور على إحالة القوانين إلى المجلس الدستوري للنظر في مدى مطابقتها لأحكام الدستور، وميز بين الإحالة الإجبارية والاختيارية، حيث أن الأولى تتعلق بالقوانين التنظيمية والنظامين الداخليين لمجلسي البرلمان، حسب مقتضيات الفصل 81 من الدستور الذي نص على أن القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، والنظامان الداخليان لمجلسي البرلمان قبل الشروع في تطبيقه، تحال على المجلس الدستوري ليبث في مطابقتها للدستور، وإذا كانت إجبارية الإحالة   تم التنصيص عليها  في إطار دستور 1962، وبعده دستور 1996، فإنه فيما يتعلق بالإحالة الاختيارية للقوانين العادية على المجلس الدستوري ، لم تتم دسترة هذه الإمكانية، إلا بموجب الدستور المراجع لسنة 1992، وتأكدت كذلك في ظل دستور 1996 2، وقد بين القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الدستوري، المسطرة التي يتعين إتباعها من قبل الجهات التي أوكل لها  الدستور مهمة الإحالة3.

وإذا كانت قوانين المالية تندرج ضمن القوانين العادية، حيث أن إحالتها إلى المجلس الدستوري للنظر في مدى مطابقتها لأحكام الدستور هي اختيارية، فإن الملاحظ هو أنه في التاريخ الدستوري المغربي، لم يسبق أن أحيل قانون المالية إلى المجلس الدستوري إلا مرتين، وذلك راجع لعوامل عديدة من بينها، أن الدستور لم ينص على إجبارية إحالة قوانين المالية على القضاء الدستوري ، وذلك على الرغم من   كونه يتضمن في  عديد المواد، أحكاما غير مطابقة   للدستور،  كسوء استعمال مسطرة الفصل 45 من الدستور، حيث أن  الدستور سواء تعلق الأمر بالغرفة الدستورية سابقا أو المجلس الدستوري حاليا، لا تنص على إجبارية إحالة قانون المالية على القضاء الدستوري قبل الشروع في تطبيقه  لينظر في مدى مطابقته للدستور، كما أن الحكومة تعمل باستمرار على طمأنت النواب والمستشارين، إلى أنها تعمل على الاستشارة القبلية من قبل الأمانة العامة للحكومة، وذلك كي لا يتضمن مشروع قانون المالية أية مقتضيات مخالفة للدستور، إن هذه الأمور تساهم لا محالة في إضعاف الدور الذي يمكن أن يؤديه أعضاء مجلسي البرلمان في إطار المسطرة التشريعية لمشروع قانون المالية كونهم يعلمون أن إحالة القانون المالي بعد مصادقة المجلسين عليه هي إحالة اختيارية، وبالتالي وبالنظر لعامل الاستعجال في التصويت بسبب الأجل المحدد في القانون التنظيمي للمالية، يضاف إلى ذلك التأخر في إيداع المشروع من قبل الحكومة في بعض الأحيان داخل الآجال المحددة دستوريا، يضاف إليه أيضا أن الحكومة لها أغلبية مساندة  لها، مما يصعب توفر النصاب المنصوص عليه في الدستور.

إن هذه المسطرة تقتضي مستقبلا، أن يتم التنصيص في إطار الدستور المقبل على تخفيض النصاب القانوني المحدد حاليا الفقرة الثالثة من الفصل 81 من الدستور والمتمثل في الربع  لإمكانية إحالة القانون المالي.

وينص الفصل 51 من الدستور الفرنسي. كذلك على إمكانية إحالة القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المجلس الدستوري، حيث أنه في ظرف أربع سنوات أكتوبر ما بين 1997 ويونيو 2001، تمت إحالة ثمانية قوانين للمالية، وهو ما يبرز الفرق بينما ما يجري به العمل في فرنسا، حيث أن إمكانية إحالة القوانين المتعلقة بالمالية إلى المجلس الدستوري هي إمكانية شبه دائمة، في حين نجد  في المغرب  وفي التاريخ السياسي والدستوري المغربي لم يتم اللجوء إلى هذه الإمكانية إلا  مرتين، وبالتالي فإن البرلمان أصبح اليوم عبارة عن غرفة للتسجيل، بالنظر للقيود الدستورية، وأيضا لغياب رهان الإحالة إلى المجلس الدستوري، تجعل دوره مقيدا بالتصويت في الآجال المحددة وفقط.1

إلا أنه وبالرغم من أن القانون التنظيمي للمالية لسنة 1998 والمعدل سنة  2000  حدا حذو الأمر الرئاسي الفرنسي الصادر في 2 يناير 1959،2  بحضره الاقتراحات الغريبة، عن محتويات مشروع قانون المالية في المادة 3 من القانون التنظيمي للمالية رقم 98-7 التي نصت على أنه: لا يمكن أن يتضمن قانون المالية إلا أحكاما تتعلق بالموارد والتكاليف أو تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل وكذا مراقبة استعمال الأموال العمومية. إلا أن الواقع يؤكد تضمينه مقتضيات خارج هذه الإطار.

إن الانطباع العام حول هذه المادة ، هو أن الحكومة تعمل من خلال تحريكها لهذه المادة على  تأمين حماية قوانين المالية ضد التشوهات الناجمة عن التعديلات أو المواد الإضافية التي تقحم بعض المقتضبات التي لا تندرج ضمن الموارد أو   التكاليف، أو تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل، إلا أن ما يجري به العمل هو أن الحكومة أثناء إعدادها لمشروع قانون المالية تدرج في إطار هذا المشروع مقتضيات أجنبية عن مشروع قانون المالية، والبرلمان الذي من حقه في حالة وجود خلاف حول تأويل هذه المقتضيات، وإذا ما تشبثت الحكومة بموقفها المتمثل في اعتبارها ذات صلة بمضامين القانون المالي، يمكنه كما يمكن للحكومة إحالة الأمر إلى المجلس الدستوري ليبث في الموضوع ، إلا أنه لحد الآن لم يسبق للقضاء الدستوري المغربي أن تعرض لمثل هذه النازلة، وهو عكس ما يجري  به العمل بفرنسا حيث أكد المجلس الدستوري الفرنسي على حل عدم القبول بإلغائه لتعديلات مجلس الشيوخ التي تجاهلت مقتضيات المادة 42 من الأمر التنظيمي لسنة 1959.

إلا أنه في حال وجود مواد مقحمة من قبل الحكومة ضمن مشروع قانونها المالي، فإن الحكومة تفقد حقها في إثارة المادة 3 من القانون التنظيمي للمالية في وجه المقترحات والتعديلات البرلمانية المتعلقة بهذه المواد المقحمة، وفي حالة رفض هذه المواد من قبل أعضاء البرلمان نظرا لعدم شرعيتها، تكون الحكومة مجبرة على سحبها، لكن قد يثور الخلاف بين الحكومة والبرلمان حول تأويل بعض من هذه المواد المتضمنة في مشروع القانون المالي، فقد يعتبرها بعض البرلمانيين مقتضيات غريبة عن المضامين العادية لقوانين المالية، في حين ترفض الحكومة هذا التأويل وتتمسك بشرعيتها، وفي هذه الحالة يمكن لرئيس إحدى غرفتي مجلسي البرلمان أو لربع أعضاء المجلسين ، وذلك في الفترة الممتدة ما بين التصويت على مشروع قانون المالية، وإصدار الأمر بتنفيذه ،إحالة المواد المتنازع عليها إلى المجلس الدستوري بناء على الفقرة 3 من الفصل 81 من الدستور ليبث في مدى مطابقته للدستور، فإذا تبث مخالفتها للمادة 3 من القانون التنظيمي   للمالية  ، قضى بعدم شرعيتها، وبالتالي إقصائها من القانون المالي والعكس صحيح. وهذا الموقف هو الذي أخذ به المجلس الدستوري الفرنسي، حينما قضى في قراره الصادر بتاريخ 31 دجنبر 1981 بإلغاء المواد المقحمة من قبل   الحكومة  في   مشروع   قانون   المالية  التعديلي  لسنة 1981، وبالتالي فإن هذه المادة تشكل سلاحا مزدوجا بيد الحكومة والبرلمان، حيث أن لكل طرف منهما الحق في استعماله، كما يمكن أيضا استعماله من قبل الأقلية البرلمانية، وهو ما يعني معه التصدي لأي تواطؤ محتمل بين الحكومة والأغلبية البرلمانية.

إن  إحساس البرلمانيين ومعرفتهم المسبقة بأن إحالة القانون المالي  إلى المجلس الدستوري ليست مؤكدة، يجعل دورهم محصورا في الموافقة والترخيص للحكومة، وبالتالي فإنه في ضوء التعديل الدستوري القادم، ونظرا لسمو مقتضيات الدستور ونظرا كذلك لخطورة أن يتضمن القانون المالي مقتضيات مخالفة للدستور، فإن يتعين أن يتم التنصيص على إلزامية إحالته إلى المجلس الدستوري، أو تخفيض النصاب القانوني المطلوب في إطار الدستور لإحالته  إلى المجلس الدستوري1.

وإذا كان الفصل 50 من الدستور المغربي والمادة 47 من الدستور الفرنسي، نصا على أن القانون التنظيمي هو من يضع شروط التصويت على القانون المالي، وكذلك جملة من القواعد المسطرية التي يتعين احترامها واتباعها أثناء إصداره  إذا لم يتم في نهاية السنة المالية التصويت على قانون المالية، أو صدور الأمر بتنفيذه بسبب إحالته إلى المجلس الدستوري تطبيقا للفصل 81 من الدستور،  حيث تفتح  الحكومة بمرسوم الإعتمادات اللازمة لسير المرافق  العمومية، والقيام بالمهام المنوطة بها، على أساس ما هو مقترح بالميزانية المعروضة بقصد الموافقة”.

إلا أن كثافة القواعد التي يجب أن تخضع لها القوانين المالية وآثار عدم انتهاء المسطرة التشريعية إلى المصادقة، وإصدارها في الآجال المحددة دستوريا، يفيد أن المشرع عمل على عقلنته في الاتجاه الذي يسمح باحترام مسطرة الفصل 50 و 47 من الدستورين المغربي والفرنسي2.

وإذا كان هذا المعطى تبرره في فرنسا الخشية من عدم تحقق الأغلبية اللازمة التي تتطلبها المصادقة على مشروع القانون المالي لأجل دخوله حيز التنفيذ، مما يتطلب معه وجود أغلبيات اصطناعية ظرفية تصوت على قرارات الميزانية الضرورية للسير العادي للمؤسسات ، من خلال إكراهات مسطرية، وإذا كان  هذا  هو الحال في فرنسا، فإن تأثر المشرع الدستوري المغربي بها يجعله يفرض احترام هذه المسطرة المطلوبة لإصدار القانون المالي، وإذا كان المجلس الدستوري بالمغرب قد فرض احترام المقتضيات الدستورية والتنظيمية عبر مراقبة النظام الداخلي للمجالس البرلمانية والتصريح بعدم دستورية مواد كثيرة متعلقة بالقانون المالي جاعلا من عدم تمكين البرلمان من إعطاء نفسه آليات أخرى لمراقبة العمل الحكومي، غير ما  خوله الدستور صراحة محورا لمراقبته1.

 

 

1– ذ.عبد النبي أظريف: ” قانون المالية، أم قانون الميزانية ؟ جدلية العلاقة بين السلطة التشريعية والتنفيذية ، دراسة تحليلية، مرجع سابق ص: 51.

1– ذ. الحبيب الدقاق، ” خصوصيات القانون البرلماني في موضوع قوانين المالية” مرجع سابق، ص: 64، 65.

1– ذ. عبد الإله فونتير، العمل التشريعي بالمغرب، أصوله التاريخية ومرجعياته الدستورية، دراسة تأصيلية   وتطبيقية، الجزء الثاني ، المرجعية الدستورية ومضامين الوظيفة التشريعية ، الطبعة الأولى ، 2002 ص: 254.

2– ذ.سعيد أبو الشعير: التشريع عن طريق الأوامر، وأثره على استقلالية المجلس الشعبي الجزائري، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، المجلد 26، رقم 1، مارس 1988، ص: 345

1–  قرار المجلس الدستوري رقم 2001/467 في الملف رقم 2001/557، صادر بتاريخ 31 دجنبر 2001، الجريدة الرسمية رقم 4966 الصادر يوم الخميس 3 يناير 2002.

2–  قرار المجلس الدستوري رقم 386/2000، صادر بتاريخ 23 ذي الحجة 1420 ( 30 مارس 2000)، الجريدة الرسمية عدد 4789 الصادر يوم الاثنين 24 أبريل 2000.

1– القرار رقم 250/98 الصادر بتاريخ 24 أكتوبر 1998 في شأن مراقبة دستورية القانون التنظيمي رقم 7.98 المتعلق بقانون المالية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، نصوص تتعلق بالعمل الحكومي والعمل البرلماني، سلسلة نصوص ووثائق، العدد 24، 1999، ص: 181-196

  [1] الحديكي عبد الكريم : التأثير المتبادل بين الحكومة والبرلمان في النظام الدستوري المغربي ـ دراسة قانونية ، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق أكدال السنة الجامعية 2002-2003 ص 80.

[2]  سيدي محمد ولد آب : الوظيفة التشريعية في دول المغرب العربي ، منشورات REMALD سلسلة مؤلفات و أعمال جامعية، العدد 25 ، 2001 ص 381.

[3]  الحديكي عبد الكريم : مرجع سابق ص 80

[4]  باينة عبد القادر : الوسائل القانونية للنشاط الإداري ، منشورات زاوية ص 2006 ص 77.

[5]  سيدي محمد ولد آب : مرجع سابق ص 381.

2– الفقرة الثالثة من الفصل 79 من الدستور 1992 والفقرة الثالثة من دستور 1996 التي نصت على أنه: ” للملك أو الوزير الأول أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين، أو ربع أعضاء مجلس النواب أر ربع أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المجلس الدستوري، ليبث في مطابقتها للدستور”.

3– الفقرة الأولى من المادة 22 من القانون التنظيمي رقم 93.29 المتعلق بالمجلس الدستوري التي نصت على أنه ” تكون إحالة القوانين إلى المجلس الدستوري في الحالات المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من الفصل 81 من   الدستور ، برسالة من الجهة التي تتخذ المبادرة لذلك، أو برسالة أو عدة رسائل تتضمن  مجموع الإمضاءات .”

1– ذ. الحبيب الدقاق، العمل التشريعي للبرلمان، أطروحة لنيل الدكتوراه، مرجع سابق ص: 356

2 L’article 42 de l’ordonnance n° 59, 2 Janvier 1959.

1 – ذ. عبد الكريم الحديكي، التأثير المتبادل بين الحكومة والبرلمان في النظام الدستوري المغربي دراسة    قانونية، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الخامس كلية الحقوق الرباط – أكدال ، السنة الجامعية 2002-2003 ص: 116-117.

2– Les conditions d’examen du projet de loi de finances donc apparues comme la domaine d’un ” parlementarisme rationalisé”. La lumière (P), un domaine nouveau de l’intervention du conseil constitué

1 – ذ. نور الدين أشحشاح، “الرقابة على دستورية القوانين في المغرب، دراسة مقارنة”، أطروحة لنيل الدكتوراه، جامعة محمد الخامس بالرباط، كلية الحقوق أكدال، السنة الجامعية 200-2001، ص: 489