قضية المانع الديني في الزواج

333

ذ. بدر منشيف

منتدب قضائي بالمحكمة الإبتداية بتاوريرت

طالب باحث بسلك الدكتوراه في القانون الخاص كلية الحقوق وجدة

 

قضية المانع الديني في الزواج

مقدمة

نظرا للتحولات التي تعرفها المجتمعات الإنسانية وخاصة في مجال العلاقات الأسرية، فإن العديد من القيود التي يمكن أن توجد في زمن معين قد يتم تجاوزها وكمثال على ذلك قضية المانع الديني في الزواج والتي تتجلى في زواج المسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية[1] وتحريم زواج المسلمة بغير المسلم وللتطرق إلى هذا الموضوع لا بد من تبيان التأصيل الفقهي لهذا المنع او التحريم (الفقرة الأولى) ثم إبراز تعامل المشرع المغربي مع الموضوع (الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى: موقف الفقه من قضية زواج المسلمة بغير المسلم

إذا كانت العلاقة الزوجية على درجة كبيرة من الأهمية، فإنه ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار توافر أكبر قدر ممكن من مقومات الاندماج والانسجام أثناء تأسيسها، وألا يتخللها ما يسبب التنافر بين الزوجين.

ومن الأمور المهمة  التي يجب أن تراعى في تأسيس اللبنة الأولى للمجتمع التوافق العقائدي بين الزوجين، لأن الاختلاف في العقيدة بين الرجل والمرأة يشكل المناخ الملائم للخلاف والنزاع بينهما، لذلك اشترط الإسلام ما يسمى بالكفاءة في الزواج أي أن يكون كل من الزوجين كفئا للآخر. ومن بين ما يدخل في هذه الكفاءة التوافق الديني أو العقائدي لذلك: “فإن اختلاف الدين من الموانع المؤقتة في الزواج على مستوى جميع الديانات السابقة، فلم يكن الإسلام بدعا في ذلك، ويوجد شبه اتفاق بين الفقهاء المسلمين على حرمة زواج المسلمة بغير المسلم، مستندين في ذلك على أدلة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ومن ثم فهم يعتبرون كل زواج من هذا القبيل محرما وباطلا فلا تترتب عليه بالتالي أي أثر من الآثار المنبثقة عليه، يستوي في ذلك أن يكون الزوج الذي ترتبط به المسلمة كافرا أو من أهل الكتاب”[2]. وهنا نتساءل مع أستاذنا الحسين بلحساني هل حقيقة أن حكم الشريعة في المسألة من الوضوح والقطعية بحيث لا يدع مجالا لأي نظر؟

إن مقاربة الوحي لموضوع زواج المسلمة بغير المسلم تتضح من خلال آيتين الأولى في سورة البقرة يقول فيها عز وجل “ولا تنكحوا المشركين حتى يومنوا ولعبد مومن خير من مشرك ولو أعجبكم[3]، والثانية في سورة الممتحنة ويقول فيها الباري جل وعلا “يا أيها الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مومنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن”[4].

فعلى الرغم من وضوح تحريم زواج المسلمة بغير المسلم في الآيتين السابقتين، إلا أن النقاش بين الفقهاء والمفسرين كان حاضرا وخاصة فيما يتعلق بزواج المسلمة بالكتابي، لأن زواج المسلمة بالمشرك حرام لا شك فيه، ومنبع هذا النقاش منحصر في تحديد معنى “المشرك” وكذا “الكتابي” من خلال الآية 218 من سورة البقرة. يقول رشيد رضا في تفسيره “إن ما روي في الآية التي نفسرها الآن متفق على أن المراد بالمشركات فيها غير الكتابيات من نساء العرب، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمشركين والمشركات عام يشمل أهل الكتاب لأن بعض ما هم عليه شرك…وذهب الكثيرون إلى أن المراد بالمشركات مشركات العرب اللاتي لا كتاب لهن لأن هذا هو عرف القرآن في لقب المشركين…” [5]

وإذا كان هذا التفسير يتعلق بالشق الأول من الآية أي تحريم زواج المسلمين من المشركات فإنه يسري كذلك على الشق الثاني الخاص بتحريم زواج المسلمات بالمشركين. وبالتالي فإن هناك من أخرج أهل الكتاب من دائرة “الشرك” المقصود في الآية218 من سورة البقرة ومن بينهم الشيخ رشيد رضا من خلال قوله السابق، بل قصر المعنى فقط في مشركي العرب فقط، وقد برر موقفه في هذا بقوله: “إن للإسلام سياسة خاصة في العرب وبلادهم، وهي أن تكون جزيرة العرب حرم الإسلام المحمي…ولذلك لم يقبل من مشركي العرب الجزية  حتى لا يبقى فيها مشرك، بل أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يبقى فيها دينان…”[6]

وإذا كانت  الآية 218 من سورة البقرة قد أثارت نقاشا حادا بين المفسرين فيما يتعلق بمدى صراحتها في تحريم زواج المسلمة بغير المسلم، فإن الفقهاء والمفسرين قد اعتمدوا على آية أخرى لتقرير التحريم وهي الآية 10 من سورة الممتحنة السابق ذكرها، حيث “دلت على حرمة المؤمنات على الكفار تحريما صريحا، ولفظ  الكفار عام يشمل كل من ليس بمسلم سواء كان كتابيا أو مشركا” حسب تفسير محمد مصطفى شلبي. [7]

يقول السيد قطب في سبب نزول الآية أنه” كان بعد صلح الحديبية الذي جاء في بنوده “على ألا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا”، فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه بأسفل الحديبية جاء نساء مؤمنات يطلبن الهجرة والانضمام للمسلمين في المدينة، فجاءت قريش تطلب ردهن تنفيذا للمعاهدة (أي صلح الحديبية) فنزلت هذه الآية تمنع ردهن إلى الكفار، وقد كان في أول الهجرة لا يفرق بين المؤمنة والكافر ولا بين المؤمن والكافرة لأن المجتمع الإسلامي لم تكن قد استقرت قواعده بعد، أما بعد صلح الحديبية فقد بدأ هذا التفريق”[8].

وقد ناقش أستاذنا الحسين بلحساني سبب نزول هذه الآية معتمدا على تفسير ابن كثير الذي جاء فيه: ” اتفق المفسرون على أن مناسبة نزول الآية هي إبطال واحد من البنود التي تضمنتها اتفاقية صلح الحديبية… ويتعلق الأمر بالبند الذي ورد فيه “على أن لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا” فعلى هذه الرواية يقول ابن كثير تكون هذه الآية مخصصة للسنة، وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإن الله عز وجل أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن فإن علموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار”[9] هذا على بند الصلح، ويعلق أستاذنا قائلا “وإذا كان ابن كثير قد فهم من الآية كونها” هي التي حرمت المسلمات على المشركين مطلقا، وقد كان جائزا في ابتداء الإسلام  أن يتزوج المشرك المؤمنة”،[10] فإن هذا التحريم امتد بفعل التأويلات الأخرى إلى أية علاقة زواج بين المسلمات وغير المسلمين كافة، ولم يعد بالتالي قاصرا على المشركين والكفار”[11].

وبالتالي فإن موضوع زواج المسلمة بغير المسلم يتجاذبه موقفان، الأول يقول بالتحريم المطلق وأن الآيات السابق ذكرها تعتبر قطعية ولا مجال للاجتهاد فيها، أما الموقف الثاني فيقول بأن المسألة اجتهادية أمام انتفاء نص صريح في القرآن الكريم.

فمن بين أنصار الاتجاه القائل بكون المسألة اجتهادية نجد الشيخ عبد الله العلايلي من خلال كتابه “أين الخطأ”[12] ناقش موضوع اختلاف الدين وأثره على الزواج تحت عنوان “أطوطميون أنتم أم فقهاء؟” حيث قام بدراسة للآيات المعتمدة في الموضوع أي الآية 218 من سورة البقرة والآية 10 من سورة الممتحنة فقال فيما يتعلق بالآية الأولى “إن التعبير بكلمة مشرك” يجعلها خاصة المورد، والتعبير بكلمة خير” مفادها التفضيل لا الحكم ولا قائل بأنها تفيد للمنطوق مفهوم الموافقة وجوبا كما لا تفيد لمفهوم المخالفة تحريما” ويضيف قائلا “لو سلمنا من الفقهاء بالوجهين المذكورين، أي أن كلمة مشرك تعني مجازا المخالف في الدين وتشمل أهل الكتاب، وأن كلمة خير تتضمن حكما لكان على الفقهاء أن يحرموا الزواج مع المخالف بوجهيه، وإلا لزمهم الجمع بين الحقيقة والمجاز وهذا خلف أي باطل. ولا يستقيم لهؤلاء القول بأن آية البقرة الواردة في المشركات مخصصة بآية المائدة وليس من باب (عموم المجاز) المقبول أصوليا، وهو يعني استعمال اللفظ في معنى كلي شامل للمعنيين الحقيقي والمجازي، ذلك لعدم توفر شروطه، إذا ما جاء في سورة البقرة لا يصلح للحجية”[13].

أما ما يتعلق بالآية 10 من سورة الممتحنة فيقول الشيخ العلايلي أنها ” خاصة المورد بدار الشرك فقد نزلت بعد صلح الحديبية وأنها صيانة للمسلمات المهاجرات من الارتداد والاضطهاد بالإرجاع كما أنها تتعلق بالمهاجرات، فإذا عطف عليها حديث “لا هجرة بعد الفتح” انتفت الصفة وبانتفائها ينتفي الحكم. والكفر هنا لا يمكن أن يفسر إلا بالشرك فقط حتى لا يقع التناقض بينها وبين آية المائدة، ولا يمكن اعتماد هذا على القاعدة الكلية الأصولية “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” لأن الآية واردة بخصوص اللفظ وعلى التسليم بأنها من هذا الباب فإنها تعني الناجيات إيمانا من أي دار شرك في حال الاضطهاد الديني أو احتماله”.[14]

وفيما يخص أنصار الموقف القائل بقطعية النصوص الدالة على تحريم زواج المسلمة بغير المسلم هناك الشيخ فيصل المولوي الذي أورد أهم النقاط التي استند عليها الشيخ العلايلي لتبرير موقفه وناقشها، وهذه بعض الردود حول التفاسير التي قيلت في الآيتين معا أي الآية 218 من سورة البقرة والآية 10 من سورة الممتحنة:

فيما يتعلق بقول الشيخ العلايلي الذي مفاده (إن التعبير بكلمة مشرك خاصة المورد، والتعبير بكلمة خير مفادها التفضيل) يرد الشيخ المولوي بقوله: “ورد في القاموس المحيط وغيره من القواميس “أشرك بالله : كفر فهو مشرك”، فكلمة المشرك تشمل لغة كل كافر، ولا يمكن أن تكون خاصة المورد كما قال، وهو لم يأت بأي دليل على ذلك، فهي إذا عامة تشمل جميع الكافرين حتى يأتي دليل آخر على التخصيص”.

ويضيف قائلا “أما أن التعبير بكلمة “خير” مفادها التفضيل فهذا صحيح لو أن الآية الكريمة اقتصرت عليها،أما أن تبدأ الآية بالتحريم “لا تنكحوا المشركات”  “ولا تنكحوا المشركين” فقد أصبحت كلمة “خير” بيانا لسبب التحريم، وهذا معروف في النظم القرآني إذ غالبا ما يذكر الحكم ويذكر معه سببه”، وبالتالي فكلمة (خير) وصف لواقع أما الحكم فقد نصت عليه (لا الناهية) بوضوح. فكيف لا تكون هذه الآية دليلا في هذا الموضوع، وهل هناك لفظة للتحريم أشد من (لا الناهية)؟ ولو أننا أكملنا نص الآية لوجدنا أن (خير) لا يمكن أن تعني هنا التفضيل بين أمرين كلاهما خير، بل هي تعني التفضيل بين أمر يدعو إلى النار وآخر يدعو إلى الجنة، وهل يمكن للمسلم أن يختار أمرا يدعو إلى النار؟ أو أن يعتبر الأمر خيرا بالمطلق[15]. قال تعالى “ولا تنكحوا المشركين حتى يومنوا، ولعبد مومن خير من مشرك ولو أعجبكم، أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه”[16].

أما رده على قول العلايلي (ولو سلمنا مع الفقهاء بالوجهين المذكورين، أي كلمة مشرك لا تعني مجازا المخالف في الدين، وتشمل أهل الكتاب، وأن كلمة خير تتضمن حكما، لكان على الفقهاء أن يحرموا الزواج مع المخالف بوجهيه، وإلا لزمهم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهذا خلف أي باطل).

فيقول أن هذا  صحيح، والفقهاء بناء على هذه الآية يحرمون الزواج المختلط بوجهيه ولكنهم يبيحون زواج المسلم من غير المسلمة بناء على آية المائدة وقد نزلت بعد آية البقرة فيعتبرونها مخصصة لها، وهي قوله تعالى “اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المومنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم[17]

وإذا كانت هذه الآية الكريمة قد أحلت للمسلم أحد وجهي الزواج المختلط وهو زواج المسلم من كتابية، فقد بقي الوجه الآخر، وهو زواج المسلمة من كتابي محرما بالآية الأولى، أما القول بأن اعتبار آية المائدة مخصصة لآية البقرة يؤدي إلى الجمع بين الحقيقة والمجاز فهو قول مخالف لأبسط قواعد اللغة والمنطق”[18].

وفيما يتعلق بآية الممتحنة (الآية 10) والتي قيل بأنها خاصة المورد بدار الشرك حيث نزلت بعد صلح الحديبية، وأنها صيانة للمسلمات المهاجرات من الارتداد والاضطهاد بالإرجاع، فإذا عطف عليها حديث “لا هجرة بعد الفتح” انتفت الصفة، وبانتفائها ينتفي الحكم، كما أنه لا يمكن الاعتماد هنا على قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب). لأن الآية واردة بخصوص اللفظ، وعلى التسليم بأنها من هذا الباب فإنها تعني الناجيات إيمانا من أي دار شرك في حال الاضطهاد الديني واحتماله.

فإن الشيخ المولوي يخالف هذا القول جملة وتفصيلا وإن كان يتفق مع سبب نزول الآية (صلح الحديبية) فهو يرى أن المفسرين لا يعتبرون أية آية خاصة بمناسبة نزولها إلا إذا وردت قرينة من نفس الآية نفسها أو من الواقع تفرض ذلك، وإلا فإن القاعدة عندهم أن (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) [19]. كما أن الحكم المأخوذ من الآية الكريمة عام لكل مسلمة وليس مقتصرا على المهاجرات، ومن العجيب –كما يقول المولوي- أن يعطف هذه الآية على حديث (لا هجرة بعد الفتح) لأنه يتعلق بالثواب الخاص للمهاجرين لا أكثر، وينال هذا الثواب كل مجاهد خلصت نيته ولكنه لا يسمى مهاجرا ولو ترك بلده فرارا بدينه بعد أن أصبح اسم المهاجر خاصا بمن هاجر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويضيف ردا على أن هذه الآية تعني الناجيات إيمانا من أي دار شرك في حال الاضطهاد الديني أو احتماله فيقول: “فكيف ينسجم التسليم بأنها من (عموم اللفظ وخصوص السبب) مع الإصرار بأن اللفظ خاص بالناجيات إيمانا من دار الشرك، فإما أن يسلم الإنسان بأن اللفظ عام وبالتالي فإن معناه “عدم حل الزواج المختلط بوجهيه بشكل مطلق”، وإما أن يعتبر اللفظ خاصا بالناجيات من الاضطهاد ومعناه “عدم حل الزواج المختلط حيث الخوف من الاضطهاد الديني فقط”.

لقد اقتصرت فقط على هذين المثالين في المواقف لإبراز حجم الاختلاف الدائر حول الموضوع، وإن كان هناك شبه إجماع الفقه الإسلامي حول تحريم زواج المسلمة بغير المسلم، إلا أن الدراسات الفكرية الحديثة تعتمد على التغييرات التي حصلت على مستوى العلاقات الإنسانية بين المسلمين وغير المسلمين من أهل الكتاب، وخاصة بالنسبة للمغرب لوجود جالية مهمة من المغاربة في الخارج .هذه الأخيرة فرضت- حسب هذا الاتجاه- تغيير الأحكام بما يتلاءم ووضعية هذه الجالية، ومن بين هذه الأحكام زواج المسلمة بغير المسلم وخاصة الكتابي، لأن الواقع أبان على وجود مثل هذه الزيجات.

يقول أستاذنا الحسين بلحساني “لقد شهد الممارسون والمختصون، وكل المعنيين الثقاة بأن عددا كبيرا من المغربيات المسلمات يتزوجن بالفعل بموجب عقود مدنية من أجانب غير مسلمين، ناهيك عن زواج المغاربة بغير المسلمات، فأصبح ذلك لدينا علما يقينا”[20]. لذلك واستنادا لهذه التغييرات نجد الأستاذ عبد الهادي التازي يدعو قادة الفكر ليحاولوا أن يجدوا في النصوص ما يمكن أن يسهل على مهاجرينا العيش في راحة بال فلا يغالون في مطالبتهم بما يشق عليهم ولا يفرطون في إثقالهم بالتكاليف، فإن هذا الدين يسر ولن يشاد أحدكم هذا الدين إلا غلبه”[21].

لا أحد يمكن أن يخالف الأستاذ عبد الهادي التازي فيما دعا إليه باعتبار ذلك يدخل ضمن الفقه المقاصدي الذي يراعي حركية الزمان والمكان، يقول أستاذنا جمال الطاهري ” فبعد أن كان هذا الفقه للأسرة المسلمة، ولغير المسلمة التي يستقبلها بعقدي “الذمة” و”الأمان” كجالية بالمعنى الحديث، ويستوعبها بقاعدة: “أمرنا أن نتركهم وما يدينون”، أصبح فاقدا لعدد مهم من مجاله الشخصي عن طريق “التجمع العائلي” للأسرة المغربية بأوروبا بصفة خاصة، وضع مقلوب تماما من المنظور التشريعي والتاريخي معا، لكنه واقع لا يرتفع ولا ينبغي أن تغيب ملابساته-خصوصا على المستوى الاقتصادي- ينبغي تشكيله شرعيا والتعامل معه على حاله”[22].

غير أن التعامل الشرعي مع موضوع زواج المسلمة بغير المسلم يفرض استحضار الواقع الذي سيطرح فيه هذا التعامل، فإذا كانت والحكمة من تحريم زواج المسلمة بغير المسلم راجعة حسب رأي الشيخ يوسف القرضاوي إلى أن المسلم يؤمن بكل الرسل بما فيهم موسى وعيسى عليهم السلام، وبكل الكتب بما فيها التوراة والانجيل، بينما لا يؤمن أهل الكتاب إلا برسلهم وكتابهم وقد أجاز الإسلام لزوجة المسلم الكتابية أن تذهب إلى أماكن عبادتها كالكنيسة والمعبد، بينما لا يجيز هؤلاء الكتابيين للمسلمة- لو تزوجوها-  أن تذهب للمسجد وتظهر شعائر الإسلام.

والأهم من ذلك يقول الشيخ القرضاوي أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، والزواج ولاية وقوامة، فيمكن أن يكون المسلم وليا وقواما على زوجته الكتابية، بينما لا يمكن أن يكون غير المسلم وليا أو قواما على المسلمة. والزوجة عليها طاعة زوجها فلو تزوجت المسلمة غير المسلم لتعارضت طاعتها له مع طاعتها لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم[23].

ومع ذلك  يرى أستاذنا الحسين بلحساني أن هذه التبريرات التي أدت إلى هذا التحريم من قبيل القوامة والخوف من الفتنة في الدين، وتنشئة الأولاد على غير الإسلام، وكون الديانات الأخرى لا تضمن حرية العقيدة ولا توفر الحقوق اللازمة للمرأة وغيرها، مجرد محاذير افتراضية لا تكفي سندا للجزم بالتحريم مطلقا، سيما وأن أكثر بلدان المهجر لم تعد تحتكم إلى التعاليم الدينية المحرفة والمكرسة للمعاملات التمييزية في العلاقات الأسرية، وإنما إلى قوانين وضعية تضمن إلى حد بعيد نوعا من المساواة في تدبير شؤون الأسرة”[24].

وبالتالي فالرأي فيما أعتقد أن سبب التحريم يعلمه الله عز وجل لأن حتى الحكمة من التحريم التي أوردها الشيخ القرضاوي وغيره في الشق المتعلق بالاضطهاد الديني لا يصلح أن يكون سببا للتحريم وإلا فما هو الضابط لهذا الاضطهاد؟ هل هو المنع من تأدية الواجبات الدينية أو الإلزام بالارتداد أو ماذا؟ فمن المعروف أن الحكم الشرعي ينبني دائما على ضابط واضح محدد وإلا أصبح الأمر تعبديا، أما أن يكون التحريم مبنيا على احتمال الاضطهاد فهذا أمر تتنزه عنه القوانين الوضعية فضلا عن الأحكام الإلهية، لأن هذا الاحتمال مقياس يختلف باختلاف الأفراد وأمزجتهم وصبرهم، وباختلاف البيئات مما يجعل الحالة نفسها حراما حينا وحلالا حينا آخر، وهذا محال، لذلك فهذه التفسيرات تبقى مجرد اجتهادات عاجزة عن الوصول إلى المغزى الحقيقي لهذا التحريم وإن كان تبرير أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه أهمها.

وإذا كان هذا هو الحال على مستوى الفقه، فكيف كان تعامل المشرع المغربي مع الموضوع؟

الفقرة الثانية: موقف المشرع المغربي من زواج المسلمة بغير المسلم

من بين المشاكل التي طغت مؤخرا على الساحة الإعلامية وطنيا ودوليا، مشكل الهجرة من البلدان الفقيرة إلى الدول المتقدمة وبمنظر جغرافي من دول الجنوب إلى دول الشمال، وهو مشكل تتشابك خيوطه بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتاريخي، وبمجرد وصول المهاجر إلى البلد الأجنبي ومشاركة الآخر في حياته يبرز أول مشكل وهو مشكل عدم الانسجام وعدم التوافق بين ما تعود عليه  هذا المهاجر وما يعيشه الآخر، و”يأتي الزواج المختلط الذي هو من الاختيارات التي يواجهها المهاجر كنظام خاص ليجسد الاختلاف ويكرس الحماية القانونية للمهاجر إليه من المهاجر”[25].

وبالتالي فإن مناقشة موقف المشرع المغربي من الموضوع تنطلق من رصد تفاعل التنظيمات القانونية الوطنية في مجال الزيجات المختلطة والتي تحكمها قواعد الشريعة الإسلامية وقواعد القانون الدولي الخاص، مع التنظيمات المطبقة في الدول الأوروبية المستقبلة للمهاجرين والتي تعرف أعلى نسبة من الزيجات المختلطة، علما بأن هذه الدول لا تعير اهتماما للعامل الديني في تنظيم هذا النوع من الزيجات ولا في التعامل مع مشاكله لأن مرجعيتها القانونية ذات أساس علماني تجعلها تدخل مؤسسة الزواج برمتها في إطار قوانينها المدنية.

أمام هذا المعطى المهم تتضح ملامح الإشكال التي يطرحها الزواج المختلط، في شقه المتعلق بزواج المسلمة من غير المسلم ببلدان المهجر والتي يمكن استخلاصها من خلال الكشف عن بعدين أساسيين:

الأول: تدخل ضابط الدين وضابط الجنسية في التنظيم القانوني للزواج المختلط في التشريع

 

المغربي والتي جسدته المادة الثانية من مدونة الأسرة. [26]

الثاني: الآثار المترتبة عن اصطدام ضابط الدين مع التنظيم القانوني للزواج ببلدان المهجر القائم على إقصاء كل ما له علاقة بالدين، وهذا ما يسمى باصطدام ازدواجية المرجعية القانونية للزواج المختلط.

وقبل مناقشة هذين البعدين لا بد من معرفة تعامل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة مع زواج المسلمة بغير المسلم، والذي لم يخرج عما هو مقرر في الفقه الإسلامي من اعتبار زواج المسلمة بغير المسلم حراما وإذا ما وقع فهو باطل. يقول أستاذنا الحسين بلحساني: “في سياق تعداد الموانع المؤقتة، ورد في الفقرة الخامسة من الفصل 29 من المدونة حظر” زواج المسلمة بغير المسلم” والتحريم هنا مؤقت ومن ثم يبطل مفعول الفقرة بإعلان المسلم إسلامه، وهو يمتد ليشمل غير المسلم عموما يستوي في ذلك أن يكون المعني بالأمر كافرا أو من أهل الكتاب، إذ في جميع الحالات، لن يتأتى له التزوج من المغربية المسلمة إلا إذا ارتضى اعتناق الإسلام”[27]. وقد حددت مجموعة من المناشير المسطرة الواجب سلوكها للاعتراف بمثل هذه الزيجات [28] .

أن الإشكال لا يمكن في الحالة التي يبرم فيها مثل هذا الزواج في المغرب، لأن العدول سيمتنعون عن الإشهاد عليه إذ لم يعلن هذا الزوج إسلامه ويثبت ذلك بعقد، ولكن الإشكال يطرح في الحالة التي يبرم فيها الزواج خارج المغرب وهذا هو الأغلب –علما بأن ضابط الحالة لبلد الإقامة سوف لن يحترم القواعد الجوهرية بالخصوص التي يفرضها المشرع المغربي وخاصة ذات الطابع الديني- وبالتالي فمثل هذا الزواج لن يتم تسجيله لدى القنصليات المغربية ولن يكتسب أية حجية ولن يعترف به، وهنا تبدأ معاناة هذه الأسرة وخاصة إذا كان هناك أبناء.

هذا على مستوى المدونة الملغاة، أما فيما يتعلق بمدونة الأسرة فإن فهم آلية تعامل المشرع مع المانع الديني في الزواج عموما وزواج المغربية المسلمة بغير المسلم خصوصا، يتأتى بقراءة المادة الثانية من مدونة الأسرة قراءة مقاصدية، باعتبارها المجسدة لضوابط الإسناد في المنظومة التشريعية الخاصة بالعلاقات الأسرية.

إن دراسة موضوع اختلاف الدين بين الزوجين من وجهة نظر القانون المغربي يتطلب إبراز حالتين عامتين لهذا الزواج:

الحالة الأولى: تتعلق بزواج مغربين مختلفين في الدين داخل المغرب وخارجه، ففيما يتعلق بالزواج داخل المغرب، فإن المشرع كان صريحا في موقفه، حيث نص في المادة 39 من مدونة الأسرة على أن “موانع الزواج المؤقتة:…4- زواج المسلمة بغير المسلم والمسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية”، وبالتالي يكون المشرع قد أخذ بإجماع الفقه الإسلامي الذي حرم زواج المسلمة بغير المسلم، وكذا زواج المسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية. [29]

ومن ثم فإن زواج المسلمة بغير المسلم لا يعترف  به المشرع المغربي ويعتبر باطلا سواء وقع داخل المغرب أو خارجه وذلك بمقتضى الفقرة الثانية من المادة 57 من المدونة والتي جاء فيها “يكون الزواج باطلا:….2-إذا وجد بين الزوجين أحد موانع الزواج المنصوص عليها في المواد 35 إلى 39 أعلاه”.

وبالتالي فإن التعامل مع الحالات الواقعية لزواج المسلمات المغربيات بغير المسلمين المغاربة يختلف بحسب وقوعه داخل المغرب أو خارجه، “فإذا كان داخل المغرب  فإن المادة 58 من المدونة نصت على أنه “تصرح المحكمة ببطلان الزواج تطبيقا لأحكام المادة 57 أعلاه بمجرد اطلاعها عليه أو بطلب من يعنيه الأمر”. لذلك فإن المحكمة تحكم ببطلان عقد الزواج سواء طلب منها ذلك مباشرة من أية جهة كانت لها مصلحة في البطلان أم لم يطلب منها ذلك، حيث لها  أن تثير البطلان تلقائيا لأن المسألة تتعلق بصميم النظام العام. وبعد الحكم بالبطلان يجب على الزوجين أن يفترقا رضاء وإلا فقضاء بواسطة النيابة العامة، لأننا في الحقيقة أمام فسخ للزواج والفسخ هنا من صميم النظام العام[30].

أما إذا وقع هذا الزواج في الخارج وأراد أصحابه تصحيحه فإن المشرع قد عمل على تنظيم علاقات المغاربة المقيمين بالخارج بنوع من المرونة مراعاة لوضعيتهم، ويتجلى هذا التنظيم بالإضافة إلى النصوص القانونية في المناشير الصادرة عن وزير العدل.

ومن أهمها والتي لها علاقة بالموضوع منشور عدد 13 بتاريخ 13 أبريل 2004 والذي جاء فيه “يجب التنسيق بين القاضي والمصالح القنصلية…قصد تدارك كل نقص، وفي هذه الحالة يجب إبلاغ المعني بعقد الزواج بإتمام الإجراءات، وإضافة البيانات التي تعالج كل نقص ومن ذلك الاستماع إلى شهادة الشهود أو أي إجراء آخر…”.

وبالتالي نتساءل هل يمكن أن يشمل “تدارك كل نقص” أو “أي إجراء آخر” ما يتعلق بالموانع؟

يعلق أحد الأساتذة،[31] قائلا: “نصوص المدونة الجديدة جاءت بشكل يعاكس التيار ويخالف التسهيلات التي كان يستفيد منها أفراد الجالية المغربية بالخارج فيما يرتبط بالموانع، ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى حالات زواج المغربيات بغير المسلم، وزواج المغربي بغير الكتابية المنصوص عليها في الفقرة 5 من المادة 39، فقبل صدور المدونة كانت هناك ممارسة عملية تقضي “بتصحيح” مثل هذا الزواج عن طريق تدارك مسألة عدم الإشارة في عقد الزواج إلى ديانة الزوجة كتابية أو اعتنقت الإسلام بدورها”. أما في ظل مدونة الأسرة، فإن هذا الأستاذ يؤكد على أن المنشور المذكور قد اقتصر على الإشارة في التعليمات المتعلقة بالزواج المختلط على أنه “يجب مراعاة شرط الإسلام بالنسبة للزوج، وشرط الكتابية بالنسبة للزوجة غير المسلمة “فهل معنى هذا عدم إمكانية تصحيح مثل هذا النوع من عقود الزواج؟”.

إن هذا  الغموض قد تترتب عليه عدة إشكالات عملية خصوصا وأنه في الكثير من الأحيان يمر وقت كبير ما بين الإبرام الواقعي لهذا الزواج والتصريح به أمام السلطات القنصلية المغربية وبالتالي يطرح السؤال حول مصير الآثار المترتبة عن هذا الزواج من نسب ونفقة وحضانة وغيرها.

هذا كله على مستوى الحالة الأولى المتعلقة بزواج مغربيين مختلفين في الدين داخل المغرب وخارجه، أما الحالة الثانية فتتعلق باختلاف الدين في الزواج المختلط وزواج الأجانب والمقصود بهذا الأخير الزواج الذي يتم بين أجنبيين مختلفين في الدين داخل المغرب بغض النظر عن جنسيتهم سواء كانت متحدة أو مختلفة، وكما هو معلوم فإن هذا الزواج يخضع للقانون الوطني للزوجين، غير أنه يطرح مشكلا بالنسبة للقاضي، خاصة عندما تكون جنسيتهما مختلفة حول كيفية تطبيق قانونهما الوطني، هل يطبق تطبيقا جامعا أي ضرورة توافر الشروط الجوهرية للزواج كما هي مقررة في القانونين معا أم يطبقهما تطبيقا توزيعيا أي أن كل زوج يتعين عليه أن يحترم الشروط الموضوعية المفروضة بموجب قانونه الوطني. يجيب أحد الأساتذة[32] على هذا الإشكال بقوله “إن النهج الذي اختاره القضاء المغربي يقضي بضرورة تطبيق القانونين الوطنيين للزوجين تطبيقا توزيعيا يفضي إلى أن يطبق على كل زوج قانونه الوطني، وأن الزوجة ينبغي لها تحقيق الشروط الموضوعية التي يستلزمها قانونها الوطني”.

إلا ان هذا النهج لا يعتبر قاعدة بحيث إن هناك حالات لا بد فيها من التطبيق الجامع للقانونين الوطنيين للزوجين كما في حالة الموانع وبالتالي فإنه يلزم لصحة الزواج أن لا يقوم أي مانع من الزواج سواء في قانون جنسية الزوج أو الزوجة.

غير أن أحد الفقهاء يرى أن النظام العام المغربي يقتضي أن الأجنبي المسلم الذي يريد إبرام الزواج في المغرب لا يطبق عليه قانونه الوطني من حيث الشروط الجوهرية والشكلية، بل يستبعد هذا القانون ويطبق بدلا عن القانون المغربي[33].

واعتقد أن هذا الرأي يكون صحيحا في الحالة التي يكون فيها الأجنبي المسلم منتميا لبلد يخالف قانونه الوطني مقتضيات  النظام العام المغربي كأن لا يأخذ مثلا بعين الاعتبار الفوارق الدينية بين الراغبين في الزواج، بحيث أن القاضي المغربي هنا يستبعد القانون الأجنبي المخالف للمرجعية الإسلامية باسم النظام العام المغربي، أما إذا لم يكن كذلك فلا داعي لاستبعاده.

فالقاضي المغربي مثلا لن يسمح بزواج هولندي مسيحي بفرنسية مسلمة مع العلم أن القانون الوطني لهذه الأخيرة يسمح بمثل هذا الزواج، وبالتالي فاستحضار المانع الديني في الزواج لا يخص فقط المغاربة وإنما حتى الأجانب إذا أبرموا زواجهم داخل المغرب لتدخل النظام العام المغربي.

أما ما يتعلق بالزواج المختلط فهو الذي يتم بين رجل وامرأة أحدهما يحمــل الجنسيـة الوطنيـة

والآخر يحمل جنسية أجنبية[34]، فإن ما يهم هو أن يكون هذا الزواج بين مختلفتين في الدين ويرغب في إبرامه خارج المغرب، يقول المرحوم موسى عبود “الزواج المختلط هو من المسائل التي يبرز فيها بأوضح صورة تطور فكرة النظام العام وتأثرها بالأوضاع السياسية وتأثيرها ليس فقط على الفقه والاجتهاد القضائي بل أيضا على التشريع والتفسير الإداري للنصوص التشريعية”.[35]

إن المادة الثانية من مدونة الأسرة وبالخصوص الفقرة الثانية قد أكدت على احترام القانون المغربي في الزواج المختلط عندما قالت “تسري أحكام هذه المدونة على “…3- العلاقات التي يكون فيها أحد الطرفين مغربيا” وهذا يطرح السؤال هل القانون المغربي يطبق على العلاقة بأكملها أم أنه يطبق فقط على الطرف المغربي؟

تقول جميلة أوحيدة “كما يرجح تطبيق المدونة في الروابط العائلية المختلطة وذلك بالاستناد إلى امتياز الجنسية في علاقة مختلطة يكون أحد أطرافها مغربيا يرجح تطبيق القانون المغربي”[36].

وفيما أعتقد أنه بالرغم من وضوح الفقرة الثالثة من المادة الثانية من المدونة والتي تبدو في ظاهرها بأنها تنص على إخضاع العلاقات التي يكون أحد  طرفيها مغربيا لمدونة الأسرة، إلا أنه بقراءة هذه الفقرة، بدلالة الفقرة الأولى من نفس  المادة والتي رجحت الجنسية المغربية يتبين بأن المقصود هو العلاقات التي تشمل على طرف مغربي وآخر أجنبي، بحيث يتعين احترام  قانون الأسرة للزوج المغربي ولم يقل المشرع بتطبيقه، في حين ترك مسألة تطبيق القاعدة التوزيعية أو الموحدة للقانون الدولي الخاص، وهكذا فإن المغربية التي تتزوج بغير مغربي خارج المغرب بإمكانها إبرام عقد زواجها وفق أي قانون شريطة احترام المقتضيات التي جاءت بها المادة 14

و 15 من مدونة الأسرة وإلا كان العقد غير معترف به داخل المغرب.

وخلاصة القول، فإن قراءة المادة الثانية من مدونة الأسرة يستنتج منها أنه عند اتحاد الجنسية (أي المغربية) يوجه القانون (أي مدونة الأسرة) مباشرة لحكم العلاقة، أما عندما تختل الجنسية يوجه القانون مباشرة للشخص المغربي لضمان حمايته، هذا على مستوى الجنسية، أما فيما يتعلق بضابط الدين فإنه وإن كان يبدو ظاهريا أنه استبعد عن الساحة المتعلقة بالقانون الدولي الخاص، إلا أنه حاضر عند الإحالة على قانون الأسرة، وحتى يتضح الأمر وتماشيا مع الموضوع أقترح المثال التالي: فمثلا زواج مغربية مسلمة من فرنسي مسيحي خارج المغرب.

فإذا أردنا دراسة هذه العلاقة يتضح أنه مادامت الجنسية مختلفة فإن العلاقة ستخضع للقانون الدولي الخاص، وبالتالي كل طرف سيخضع لقانونه الشخصي، فبالنسبة للمغربية المسلمة سنحيلها على الفقرة الثالثة من المادة الثانية التي تقول بأن المدونة تسري على “العلاقات التي يكون أحد طرفيها مغربيا”، هذه الفقرة ستحيلنا على المادة 39 من المدونة التي تجعل زواج المغربية المسلمة من المسلم من الموانع المؤقتة، وبالتالي نجد ضابط الدين الذي يكون خفيا في أول العلاقة يظهر عندما يريده المشرع أن يظهر، ومن ثم إذا أبرم هذا الزواج بعيدا عن مقتضيات مدونة الأسرة فإنه يعتبر باطلا بنص المادة 57 من المدونة، والنتيجة أن هذا الزواج سيكون معترفا به في فرنسا وغير معترف به داخل المغرب، ناهيك على الآثار التي يمكن أن يخلفها والتي ستخلق مشاكل عديدة.

إن هذه الوضعية المقلقة جعلت أحد الفقهاء المغاربة[37] ينتقد المشرع المغربي بل الأنظمة القانونية الإسلامية كلها لأنها تكرس امتياز الجنسية وامتياز الديانة على حساب مبادئ المثال الأممي ومبادئ القانون الدولي الخاص المقارن حيث يقول: “إن هذه القواعد المكرسة للميز إما على أساس ديني أو وطني لا تساهم البتة في تحقيق التنسيق مع أنظمه القانون الدولي الأممي، وهذا  يفرض على الأنظمة القانونية الإسلامية الانفتاح على المفاهيم الوضعية واتباع مبادئ التحليل التنازعي السليم في هذا المجال لضمان حصول أحكامها وقراراتها القضائية على فرص أكبر للتنفيذ بالخارج والحفاظ على الحقوق المكتسبة للأفراد”.

لذلك ولتفادي الازدواجية في المراكز القانونية الناتجة عن عدم احترام المانع الديني في الزواج ذهب أحد الفقهاء إلى القول بإعادة النظر في موضوع زواج المسلمة بغير المسلم بحيث أن المرجعية الفقهية لم تعد وحدها المهيمنة إذ أصبحت تزاحمها  المرجعية الدولية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار، إضافة إلى أن الواقع أصبح يعرف اتساع ظاهرة ارتباط مسلمات بأجانب غير مسلمين”[38].

إن الدعوة إلى الانفتاح على مقتضيات المرجعية الأممية وتجاوز كل ما يمكن أن يخالف هذه المرجعية حتى نتعايش مع الواقع الذي يفرض نفسه، على حساب النظام العام المغربي، أظن أن هذا الطرح يعالج إشكالا بإشكال آخر، فلماذا لا يتوجه إلى هذه المرجعية بالنقد باعتبارها تقصي كل ما له علاقة بقانوننا الوطني باسم نظامها العام وكمثال على ذلك القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بباريس بتاريخ 9 يوليوز 1994 الذي جاء فيه أن “النظام العام الفرنسي يقف ضد القيود ذات الطبيعة الدينية التي تضعها بعض القوانين الأجنبية في مواجهة حرية الزواج كالقانون المغربي الذي يمنع زواج المسلمة من غير المسلم”[39]. كما ورد عن نفس المحكمة قرار قضى بأنه “لا يمكن إبطال الزواج بعلة أن الزوج غير مسلم طالما أن المسألة تتعلق بحقوق وحريات أساسية”[40].

وبالتالي فإن أي دعوة للاجتهاد لتجاوز مشاكل الواقع لا ينبغي أن تكون على حساب  ثوابتنا ونظامنا العام، والذي يحاول تجاوز هذه الأخيرة للتوافق مع المرجعية الأممية فإنه يجتهد خارج ضوابط الاجتهاد، لذلك فالاختلاف مع المرجعية سيبقى مطروحا طالما أن هناك ثوابت متباينة ومختلفة من حيث الأسس التي تنبني عليها كل مرجعية.

 

[1] – سأقتصر فقط على دراسة زواج المسلمة بغير المسلم لأنه يثير إشكالات أكثر بالمقارنة مع زواج المسلم بغير المسلمة، وللاطلاع على هذا الموضوع الأخير، يرجع إلى أستاذنا الحسين بلحساني “أثر اختلاف الدين على الزواج المختلط في النظام القانوني المغربي” المجلة المغربية للاقتصاد والقانون، العدد 5/2002، ص 87/93.

[2] – أستاذنا الحسين بلحساني “أثر اللبس المرجعي على وضعية المرأة في النظام القانوني المغربي” سلسلة الندوات رقم 1 النساء ودولة الحق والقانون، دار القلم الرباط 2004 ص 36.

[3] – سورة البقرة، الآية 218.

[4] – سورة الممتحنة الآية 10.

[5] – رشيد رضا “تفسير المنار” م س الجزء السادس، ص 193.

[6] – نفسه، ص 193.

[7] – محمد مصطفى شلبي “أحكام الأسرة في الإسلام: دراسة مقارنة بين فقه المذاهب السنية والمذهب الجعفري والقانون “دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1977، ص 227.

[8] – السيد قطب “في ظلال القرآن” المجلد السادس، دار الشروق، الطبعة السابعة عشر 1992، ص 354.

[9] – محمد علي الصابوني “مختصر تفسير بن كثير “المجلد الثالث، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 485.

[10] – محمد علي الصابوني “مختصر تفسير ابن كثير” م، س، ص 485.

[11] – أستاذنا الحسين بلحساني “اختلاف الدين على الزواج المختلط …” م، س، ص 95.

[13] –  عبد الله العلايلي “أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد…” دار الجديد، الطبعة الثانية 1992، ص 129.

[14] – عبد الله العلايلي، م س ص 130.

[15] -فيصل المولوي :الرد على الشيخ عبد الله العلايلي” مقال منشور بالموقع الإلكتروني www.Mawlawi.net/kutub.asp     بتاريخ 23/04/2009.

[16] – سورة البقرة الآية 218.

[17] – سورة المائدة الآية 5.

[18] – فيصل المولوي، المرجع السابق.

[19] – وقد أورد المولوي قرينتين تؤكدان أن المقصود عموم اللفظ لا خصوص السبب: الأولى قوله تعالى في وسط الآية مبينا سبب الحكم بعدم إرجاع النساء المهاجرات “لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن“، ولم يقل إن سبب ذلك الخوف من ارتدادهن ولا من تعرضهن للاضطهاد، مع أن هذا الأمر محتمل، مما يؤكد أن عدم الإرجاع سببه تحريم بقاء رباط الزوجية حتى ولو لم يكن هناك خوف من الاضطهاد أو الارتداد.

الثانية: آية البقرة السابقة نفسها التي تحرم الزواج المختلط بوجهيه، فهي قرينة قاطعة على أن سبب عدم الإرجاع هو تحريم البقاء على الزواج المختلط، طالما أن آية البقرة حرمت الابتداء بهذا الزواج.

[20] – أستاذنا الحسين بلحساني “أثر اختلاف الدين على الزواج المختلط”، م س ص 85.

[21] – عبد الهادي التازي “مهاجرونا ببين واقع العولمة وهاجس الهوية” مطبوعات أكاديمية المملكة، سلسلة الندوات، هجرة المغاربة إلى الخارج،12-13  ماي 1999، ص 99.

[22] – أستاذنا جمال الطاهري “مراعاة الإقامة بالخارج كمحدد للضبط في مدونة الأسرة” ندوة مدونة الأسرة عام من التطبيق: الحصيلة والآفاق، 17-18  فبراير 2000، ص 143.

[23] – انظر الموقع الالكتروني: www.Islamonline.net  بتاريخ 2009/01/25.

[24] – أستاذنا الحسين بلحساني: ” أثر اختلاف الدين على الزواج المختلط” م، س، ص 101-102.

[25] – ابراهيم زعيم “الزواج المختلط: ضوابطه وإشكالاته” مجلة الملحق القضائي، العدد 36، مارس 2003، ص 28.

[26] – تنص المادة الثانية من مدونة الأسرة على أنه “تسري أحكام هذه المدونة على:

1- جميع المغاربة ولو كانوا حاملين لجنسية أخرى؛

2- اللاجئين بمن فيهم عديمو الجنسية، طبقا لاتفاقية جنيف المؤرخة ب 28 يوليوز لسنة 1951 المتعلق بوضعية اللاجئين.

3-العلاقات التي يكون فيها أحد الطرفين مغربيا؛

4- العلاقات التي تكون بين مغربيين أحدهما مسلم؛

أما اليهود فتسري عليهم قواعد الأحوال الشخصية العبرية”.

[27] – أستاذنا الحسين بلحساني “أثر اختلاف الدين على الزواج المختلط…” م س ص 106.

[28] – راجع محتوى هذه المناشير عند الأستاذ محمد الكشبور “شرح مدونة الأسرة” الجزء الأول، م س ص 199 الهامش 92.

[29] – لقد أثنى أستاذنا الحسين بلحساني على موقف المشرع من زواج المسلم بغير المسلمة في ظل م ح ش الذي لم يكن يشترط أن تكون الزوجة من أهل الكتاب كما قرر الفقه الإسلامي حيث قال: “إن القانون هنا بعيد تماما عما هو مقرر في الفقه الإسلامي عموما وفي الفقه المالكي على الخصوص…ومع ذلك لا نلمس اعتراضات حقيقية على هذا التجاوز المفترض، أقول المفترض، لأن المشرع هنا قد انتصر للرأي الذي يعتبر أن المشركات اللائي لا يجوز الاقتران بهن نصا لم يعد لهن وجود، وأعتقد أنه محق في ذلك تماما، سيما وأن الكفر أضحى وضعا غير دقيق بفعل العلمانية المنتشرة بين الأجنبيات وصعوبة التعرف على عقيدة الفرد وحقيقتها” ويضيف قائلا ” ويسند هذا الرأي أن مدونة الأحوال الشخصية قد أقرتها لجنة ضمت صفوة من العلماء آنذاك، فليس واردا البتة أن يغيب عن ذهنهم موقف الشريعة من التزوج بالكافرات = ومن ثم فإنه لا مناص من التسليم بكونهم قد اعتبروا التحريم المقصود في النصوص الشرعية قد انتفت علله” أثر اختلاف الدين على الزواج المختلط…”م، س، ص 105.

وهذا يعني أن أستاذنا  بلحساني يختلف مع ما جاء في الفقرة الرابعة من المادة 39 من المدونة بل الأكثر من ذلك قد يغير حتى موقفه من العلماء الذين كانوا في اللجنة التي أعدت المدونة وأتساءل نيابة عن الأستاذ هل التحريم الذي انتفت علله في ظل م ح ش رجعت في ظل م س؟

[30] – محمد الكشبور “شرح مدونة الأسرة” الجزء الأول، م س، ص 347.

[31] – خالد برجاوي “تقييم مدونة الأسرة من زاوية القانون الدولي الخاص ” مجلة المرافعة العدد 16، أكتوبر 2005، ص 67-68.

[32] – أحمد زوكاغي “أحكام التنازع بين القوانين في التشريع المغربي” مطبعة الكرامة الرباط، الطبعة الثانية 2002، ص 151.

[33] –  موسى عبود “الوجيز في القانون الدولي الخاص المغربي” المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، أكتوبر 1994، ص 235.

[34] – أحمد زوكاغي “أحكام التنازع بين القوانين في التشريع المغربي”، م س ص 165.

[35] – موسى عبود “الوجيز في القانون الدولي الخاص”، م س، ص 236.

[36] – جميلة أوحيدة “مستجدات مدونة الأسرة وانعكاساتها على المغاربة المقيمين بأوروبا ” الندوة الجهوية الثانية للمجلس الأعلى بعنوان “قضايا الأسرة من خلال اجتهادات المجلس الأعلى” مكناس 8-9  مارس 2007، ص 141-142.

[37] – خالد برجاوي “الحلول  المقررة  لتنازع القوانين في مادة الأحوال الشخصية : “دراسة في منطق القاضي المسلم” المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 70، شتنبر أكتوبر 2006، ص 168.

[38] -Lotfi chedly « le mariage de la musilmane avec le nom musilman entre l’universalisme des textes et les conservation de la jurisprudence de la pratique administrative. RCDIP 95 (3) juillet septembre 2006, p 524.

[39] -François Monéger, «  Les musulmanes devant le juge Français » JDI : 1994 , p 365.

[40] –   أورده أحمد زوكاغي “القضاء الفرنسي وانحلال الرابطة الزوجية بين المغاربة المهاجرين في فرنسا” مكتبة دار السلام، الرباط طبعة 2006، ص 91.