قضاء القرب، الرؤية الجديدة القديمة

ذ. فيصل بجــــي 

238

عمد المشرع المغربي إلى حذف محاكم الجماعات والمقاطعات، بموجــب القانـون رقم 07.11 الصـادر بتاريــخ 18 فبراير 2011[1]، وهو ما أكده الفصل الأول من القانون رقم 34.10 المغير والمتمم لظهير 15 يوليوز 1974[2]، عندما استغنى عن هذا النوع من المحاكم بعد تجربة دامت زهاء 37 سنة، تقلص خلالها عدد حكام هذه الجماعات إلى ما يقارب الثلث، والتي أبانت عن قصــورها وعدم فاعليتها. ما يشير إلى أن المشرع قد تفهم أخيرا الانتقادات التي كانت توجه لمحاكم الجماعات والمقاطعات، التي استعاض عنها بقضاء القرب[3]، بهدف تقريب القضاء من المتقاضين وتطوير مستوى الأداء القضائي وضمان نجاعته، وعلى الخصوص الرفع من وثيرة البت في القضايا البسيطة، وهو ما دفع باتجاه إعادة النظر في هندسة التنظيم القضائي للمملكة، وخاصة على مستوى المحاكم الابتدائية.

في هذا الصدد، أحدثت المادة الأولى من القانون رقم 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب وتحديد اختصاصاته، قضاء للقرب بدوائر نفوذ المحاكم الابتدائية يوزع اختصاصه الترابي على النحو التالي:

  • أقسام قضاء القرب بالمحاكم الابتدائية، الذي يشمل اختصاصها الترابي الجماعات الترابية الواقعة بالدائرة الترابية لهذه المحاكم؛
  • أقسام قضاء القرب بمراكز القضاة المقيمين، الذي يشمل اختصاصها الترابي الجماعات الترابية الواقعة بالدائرة الترابية لمركز القاضي المقيم.

في هذا الإطار، سيتم طرح أهم مقتضيات القانون المنظم لقضاء القرب، غير أنه قبل ذلك يتعين بسط نظرة حول محاكم الجماعات والمقاطعات، ليتسنى رسم صورة واضحة تجاه المولود الجديد، الذي يمكن تشبيهه بمحاكم السدد التي كان ينص عليها الفصل الثاني من قانون توحيد المحاكم المغربية[4]، التي كانت تخضع للقضاء الفردي باختصاصات محدودة، عندما كانت تنظر ابتدائيا وانتهائيا في القضايا التي لا تتعدى قيمتها 300 درهم آنذاك، مع حفظ حق الاستئناف فيما زاد عن ذلك أمام المحاكم الإقليمية، في حين أنه بالنسبة للقضايا الجرمية فقد كانت هذه المحاكم تبت في المخالفات والجنح الضبطية، ما يدفع إلى القول، بأن القانون رقم 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب، أنه قانون جديد قديم، لأنه يعيد بصورة مغايرة وجديدة نفس التوجه الذي كان قد أخذ به من خلال تجربة محاكم السدد المذكورة.

  أولا: نظرة حول محاكم الجماعات والمقاطعات

تم تنظيم محاكم الجماعات والمقاطعات بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.74.339[5]، التي كانت تتكون من حاكم، يساعده عون كتابة الضبط أو كاتب، يتم تعيين حكام المقاطعات وحكام الجماعات من بين القضاة طبقا لمقتضيات القانون الأساسي للقضاة، أو من بين الأشخاص الذين لا ينتمون للهيئة القضائية، وفي هذه الحالة يساعده نائبان، وكان يتم اختيار الحكام – من غير القضاة – ونوابهم من بين أعضاء هيئة انتخابية تتكون من مائة شخص وفق شروط كان يحددها المرسوم رقم 2.74.499[6]، وقد كان يتم تعيين الحكام لمدة ثلاث سنوات بظهير باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء[7].

ما يثير الانتباه، أن الشخص الذي كان يعهد إليه بالبت في النزاع يسمى بالحاكم وليس القاضي، ما يطرح التساؤل حول الشروط التي كانت موضوعة لانتدابه للفصل في النزاعات في الحالة التي لا يكون فيها منتميا للجهاز القضائي؟

بالرجوع إلى القانون المتعلق بتنظيم محاكم الجماعات والمقاطعات، نجد شروط الحاكم كما نص عليها الفصل الخامس وهي:

1-  أن يكون من جنسية مغربية؛

2-  أن يكون بالغا من العمر أربعين سنة على الأقل؛

3-  أن يكون ذا مروءة وسلوك حسن، لم يحكم عليه أبدا من أجل جناية أو جنحة عدا الجرائم غير العمدية؛

4-  أن يكون بالفعل مستوطنا في الجماعة؛

5-  أن يكون متمتعا بحقوق المواطنة؛

6-  أن تكون له مؤهلات تتيح له القيام بمهام الحاكم؛

7-  ألا يكون موظفا عموميا أو محاميا أو وكيلا عدليا أو عدلا أو وكيل أعمال.

بمقارنة هذه الشروط بتلك التي يجب أن تتوافر في القضاة، يمكن القول أنه ليست هناك أية علاقة قد تجمع بين الإثنين، خاصة وأن هذه الشروط لا تشير لا من بعيد ولا من قريب إلى التكوين القانوني لهذا الحاكم، بل لا تشير إلى أي تكوين كيفما كان نوعه، ما كان يفرز حكاما غير مؤهلين ولا يتوفرون على الكفاءة القانونية والمهنية اللازمة للبت في الدعاوى، ما أثار مجموعة من الانتقادات، إذ ظلت عدة أصوات تطالب بإلغاء هذه المحاكم لعدم توفرها على شروط الاستقلال إزاء السلطة التنفيذية، بالإضافة إلى عدم توفر القانون المنظم لها على الضمانات والشروط التي تسمح بصدور أحكام منصفة عنها.

اختصت هذه المحاكم في الدعاوى الشخصية والمنقولة المثارة ضد الأشخاص المقيمين بدائرة نفوذها إذا لم تتجاوز قيمتها 1000 درهم[8]، وكذا في طلبات الوفاء بالكراء، بالإضافة إلى طلبات فسخ عقود الكراء غير التجارية المبنية على عدم دفع الوجيبة الكرائية، وقد تمدد القيمة إلى 2000 درهم استثناءا في حالة اتفاق الأطراف على ذلك أمام الحاكم، هذا بالإضافة إلى بعض المخالفات الجنائية البسيطة المحددة في الفصول 29 إلى 31 من ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بتنظيم محاكم الجماعات والمقاطعات الملغى، والتي ترتكب داخل الدائرة التي يزاول فيها الحكام عملهم أو عندما يكون الفاعل مقيما بهذه الدائرة.

  ثانيا: تأليف أقسام قضاء القرب

تنص المادة الثانية من القانون رقم 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب، على أن أقسام قضاء القرب تتألف من قاض أو أكثر وأعوان لكتابة الضبط أو الكتابة، وتعقد جلساتها بقاض منفرد بمساعدة كاتب للضبط، وبدون حضور النيابة العامة.

يمكن كذلك عقد جلسات تنقلية بإحدى الجماعات الواقعة بدائرة النفوذ الترابي لقسم قضاء القرب، بقصد النظر في القضايا التي تدخل ضمن اختصاصه، كما أنه يكلف رئيس المحكمة الابتدائية أو من ينوب عنه، قاضيا للنيابة عن قاضي القرب في حالة غيابه أو عند ظهور مانع قانوني يمنعه من البت في الطلب، حسبما أكدته المادة 4، أما المادة 3 فقد نصت على أنه تسند الجمعية العمومية البت في القضايا التي تندرج ضمن قضاء القرب للقضاة العاملين بالمحاكم الابتدائية ومراكز القضاة المقيمين.

لقد حدد الفصل الثاني من ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة[9]، تأليف المحكمة الابتدائية كما تم تتميمه بعدة فقرات، أولها الفقرة الثالثة التي تنص على أنه: ”يمكن تقسيم هذه المحاكم حسب نوعية القضايا التي تختص بالنظر فيها إلى أقسام قضاء الأسرة وأقسام قضاء القرب وغرف مدنية وتجارية وعقارية واجتماعية وزجرية”.

من المستجدات التي تثير أكثر من ملاحظة، أن المشرع أضاف فقرة جديدة في الفصل الثاني من الظهير المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة، نص من خلالها على أنه يمكن تصنيف المحاكم الابتدائية حسب نوعية القضايا التي تختص بالنظر فيها، إلى محاكم ابتدائية مدنية ومحاكم ابتدائية اجتماعية ومحاكم ابتدائية زجرية، تقسم بناء على ذلك المحاكم الابتدائية المدنية إلى أقسام قضاء القرب وغرف مدنية وغرف تجارية وغرف عقارية، كما تقسم المحاكم الابتدائية الاجتماعية إلى أقسام قضاء الأسرة، وغرف حوادث الشغل والأمراض المهنية وغرف نزاعات الشغل، بالإضافة إلى تقسيم المحاكم الابتدائية الزجرية إلى أقسام قضاء القرب وغرف جنحية وغرف حوادث السير وغرف قضاء الأحداث، غير أن ذلك يمكن متى كانت المصلحة والشروط تساعد على إقرار هذا التصنيف، ما يعني أنه تصنيف غير إلزامي.

لكن ما يهم هنا، أن أقسام قضاء القرب في إطار هذا التصنيف وبخلاف جميع الغرف، بالإضافة إلى أقسام قضاء الأسرة، التي تصنف في إطار تخصص واحد إما مدني أو اجتماعي أو زجري، فإن أقسام قضاء القرب يمكن أن تصنف في إطار المحاكم الابتدائية المدنية والزجرية، على اعتبار أنه يدخل في مهام هذه الأقسام الفصل في القضايا المدنية والزجرية.

ما يمكن أن يسجل من ملاحظة في هذه النقطة، أن المشرع عندما نص على تصنيف المحاكم الابتدائية حسب نوعية القضايا التي تختص بالنظر فيها، من خلال الفصل الثاني من ظهير التنظيم القضائي للمملكة، فإنه صدرها بعبارة “يمكن”، أي أنه قد تصنف بعض المحاكم، في حين لا تصنف أخرى، ما قد يخلق نوعا من التمييز بين المتقاضين، ذلك أن نفس القانون يطبق في جميع المحاكم، غير أن بعضها سيكون مصنفا ومنها ما هو دون ذلك، وهذه المسألة في نظرنا ونظر بعض المتخصصين والباحثين غير إيجابية، على اعتبار أن الأهداف التي تعتمد لإقرار وتصنيف محكمة ابتدائية حسب نوعية القضايا التي تختص بها، يتعين إعمالها في جميع محاكم المملكة.

  ثالثا: الاختصاص المحلي والنوعي لأقسام قضاء القرب

لا يثير الاختصاص المحلي لأقسام قضاء القرب أي إشكال، فقد حسمت ذلك المادة الأولى من القانون رقم 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب، عندما نصت على أنه يوزع الاختصاص الترابي لتلك الأقسام على النحو التالي:

  • أقسام قضاء القرب بالمحاكم الابتدائية؛ ويشمل اختصاصها الترابي الجماعات المحلية الواقعة بالدائرة الترابية لهذه المحاكم؛
  • أقسام قضاء القرب بمراكز القضاة المقيمين؛ ويشمل اختصاصها الترابي الجماعات المحلية الواقعة بالدائرة الترابية لمركز القاضي المقيم.

أما فيما يخص الاختصاص النوعي، فحيادا عن مقتضيات الفصل 16 من قانون المسطرة المدنية، القاضي بالدفع بعدم الاختصاص النوعي، فإن المشرع قد جعل الاختصاص النوعي لأقسام قضاء القرب يعد من النظام العام، تثيره المحكمة من تلقاء نفسها في أي مرحلة من مراحل التقاضي، كما هو الشأن بالنسبة لأقسام قضاء الأسرة، فبعد أن كان المشرع يتيح لجميع الغرف أن تبحث وتحكم في كل القضايا المعروضة على المحكمة كيفما كان نوعها، باستثناء ما يتعلق بأقسام قضاء الأسرة؛ أصبحت كذلك الغرف الأخرى لا تبحث أو تحكم في القضايا التي تدخل ضمن اختصاص أقسام قضاء القرب، بل أصبحت هذه الأقسام هي المختصة للبحث والحكم فيها، وبذلك فإنه لا يجوز للأطراف عرض نزاعهم على غرفة أخرى إذا كان القانون يسند الاختصاص في موضوع النزاع إلى أقسام قضاء القرب، وهي مسألة كان فيها المشرع موفقا لأنه بذلك سيكرس مبدأ التخصص في التقاضي، بالإضافة إلى تخصيص هذه الأقسام بنوعية محددة من القضايا، ما سيسهم في فعاليتها وجودة أحكامها.

هكذا فقد حدد القانون رقم 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب، اختصاصات هذه الأقسام وحددها في الدعاوى الشخصية والمنقولة التي لا تتجاوز قيمتها خمسة آلاف درهم، باستثناء النزاعات المتعلقة بمدونة الأسرة والعقار والقضايا الاجتماعية والإفراغات، وهذا على خلاف محاكم الجماعات والمقاطعات التي كانت تختص في النزاعات التي لا تتجاوز قيمتها ألف درهم مع إمكانية تمديدها إلى ألفي درهم باتفاق الأطراف، كما تنظر أيضا في المخالفات المنصوص عليها في القانون المتعلق بتنظيم قضاء القرب وتحديد اختصاصاته، وبالتالي فإن المشرع كان واضحا في منع أقسام قضاء القرب من النظر في القضايا التي تختص بالنظر فيها أقسام قضاء الأسرة والعقار والقضايا الاجتماعية والإفراغات بالرغم من عدم تجاوز قيمتها خمسة آلاف درهم، وهو ما كان فيه موفقا، على اعتبار أن اختصاصات محاكم الجماعات والمقاطعات كانت شبه مبهمة، خاصة فيما يتعلق بالأمر بكل التدابير لوضع حد للاحتلال الحال والمانع من الانتفاع بحق الملكية في إطار اختصاصاتها الترابية[10].

ما تجدر ملاحظته بهذا الخصوص، أن المشرع لم يتحر الدقة في استعمال بعض المصطلحات القانونية، عندما حدد اختصاص أقسام قضاء القرب أساسا في الدعاوى الشخصية والمنقولة، ثم عاد ليستثني الدعاوى المتعلقة بالعقار، الأمر الذي لم يكن فيه موفقا، على اعتبار أن تحديد الاختصاص في الدعاوى الشخصية والمنقولة، يعني بشكل تلقائي إسقاط الاختصاص في الدعاوى العينية والعقارية.

  رابعا: المسطرة أمام أقسام قضاء القرب

تكون المسطرة أمام أقسام قضاء القرب شفوية ومجانية، ومعفاة من الرسوم القضائية كما تنص على ذلك المادة 6 من القانون رقم 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب. هذا المعطى يشير بشكل مباشر بأن جميع القضايا التي تدخل ضمن اختصاص أقسام قضاء القرب تكون معفاة من الرسوم القضائية بقوة القانون، ولا يحتاج إلى تقديم طلب المساعدة القضائية، وهو ما يسمح لمن له الصفة والأهلية والمصلحة من التقدم نحو هذه الأقسام للمطالبة بحقوقه دون تقديم أي رسوم، وهو مقتضى غاية في الأهمية بالنظر إلى قيمة القضايا التي تقدم أمام هذه الأقسام التي تشير إلى المستوى الاجتماعي للمتضرر خاصة بالنسبة لذوي الدخل المحدود.

أما بالنسبة لجلساتها فتكون علنية، وتصدر الأحكام باسم جلالة الملك وطبقا للقانون، وتضمن في سجل خاص بذلك، كما تذيل بالصيغة التنفيذية، ويتعين النطق بهذه الأحكام وهي محررة، وتسلم نسخة منها إلى المعنيين بها داخل أجل عشرة أيام الموالية لتاريخ النطق بها[11].

إذا صدر الحكم بحضور الأطراف، تم التنصيص على  ذلك في محضر الجلسة، ويشعر القاضي الأطراف بحقهم في طلب الإلغاء وفق الشروط وداخل الآجال المنصوص عليها في المادتين 8 و 9 من القانون المدروس، ولا يعتبر ذلك بمثابة تبليغ إلا إذا تم تسليم نسخة الحكم بالجلسة وتم التوقيع على ذلك.

فيما يخص الطعن، فإن الجديد الذي جاء به القانون رقم 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب، ومن خلال المادة 8، أنه يمكن للطرف المتضرر من الحكم، التقدم بطلب إلغائه أمام رئيس المحكمة الابتدائية داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ تبليغه بالحكم، وذلك بناء على مجموعة من الحالات التي يمكن القول بأنها جاءت على سبيل الحصر في المادة 9:

  • إذا لم يحترم قاضي القرب اختصاصه النوعي أو القيمي؛
  • إذا لم يجر محاولة الصلح المنصوص عليها في المادة 12 نفس القانون؛
  • إذا بت فيما لم يطلب منه، أو حكم بأكثر مما طلب، أو أغفل البت في أحد الطلبات؛
  • إذا بت رغم أن أحد الأطراف قد جرحه عن حق؛
  • إذا بت دون أن يتحقق مسبقا من هوية الأطراف؛
  • إذا حكم على المدعى عليه أو المتهم دون أن تكون له الحجة على أنه توصل بالتبليغ أو الاستدعاء؛
  • إذا وجد تناقض بين أجزاء الحكم؛
  • إذا وقع تدليس أثناء تحقيق الدعوى.

يمكن الإشارة في هذا الصدد، إلى أن رئيس المحكمة المعنية يبت في الطلب المذكور داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ إيداعه، في غيبة الأطراف، ما لم ير ضرورة استدعاء أحدهم لتقديم إيضاحات، وفي جميع الحالات يبت داخل أجل الشهر، وحري بالتأكيد على أن هذا الحكم لا يقبل أي طعن.

أ- المسطرة في القضايا المدنية

يختص قاضي القرب كما تنص على ذلك المادة 10 من القانون رقم 42.10 المدروس، بالنظر في الدعاوى الشخصية والمنقولة التي لا تتجاوز قيمتها خمسة آلاف درهم، ولا يختص في النزاعات المتعلقة بمدونة الأسرة والعقار والقضايا الاجتماعية والإفراغات، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

وفق ذات الإطار، تطرقت المادة 11 من نفس القانون، إلى مسطرة رفع الدعوى إلى قاضي القرب التي تتم وفق نفس شكليات رفع الدعاوى، إما بمقال مكتوب أو بتصريح شفوي يتلقاه كاتب الضبط، الذي يدونه في محضر يتضمن الموضوع والأسباب المثارة، وفق نموذج معد لهذه الغاية، ويوقعه مع الطالب، وإذا كان المدعى عليه حاضرا أوضح له القاضي مضمون الطلب، وإذا لم يحضر بلغ له مقال المدعي أو نسخة من المحضر في الحال.

يحتوي التبليغ على استدعاء لجلسة لا يتجاوز تاريخها ثمانية أيام، ما يضفي الطابع السريع لهذه الأقسام في البت في القضايا، التي أريد لها الحسم في المنازعات بشكل أسرع، على اعتبار أن قيمتها المحددة في خمسة آلاف درهم تجعل منها قضايا صغرى، وبالتالي لا يجب إطالة أمدها لأنها لا تحتاج إلى إجراءات التحقيق المتطلبة في القضايا الكبرى أو التي تفوق قيمتها خمسة آلاف درهم.

وفقا لذلك يقوم قاضي القرب وجوبا، قبل مناقشة الدعوى، بمحاولة للصلح بين الطرفين، كما نصت على ذلك المادة 12 من القانون سالف الذكر، فإذا تم الصلح بينهما، حرر بذلك محضرا وتم الإشهاد به من طرف القاضي، أما في حالة تعذره فيبت في موضوعها داخل أجل ثلاثين يوما بحكم غير قابل لأي طعن عادي أو استثنائي، مع مراعاة أحكام المادة 7، كما تنص على ذلك المادة 13 من نفس القانون.

بهذا التوجه، يمكن القول بأن رغبة المشرع المغربي وسعيه نحو تحقيق العدالة التصالحية كانت ومازالت ملحة، وبما أن النزاع يعد شكلا من أشكال السلوك التنافسي بين طرفيه، فجل النزاعات لا ترمي دائما إلى تحقيق مصالح متضاربة ومتناقضة، بل هناك كثيرا منها يمكن أن يكون لأطرافها أهدافا ومصالح متكاملة ومتوافقة يسهل إيجاد حل توافقي لها، وباعتبار أن مبدأ الصلح أو المصالحة من التقاليد النافدة في التراث الديني والثقافي المغربي، إذ كان زعيم القبيلة أو رب الأسرة يلعب دور الوسيط في حل جل النزاعات التي كانت تنشأ بين أفراد الأسرة أو القبيلة، وأسوة بالعديد من التشريعات المقارنة؛ أصر وعلى نفس نهج العديد من التشريعات الوطنية كذلك، على ترسيخ مبدأ الصلح في المادة 12 المذكورة كآلية حديثة وحضارية لفض النزاع قبل البت في الدعوى، وهذا في نظرنا كان فيه المشرع حكيما خاصة من خلال مساهمته في ترميم العلاقات بين المتنازعين، خصوصا عندما يكون الأطراف ذووا علاقات أسرية أو اجتماعية[12]، وعلى اعتبار أن مثل هذه القضايا التي لا تتجاوز قيمتها خمسة آلاف درهم، لا يجب أن يطول أمد البت فيها كونها تعد من القضايا البسيطة، وبذلك فإن سعي القاضي إلى تحقيق الصلح يعد توجها سليما ومنطقيا لاحتواء الخلاف في ظرف قصير مقارنة بالزمن الذي يتطلبه البت في الدعوى، وإن كان قد حددها المشرع من خلال المادة 13 في أجل ثلاثين يوما بحكم غير قابل لأي طعن عادي أو استثنائي، مع مراعاة أحكام المادة 7، إلا أنه مع ذلك وجب التنويه بأنه قد يغلب طابع الفشل على محاولات الصلح التي يقوم بها القاضي، ولعل مرد ذلك لمجموعة من الأسباب التي ترجع للقانون والقضاء والدفاع، إضافة إلى الأطراف، والتي يجب على المشرع العمل على احتوائها من خلال إعادة النظر في بعض التشريعات المتعلقة بالصلح، وفتح المجال أمام الوساطة القضائية باعتبارها وسيلة بديلة لفض المنازعات.

ب- المسطرة في المادة الزجرية

تنص المادة 14 من القانون رقم 42.10، على أن قاضي القرب يختص بالبت في المخالفات المرتكبة من طرف الرشداء المنصوص عليها في المواد 15 إلى 18 من نفس القانون، ما لم يكن لها وصف أشد، إذا ارتكبت داخل الدائرة التي يشملها اختصاصها الترابي أو التي يقيم بها المقترف.

هذا التوجه جاء مغايرا لما كان قد ذهب إليه التشريع الخاص بمحاكم الجماعات والمقاطعات، التي كانت تختص بالنظر في المخالفات المنسوبة للأحداث والرشداء[13].

هكذا فقد نص على عقوبة تتجلى في أداء غرامة تتراوح بين 200 و 1200 درهم من طرف مرتكبي بعض الجرائم التي تم التنصيص عليها في المواد 15 إلى 18 من نفس القانون التي وردت على سبيل الحصر، وهو تقسيم جديد للمخالفات التي تم ترتيبها في أربع درجات عوض ثلاث التي كان معمولا بها من خلال الظهير المتعلق بتنظيم محاكم الجماعات والمقاطعات، كما أنه قام بالرفع من قيمتها التي كانت تتراوح بين 10 و800 درهم.

 

 

 

خاتمــــــــة

إن الغاية من إلغاء محاكم الجماعات والمقاطعات وتعويضها بأقسام قضاء القرب، تتمثل في إعادة النظر في التنظيم القضائي، وفي مكوناته من حكام ومحاكم، ولعل التسمية تعطي المعنى الواضح لتقريب القضاء من المواطن، فالمشرع المغربي بإحداثه لقضاء القرب قد هدف إلى إحداث إطار قضائي مؤهل لمعالجة المنازعات والمخالفات البسيطة بما يستوجب من سهولة اللجوء إليه.

كما أن مرونة مسطرته ستساهم في تجنيب ما يعانيه المتقاضون من صعوبات، إذ أن تشعب قانون الشكل وإغراقه المتقاضين في متاهاته، بدل حله للنزاع، لدرجة أن الإخلال بأي إجراء فيه – وقد لا يكون بسبب الأطراف أو محاميهم – يؤدي غالبا إلى عودة الأطراف إلى نقطة الصفر، مما يرتب ضياع الوقت والمصاريف، إضافة إلى تعدد القوانين الموضوعية وما يلحقها من تعديلات، مما يرتب تداخلات واختلافات وتباينات أحيانا، قد توقع المختصين من القضاة والمحامين ذووا التجربة الكبيرة في التباسات، فبالأحرى على المتقاضي العادي، وهو ما يمكن تجاوزه من خلال المواد 15 إلى 18 من قانون قضاء القرب الذي يحدد قوانين الموضوع على سبيل الحصر، وهو ما يمكن من تجاوز بعض الإشكالات المشار إليها.

من خلال ما سبق يتضح الفارق الجوهري بين محاكم الجماعات والمقاطعات وأقسام قضاء القرب، وبالأساس من حيث الهيئة التي تبت في النزاع، فإنه تم تعويض الحاكم بالقاضي، ومن هنا يستنتج أنه لم يعد إشكال التكوين مطروحا، على عكس حكام الجماعات والمقاطعات الذي يمكن أن يكون مستواهم الدراسي متدنيا، ولا يتوفرون على أي تكوين قانوني، الأمر الذي كان يطرح أكثر من تساؤل، ما أدى إلى تعرضه للعديد من الانتقادات من طرف الباحثين والمختصين، لكن بهذه التوجه يمكن القول بأن المشرع بالرغم من أنه حافظ من ناحية على الرؤية القديمة في تخصيص بعض القضايا المدنية والزجرية لمحاكم السدد، وبعدها لمحاكم الجماعات والمقاطعات، فإنه في ذات الآن كرس رؤية جديدة تتماشى مع منح الاختصاص العام للمحاكم الابتدائية باعتبارها صاحبة الولاية العامة التي لها أن تنظر في جميع القضايا ذات الطابع المدني والاجتماعي والأسري والميراث، ما لم يكن الاختصاص ممنوحا لجهة أخرى، وبهذا يمكن القول بأن المشرع قد خطا خطوة هامة في درب إصلاح القضاء وتحديثه.

 

 

*  أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا، وباحث في سلك الدكتوراه، جامعة محمد الخامس السويسي.

[1]– منشور في الجريدة الرسمية عدد 5923 في 7 مارس 2011، ص 597.

[2]– القانون رقم 34.10 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.148 بتاريخ 16 من رمضان 1432 (17 أغسطس 2011)؛ الجريدة الرسمية عدد 5975 بتاريخ 6 شوال 1432( 5 سبتمبر 2011)، ص 4386.

[3]– القانون رقم 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب وتحديد اختصاصاته، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.151 بتاريخ 16 من رمضان 1432 (17 أغسطس 2011)؛ الجريدة الرسمية عدد 5975 بتاريخ 6 شوال 1432 (5 سبتمبر 2011)، ص 4392.

[4]– قانون 26 يناير 1965 القاضي بتوحيد جميع المحاكم المغربية.

[5]– الظهير الشريف رقم 1.74.339 الصادر بتاريخ 24 جمادى الثانية 1394 الموافق لـ 15 يوليوز 1974 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 3220، ص 2038.

[6]– المرسوم رقم 2.74.499 الصادر بتاريخ 25 جمادى الثانية 1394 الموافق لـ 16 يوليوز 1974، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 3220، ص 2043، يطبق بمقتضاه الفصل 5 من الظهير الشريف رقم 1.74.339 الصادر بتاريخ 24 جمادى الثانية 1394 الموافق لـ 15 يوليوز 1974 المتعلق بتنظيم محاكم الجماعات والمقاطعات وتحديد اختصاصها.

[7]– المجلس الأعلى للسلطة القضائية حاليا.

[8] – الفصل 22 من الظهير المتعلق بتنظيم محاكم الجماعات والمقاطعات الملغى.

[9]– الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.338 بتاريخ 24 جمادى الثانية 1394 (15 يوليوز 1974) المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة المعدل والمتمم.

[10]– الفصل 23 من الظهير المتعلق بتنظيم محاكم الجماعات والمقاطعات الملغى.

[11]– الفقرة الثانية من المادة 7 من القانون رقم 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب.

[12]– يشار إلى أن هذه المنازعات لا تكون أسرية أو اجتماعية، على اعتبار أن ذلك يكون من اختصاص جهات أخرى.

[13]– الفصل 35 من من الظهير المتعلق بتنظيم محاكم الجماعات والمقاطعات الملغى.