قراءة للمادة 23 من مدونة الأسرة المنظمة لزواج ذوي الإعاقة الذهنية

234

 

قراءة للمادة 23 من مدونة الأسرة المنظمة لزواج ذوي الإعاقة الذهنية

رشيد جمالي

 

تتسم النصوص القانونية المنظمة لأوضاع الأشخاص في وضعية إعاقة عموما بسمات عديدة أهمها القصور في الأحكام والمقتضيات، وقلة الضمانات الكفيلة بإرساء حماية فعالة لحقوق هذه الفئة من المجتمع، وحتى النصوص الخاصة التي صدرت لحماية هذه الحقوق تميزت جميعها، على قلتها، بالبساطة في المباني، والغموض في المعاني، وغياب الإلزام والتحلل من المسؤوليات.

ولم تسلم المادة 23 من مدونة الأسرة من هذه الصفات، فقد جاءت خالية من الضمانات الحقيقية التي من شأنها تحصين زواج الأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية بالمقارنة مع ما تضمنته أحكام زواج القاصر، رغم أنه من المفروض أن تعنى هذه الفئة بكبير اهتمام المشرع، لأنها أولى بتكريس الحقوق وأجدر بالحماية والرعاية، باعتبار أن الإعاقة الذهنية تؤثر على صاحبها وعلى أسرته والبيئة المحيطة به، ناهيك عن حاجة هذا الأخير الملحة إلى نائب شرعي يدبر شؤونه الحياتية باعتباره إما ناقصا أو فاقدا للأهلية المدنية، وقد أثار ذلك العديد من التساؤلات حول المغزى من هذا الموقف الذي يقيم تمييزا غير مبرر على مستوى التشريع، بعد أن عانت هذه الفئة، ولا تزال، من كافة أنواع التمييز الأخرى.

أمام كل هذه الاعتبارات وغيرها، كان من باب أحرى أن يطوق المشرع المغربي أحكام زواج ذوي الإعاقة الذهنية بسياج محكم من المقتضيات الحمائية التي تشمل طرفي العلاقة معا، الشخص في وضعية إعاقة ذهنية ذكرا كان أم أنثى، وشريكه الآخر الذي يقبل بهذا الزواج، باعتبارها رابطة دائمة ومؤسسة لأسرة وتقتضي مسؤوليات جسيمة.

غير أن المشرع عاكس هذا التوجه، فخص موضوع زواج الأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية بمادة وحيدة، تفتقر للعديد من الأحكام، وتحوي جملة من الثغرات، ومجردة من أي تفصيل يمكن أن يساعد على فهم ضوابط هذا الزواج، وبالتالي لم تستطع هذه المادة الإجابة على كل الإشكالات التي يمكن أن تعيق تطبيق الأحكام والمقتضيات المقررة في هذا الصدد، إن على مستوى المسطرة أو الموضوع.

لذلك سننكب على دراسة بعض الملاحظات حول المقتضيات التي جاءت بها المادة 23 عند تنظيمها لزواج المصاب بإعاقة ذهنية[1]، مقارنة مع الأحكام التي تصدت لزواج القاصر (المحور الأول)، فضلا عن بعض الإشكالات القانونية والواقعية التي يثيرها تطبيق هذا النص (المحور الثاني).

المحور الأول: ملاحظات حول النص المنظم لزواج ذوي الإعاقة الذهنية

لئن كانت المادة 20 من مدونة الأسرة قد أسست، خلافا للأصل، لاستثناء يتعلق بمنح إمكانية الزواج دون بلوغ السن القانونية، بعد الحصول على إذن من قاضي الأسرة المكلف بالزواج وفق ضوابط معينة، فإن المادة 23 أرست لاستثناء آخر يتعلق بالشخص في وضعية إعاقة ذهنية، حيث سمحت له بالزواج من شخص راشد، ذكرا كان أم أنثى، وقتما توافرت بعض الشروط الموضوعية والشكلية المتطلبة قانونا (أنظر تفصيل ذلك في مقالنا السابق).

وبإجراء مقارنة بسيطة بين المادتين، يتضح أن المشرع أحكم تنظيم زواج القاصر وقيده بمجموعة من الضوابط، على خلاف زواج المصاب بإعاقة ذهنية حيث تخلف عن إيراد العديد من المقتضيات الكفيلة بتقنين هذا الاستثناء.

فالمادة 23 لم تتناول مسألة المصلحة الواضحة والأسباب المبررة لمنح الإذن بزواج المصاب بإعاقة ذهنية، مما يحيل إلى أن هذا الزواج يمكن أن يأذن به القاضي ولو أن طالبه لا مصلحة له فيه ولا أسباب مبررة تدفعه إليه[2]، لا سيما أن المشرع لم يؤكد في هذه المادة على إجراءين أساسيين وهما القيام ببحث اجتماعي ينصب على أطراف العلاقة الزوجية وأسرهما للتأكد من مدى نجاح هذا الزواج، والاستماع للأبوين، أو النائب الشرعي بشكل عام، باعتبارهم الأقرب للشخص في وضعية إعاقة ذهنية، وهما إجراءان تصدت لهما المادة 20 حين نظمت زواج القاصر.

ولا مراء أن هذا الموقف مجانب للصواب لما يحويه من إهمال ولامبالاة لمصالح أولى بالرعاية، وحقوق أجدر بالحماية وهي حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية، ونؤكد هنا على نبذ كل الاتجاهات التي ترى  أن الأمر لا يعدو أن يكون سهوا، أو أن المشرع أراد أن يعطف أحكام المادة 23 على سابقتها وهي المواد 20، 21 و22، لأنه أمر لا يستقيم طبعا مادام يخالف قواعد وتقنيات التشريع وضوابط الصياغة القانونية.

ومن بين المسائل التي أغفلتها المادة 23 كذلك، مسألة تعليل المقرر الصادر عن قاضي الأسرة المكلف بالزواج سواء كان بالإيجاب أو بالرفض، والواقع أن هذا الأمر لا يطرح إشكالا ذي بال مادام المشرع قد أوجب في قانون 03.01 تعليل كل القرارات الصادرة كيفما كان نوعها، إدارية أم قضائية، وبالتالي فإغفاله لأمر التعليل في هذه المادة يبقى تحصيل حاصل، وإن كان يعيد إلى الواجهة التساؤل المحير حول إغفال المشرع هكذا أحكام عند تنظيمه لزواج المصاب بإعاقة ذهنية وتأكيدها بالنسبة  لزواج القاصر؟

فضلا عما سبق، أكدت المادة 20 بأن مقرر الاستجابة لطلب الإذن بزواج القاصر لا يقبل أي وجه من وجوه الطعن، مما يفيد، بمفهوم المخالفة، أن مقرر الرفض لطلب الإذن الصادر عن قاضي الأسرة المكلف بالزواج يقبل الطعن، غير أن هذا الحكم لم يقرر بالنسبة لزواج الأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية، فالمادة 23 لم تتناول مسألة الطعن على الإطلاق، لا في حال الاستجابة ولا في حال الرفض، ويمكننا التأكيد في هذا المقام بأن هذا المقرر قابل لجميع أوجه الطعن في الحالتين معا وفق القواعد العامة مادام المشرع سكت عن ذلك، لأنه لو أراد تقييد هذا الطعن أو منعه لفعل، كما هو الحال بالنسبة لزواج القاصر.

ونعتقد أن الأمر في هذه الحالة يحسب للمشرع لا عليه، حتى ولو كانت نيته قد اتجهت إلى غير ذلك، لأن هذا الموقف يشكل ضمانة حقيقية للشخص في وضعية إعاقة ذهنية، باعتبار المشرع ترك مقرر القاضي المكلف بالإذن بالزواج مفتوحا على كل أوجه الطعن بدون تقييد، سواء صدر بالرفض أو بالقبول، وكفل له بالتالي الاستفادة من كل درجات التقاضي بلا حظر أو تضييق، مادام أن الأصل هو الإباحة ما لم يرد نص يمنع.

وفي إطار المقارنة أيضا، صرحت المادة 116 من المدونة بأن الزوجة دون سن الرشد القانوني لها الحق في أن تخالع عن نفسها ويقع الطلاق، غير أنها لا تلزم ببدل الخلع إلا بعد موافقة نائبها الشرعي، وهو أمر طبيعي مادامت لا تملك أهلية التصرف بحيث تتوقف جميع تصرفاتها على إجازة نائبها الشرعي، وإذا كان هذا هو الحكم بالنسبة للقاصر فماذا قرر المشرع بالنسبة للزوجة ذات الإعاقة الذهنية التي تريد مخالعة زوجها؟

كالعادة لم يتطرق المشرع لهذا الحكم وترك الأمر مشرعا لاجتهادات القضاء، لكن يمكن القول إن العبرة بأهلية التصرف والإرادة التامة للزوجة، ومناط هذه الأهلية هو العقل، فحيثما انتفى العقل سقطت أهلية الأداء، وحينها أمكن تطبيق مقتضيات المادة 116، ومن ثم نستطيع التأكيد على أن الزوجة في وضعية إعاقة ذهنية يمكنها أن تخالع عن نفسها ويقع الطلاق، وهي غير ملزمة ببدل الخلع إلا بعد إجازة نائبها الشرعي باعتباره المسؤول عن إدارة أموالها، وحتى الزوج لا حق له في المطالبة بهذا البدل مادامت الزوجة لا تملك أهلية التصرف، فالقاصر والمصاب بإعاقة ذهنية يخضعان لوصف واحد وهو نقصان الأهلية.

وهناك مسألة أخرى أغفلها المشرع كذلك عند تنظيمه لزواج المصاب بإعاقة ذهنية، ويتعلق الأمر بموافقة النائب الشرعي على زواج هذا الأخير، فغني عن البيان أن الشخص في وضعية إعاقة ذهنية إرادته معيبة، وأهليته ناقصة، لذلك يلزم أن ينصب له نائبا شرعيا يرعى حقوقه، ويدبر شؤونه ومنها زواجه، غير أنه قد يكون لهذا الأخير رأيا مخالفا حول هذا الزواج، ويرى بأن المحجور لا مصلحة له فيه، فيبادر إلى الرفض رغم توافر الإيجاب والقبول بين المحجور والطرف الآخر، فهل سنلجأ إلى تطبيق المادتين 10 و11 من المدونة اللتان تؤكدان على انعقاد الزواج بإيجاب من أحد المتعاقدين وقبول من الآخر؟ أم أن الأمر على خلاف ذلك مادام أحد الطرفين ناقص الأهلية بحيث يتوجب موافقة نائبه الشرعي باعتبار الزواج عقد تتولد عنه آثارا اجتماعية ومالية ؟

لئن كانت المادة 21 قد حسمت الأمر بالنسبة للقاصر بحيث مكنته من رفع الأمر إلى قاضي الأسرة المكلف بالزواج للبت في الموضوع، فإن المادة 23 لم تتعرض لمثل هذا الحكم مما يترك الأمر مبهما على إطلاقه، فإذا سلمنا بأن النائب الشرعي له الكلمة الأخيرة في زواج المصاب بإعاقة ذهنية، فإن ذلك يتناقض مع ما جاءت به المادة 23 خصوصا إذا أكد تقرير الخبرة الطبية أن هذا المحجور حسن الطباع والعشرة، وأن الزواج يروم مصلحته ويفيد في علاجه، ويخفف من حدة إعاقته، فهل سيأخذ القاضي برأي الخبير ويقرر الموافقة رغم معارضة النائب خصوصا أمام تمسك الطرف الآخر بهذا الزواج الذي علم بحالة المحجور وقبل بها في تعهد رسمي؟ أم أنه سيرضخ لإرادة النائب الشرعي باعتباره أشد قربا للمصاب بإعاقة ذهنية وأعلم بحالته ووضعيته من أي شخص آخر؟

نعتقد أن القاضي أمام هذه الوضعية، عليه أن يتريث وأن يراعي مصلحتين أساسيتين:

فأما الأولى فتتعلق بمصلحة المصاب بإعاقة ذهنية، لأنها الأولى بالحماية باعتباره الطرف الأضعف في العلاقة الزوجية، وبالتالي فما شرعت النيابة الشرعية إلا للمحافظة على نفسه وحماية أمواله، فالنائب هو الأقدر على تقييم وضع المحجور وهو الأعلم بظروفه وأحواله، والمحكمة حين تعينه فاعتبارا لحكمته وتبصره أو قربه من المحجور فقد يكون أبا أو أما أو جدا أو عما…، وبالتالي فرفضه لزواج المحجور يصب بلا شك في مصلحة هذا الأخير، اللهم في حالة العضل البين أو المبني على سوء النية، ففي هذه الحالة يناط بالقاضي أمر تقدير الوضع مع مراعاة المصلحة البينة للمحجور.

وأما الثانية فتتمثل في اعتبار مصلحة الطرف الآخر في العلاقة الزوجية، أي الشريك الذي يود الارتباط بالشخص المصاب بإعاقة ذهنية ذكرا كان أم أنثى، والذي اطلع على تقرير الخبرة الطبية وقبل بهذا الزواج ورضي به صراحة، ووافق عليه ليس شفويا فحسب وإنما بمقتضى تعهد رسمي، فلا شك أن الإقدام على الارتباط بشخص في وضعية إعاقة ذهنية ليس بالأمر اليسير، فهو يتطلب كثيرا من الإيمان والصبر والتضحية وقبول الآخر، لأنه وضع خاص وبالتالي فهو زواج من نوع خاص ويتطلب تعاملا خاصا، وهي أمور يجب مراعاتها قبل إنشاء الأسرة حتى لا نقدم للمجتمع مزيدا من النماذج الفاشلة، لذلك فقد برزت بعض الاتجاهات قادتها ثلة من جمعيات المجتمع المدني للمطالبة بإخضاع المقبل على الزواج من شخص في وضعية إعاقة ذهنية بدوره إلى خبرة نفسية أو تقييم نفسي يروم معرفة مدى قدرة هذا الشخص على التعايش مع هذا الوضع، وتحمله لمسؤولية هذا الزواج خصوصا بالنسبة للأنثى باعتبارها ستنتقل إلى مسكن الزوج أي إلى حياة مختلفة وبيئة مغايرة .

كما ينبغي على القاضي ألا يغفل مسألة أساسية مؤداها أن القاصر مادام في سن التمييز، ومادامت الفقرة الأخيرة من المادة 21 منحت له حق رفع الأمر بنفسه إلى القاضي للبت في الموضوع عند امتناع نائبه الشرعي عن الموافقة، فإن المصاب بإعاقة ذهنية على العكس من ذلك يستعصي عليه القيام بهذا الإجراء بمفرده ودون مساندة، لأنه ينقصه الإدراك والتمييز من جهة ولا يملك القدرة على تدبير شؤونه بنفسه من جهة ثانية، ويعوزه الموجب القانوني الذي يسمح له بذلك من جهة ثالثة.

لذلك نعتقد بأن منح الإذن من عدمه لزواج المصاب بإعاقة ذهنية تبقى مسألة غاية في الدقة، وتقتضي الإدراك الجيد لحدود السلطة التقديرية التي منحها المشرع لقاضي الأسرة المكلف بالزواج، نظرا لتداخل العديد من الاعتبارات في الموضوع، لا سيما وأنه أمام جملة من الحقوق التي يتعين عليه حمايتها، لذلك فهو مطالب بحماية الأولى بالحماية ورعاية الأجدر بالرعاية.

المحور الثاني: الإشكاليات القانونية والواقعية التي يثيرها تطبيق النص المنظم لزواج ذوي الإعاقة الذهنية

يعرف زواج المصاب بإعاقة ذهنية بعض الصعوبات على مستوى الواقع، ومرد ذلك، كما أسلفنا، الفراغ القانوني الذي يطبع تنظيم هذا الزواج، والذي يقابله ندرة الاجتهادات القضائية الصادرة في هذا الشأن، لأن عددا غير يسير من القضايا لا تصل إلى ساحة القضاء، وبالتالي تظل الوضعية معقدة في غياب أي تفسير أو اجتهاد قد يكمل النقص أو يجلي الغموض.

أول هذه الإشكالات وأهمها ابتعاد الكثير من هذه الزيجات عن سلوك مسطرة الإذن بالزواج المنصوص عليها في المادة 23 من المدونة، مما يفضي إلى مشاكل أسرية وحالات طلاق متعددة بسبب ما يعتبره أحد الأطراف تدليسا أو إخفاء لحقائق كان لابد من الاطلاع عليها قبل العقد، لا سيما إذا تعلق الأمر بالحالة العقلية للشريك.

ورب قائل يقول إنه من السهل الوقوف على حقيقة المصاب بإعاقة ذهنية حتى ولو تم كتمان الأمر، ففي كثير من الحالات ينبئ المظهر الخارجي بهذه الإعاقة كما هو الحال بالنسبة لحاملي التثلث الصبغي مثلا، فضلا عن كونه لا يمكنه التحكم في تصرفاته ولا توجيه تفكيره، وقد يصاحب ذلك صعوبات في النطق أو ردود أفعال غير طبيعية إلى غير ذلك من الأعراض، وبالتالي من اليسير معرفة شخص ما هل هو مصاب بإعاقة ذهنية أم لا.

غير أن الأمر لا يكون دائما بهذه السهولة، فالإعاقة الذهنية أصناف عديدة، منها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفي، فإذا كانت الإعاقة العميقة أو المتوسطة قد تبدو جلية من خلال التصرفات والأفعال أو المظهر الخارجي أحيانا، فإن الإعاقة الذهنية البسيطة قد تخفى على كثير من الناس، ولا يقف على معالمها إلا الأخصائيون أو ذوو الخبرات، وبالتالي فمن السهل أن يتعايش صاحبها داخل المجتمع بشكل طبيعي ودون أدنى مشكل.

ففي هذه الحالة وغيرها قد يتم التخلي عن سلوك مسطرة الإذن بزواج المصاب بإعاقة ذهنية إما عن حسن أو سوء نية، ويلجأ إلى المسطرة العادية دون إخبار الطرف الآخر بحقيقة الأمر، فهل من سبيل للتحلل من هذا الزواج المبني على التدليس وإخفاء الحقائق أو الإهمال والجهل بالأشياء خصوصا إذا أفضى إلى مشاكل تستحيل معها العشرة؟

بالرجوع إلى مدونة الأسرة نجد أن المشرع المغربي تصدى لمثل هذه الحالات وأقر لها أحكاما واضحة لمحاولة رأب الصدع الذي يمكن أن يلحق بالأسرة، فإذا تعلق الأمر بإخفاء الحقائق أو تدليس على أحد الزوجين فلا إشكال، حيث تطبق مقتضيات المواد من 63 إلى 66 من المدونة التي  تخول للمدلس عليه حق طلب الفسخ إلى جانب التعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء هذا التدليس، والمحكمة وحدها من لها حق تقدير حجم الضرر، ومن ثم مقدار التعويض الذي يمكن أن تقرره لفائدته.

غير أن الإشكال يثور حين يكون الإخفاء أو عدم الإفصاح عن الإعاقة الذهنية عن حسن نية، أي بدون نية التدليس على الزوج الآخر، فهل يمكن لهذا الأخير أن ينهي هذا الزواج استنادا إلى العيب طبقا للمادة 107 وما يليها من المدونة؟ أم يحق أن يضع حدا له نتيجة الضرر الذي لحقه من جراء آثار الإعاقة الذهنية على الحياة الزوجية؟ أم أنه لا ملاذ له سوى اللجوء إلى مسطرة الشقاق إن هو أراد إنهاء هذه العلاقة الزوجية؟

أكدت المادة 107 من مدونة الأسرة على نوعين من العيوب التي تخول الحق في طلب إنهاء الحياة الزوجية، وهي العيوب المانعة من المعاشرة الزوجية، والأمراض الخطيرة على حياة الزوج الآخر أو على صحته التي لا يرجى الشفاء منها داخل سنة، والملاحظ أن كلا النوعين لا يجُبَّان الإعاقة الذهنية، فهي لا تمنع من المعاشرة الزوجية باعتبار أن المصاب بإعاقة ذهنية يستطيع المعاشرة بشكل عاد وكغيره من الأشخاص في غير وضعية إعاقة ذهنية، فالأمر محسوم علميا وطبيا بأن الإعاقة الذهنية لا يمكن بأي حال أن تكون مانعا من المعاشرة الزوجية، بل على العكس من ذلك قد يكون للمصاب بها رغبات جنسية أكثر من غيره في العديد من الحالات.

أما الزمرة الثانية لهذه العيوب فهي الأمراض الخطيرة التي لا يرجى الشفاء منها داخل سنة، فيمكن القول إن الإعاقة ” تحدث بسبب التفاعل بين الأشخاص المصابين بعاهة، والحواجز في المواقف والبيئات المحيطة التي تحول دون مشاركتهم مشاركة كاملة فعالة في مجتمعهم على قدم المساواة مع الآخرين”[3]، وبالتالي فهي لا تعتبر داء أو مرضا، وإنما عاهة تصيب الإنسان وتصاحبه لأسباب متعددة، منها ماهو معروف، ومنها من لا يزال قيد الدراسات، ولا يمكن الجزم بالبرء منها داخل أمد محدد، بل قد تلازمه طيلة حياته، وذلك ما أكده التقرير العالمي للإعاقة وتصنيفات منظمة الصحة العالمية، مما يوضح أن الإعاقة الذهنية لا تدخل في تطبيق هذه المادة وبالتالي لا مجال للتطليق هنا بسبب العيب في الزوج أو الزوجة.

وفي ذات السياق سيكون من قبيل العبث أن يسمح المشرع بزواج المصاب بإعاقة ذهنية، وينظم مسطرة خاصة له، ويقرر شروطا مختلفة لممارسته، ثم يعتبر بعد ذلك هذه الإعاقة عيبا يجيز للطرف الآخر طلب إنهاء العلاقة الزوجية.

أما بالنسبة للتطليق للضرر، فلا يمكن اللجوء إليه بسبب الإعاقة الذهنية المجردة، بل لا بد من صدور تصرف أو سلوك مشين يضر بالطرف الآخر ويجعل العلاقة الزوجية غير قادرة على الاستمرار حسب منطوق المادة 99 من المدونة، فإذا لم يصدر من أحد الزوجين أي تصرف يسيء إلى العلاقة الزوجية أو يلحق ضررا بالآخر، لا يمكن طلب التطليق ولو كان أحدهما مصابا بإعاقة ذهنية، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن معظم الأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية وخصوصا المتوسطة والبسيطة منها يمكن التعايش معهم بشكل سلمي للغاية، باعتبارهم يمثلون نموذجا للتسامح ولا يميلون إلى العنف إلا في حالات نادرة، وبالتالي تضيق حلقة طلب التطليق للضرر استنادا إلى الإعاقة الذهنية المجردة.

يبقى بطبيعة الحال الملاذ الأخير للمتضرر من هذا الإخفاء عن حسن نية هو سلوك مسطرة الشقاق لإنهاء العلاقة الزوجية طبقا للمادة 94 وما يليها، وهو السبيل الذي ابتدعه المشرع المغربي لإنهاء كل علاقة زوجية شق التحلل منها.

وبالمقابل يصادفنا إشكال آخر على قدر كبير من الأهمية، يرتبط بمدى إقرار زواج المصاب بإعاقة ذهنية بعد زوال الإعاقة، فزواج المجنون إذا كان في حالة جنون أو عته (الإعاقة الذهنية) يتم بإبرام عقد الزواج دون رضاه واختياره باعتباره فاقدا للإدراك وإرادته تكون معيبة، فهل يعتبر هذا الزواج نهائيا وملزما له بعد أن يستعيد رشده، أم أنه لا يلزمه وله بعد أن يفيق أن يقره أو يتحلل منه؟

لم تتعرض نصوص المدونة للموضوع، وباستعمال المادة 400 التي تحيل على المذهب المالكي، يبدو تطبيق رأي الإمام مالك[4] الذي يقول إن المجنون لا خيار له بعد الإفاقة، وأن تزويجه يكون نهائيا منذ إنشائه، لأن ترك الخيار له يترتب عنه الاعتراف بشرعية الزواج المؤقت، أو الزواج مع الاحتفاظ بالخيار لأحد الطرفين أو كلاهما، وكلاهما غير جائز.

خاتمة:

لئن كان الفراغ التشريعي هو السمة البارزة بالنسبة للعديد من القضايا، فإن الأمر يزداد حدة حين يتعلق الأمر بتنظيم أوضاع الأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية، لا سيما ما تعلق منها بحماية مصلحة اجتماعية أساسية، ومؤسسة جديرة بالاعتبار هي مؤسسة الزواج.

ولعل هذه الدراسة تبرز إلى حد كبير مدى هذا الفراغ الذي يعاني منه الإطار القانوني المنظم لزواج ذوي الإعاقة الذهنية، من خلال مقارنته بأحكام زواج القاصر أو من في حكمه وفق ما جاءت به نصوص مدونة الأسرة، ليتبين بوضوح بعض مظاهر عدم الإنصاف في الجانب التشريعي، والذي من شأنه أن يعمق من مشاكل التمييز وعدم تكافؤ الفرص التي تعاني منها هذه الفئة أكثر من أي فئة أخرى.

[1]  سنحتفظ خلال هذه الدراسة باللفظ الذي استعمله المشرع للدلالة على الشخص في وضعية إعاقة ذهنية، رغم تحفظنا على هذا المفهوم (أنظر مقالنا السابق).

[2]  على خلاف المدونة الملغاة التي اشترطت أن يفيد الزواج في علاج المصاب بإعاقة ذهنية

[3]  الفقرة ه من ديباجة الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي  اعتمدت ونشرت على الملأ وفتحت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية للأمم المتحدة رقم 61/611 المؤرخ في 13 دجنبر 2006، وقد وقع عليها المغرب بتاريخ 30 مارس 2007 وصادق عليها يوم 08 أبريل 2009، وصدرت بواسطة الظهير الشريف رقم 1.08.143 الصادر في فاتح رمضان 1432 (2 غشت 2011).

[4]  د. أحمد الخمليشي، التعليق على قانون الأحوال الشخصية، الجزء الأول، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط الطبعة الأولى سنة 1994، ص 127