قراءة في مرسوم الصفقات العمومية الجديد

197

قراءة في مرسوم الصفقات العمومية الجديد

سميرة جيادي

باحثة في القانون العام

 

تحتل الصفقات العمومية  جانبا هاما من أعمال الدولة، وذلك بالنظر إلى مكانتها في تحقيق النفع العام، فهي وسيلة عملية تدخلية في يد الإدارة ، تهدف إلى خلق المناخ الملائم لضمان تسيير مرافقها العمومية و تقديم خدماتها[1]، إذ تمثل الشريان الذي يدعم عملية التنمية، كما تعتبر النظام الأفضل لاستغلال الأموال العمومية، وذلك من أجل تنشيط العملية التنموية للبلاد.[2]

فإنجاز المشاريع التنموية  لايتم إلا بتضافر الجهود بين القطاعين العام والخاص، وهنا يتجلى الدور الإقتصادي الذي تلعبه الصفقات العمومية، فهي آلية لإنعاش الإقتصاد الوطني،وذلك من خلال إشراك المقاولات الخاصة كوحدات إنتاجية يقوم الأفراد بتشغيلها وتوفر خدمات وأشغال أساسية تساعد على الرقي الإقتصادي والإنتقال من براثن التخلف إلى تحقيق أهداف التنمية الإقتصادية.

ونظام الصفقات العمومية بالمغرب متجذر في القدم  منذ معاهدة الجزيرة الخضراء ، لكن نصوصه المبعثرة كانت في مرسوم 19 ماي 1965 والذي تم تعديله بمرسوم 14 أكتوبر 1976 ، هذا الأخير تم نسخه بمرسوم 30 دجنبر 1998،  الذي جاء بمبادئ جدية في مسيرة إصلاح الصفقات العمومية  ، وهي الشفافية ،جدوى النفقة العمومية ، المنافسة الحرة …، غير أن هذا الأخير لم يعمر مدة طويلة حيث تم نسخه بمقتضى مرسوم 5 فبراير 2007 الذي ينظم صفقات الدولة ، كما أنه  يطبق أيضا على صفقات الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية . وقد شابت هذا الأخير العديد من الثغرات، لاسيما طرق إبرام الصفقات العمومية، إذ غالبا ما يتم اللجوء فيها إلى الطريقة التفاوضية أو طريقة سند الطلب، إذ تعطي الصيغة الأولى لصاحب المشروع الحرية لاختيار المقاول، عكس طلب العروض، علما أن القانون يلزم أي مؤسسة بالإعلان عن البرامج التوقعية، والمشاريع التي هي بصدد إنشائها حتى يكون المقاول على علم بالصفقات، وهي إجراءات غالبا  ما لاتتم، إلى جانب غياب ضمانات الشفافية في لجان طلب العروض، على اعتبار أنها تضم صاحب المشروع، بالإضافة إلى أن النظام المغربي لا يعطي الأهمية للمقاولات الصغرى والمتوسطة، لتبقى الشركات الكبرى مسيطرة على الصفقات. وفي السياق ذاته  لوحظت صعوبات  من الناحية التنظيمية في الصيغة غير العملية لعدد من الإجراءات، بسبب أخطاء في التطبيق، وغياب آليات لضمان احترام بعض الالتزامات، خاصة على مستوى المواد 3، 8، 14، 23،34،40، 72، 90، …

كما لوحظت أيضا صعوبات بخصوص مستوى التسيير العملي، حيث سجل  ضعف على مستوى قدرات الخدمات المرتبطة بتنظيم الصفقات، فضلا عن غياب تنظيمات التكوين المكلفة بتحديد الحاجيات، وأيضا غياب الاستقلالية المالية للجنة الصفقات، وضعف الموارد المالية والبشرية، فضلا عن عدم استجابة النظام القضائي للمتطلبات لنظام فاعل بخصوص الصفقات العمومية، وغياب نظام وقائي بالنسبة لمحاربة الرشوة.

وعرف هذا المرسوم الصفقة بأنها كل عقد بعوض يبرم بين صاحب المشروع من جهة و بين شخص طبيعي أو معنوي من جهة أخرى ، مقاول أو مورد أو خدماتي ، ويهدف وفق التعريفات الواردة بعده الى تنفيذ أشغال أو تسليم التوريدات أو القيام بالخدمات ” المادة 3 من الفقرة 12 مرسوم 5 فبراير 2007″، فهذا المرسوم جاء بمجموعة من الاصلاحات التي تهم الجانب الاداري و التقني للصفقة العمومية و التي تتوخى في مجملها تحقيق نوع من الفعالية و الشفافية.

وعرف المشرع المغربي الصفقات العمومية من خلال المادة الثالثة من مرسوم 5 فبراير 2007 بأنها” كل عقد بعوض يبرم بين صاحب مشروع من جهة وشخص طبيعي أومعنوي من جهة أخرى يدعى مقاول أو مود أو خدماتي، ويهدف إلى تنفيذ أشغال أو تسليم توريدات أو القيام بخدمات”.

وهو نفس التعريف الذي أورده المشرع في المادة الرابعة من مرسوم 20 مارس2013 مع اختلاف بسيط باستبدال عبارة “شخص طبيعي أو معنوي بعبارة شخص ذاتي أو معنوي “.

كما أن المادة  13فقرة ( أ)  تنص على أن”الصفقات عقود مكتوبة تتضمن دفاتر تحملات تتضمن الشروط التي بموجبها يتم تنفيذ الصفقات، وتتألف دفاتر التحملات من دفاتر الشروط الإدارية العامة(CCAG) ودفاتر الشروط المشتركة (CPC) ودفاتر الشروط الخاصة (ِCPS).

وهكذا تعرف الصفقات العمومية على أنها  العقود التي تبرمها الدولة ,كذا المؤسسات العمومية  أو إحدى الهيئات التابعة لها  والجماعات الترابية مع المقاولين أو الموردين بهدف إنجاز الأعمال المطلوبة من أشغال عمومية وتوريدات وخدمات[3].

وقطع ورش إصلاح المنظومة القانونية للصفقات العمومية أشواطا مهمة، وتضمن العديد من التجديدات الجريئة ،التي من شأنها أن تساهم في تعزيز الشفافية والفعالية و تثمين وتحسين مردودية الصفقات العمومية ،من خلال إدخال تجديدات عميقة في مسار تدبير هذه الصفقات ، تم تصورها وإعدادها في إطار منهجية تشاركية، تهدف إلى تفعيل مبادئ دستور فاتح يوليوز 2011 المتعلقة بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أن إصلاح منظومة الصفقات العمومية سيشكل قفزة نوعية في ميدان تأسيس الحكامة الجيدة بالنسبة للطلبيات العمومية باعتماد نظام متجانس مع المعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال. ودخل الإصلاح الجديد حيز التنفيذ في فاتح يناير 2014 ، وهي مدة  ستة أشهر بعد تاريخ نشره في الجريدة الرسمية ، والغاية من هذا التأخير ضمان انطلاقة سليمة وسلسة للعمل بالإصلاحات التي جاء بها الإصلاح من خلال  تمكين الأطراف المعنية من إدارة وفاعلين اقتصاديين من اتخاذ الإجراءات المواكبة اللازمة من حيث التكوين والتحسيس وإعداد بعض القرارات والنماذج التي تم التنصيص عليها في المرسوم الآنف الذكر.

ومما لاشك فيه أن مرسوم  الصفقات  العمومية الجديد يأخذ بعين الإعتبار ترسيخ الشفافية والحفاظ على مصالح الإدارة والقطاع الخاص في إطار شراكة متوازنة يتوخى منها إنجاز أعمال بجودة عالية وبتكلفة مناسبة، كما يجسد توجه السلطات العمومية إلى تخليق الحياة العامة وإلى محاربة كل الممارسات المرتبطة بأفعال الغش والرشوة.

فما هي  إذن أهم مستجدات مرسوم الصفقات العمومية الجديد؟     

جاء إصلاح مرسوم الصفقات في إطار أوراش الإصلاح الكبرى التي تهدف إلى  إدراج صفقات الدولة في منطق احترام مبادئ الحكامة الجيدة من خلال ضمان  حرية الولوج إلى الطلبات العمومية و المساواة و الشفافية في التعامل مع المرشحين و تبسيط المساطر.

وبالرجوع إلى هندسة مرسوم الصفقات العمومية الجديد يلاحظ أنه جاء بمجموعة من الأمور المستجدة، حيث أنه تناول بالتغيير عدة مواد،  فإذا ثمت مقارنته عامة مع مرسوم 2007، يلاحظ  أنه بالمرسوم السابق هناك  إثنا عشر بابا  ، تضمن 181  مادة ، في حين تم تقليص عدد مواد المرسوم الجديد إلى 173 مادة،  حيث تم حذف بعض المقتضيات وإضافة مواد أخرى.

وقد اعتمدت مستجدات الإصلاح الجديد على المقاربة التشاركية [4]، وشملت أهداف الإصلاح النقط  التالية:

  • تدعيم وحدة الأنظمة المؤطرة للصفقات العمومية ، ويظهر ذلك من خلال توسيع مجال تطبيق هذا المرسوم ليشمل ٌبالإضافة إلى صفقات صفقات الدولة، صفقات المؤسسات العمومية والجماعات الترابية ومجموعاتها  (المادة 2)، ليقطع إلى حد ما مع عدم وحدة الإطار التنظيمي وتشتته بين نصوص ذات طبيعة قانونية ومجالات مختلفة ، وفضلا عن ذلك فإن النص الجديد شمل صفقات أعمال الهندسة المعمارية وحدد طرق إبرام عقودها في الاستشارة المعمارية و المباراة المعمارية، كما نص على الاستشارة المعمارية التفاوضية وحالات اللجوء إليها كما أفرد مواد لأتعاب  المهندسين المعماريين( الباب 5).

وفي نفس السياق، تم اعتماد بوابة الصفقات العمومية كبوابة وطنية وموحدة بالنسبة لجميع الطلبيات العمومية تشرف على ضمان تسييرها الخزينة العامة للمملكة، وهو مايعزز ضمان المرسوم على تقوية مبادئ المنافسة والشفافية، علما أن المرسوم السابق كان قد اشار إلى بوابة الصفقات العمومية إلا أنه في المقابل لم يتم تفعيله.

كما حرص المرسوم الجديد على  تبسيط وتوضيح مساطر النقط التالية:

– توضيح وتبسيط طرق تقييم العروض المفرطة والتي حددها المشرع في تلك التي تتجاوز 20بالمائة عن الثمن التقديري الذي وضعه صاحب المشروع بدل 25 بالمائة الذي كان معمولا به في مرسوم 2007،  أو المنخفضة بكيفية غير عادية  عن 25 بالمائة عن الثمن التقديري الذي وضعه صاحب المشروع بالنسبة لصفقات الأشغال، و 35 بالمائة بالنسبة لصفقات الخدمات والتوريدات (المادة 41)؛

– حذف آلية القرعة لتحديد ممثلي الإدارة في لجن طلب العروض؛

_نشر البرامج التوقعية للصفقات العمومية بمقار صاحب العرض على الأقل لمدة 30 يوما على الأقل(المادة 14).

_ ضرورة التوقيع الإلكتروني بالنسبة لملف طلب العروض الموضوع في البوابة الإلكترونية للصفقات العمومية (المادة 13).

– تحديد تركيبة اللجان المكلفة بتقييم العروض حسب طرق إبرام الصفقات وحسب الخصوصيات المرتبطة بصفقات الدولة أو المؤسسات العمومية أو الجماعات الترابية ومجموعاتها( المادة 35 و 134)؛

– تحديد شروط الانجاز والإرجاع والتحفظ الخاصة بالضمان المؤقت؛

– توضيح كيفية فحص وقبول الحصص بالنسبة للصفقات المحصصة (المادة 9)؛

– تعريف وتحديد صفقات الكراء والكراء بنية الشراء (المادة 4)؛

– تخصيص فصل خاص بصفقات أعمال الهندسة المعمارية (الباب الخامس)؛

– تمديد مدة الصفقات الإطار والصفقات القابلة للتجديد إلى خمس سنوات (المادتين 6 و7)؛

– إعفاء المقاولات المتعهدة من  ضرورة تقديم العديد من المستندات المكونة لملفها الإداري ، حيث لن تكون المقاولات التي ترغب في منافسة على صفقة ما، ملزمة بتقديم الشهادة الجبائية وشهادة الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، بالإضافة إلى شهادة القيد في السجل التجاري، وفي المقابل سيقتصر هذا الواجب فقط على المقاولة التي  ستسند إليها الصفقة( المادة 25)؛

-تمكين المقاولة المتضررة   من رفع  شكاية بشكل مباشر إلى لجنة الصفقات دون اللجوء المسبق إلى صاحب المشروع أو الوزير المعني ، وهذا تبسيط نوعي سوف يمكن المقاولات من آلية مبسطة للطعون الإدارية ، مؤطرة بآجال محددة ، من أجل الدفاع عن مصالحها المرتبطة بميدان الصفقات (المادة 170).

وفيما يتعلق  بمجال تقوية مساطر المنافسة والمساواة في ولوج المتنافسين إلى الطلبيات العمومية وفي التعامل مع المترشحين، حرص المرسوم الجديد على مايلي:

– إدخال آلية طلب إبداء الاهتمام بالنسبة للأعمال ذات الخصوصية والمعقدة والتي تستلزم تحديدا مسبقا

للمتنافسين المحتملين (المادة 15)؛

– التأكيد على أن إعلان عدم جدوى طلب العروض بسبب عدم تقديم أي عرض أو إيداعه لا يبرر اللجوء إلى المسطرة التفاوضية إلا بعد إعلان طلب عروض ثان وفق الشروط الأصلية عديمة الجدوى؛

– التأكيد على أن إلغاء طلب العروض يجب أن يتم بقرار موقع للسلطة المختصة وان يتضمن الأسباب التي أدت إلى هذا الإلغاء وضرورة نشر مراجع هذا القرار في بوابة الصفقات العمومية وتبليغه لأعضاء لجنة طلب العروض؛

– تحديد إمكانية تعيين الأشخاص المؤهلين للالتزام بالنفقات في إطار سندات الطلب في الآمر بالصرف

والآمر المساعد بالصرف وذلك من اجل تقليص تقسيم النفقات مع استثناء إدارة الدفاع الوطني؛

– التأكيد على أن الأعمال المنجزة بواسطة سندات الطلب يجب أن تخضع للمنافسة المسبقة عبر تقديم ثلاث بيانات مختلفة للاثمنة على الأقل ما عدا في حالة استحالة اللجوء إليها أو إذا كانت تتعارض مع العمل، المبررة بمذكرة لصاحب المشروع تتضمن أسباب الاستحالة أو التعارض.

وفيما يتعلق  بتدعيم آليات الشفافية والنزاهة وتخليق تدبير الصفقات العمومية  عمل المرسوم الجديد على إدخال التجديدات التالية:

– تأكيد منع وجود تعارض المصالح في مجال الصفقات العمومية من خلال العمل على محاربة الغش والرشوة  (المادة 168)؛

– نشر المبلغ التقديري للصفقة المعد من طرف صاحب المشروع في إعلان طلب المنافسة (المادة 20)؛

-إعداد مقرر حالة في إلغاء طلب العروض الناجم عن وجود عيب في مسطرة إبرام  الصفقة  ونشره في البوابة الإلكترونية للصفقات العمومية (المادة 46 و 147 ).

– تحديد و إغناء محتوى التقرير المعد والموقع من طرف صاحب المشروع في نهاية المسطرة التفاوضية؛

– تحديد محتوى وآجال نشر البرنامج التوقعي للصفقات ، والتي حددت في 30 يوما على الأقل بمقار صاحب العروض وذلك من أجل تفعيل أكبر للشفافية في تدبير الطلبيات العمومية (المادة 14 و147)؛

– تحديد أجل الثلاثة أشهر لتحضير تقارير انتهاء تنفيذ الصفقات وتحديد السلطات التي ترسل إليها هذه

التقارير (المادة 164)؛

– تحديد ونشر ملخص محتوى تدقيق و افتحاص الصفقات   بالنسبة  للدولة والمؤسسات العمومية(المادة 165).

-اعتماد  المناقصة  الإلكترونية  المعكوسة التي تسمح بتمكين المتنافسين  بطريقة إلكترونية من مراجعة الأثمان التي يقترحونها (المادة 152).

وفيما يتعلق بجانب تحديث و إدخال تكنولوجيا الإعلام والتواصل في مجال تحديث مسار الاقتناء العمومي ، همت التجديدات  الأساسية ما يلي:

– إدخال مسطرة صفقات تسليم المفتاح بالنسبة لبعض الأعمال ذات الخصوصية المتعلقة بأشغال من نوع

خاص بسلسلة تصنيع عالية الاندماج؛

– إدخال إمكانية استعمال مسطرة المشتريات التجمعية على  قاعدة اتفاقية موقعة بين أصحاب المشاريع

المجتمعين  في إطار تجمع  للشراء وذلك من أجل عقلنة أكبر للنفقات العمومية و الحث على  تحقيق

اقتصاديات التدبير (المادة 153)؛

– انفتاح الأنظمة المؤطرة للصفقات العمومية على إمكانية استعمال مسطرة اختيار العروض بواسطة

المناقصات الالكترونية بالنسبة لصفقات التوريدات العادية والتي يمكن تحديد خصائصها بشكل دقيق

مسبقا (المادة 148 و 149)؛

– نزع الصفة المادية على الطلبيات العمومية وخصوصا من خلال وضع قاعدة معطيات الموردين في أفق

نزع الصفة المادية عن الملفات الإدارية للمتنافسين بهدف تمكينهم من التفرغ لتحضير عروضهم (المادة 150)؛

– التنافس الالكتروني في إطار مسار إلكتروني لإيداع وتقييم العروض يمكن من تدعيم الشفافية وتبسيط

شروط تنافس المقاولات؛

– التأكيد على تكوين المشترين العموميين كوسيلة للرفع من قدراتهم التدبيرية.

ثم بالموازاة مع ورش إصلاح لجنة الصفقات وبارتباط مع الضمانات الأخرى الممنوحة للمتنافسين، عمل

المرسوم الجديد على إدخال، في مجال الطعون و الشكايات، التجديدات التالية:

– إتاحة الإمكانية بالنسبة للمتنافسين الذين يعتبرون أنهم لن يتمكنوا من تحضير عروضهم داخل آجال

الإعلان المحددة أن يطلبوا إرجاء تاريخ فتح الأظرفة وبعد تقدير صاحب المشروع (المادة 19)؛

– جعل مراجعة الأثمان تتم بشكل أوتوماتيكي بالنسبة لجميع صفقات الأشغال أيا كان مبلغها وأيا كانت آجال تنفيذها مع استبعاد صفقات التوريدات والخدمات من هذه المراجعة؛

– إدخال أجل للانتظار في ميدان المصادقة على الصفقات (خمسة عشر يوما) والتي لا يمكن خلاله للسلطة المختصة المصادقة على الصفقات،  وذلك بهدف إتاحة الإمكانية للمتنافسين من أجل تقديم طعونهم الإدارية تطبيقا للمعايير الدولية الجاري بها العمل في هذا المجال (المادة 152)؛

– إتاحة الإمكانية للمتنافسين لتقديم طعونهم و شكاياتهم أمام لجنة الصفقات بشكل مباشر ودون انتظار أجوبة صاحب المشروع أو الوزير المعني؛

– إنشاء أجل أقصاه ثلاثين يوما للرد على شكايات المتنافسين من طرف الوزير المعني ووزير الداخلية والوزير الوصي على المؤسسة أو المقاولة العمومية؛

–   إلزام صاحب المشروع بمسك سجل تتبع شكايات المتنافسين.

وبالإضافة إلى ذلك هناك مستجدات مهمة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب البيئية، حيث حرص الإصلاح على أن تكون حماية البيئة والتنمية المستدامة والنجاعة الطاقية من أهم مبادئ إبرام الصفقات العمومية ومعايير أساسية لحسن تدبير الطلبيات العمومية ذلك بجعلها من بين المعايير الأساسية لتخويل الصفقات العمومية.
كما أفرد مرسوم الصفقات العمومية الجديد إجراءات خاصة بوزارة  الداخلية كتحديد لجان طلب العروض ولجان المباراة بقرار لوزير الداخلية وكذا تحديد لائحة الاعمال  حسب النوع و المبلغ التي يكون فيها اللجوء الى العروض بالتخفيظ أو الزيادة إجباريا بقرار من الوزير المكلف بالداخلية وإخضاع الصفقات التفاوضية للترخيص المسبق لوزير الداخلية، وإتاحة إمكانية الرفع من سقف الصرف بواسطة سندات الطلب المحدد في 200000.00 درهم بقرار من وزير الداخلية بعد استطلاع رأي لجنة تتبع الطلبية العمومية المحلية إلى حدود 500000.00 درهم هذه اللجنة التي تم التنصيص على إحداثها . وفي مجال تفعيل آليات التدقيق و المراقبة ينص المرسوم على ضرورة إجراء المراقبة و التدقيق على الصفقات  و العقود التي يساوي أو يفوق 30000000.00 درهم، و الصفقات التفاوضية التي تساوي أو تفوق مبالغها 1000000.00 درهم .

وفي مجال تشجيع الإقتصاد الوطني ،  فقد نص المرسوم على ضرورة تخصيص نسبة 20  في المائة للمقاولات الصغرى  والمتوسطة التي تقوم بدور سوسيواقتصادي كبير في الإسهام من تقليص نسبة البطالة والمساهمة في خلق الثروة[5].  ففكرة الأفضلية هنا تعني منح مجموعة من الإمتيازات للمقاولات دون أخرى لإعتبارات تبقى مجانبة لمنطق المنافسة في ظاهرها على الأقل.

وإذا كان  إصلاح  2013 للمرسوم المنظم للصفقات العمومية  متطور بالنظر إلى الإصلاحات التي عرفتها المراسيم السابقة فإن هناك بعض الملاحظات التي يمكن الإشارة إليها منذ القراءة الأولى و التي يبدو من خلالها التباين بين مبادئ و أهداف الإصلاح وبين بعض المقتضيات، إذ  إن أول ما يلاحظ من حيث الشكل  حول مرسوم الصفقات العمومية الجديد أنه جاء في شكل مرسوم، بمعنى إن اختصاص البث فيه يرجع  اختصاص السلطة التنظيمية  للحكومة، وليس في خانة السلطة التشريعية للبرلمان، وهنا كان يفترض أن يسند الإطار القانوني المنظم للصفقات العمومية للبرلمان، من أجل تقوية اختصاصه في سلطة مراقبته وتتبعه للصفقات العمومية وصرف المال العام بصفة عامة، ذلك أن تدبير الصفقات العمومية يجب أن يكون مؤطرا بنص قانوني وليس بمرسوم فقط كما هو جاري به العمل منذ عقود.

ومن جانب آخر ،  هناك إشكالية أخرى تطرح على مستوى المرسوم الجديد ، وهي أنه إذا كانت  الصفقة العمومية تعتبر مبرمة بمجرد توقيعها من لدن أطراف العقد، فإنه لايحق للأطراف المطالبة بتنفيذ التزاماتهم التعاقدية في غياب المصادقة عليها، فبالرجوع إلى المادة 78 من مرسوم 5 فبراير  2007 ، تؤكد على أنه لاتعتبر صفقات الأشغال أو التوريدات أو الخدمات صحيحة  ونهائية ، إلا بعد المصادقة عليها من طرف السلطة المختصة.

وهو نفس الشيء الذي أكدته المادة 152  من مرسوم 20 مارس 2013، حيث يجب أن تتم المصادقة على الصفقات قبل أي شروع في تنفيذ الأعمال موضوع هذه الصفقات باستثناء الحالات المقررة في المادة 53 وكذا المادة 79 من المرسوم أعلاه.

كما أنه  في هذا الإطار لابد من التذكير بخصوصيات صفقات الجماعات الترابية والتي تتميز بعدة خصوصيات كما أكدتها المادة 144 من الباب السادس المتعلق بصفقات الجهات والعمالات و الأقاليم و الجماعات من مرسوم 20 مارس 2013 التي تنص على أن المصادقة على صفقات الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات تتم وفق الشروط المقررة في المادة 152، ويحدد وزير الداخلية بقرار السلطات المؤهلة للمصادقة.

وعليه، يمكن القول إن  المصادقة على صفقات الدولة و المؤسسات العمومية  وكذا الجماعات الترابية تتم  عبر مرحلتين[6]:

  • مرحلة أولىتتجلى في مصادقة الإدارة صاحبة المشروع على الصفقة بواسطة قرار يصدره الآمر بالصرف أو من ينوب عنه بموجب تفويض.
    مرحلة ثانية تتجلى في مصادقة سلطات الوصاية، ، حيث لا يمكن أن يكون عقد الصفقة شرعيا، إلا إذا تمت المصادقة عليه من طرف السلطة الوصية، وهنا يمكن الاشارة الى بعض التدابير الجديدة التي نص عليها المرسوم الجديد و التي من الممكن ان تضيق على صاحب المشروع في الاجل القانوني لتبليغه المصادقة على الصفقات، ويتعلق الأمر بأحكام الفقرة الأخيرة من المادة 152 التي تنص على أنه  ” لا تتم المصادقة على الصفقات من طرف السلطة المختصة إلا بعد انصرام خمسة عشر (15) يوم بعد تاريخ انتهاء اشغال اللجنة ” ، علما أن  المدة التي أصبح مسموح بها لتبليغ المصادقة على الصفقات العمومية هي 105 أيام ابتداءا من تاريخ فتح الأظرفة إلى تاريخ تبليغ المصادقة، وهو مايطرح إشكالية للآمرين بالصرف ، تتمثل في احتمال تجاوز هذه المدة دون تبليغ نائلي الصفقات بالمصادقة عليها،نتيجة  ظهور بعض الصعوبات التقنية أو التنظيمية أثناء إعداد مصالح الآمر بالصرف لمقترح الالتزام بنفقة الصفقة، أو الارجاع المتكرر لنفس مقترح الالتزام من طرف سلطات الوصاية قصد تسوية بعض الملاحظات الشكلية،أو تجاوز هذه الأخيرة للآجال القانونية لوضع تأشيرة الالتزام على نفقات صفقات الدولة أو رفضها أو إيقافها،  مما يؤدي إلى تعريض المسطرة للإلغاء تبعا لإكتشاف  عيب مسطري (المادة 45 من نفس المرسوم )[7]، وتبعا لذلك، فالأجل الذي يسمح به لمصالح الآمر بالصرف لإعداد مقترح الالتزام بنفقة الصفقة وإحالته على مصالح الخزينة العامة للمملكة بالنسبة لصفقات الدولة، والمراقب المالي بالنسبة لصفقات المؤسسات العمومية، ووزارة الداخلية بالنسبة للجماعات الترابية قصد وضع التأشيرة عليه، لا بد وأن يأخذ بعين الاعتبار الأجل القانوني الذي تقتضيه مراقبة المشروعية من طرف السلطات المختصة، مع ما يمكن أن يثيره هذا الأخير من ملاحظات تستوجب جوابا بشأنها، الشيء الذي قد يطرح صعوبات  قد تقف حجرة تعثر أمام الآمرين بالصرف وأصحاب المشاريع لاحترام هذه الآجال.

إن التأكد من صدق بعض الفرضيات ، التي بدأت تتحدث عن وجود مثل هذه التضاربات لن يكشف عنه بشكل جلي سوى التطبيق الفعلي لمقتضيات المرسوم وتجريبها على أرض الواقع، ويبقى الرهان على مرسوم الصفقات العمومية الجديد  تحقيق الأهداف الاقتصادية و الاجتماعية  للنهوض .

وفي الختام،  يمكن القول إن إصلاح  نظام الصفقات جسد توجه السلطات العمومية الى تخليق الحياة العامة والى محاربة كل الممارسات المرتبطة بأفعال الغش و الرشوة والى احترام مبادئ حرية الولوج الى الطلبيات العمومية و المساواة و الشفافية في التعامل مع المترشحين وتبسيط المساطر ، وتمكن هذه المبادئ من تحقيق فعاليات الطلبيات العمومية وحسن استعمال المال العام مما يستوجب تحديدا مسبقا لحاجات الادارة واحترام واجبات الاشهار ووضع اليات المنافسة واختيار العرض الأفضل اقتصاديا في اطار مساطر مبسطة وكإجراء مواكب تم الحد من التدخل البشري من خلال نزع الصفة المادية عن المساطر و إلزام أصحاب المشاريع بنشر بعض المعلومات و الوثائق في البوابة الالكترونية لصفقات الدولة وكذا اعتماد وسائل الطعن و اللجوء للمصالحة لتسوية النزاعات مستقبلا للزيادة في تبسيط المساطر بتوقيع إعداد دفتر الشروط الخاصة بالتوريدات و الخدمات و توحيد دفتر الشروط الخاصة بالنسبة للتوريدات الأشغال و الخدمات.

[1]– توفيق الطاهري، ” الجماعات المحلية ودورها في التنمية وتنشيط الإقتصاد: نموذج الجماعة الحضرية للحمرية بمكناس”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، كلية العلوم الإقتصادية والإجتماعية- الرباط، السنة الجامعية:  2000، ص 157.

[2]ناديا تياب، آليات مواجهة الفساد في مجال الصفقات العمومية، رسالة لنيل شهادة دكتوراه في العلوم القانونية، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتزيوزو، 2013، ص7.

[3] يوسف بلشهب، رهن الصفقات العمومية-قراءة في مشروع القانون الجديد،

[4] إذ  يعتبر أول نص قانوني تعرضه الأمانة للحكومة في عبر بوابتها الالكترونية للتعليق عليه من طرف العموم ،مما يجعله يستفيد من المقاربة التشاركية التي أصبحت من أهم شروط تدعيم الحكامة الجيدة.

[5]هشام التزكيني: ” قراءة في بعض جوانب المرسوم الجديد المتعلق بالصفقات العمومية”، مقال نشر بتاريخ 5 فبراير 2013 على الموقع الإلكتروني:

www.marocdroit.com.

[6] ياسين بلحاج، أجل تبيلغ المصادقة على صفقات الدولة بالمرسوم الجديد للصفقات العمومية، مقال نشر بتاريخ 4 دحنبر 2013 على الموقع الإلكتروني:

http://www.marocdroit.com

[7] يوسف بلحاج، إشكالية المصادقة على صفقات الجماعات الترابية، مقال نشر بتاريخ 23 أكتوبر 2013 على  الموقع الإلكتروني:

http://www.marocdroit.com