عبء الإثبات في دعوى الاستحقاق العقارية

1,062

                                          عبء الإثبات في دعوى الاستحقاق العقارية

الباحث حسن اعديم

                                            طالب بسلك الدكتوراة

                                   كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا

                                  سنة 2015-2016

 

تـــقــــديــم

تعد دعوى الاستحقاق أهم الدعاوى العقارية على الإطلاق وأكثرها خطورة، لأنها تتعلق بتقرير ملكية العقار، بإسنادها إلى هذا الطرف أو ذاك، وهو ما جعل بعض فقهاء المذهب المالكي يخصصون لها بابا مستقلا في مؤلفاتهم، فهي الدعوى التي يرفعها مدعي ملكية عقار، في مواجهة الحائز، يرمي من خلالها إلى الحكم باستحقاقه للعقار، أو حق عيني عليه، بإسناد ملكيته إليه، وهي تختلف بذلك عن دعوى استرداد الحيازة، باعتبارها دعوى تهدف وحسب إلى حماية الحيازة، باعتبار هذه الأخيرة شاهدا عرفيا على الملك.

ودعوى الاستحقاق إما أن تكون دعوى أصلية، ترفع في الأحوال العادية، وإما أن تكون دعوى إستحقاق فرعية، هذه يتم اللجوء إليها عندما يكون العقار موضوع إجراءات حجز عقاري، فيقوم شخص غير المحجوز عليه، يدعي أن العقار موضوع الحجز في ملكيته، متعرضا بذلك على إجراءات الحجز، طالبا إبطالها، على أن يسلك في ذلك الإجراءات الشكلية المحددة في الفصل 482 من قانون المسطرة المدنية التي تنص على أنه : ” إذا ادعى الغير أن الحجز انصب على عقارات يملكها أمكنه لإبطال الحجز رفع دعوى الاستحقاق. يمكن رفع هذه الدعوى إلى حين إرساء المزايدة النهائية ويترتب عليها وقف مسطرة التنفيذ بالنسبة إلى الأموال المدعى فيها بالاستحقاق إذا كانت مصحوبة بوثائق يظهر أنها مبنية على أساس صحيح “. وهذه الدعوى لا تختلف من حيث طرق الإثبات وعبئه عن دعوى الاستحقاق الأصلية.

ومن أجل توضيح القواعد التي تحكم عبء الإثبات في دعوى الاستحقاق العقــارية، لا بــد أن نمــيز بيــن تلك التي يكــون موضوعها عــقارا غــير محــفظ ( الفــقــرة الأولــى )، وتــلك التــي تنــصب عــلى عــقــار فـــي طــور التــحـفـيظ ( الفـقـرة الثــانــية )، أما العقار المحفظ فإن خاصيتي التطهير والنهائية التي تطبع الرسم العقاري، تجعله في منأى عن أي دعوى أصلية ترمي إلى استحقاقه، بل يمكن لمن انتزعت منه الحيازة اللجوء إلى رفع دعوى الإفراغ للإحتلال دون سند لدى قضاء الموضوع، أو اختيار القضاء الاستعجالي استنادا إلى نفس السبب، على أن يستدل برسم الملكية يفيد كون العقار محفظ في اسم المدعي، ولا يمكن لرئيس المحكمة إذا تمت المنازعة في الملكية بالرغم من وجود الرسم العقاري أن يقضي بعدم الاختصاص بعلة عدم المساس بالجوهر.

الفقرة الأولى : عبء إثبات استحقاق العقار غير المحفظ.

معظم دعاوى الاستحقاق يكون موضوعها عقار غير محفظ، هذه الدعوى يرفعها الشخص الذي يدعي الملكية في مواجهة الحائز، لذلك يتعين على المدعي أن يثبت بأن المدعى عليه فعلا هو الحائز للعقار موضوع الدعوى، سواء كانت حيازته بنفسه أو بواسطة غيره، هذا ما لم يقر المدعى عليه بالحيازة، سواء أقر بها لنفسه أو أقر بها لغيره، فإذا أقر بها لغيره دون أن يتدخل هذا الغير في الدعوى، فإن المحكمة لا يمكنها أن تنذر المدعي لتوجيه دعواه ضده، لأنها بذلك تكون قد حددت الجهة التي يجب أن ترفع في مواجهتها الدعوى، كما لا يمكنها أن تقضي بعدم القبول إذا تمسك المدعي بكون الحائز يحوز لنفسه، لأن الأصل أن الانسان يحوز لنفسه، وعلى من يدعي أنه يحوز لغيره إثبات إدعائه، وإلا فإن كل حائز رفعت ضده دعوى من هذا القبيل، يكفيه التمسكبكونه حائزا عن غيره، خصوصا وأن صدور الحكم في مواجهته بالاستحقاق، لا يعني أن هذا الحكم سوف يكون حجة في مواجهة الغير، إعمالا لمبدأ نسبية حجية الأحكام في مواجهة من لم يكن طرفا فيها، والذي يبقى له حق الطعن بتعرض الغير الخارج عن الخصومة.

والمدعي قبل أن يقدم على رفع دعوى الاستحقاق، عليه أن يتسلح بوسائل الإثبات التي ينوي بواسطتها انتزاع العقار من يد الحائز، من خلال إثبات ملكيته للعقار بوسائل الإثبات التي تنسجم مع الأساس الذي يتند عليه، أي سبب كسب الملكية، أما المدعى عليه فلا يلزم بشيء قبل إدلاء المدعي بوسيلة الإثبات، وحسبه الجواب حوزي وملكي، لقول صاحب التحفة :

المدعي استحقاق شيء يلزم       ببينة مثبة ما يزعم

والمدعي مطالب بالبينة       وحالة العموم فيه بينة

وفي نظم العمل الفاسي :

وكل مدع للاستحقاق        مكن من الإثبات بالإطلاق

من قبل أن يشهد عند ذا       له فشرط ذاك يعتمد

هذا الحكم صاغته مدونة الحقوق العينية في المادة 242 منها، عندما نصت على أنه : ” لا يكلف الحائز ببيان وجه مدخله إلا إذا أدلى المدعي بحجة على دعواه “. فالمدعي وإن كان يكلف بالجواب ليرد على دعوى المدعي، وسكوته رغم توصله بمقال الدعوى يعتبر إقرارا ضمنيا بحق المدعي، كما أن جوابه بأنه لا حق للمدعي دون أن يضيف بأن العقار موضوع النزاع حوزه وملكه لا يكفيه، كما أن إقراره بكونه يحوز بإذن المدعي على سبيل البر والإحسان، فقد أدلى تلقائيا بوجه مدخله، فظهر الحق للقائم، إلا أنه بالرغم من ذلك لا يكلف الحائز ببيان وجه مدخله، أو من أي صار له، فحسبه الدفع بالحوز والملك، حتى يدلي المدعي بحجة مستجمعة لشروط الملك، تؤيد مزاعمه، لأن الحائز يؤازره شاهد عرفي وهو الحيازة، يزكيه برده حوزي وملكي، كما في نظم العمل الفاسي :

إن قام في أصل على من حازه               مع الخصوم مدة الحيازة

يسأل من أين صار له          لم يلزم الجواب عن ما سأله

وتأسيسا على ذلك جاء في قرار لمحكمة النقض على أن : ” المدعى عليه في دعوى الاستحقاق يكفيه التمسك بالحوز والملك، ولا يكلف ببيان وجه مدخله، إلا إذا أدلى القائم بحجة تامة مستجمعة لشروط الملك المنصوص عليها في قول خليل : وصحة الملك بالتصرف وعدم منازع وحوز طال كعشرة أشهر، وأنها لم تخرج عن ملكه في عملهم …”[1]. وفي نفس المعنى ورد في قرار آخر : ” … حيث ثبت ما عابت بهه الطاعنة للقرار المذكور، ذلك أن طالب استحقاق عقار هو المكلف بإثبات ملكيته له بحجة مستوفية لكافة شروط الملك المتطلبة فقها عملا بقول ابن عاصم في التحفة :

المدعي استحقاق شيء يلزم        ببينة مثبتة ما يزعم… “[2].

فإذا أدلى المدعي بحجة مستجمعة الشروط والأركان تفيد الملكية، إلتفت القاضي إلى المدعى عليه، لأنه لم يعد بإمكان هذا أن يكتفي بالقول حوزي وملكي، بل صار ملزما بالجواب من أين صار له. والمدعي إما يدلي برسم ملكية تفيد أنه مالك، وهي عاملة إذا استجمعت شروطها التي أشار إليها الشيخ خليل بقوله : ” وصحة الملك بالتصرف وعدم منازع وحوز طال كعشرة أشهر، وأنها لم تخرج عن ملكه في عملهم … “. وقد يدلي برسم شراء، هذا إما أن يشير إلى أصل التملك، فينتفع به، وإما أن يأتي مجردا عنه، فإذا كان كذلك، فإما أن يكون المدعى عليه هو البائع أو خلفا عاما للبائع، فيكون عقد الشراء عاملا في مواجهتهما، بالرغم من خلوه من أصل التملك، أما إذا كان المدعى عليه دونهما، أي غيرا عن عقد الشراء، فإن عقد الشراء المجرد عن أصل التملك لا ينتزع به من يد حائز، لقول صاحب العمل : لا تفيد الملك عقود الأشرية … بل ترفع النزاع عند التسوية، واستنادا إلى ذلك جاء في قرار لمحكمة النقض أنه : ” … حيث ثبت صحة ما عابته الوسيلة على القرار، ذلك أن محكمة الاستئناف المطعون في قرارها … طبقت قواعد الفقه تطبيقا لا يتناسب وموضوع الدعوى، وخرقت القاعدة الفقهية المنصوص عليها في المعيار بأن عقد الشراء ينتزع به من يد حائز لم يدع الملكية لما حازه، لأن الشراء وإن لم يتضمن الملك لكنه مظنته “[3]

تطبيقا لذلك جاء في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالناضور : ” … وحيث إن رسم الملكية عدد 126 المؤرخ في 04-10-1967 الذي استظهر به المدعي والذي ينسب الملك لموروثه مستوف لشروط الملك المقررة فقها في قول الشيخ خليل في باب الشهادات : وصحة الملك بالتصرف وعدم منازع وحوز طال كعشرة أشهر، وإنها لم تخرج عن ملكه في علمهم … إلخ، ولم ينازع المدعى عليه في انطباقه عن القطعة الأرضية المتنازع عليها، وطلب استفسار شهود الرسم المذكور غير مبرر إذا ليس به غموض ولا إجمال، ولما كانت هذه الحجة تامة الأركان، فالمحكمة غير ملزمة بمناقشة المآخذ المثارة ضد رسم الشراء عدد : 605 ورسم الملكية المستند عليه عدد : 100.

وحيث إنه بالمقابل، فرسم الشراء عدد : 285 الذي استدل به المدعى عليه مجرد من سند تملك البائعين له، وبالتالي فهو لا يثبت الملك ولا يحتج به في مواجهة الغير الذي لم يكن طرفا فيه، عملا بقول صاحب العمل لا توجب الملك عقود الأشرية، والمدعى عليه لما أدلى بالحكم عدد : 914 الصادر بتاريخ 28- 11 -2005 في القضية عدد : 2846/98، فهو لم يدلي بوجه الاستدلال به، ولم يثر أي دفع صريح بخصوصه. وحيث إنه تأسيسا على هذه العلل، فطلب الاستحقاق والتخلي مبني على أساس قانوني، ويتعين بالتالي الاستجابة له … “[4]

أما إذا لم يتمكن المدعي من إثبات الملك، هل يحق للمحكمة أن توجه يمين الإنكار إلى المدعى عليه؟ هناك اتجاه في الفقه يعتبر أن يمين الإنكار لا مجال لإعمالها منذ صدور قانون المسطرة المدنية لسنة 1974، كون هذا القانون نظم فقط اليمين الحاسمة والمتممة، فألغى بذلك ضمنيا يمين الإنكار[5]، وهي اليمين التي توجه إلى المدعى عليه، عند عجز المدعي عن الإثبات، تفعيلا للقاعدة الفقهية ” البينة على المدعي واليمين على من أنكر “[6]، واستثنى من ذلك قضايا الأسرة وقضايا العقار غير المحفظ.

أما على مستوى العقار غير المحفظ فقد درج عمل محكمة النقض على اشتراط توجيه يمين الإنكار إذل عجز المدعي عن إثبات الملك، هكذا جاء في قرارها بتاريخ 21/01/1998 أنه : ” من المقرر فقها أنه لا يقضى بيمين الإنكار على المدعى عليه إلا في حالة عجز مدعي عن الإدلاء ببينة مقبولة شرعا لإثبات دعواه وهي القاعدة المشار إليها في قول التحفة : والمدعى عليه باليمين في عجز مدع عن التبيين ... “[7]، وكذلك أيدت محكمة النقض القرار الذي رد دعوى المدعي الذي أدلى برسم شراء مجرد عن أصل التملك، بعدما وجهت المحكمة اليمين للمدعى عليه معللة ذلك بأن : ” موضوع النزاع هو استحقاق المدعي للمدعى فيه، والمحكمة عندما ردت تلك الدعوى مع يمين المدعى عليه، باعتبار أن حجة المدعي التي هي رسم الشراء المجرد عن أصل التملك ناقصة عن درجة الاعتبار، تكون قد طبقت تطبيقا سليما القاعدة الفقهية البينة على المدعي واليمين على من أنكر… “[8]، هذه اليمين يمكن للمدعى عليه أن يردها على المدعي، فإذا حلف هذا الأخير استحق العقار، أما إذا أداها الأول فقد رد بذلك دعوى المدعي، كما جاء في التحفة : ” هذه اليمين حيث تجب *** يسوغ قلبها وما إن تقلب “.

أما إذا أدلى المدعي بحجة مستوفية لشروط الملك، في حين عجز المدعى عليه عن إثبات ملكيته، أو أن ما أدلى به من بينة لم ترقى إلى درجة الاعتبار، فرجحت بينة المدعي، هل تقضي المحكمة لهذا الأخير بالاستحقاق دون يمين، أم لا بد من تعزيز حجته بها؟.

على مستوى الفقه المالكي نرصد اختلافا فيما يخص توجيه يمين الاستحقاق في المنازعات المتعلقة بالعقار ( العروض أو الأصول ) رصد ذلك سيدي محمد أبي القاسم في العمل المطلق عند قوله : ” ولا يمين في الأصول تستحق *** والبعض أفتى أن بها العمل حق “، ومن بين من قال بعدم إعمالها ابن عاصم في التحفة : ” ولا يمين في أصول ما استحق *** وفي سواها قبل الإعذار يحق “، وفي مواهب الجليل للحطاب : ” … أنه لا يحلف في العقار ويحلف في غيره، وهو المعمول به عند الأندلسيين، وفي سجلات الباجي لو استحق ذلك من يد غاصب لم يحلف قال ابن سلمون ولا يمين على مستحق الأصل إلا أن يدعي عليه خصمه ما يوجبها، وقيل ، لا بد من اليمين كالعروض والحيوان … وحكى ابن سهل عن ابن كنانة أنه لا يمين على مستحق العروض والحيوان إلا أن يدعي الخصم ما يوجبها وتكون اليمين على النص المذكور أنه ما باع ولا وهب وكان محمد بن الفرج يحلفه أنه ماله ومالكه وأنه ما باع ولا وهب … “، بينما جرى العمل بتوجيهها لدى أهل فاس، ففي نظم العمل المطلق للسجلماسي : ” كذا في الاستحقاق للأصول *** القول باليمين من معمول “، وهو القول المعول عليه لدى محكمة النقض، فاليمين تؤدى على أمر محدد هو تأكيد لما تشهد به البينة أن العقار لم يخرج عن ملكه في علمهم.

من خلال كل ذلك يتضح أن إثبات الاستحقاق في العقار غير المحفظ متوقف على تحديد المدعي من المدعى عليه، وتلعب الحيازة في ذلك دور الشاهد العرفي الذي يعطي للحائز صفة المدعى عليه، لكن هل تطبق نفس القاعدة عندما يتعلق الأمر بعقار في طور التحفيظ؟.

الفقرة الثانية : عبء إثبات استحقاق العقار في طور التحفيظ

قبل أن نغوص في تحديد المدعي من المدعى عليه في العقار الذي تجري بشأنه مسطرة التحفيظ، يجدر بنا أولا أن نطرح السؤال التالي : هل يمكن للعقار في طور التحفيظ أن يكون موضوع دعوى استحقاق ؟ وهل دعوى التعرض تعتبر دعوى استحقاقية ؟

يستمد هذا السؤال مشروعيته من كون العقار الذي يكون موضوع مطلب التحفيظ لا يمكن التدخول عليه إلا بواسطة التعرض على هذا المطلب، وداخل الأجل القانوني المقرر لذلك، فكل من يدعي ملكية هذا العقار أو حقا عينيا عليه، أو ينازع في حدوده أو مساحته، عليه أن يسلك طريق التعرض، ويحال الملف على المحكمة التي تبت في صحة أو عدم صحة التعرض.

دعوى الاستحقاق تكون مقبولة ما دام الملف لم يحل على المحكمة للبت في التعرض، فالمحكمة لا شأن لها بكون العقار محل النزاع موضوع مطلب التحفيظ، إلا أن يكون قد أحيل عليها من طرف المحافظ، فتعمل على ضم الملف المتعلق بالتعرض إلى الملف المفتوح لدعوى الاستحقاق، وتبت فيهما بحكم واحد، وهذا الرأي هو الصائب لأنه لا مانع يحول دون تقديم دعوى الاستحقاق، وعلى المدعي في هذه الحالة أن يمارس التعرض على مسطرة التحفيظ، استنادا إلى دعوى الاستحقاق التي رفعها، فيحيل المحافظ المطلب على المحكمة للبت في التعرض، وتطبيقا لذلك ورد في قرار لمحكمة النقض أنه : ” … حقا حيث عن الدعوى الجارية أثيرت في 15 مارس 1978، حسب مقالها الابتدائي، وأن المطلوب لم يثر إيداع مطلب التحفيظ وتعرض الطاعنين عليه، إلا في المرحلة الاستئنافية، أثناء جريان هاته الدعوى، وأن مسطرة التحفيظ لم تتجاوز مرحلتها الإدارية، ولم يثبت من خلال إجراءات القضية إحالة ملفها على قضاء التحفيظ، وأن مجرد إيداع مطلب التحفيظ والتعرض عليه لا يحول دون نظر الدعوى الحالية والبت فيها من طرف المحكمة، إذ لا يوجد أي نص يمنع القضاء العادي من تمام الدعوى المعروضة عليه بناء على إيداع المطلب ووجود التعرض عليه، وقبل عرض ملفه على قضاء التحفيظ، مما يكون معه صنيع المحكمة بإلغاء الدعوى على حالتها لاعتبارها مكررة مع المطلب، والتعرض له لا أساس له من القانون، يستوجب نقض قرارها المطعون فيه …”[9] ، إلا أن بعض القرارات تشد عن القاعدة وتجعل المدخل الوحيد على العقار في طور التحفيظ هو التعرض من ذلك قرار محكمة النقض عدد 164 بتاريخ 10/01/2001 في الملف رقم 1674/1/2/99 الذي ورد فيه ” … كل دعوى بحق عيني على مطلب يجب أن تمر وفق مسطرة التحفيظ المنصوص عليها في الفصل 24 من ظهير التحفيظ، تكون المحكمة قد خرقت مقتضيات ظهير التحفيظ العقاري التي هي مسطرة خاصة، لما قضت بتنفيذ التزام متعلق بحق عيني على عقار في طور التحفيظ، خارج مسطرة التحيظ، وعرضت قرارها للنقض …”

حتى إذا أحيل ملف التعرض على المحكمة حينها تقوم بضم الملفين باعتبار وحدة الأطراف والموضوع والسبب، وتقضي فيهما بحكم واحد، بتفادي التناقض الذي قد يحصل بين الأحكام، هكذا جاء في قرار لمحكمة النقض : ” … لكن ردا على الوسيلة فليس هناك ما يمنع المحكمة من البت في دعوى الاستحقاق والدعوى الناتجة عن التحفيظ في حكم واحد، ما دامتا مرتبطتين، مما يبقى معه القرار معللا تعليلا كافيا والوسيلة بالتالي غير جديرة بالاعتبار …”[10]، لكن، في هذا السياق تطرح إشكالية من يتحمل عبء الإثبات، ذلك أنه في دعوى الاستحقاق العادية التي يكون موضوعها عقار غير محفظ، يكون المدعي غير الحائز هو المكلف بإثبات الملك كما فصلنا في ذلك سابقا، أما في دعوى التعرض فإن المتعرض يعتبر مدعيا وكما استقر على ذلك الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض، لكون المدعى عليه هو من بادر إلى تقديم مطلب التحفيظ.

ذهبت محكمة النقض إلى أن المتعرض إذا كان حائزا فلا يكلف بعبء إثبات ملكيته، حيث جاء في قرارها عدد 214 بتاريخ 21/03/2003 أن : ” … المتعرض على مطلب التحفيظ الحائز للمدعى فيه بمقتضى حكم، تكفيه حيازته له، وعلى طالب التحفيظ غير الحائز إثبات استحقاقه له …”، وأكدت هذا التوجه بقرارها عدد 666 بتاريخ 09/03/2005 الذي ورد فيه : ” …عندما يكون المتعرض هو الحائز للعقار، فإن الحيازة والتصرف قرينة على التملك، فكان على المحكمة عندئذ أن تناقش حجج طالب التحفيظ، والمبدأ في منازعات التحفيظ القاضي بعدم مناقشة حجج طالب التحفيظ إلا بعد إدلاء المتعرض بحجة مستوفية للشروط المقبولة في التحفيظ، لا يكون إلا في الحالة التي يكون فيها طالب التحفيظ هو الحائز للعقار المطلوب تحفيظه …”.

 

 

 

 

 

 

[1] – قرار عدد 435 بتاريخ 06/02/2003، أورده ذ محمد الهيني في مقال إثبات الحيازة الاستحقاقية على ضوء العمل القضائي، ص 21.

[2] – قرار عدد 388 بتاريخ 09/02/2005، مجلة القصر عدد 13، يناير 2006، ص 199، أشار إليه الدكتور محمد بادن، دعوى الاستحقاق العقارية، الطبعة الأولى 2013، دار القلم، ص 42.

[3] – قرار عدد 1730 بتاريخ 13/09/2009، في الملف عدد 4355/1/4/2008، أشار إليه الدكتور محمد بادن، المرجع السابق هامش 69، ص 45.

[4]  – حكم عدد 518 بتاريخ 16/05/2007، في الملف عدد 02/06/2007، منشور بكتاب الإثبات في المنازعات المدنية للأستاذ سعيد خالد، مطبعة دار السلام، طبعة يناير 2014، ص 57.

[5]  – عادل حاميدي، القواعد الفقهية وتطبيقاتها القضائية في المادة العقارية والمدنية، ص 194.

[6]  – جاء في التحفة : ” والمدعى عليه باليمين *** في عجز مدع عن التبييين ” وفي لامية الزقاق : ” وإن وقع الإنكار اعذر وطالبن *** ببينة ثم اليمين إن أهلا “.

[7]  – قرار عدد 395، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد مزدوج 53/54 لسنة يوليوز 1999، ص 72.

[8]  – قرار عدد 5202، ملف عقاري عدد 1966/1/9/95، مشار إليه في كتاب الدليل العملي للعقار غير المحفظ، تأليف مجموعة من الأساتذة، طبعة 2 أبريل 2007، مطبعة فضالة، ص 38.

[9]  – قرار عدد 341 بتاريخ 12/03/1985، قضاء المجلس الأعلى عدد 39 السنة 11 نونبر 1986، ص 117.

[10]  – قرار رقم 2497 بتاريخ 02/02/2008 في الملف عدد 2940/1/1/06، مذكور في كتاب محمد بادن، م س، ص 145.