ضمانات المحاكمة العادلة في النظام القانوني الجزائري

1,461

ضمانات المحاكمة العادلة في النظام القانوني

الجزائري

                                                                        الدكتور : بوطيب بن ناصر

                                                                              أستاذ محاضر *ب*                                                                                          

                                                                            جامعة قاصدي مرباح

                                                                                  ورقلة

 

يقصد بحقوق الإنسان جملة الحقوق اللصيقة بالشخص الإنساني و التي نصت عليها المواثيق الدولية و التي يتمتع بها الإنسان ولا يجوز بأي حال تجريده منها لأي سبب كان و بصرف النظر عن جميع مظاهر الاختلاف سواء في الدين أو اللغة أو العرف أو الجنس.

و إن التتبع التاريخي لحقوق الإنسان يثبت لنا أنها سابقة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 1848، لأن الديانات القديمة و التراث البشري كرس بصفة عامة جملة هذه المبادئ التي تقوم على العدل و الإنصاف و مبادئ الرحمة.

غير أن الحديث عن المعنى المعاصر لحقوق الإنسان يقصد به مجموعة المبادئ الملزمة التي اتفقت عليها الإنسانية بعد الانتهاء من الحرب العالمية الثانية و عملت على الالتزام بها في القوانين الدولية و الداخلية، و تحولت مفاهيم حقوق الإنسان في العصر الحديث من  قيم فاضلة إلى التزامات قانونية الواجب التقيد بها، و مخالفتها ترتب المسؤولية على المستوى الدولي و الإقليمي و الوطني،  و لعل من أهم المبادئ التي يضمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هي حق المتهم في المحاكمة العادلة. و تبدأ مراحلها من تاريخ إيقافه مرورا بمرحلة احتجازه قبل المحاكمة و الاحتفاظ به أثناءها إلى غاية استنفاذ جميع طرق الطعن الممكنة قانونا في الأحكام الصادرة ضده. و تعد المحكمة العادلة من أسمى مبادئ حقوق الإنسان.

و لقد عرفت المحاكمة العادلة بأنها أحد الحقوق الأساسية للإنسان و تقوم على توافر مجموعة من الإجراءات التي تتم بها الخصومة الجنائية في إطار حماية الحريات الشخصية و غيرها من حقوق الإنسان و كرامته و شخصيته المتكاملة. وقد سارعت معظم الدول إلى تكريس هذا المبدأ في نظمها القانونية بغية ضمان المحاكمة العادلة للمتهم لكونه إنسان. و لعل الجزائر من بين هذه الدول التي حاولت تكريس هذه المبادئ و أوجدت ضمانات لذلك.

و من هنا تثار التساؤلات حول أهم الضمانات الدستورية و التشريعية للمحاكمة في النظام القانوني الجزائري؟

و للإجابة على جملة هذه التساؤلات التي تطرحها هذه الدراسة ستتم الإجابة عليها وفقا لثلاث محاور أساسية:

المحور الأول: الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة

يعتبر الحق في المحاكمة العادلة أهم الحقوق المدنية اللصيقة بشخص الإنسان و تستمد أصولها من شخصيته  الارتباط بينهما وثيق لان المحاكمة العادلة تعد من صميم الحقوق و الحريات التي يجب أن يتمتع بها الأفراد و دليل ذلك أنها لا تزال محل اهتمام من قبل الإعلانات العالمية و المواثيق الدولية و الدول لا تزال تسعى جاهدة لتكريس هذا الحق في دساتيرها و تشريعاتها الداخلية، و المشرع الجزائري من بين هذه الدول التي سعت إلى تكريس الحق في المحاكمة العادلة في دساتيرها المختلفة. و بالعودة إلى دستور 1963 الذي بمقتضاه صادقت الجزائر على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بموجب المادة 11 منه، صدر في الجريدة الرسمية رقم 64 المؤرخة في 10 ديسمبر 1963، و قد تضمن الدستور العديد من المواد التي أرست الحق في المحاكمة العادلة، حيث نصت المادة 15 من دستور 1963 بأنه لا يمكن إيقاف أو تتبع أي شخص ألا في الحالات التي حددها القانون و إن القضاة المعنيين بمقضاته طبقا للكيفيات المقررة بموجبه.

نلاحظ أن المشرع الدستوري في صريح المادة 15 قد نصت على عدم جوازية إيقاف أو تتبع أي شخص إلا في الحالات المحددة في القانون و أن تتم عمليات الإيقاف و المتابعة بأمر من القضاة المختصين،أما في عدا هذه الحالات فان أي عملية إيقاف أو متابعة تعد باطلة بحكم الدستور.

و كذلك نص المادة 61 التي تضمنت الحق في الدفاع و نصت على ما يلي يعترف بحق الدفاع و يكون مضمونا في حقل القضاء الجنائي.[1]

المشرع الدستوري قد كفل حق الدفاع في القضايا ذات الطابع الجنائي باعتبار أن حق الدفاع يعد من الضمانات الأساسية لحقوق المتهم في مرحلة المحاكمة. كما أنها تعد من أهم ضمانات حقوق الإنسان التي تضمنتها المواثيق و المعاهدات الدولية و قد سعى المشرع الجزائري إلى تكريس هذه الحقوق شأنه شان باقي الدول الموقعة على اتفاقية حقوق الإنسان التي من أهمها ضمان المحاكمة العادلة للمتهم.

كما نجد أن دستور 1963 قد نص في أحكام المادة 62 على أنه لا يخضع القضاة في أدائهم لوظائفهم لغير القانون و مصالح الثورة الاشتراكية.

و هذه الضمانة تعد من أهم الضمانات الأساسية لتكريس فكرة المحاكمة العادلة على اعتبار أن استقلالية القضاء تعد من أهم الآليات الفعالة لضمان المحاكمة المنصفة، و قد تم التنصيص على هذا المبدأ في مواثيق حقوق الإنسان المختلفة، و سعى المشرع الجزائري لتكريس ذلك لان القضاء يعد صمام أمان لضمان الحماية اللازمة لحقوق الإنسان.

أما في دستور 1989 الاختلاف يبدو جليا حيث أن المشرع الدستوري قد سعى إلى تكريس ضمانات  دستورية اكبر لضمان المحاكمة العادلة و هذا ما نستشفه من خلال النصوص التي كرست ذلك، فالمادة 42 من دستور نصت بأن كل شخص يعتبر بريئا حتى تثبت جهة قضائية نظامية إدانته، مع كل الضمانات التي يتطلبها القانون.

و ما يلاحظ أن المشرع الجزائري في نص المادة 42 قد كرس ما جاءت به أحكام المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و مفاد هذه المادة أن الإنسان يولد بريئا و هذا هو الأصل، و يبقى بريئا إلى غاية صدور حكم قضائي بات لإدانة الشخص عن فعل مجرم قانونا، أما في حال نسبة الجرائم إلى المتهم فان عبء الإثبات يقع على الادعاء العام و عليه أن يقيم الدليل، و لا تتم الإدانة إلا في حال وجود أدلة مقنعة و يقينية و يكفل هذا الحق للمتهم ابتداء من الضبطية القضائية إلى قاضي التحقيق وصولا إلى مرحلة المحاكمة، فان تمت إدانته تحول إلى مذنب و إذا تمت تبرئته يخلى سبيله.

بالإضافة إلى نص المادة 42 نجد أيضا في نفس الباب المتعلق بالحقوق و الحريات ما تضمنه نص المادة 43 التي تنص على أنه لا إدانة إلا بمقتضى القانون و يصدر قبل ارتكاب الفعل المجرم. و يقصد أنه لا تتم إدانة أي شخص بأي جرم ما لم يكن القانون ينص على ذلك صراحة، و يجب تجريم الفعل قبل ارتكاب الجريمة، و من هنا نجد أن المشرع الدستوري قد نص صراحة على مبدأ الشرعية  أي انه لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون فإذا لم نجد النص انتفت العقوبة.

و في نفس الفصل المتعلق بالحقوق و الحريات نجد المادة 44 من نفس الدستور نصت لا يتابع احد و لا يوقف و لا يحتجز إلا في الحالات المحددة بالقانون و طبقا للأشكال التي نص عليها.

و تعد هذه المادة من أهم ضمانات حقوق المتهم حيث نص المشرع الدستوري بأنه لا يجوز متابعة أو إيقاف أي شخص أو احتجازه إلا في ظل الحالات المحددة في القانون و يجب أن تتم وفقا للنصوص القانونية التي تحدد حالات المتابعة أو الاحتجاز أو الإيقاف، و إلا فان جميع هذه الإجراءات تكون باطلة و ترتب المسؤولية الجزائية على مرتكب هذه الأفعال، إلى جانب ذلك نجد أن نص المادة 45 من نفس الدستور جاءت لتكريس مبدأ راسخ من أهم الركائز التي تؤسس عليها المحاكمة العادلة و قد نصت المادة 45 على خضوع التوقيف للنظر في مجال التحريات الجزائية للرقابة القضائية و لا يمكن أن يتجاوز 48 ساعة.

و ما نستشفه من هذه المادة أن المشرع الدستوري قد حاول تقييد عملية التوقيف للنظر في مجال التحريات الجزائية و ضرورة خضوع جميع العمليات المتعلقة بها في جميع المراحل لرقابة السلطة القضائية، و هذا ضمان لعدم التعسف من قبل رجال الضبط القضائي و حماية حقوق المتهم، و انه و في حالة توقيف فانه لا يجوز بأي من الأحوال أن تتجاوز مدة التوقيف 48 ساعة.

و قد مكن المشرع الدستوري في الفقرة الثانية من نفس المادة المتهم من حق الاتصال بأسرته فور توقيفه و هذا يعد كذلك من أهم الضمانات الدستورية المكفولة للمتهم.

و في الفقرة الثالثة من نفس المادة السابقة نصت على أنه لا يمكن تمديد مدة التوقيف للنظر إلا استثناءا و وفقا للشروط المحددة قانونا، و لدى الانتهاء من التوقيف للنظر يجب أن يجرى فحص طبي على الشخص الموقوف إن طلب ذلك و على أن يعلم بهذه الإمكانية من خلال هذه الفقرة نص المشرع الدستوري بعدم إمكانية تمديد مدة التوقيف إلا في الحالات الاستثنائية وفقا لما تم التنصيص عليه في القوانين و إلا فإنها تعد باطلة و يتحمل مرتكب هذا الخطأ المسؤولية الجزائية عن فعله كما نصت هذه المادة على أنه يجب إجراء فحص طبي للموقوف إذا طلب ذلك و يجب أن يتم إعلامه بهذا الحق (أي  أنه يمكنه إجراء هذا الفحص الطبي)، و الغاية من الفحص الطبي بعد انتهاء مدة التوقيف هو ضمان عدم تعرض الموقوف لأي صورة من صور التعذيب أو الإكراه، و هذه تعد من الضمانات الأساسية التي كفلت للمتهم في دستور 1989، و هذا بالنسبة لدستور 1989.

أما في التعديل الدستور لـ 28 نوفمبر 1996 أو دستور 1996 كما يسميه البعض فان المشرع قد عمل جاهدا على تكريس جملة الضمانات الأساسية التي تؤسس لضمان المحاكمة العادلة للمتهمين، و سعيا من المشرع الدستوري لتكريس الحماية الفعالة لحقوق الإنسان خاصة و أن هذا التعديل أو الدستور قد جاء بعد الفترة العصيبة التي مرت بها الجزائر في تسعينات القرن الماضي فيما يعرف بالعشرية السوداء أو الحمراء.

و تعد مادة 45 من دستور 1996 التي نصت على أن كل شخص بريء حتى تثبت جهة قضائية نظامية إدانته مع كل الضمانات التي يتطلبها القانون.

بمقتضى هذه المادة أن الأصل في الذمة هو البراءة و من ثمة فان المشتبه فيه و على الرغم من سماعه أمام الضبطية القضائية و توجيه الاتهام له أمام قضاة التحقيق و إحالة دعواه على الجهة القضائية المختصة يبقى بريئا إلى غاية إدانته بالتهم المنسوبة إليه من قبل المحكمة، مع كامل الضمانات التي يكفلها القانون:

  • كالحق في الدفاع، الحق في إنكار التهم، الحق في الطعن في الأحكام القضائية.
  • توفر النص القانوني الذي يجرم الفعل.

و قد كرست المادة 45 حق من أهم الحقوق المكفولة للمتهم و هو أن الأصل في الإنسان البراءة و هو ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 11 منه و ذلك ما جاءت به المادة 46 إذ أنه لا إدانة إلا بمقتضى قانون صادر قبل تجريم الفعل، و نلاحظ أن المشرع قد عمل على تكريس هذا المبدأ الذي جاء به دستور 1996 و أهم الضمانات الأساسية  لحقوق الإنسان أي تضمن عدم إدانة أي شخص ما لم يكن الفعل الذي ارتكبه هذا الأخير يعد من قبل الجرائم التي يتم التنصيص عليها مسبقا.

و ذلك ما جاء في أحكام المادة 47 لا يتابع أحد أو يوقف أو يحتجز إلا في الحالات المحددة قانونا و طبقا للأحكام التي نص عليها.

و ما يفهم من صريح المادة 47 أن المؤسس الدستوري منع متابعة أي شخص أو إيقافه أو احتجازه إلا في الحالات التي يحددها القانون و طبقا للأشكال المنصوص عليها و إلا وقع ذلك تحت طائلة البطلان.

أما بخصوص المادة 48 من دستور 1996 فهي جاءت بنفس صياغة المادة 45 من دستور 1989 و التي تنص على أن مدة التوقيف لا تتعدى 48 ساعة، و أن يتم تمكين الموقوف من الاتصال بأسرته و على أن يجرى له فحص طبي إذا طلب ذلك مع ضرورة إعلامه بهذا الحق.

أما في الفصل الثالث المتعلق بالسلطة القضائية نجد أن المشرع الدستوري قد نص في أحكام المادة 138 على أن السلطة القضائية مستقلة و تمارس في إطار القانون. و استقلالية السلطة تعد هذه الأخيرة من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة و قد تضمنتها الاتفاقيات و المواثيق المختلفة لحقوق الإنسان، و قد نصت عليها المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و كذلك المادة 11 من الميثاق العربي لحقوق الانسان، و كذلك ما جاءت به المادة 26 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان. و يقصد باستقلال السلطة القضائية – كضمانة لحقوق المتهم- و يقصد بها تحرير الجهات القضائية من جميع المؤثرات و الاضطلاع بالرسالة المنوطة بها، حيث تتيح لكل شخص حق اللجوء إليها و استيفاء حقوقه أو دفع الاتهام الموجه ضده و حمايته من أي اعتداء، و هذا لن يتأتى إلا أن كانت السلطة القضائية مستقلة كباقي السلطات ( السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية). و عليه فان استقلالية القضاء تعد الأداة الفعالة لتحقيق العدالة و حماية حقوق الإنسان و ذلك ما سعى المشرع الدستوري إلى تكريسه. كما أنه و بالعودة إلى أحكام المواد 139، 140، 141، 142، 143 إلى غاية المادة 148. فمجمل هذه المواد قد تناولت مبادئ أساسية يقوم عليها القضاء في الجزائر.

المادة 139 أناطت بالسلطة القضائية مهمة حماية المجتمع و الحريات و ضمان الحقوق الأساسية. أما المادة 140 فنصت أن أساس القضاء مبادئ الشرعية و المساواة و أن الكل سواسية أمام القضاء.

أما في أحكام المادة 142 نص المؤسس الدستوري أن العقوبات الجزائية يجب أن تخضع وجوبا لمبدأ الشرعية و الشخصية، و كل هذه الضمانات تؤسس لمحاكمة عادلة.

و قد تضمنت المادة 144 على ضمانة أساسية تعد من أهم الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، حيث اشترط المشرع الدستوري أن تكون الأحكام القضائية معللة و ينطق بها في جلسات علنية لأن العلنية تعد ضمانة أساسية لحياد القاضي و إبعاده عن التحيز و التأثر هذا من جهة، و من جهة ثانية خلق نوع من الثقة و الطمأنينة لما يصدره القاضي من أحكام و هذا ما كرسته المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

أما بخصوص المادة 148 و149 فقد تضمنتا أن القاضي لا يخضع في إصدار الأحكام إلا لما تمليه عليه النصوص القانونية و التشريعية و هو محمي من جميع أنواع الضغوط و التدخلات التي قد تؤدي إلى المساس بنزاهة الأحكام.

أما المادة 150 فقد نصت أن القانون يحمي المتقاضي من أي تعسف يصدر عن القاضي. و المادة 151 قد تضمنت حق الدفاع و أنه معترف به و يضمن في جميع القضايا الجزائية و هنا قد ساير المؤسس الدستوري جميع الإعلانات و المواثيق الدولية التي اعتبرت الحق في الدفاع من أهم حقوق الإنسان و يعد ضمانة أساسية للوصول إلى محاكمة عادلة.

و خلاصة القول أن المؤسس الدستوري الجزائري قد سعى إلى تكريس الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة في مختلف الدساتير التي شهدتها الجزائر إلا أنه يلاحظ أن دستور 1989 و دستور 1996 قد عملا على تكريس العمل بهذه الضمانات و نص عليها صراحة بغية الحد من الانتهاكات الجسيمة التي لحقت بحقوق الإنسان خاصة بعد الأزمة السياسية التي عاشتها البلاد بعد صدور دستور 1989، فجاء دستور 1996 ليضع حدا للتجاوزات التي وقعت في مجال حقوق الإنسان و يعمل على تكريس المبادئ الأساسية لضمان المحاكمة العادلة التي تعد من أهم الحقوق الأساسية التي يجب أن يتمتع بها المتهم باعتباره إنسانا.

كما يلاحظ أن النصوص الدستورية غالبا ما تكون ذات طبيعة عامة و تفسيرها يكون بالقوانين و التشريعات الداخلية و هذا ما سنحاول شرحه في المحور الموالي.

المحور الثاني: الضمانات التشريعية للمحاكمة العادلة في النظام القانوني الجزائري.

بعد التعرض لأهم الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة سنحاول في هذا المحور استعراض أهم ضمانات المحاكمة العادلة في التشريع الجزائري و ذلك من خلال دراسة أهم الضمانات المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية و قانون العقوبات و من أهم هذه الضمانات هي الهيئة القضائية المستقلة و المحايدة، مبدأ افتراض البراءة، قانونية المحاكمة، الحق في الدفاع و إمكانية الطعن في الأحكام القضائية.

 

  • المحكمة المستقلة و المحايدة:

لعل من أهم الضمانات التي تم التنصيص عليها في قانون الإجراءات الجزائية هي الهيئة القضائية المستقلة و أول إشكالية تثار في هذا السياق هو أن تكون المحكمة مختصة، و المشرع الجزائري قد أولى أهمية بالغة لقواعد الاختصاص و اعتبارها من النظام العام أي أن مخالفتها تؤدي إلى البطلان المطلق للإجراءات، كما أنه بالإمكان إثارتها في جميع مراحل الدعوى، و قد نظمت القواعد العامة للاختصاص بأحكام المواد من 246 إلى 252 من قانون الإجراءات الجزائية، كما عالج إشكالية تنازع الاختصاص في أحكام المواد 545 إلى 548 من نفس القانون و هذا دليل على نية المشرع إرساء قواعد تضمن محاكمة عادلة للمتهمين.

أما بالنسبة لاستقلالية المحكمة و يهدف من ورائها للوصول أو ضمان محاكمة عادلة لان هذا الدور منوط بالسلطة القضائية و يجب أن تكون هذه الأخيرة مستقلة عن السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية.

أما مبدأ الحياد فيقصد به أن لا يكون للقاضي أي تصورات مسبقة حول القضية المعروضة عليه للفصل فيها. هذا بالنسبة لحياد القاضي، و كذلك الحال بالنسبة لحياد المحكمة باعتبارها جهازا قضائيا، لأنه من غير المعقول أن نطالب القاضي بالحياد و نستثني حياد المحكمة.

و لقد كرس المشرع الجزائري فكرة حياد القاضي في قانون الإجراءات الجزائية و ذلك من خلال إمكانية رد القضاة طبقا لأحكام المواد 545-566 حيث إذا اتضح للمتهم ما يشكك في عدم إمكانية إنصافه من قبل القاضي له الحق في طلب تعويضه بقاض آخر.[2]

كما أنه لا يجوز و بالعودة إلى مبدأ الفصل بين السلطات فانه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتم التداخل بين سلطة الحكم و سلطة التحقيق و يجب أن يتم الفصل بينهما وهذا بحسب صريح نص المادة 38 من قانون الإجراءات الجزائية[3] لان ذلك يعد من النظام العام ولا يجوز الاتفاق على مخالفته. القاضي الذي قام بإجراءات التحقيق في دعوى ما لا يمكن أن يكون في نفس تشكيلة القضاة الذين سيفصلون في القضية، كما لا يجوز لعضو في غرفة الاتهام أن يشترك في محكمة الجنايات لان القضية قد عرضت عليه من قبل، هذا بالإضافة إلى أن تنظيم الجهات القضائية يعد أيضا من النظام العام، فعدم قانونية التشكيلة قد تؤدي إلى بطلان  المحاكمة، فالقاضي الذي ضمن تشكيلة الدرجة الأولى لا يمكن أن يشارك  في تشكيلة الدرجة الثانية و عليه فان استقلالية و حياد و اختصاص المحكمة تعد من الضمانات الأساسية للمحاكمات العادلة و ضمانا لعدم المساس بحقوق المتهمين، و هو ما عكف المشرع الجزائري على تكريسه.

  • مبدأ افتراض البراءة:

الأصل العام ان الإنسان بريء و أن مجرد الاتهام لا يقلل و لا يمس ببراءته، أي أن الشخص يبقى بريئا حتى و إن كان مشتبها فيه أو متهم و مهما كانت جسامة الفعل المنسوب إليه، فانه يبقى بريئا حتى تتم الإدانة من قبل جهة قضائية مختصة.

و عرف الدكتور محمد محدة قرينة البراءة بأنها معاملة الشخص مشتبها فيه كان أم متهما، في جميع مراحل الإجراءات مهما كانت جسامة التهم المنسوبة إليه على أنه بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات، وفقا للضمانات التي يقررها القانون للشخص في كل مراحله.[4]

و منه فان احترام مبدأ البراءة يقضي بعدم جوازية إدانة المتهم بالتهم المنسوبة إليه عبثا، فله الحق أن يحيطه قاضي التحقيق عند حضوره عنه علما بجميع الوقائع المنسوبة إليه ليتمكن من الدفاع عن نفسه و ليفند أدلة الاتهام وقد نصت على ذلك المادة 100 من قانون الإجراءات الجزائية[5]، و له الحق في إنكار جميع التهم المنسوبة إليه و يتمسك بمبدأ قرينة البراءة مادام لا يوجد ما ينفي ذلك، و قد نصت المادتان 369 و  كذا المادة 404 على أنه إذا رأت المحكمة أن الواقعة موضوع المتابعة لا تكون أي جريمة في قانون العقوبات و أنها غير ثابتة أو غير مسندة للمتهم، قضت ببراءته من المتابعة بغير عقوبة ولا مصاريف.

أما نص المادة 404 فجاءت كالتالي إذا رأت المحكمة أ، الواقعة لا تكون أي جريمة في قانون العقوبات أو كانت الواقعة غير ثابتة أو غير منسوبة للمتهم قضت  ببراءته منها بغير عقوبة ولا مصاريف.

و عليه فان المشرع الجزائي – الجزائري- قد كرس حق المتهم في افتراض مبدأ البراءة و هذا لضمان عدم المساس بحرية المتهمين و هذه الضمانة تعد ضمانة فعالة و حقيقية للمحاكمات العادل، و تكريسا لمبادئ و حقوق الإنسان الأساسية.

  • الحق في الدفاع و الاستعانة بمحام:

يحق للمتهم الدفاع عن نفسه و إبداء أوجه دفاعه دحضا لادعاءات الاتهام، و لا يعني ذلك أن المتهم يقع عليه عبء إثبات براءته، لان المتهم بريء حتى تثبت إدانته من قبل جهة الاتهام[6] و يعد الحق في الدفاع من أهم الضمانات القانونية التي يخولها القانون للمتهم أمام الجهات القضائية، فله الحق في اختيار محامي أو محامين للدفاع عنه بكل حرية، وقد نصت المادة 271 من قانون الإجراءات الجزائية على أنه يتم اختيار المحامي من قبل المتهم و أن يطلب ذلك من قبل الرئيس و عليه ذكر اسم أو أسماء المحامين الذين اختارهم لتسجيلهم.

و ألزمت المادة 271 الرئيس في حال عدم اختبار المتهم لمحاميه أن يعين له محام على وجه الإلزام، كما يجب أن تكون هناك حرية في الاتصال بين المتهم و محاميه و هذا ما كرسته أحكام المادة 272 من قانون الإجراءات الجزائية.[7]

و منه فالمشرع الجزائري في قانون الإجراءات الجزائية قد ساير جميع التشريعات المقارنة التي تمكن المتهم من الدفاع عن نفسه و الاستعانة بمحامين و ذلك سعيا للوصول إلى محاكمات عادلة للمتهمين و ضمانا لعدم المساس بالحقوق و الحريات الأساسية للإنسان.

  • علنية المحاكمة:

يقصد بالعلنية تمكين الجمهور من حضور جلسات المحاكمة و سماع ما يدور فيها من نقاشات و مرافعات و جميع ما يتخذ فيها من إجراءات و قرارات و أحكام[8]. و لا تنتهي العلنية عند هذا الحد بل تتعداه إلى الحق في حرية نشر جميع ما يدور في جلسات المحاكمة عبر وسائل النشر المعروفة، و نظرا لأهمية هذه الضمانة سعى المشرع الجزائري لتكريس هذا الحق في قانون الإجراءات الجزائية و هذا ما تضمنته المادة 285 من قانون الإجراءات الجزائية و كذا المادة 430 من نفس القانون حيث قضت أن مبدأ العلنية في محاكم الجنايات و الجنح و الغرف الجزائية ، إلا أن العلنية كأصل عام أورد عليه المشرع الجزائري بعض الاستثناءات التي يمكن من خلالها أن تعقد الجلسات في سرية تامة. ففي حالة النظام العام و الآداب العامة ( المادة 468 من قانون الإجراءات الجزائية).

و تعد المادة 285 من أكثر المواد وضوحا للدلالة و تقرير حق المتهم في محاكمة علنية، و مبدأ العلنية يعتبر ضمانة أساسية لحياد القاضي و أبعاده عن التحيز و التأثر و تعزيز الثقة فيما يصدره من أحكام و هذا ما سعى المشرع الجزائري لتكريسه إنصافا للمتهم و تقريرا لحقه في المحاكمة العادلة.

  • إمكانية الطعن:

يعد الحق في الطعن في الأحكام القضائية من الضمانات الأساسية التي تقررها جميع المواثيق و الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، و قد عمل المشرع الجزائري على تكريس هذا الحق للمتهمين في قانون الإجراءات الجزائية، فقد أعطى الحق للمتهم في حال أصدرت في حقه أحكاما غيابية أن يقوم بمعارضة أمام الجهة المصدرة للحكم و هذا ما نصت عليه أحكام المادتين 346 من قانون الإجراءات الجزائية و ذلك خلال مدة 10 أيام من تاريخ تبليغه بالحكم محل المعارضة أما في حال الأحكام الحضورية فان إمكانية الطعن تكون عن طريق الاستئناف أمام الغرف الجزائية بالمجلس و ذلك ما نصت عليه المادة 417 من قانون الإجراءات الجزائية خلال مدة 30 يوما من النطق بالحكم كما أن له إمكانية الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا و الطعن في هذه الحالة يكون لصالح القانون وفقا لأحكام المواد 530-531 من قانون الإجراءات الجزائية، و تعد إمكانية الطعن من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة كونها تفتح الباب لمواجهة ما يصدر عن المحاكم من أحكام و ضمانة لحقوق المتهمين.

أما بالنسبة لضمانات المحاكمة العادلة في قانون العقوبات فتتمحور أساسا حول مبدأ الشرعية باعتباره أحد المبادئ الأساسية التي تضمن المحاكمة العادلة للمتهم حيث تضمن له المساواة و الحماية، فبالعودة إلى المادة الأولى من قانون الإجراءات الجزائية و التي تنص على أنه لا جريمة ولا عقوبة ولا تدبير أمن من غير قانون أو نص، فالمشرع من خلال نص هذه المادة أراد أن يبين أنه عند انتفاء القانون أو النص القانوني أو عدم وجوده يؤدي ذلك بالتبعية لا محالة إلى بطلان كل الإجراءات التي قد تتخذ ضد الشخص سواء كانت إدانة أو عقابا أو تدبير أمن و منه فالمشرع الجزائري أراد حماية الأشخاص و كذا المتهم فمنع المساس بها خارج الأطر القانونية و يعتبر هذا المبدأ وليد الفقه الفرنسي.

كما أن مبدأ عدم رجعية القوانين و الذي تناولته المادة الثانية من قانون العقوبات نصت على أن قانون العقوبات لا يسري على الماضي إلا ما كان منه أقل شدة و هذا ينطبق على نص المادة 46 من الدستور، إذ أن عدم الرجعية يعد من أكثر الضمانات المقررة للمتهم و منه عدم الرجعية يعني عدم إمكانية توقيع أي عقوبة على أي شخص بنص لم يكن موجودا وقت وقوع الجريمة.

وخلاصة القول أن التعديلات الأخيرة لقانون الإجراءات الجزائية و قانون العقوبات قد سعى المشرع من خلالها جاهدا لتكريس حق المتهم في الحصول على محاكمة عادلة و قد اتضح ذلك من خلال أهم الضمانات التي استعرضناها في هذه الورقة البحثية.

هذا بالإضافة إلى حق المتهم في الإنكار.و حقه في استبعاد الأدلة  غير المشروعة و ضمان حضر محاكمته على نفس الجريمة مرتين و ضمان السرعة في المحاكمة، و جميع هذه الضمانات تعد صمام أمان للوصول إلى محاكمات عادلة تضمن من خلالها حقوق الإنسان الأساسية، فانه و بالرغم من هذه الضمانات الدستورية و التشريعية لا تزال هناك العديد من النقائص لضمانات المحاكمة العادلة في التشريع الجزائري، و هو ما سنتناوله في المحور الموالي.

المحور الثالث: مدى فعالية ضمانات المحاكمة العادلة في النظام القانوني الجزائري.

سعى المشرع الجزائري لتكريس ضمانات حقيقية للمحاكمات العادلة باعتباره حقا من حقوق الإنسان الأساسية لذلك تم التنصيص عليها في الدساتير المختلفة و كذا قانون الإجراءات الجزائية و قانون العقوبات، و المشرع الجزائري كباقي التشريعات المقارنة يسعى إلى تبني الآليات و الضمانات التي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان و تمجيدها و ذلك من خلال المصادقة على اتفاقيات و مواثيق حقوق الإنسان المختلفة، إلا أنه هذه الضمانات الدستورية و التشريعية في النظام القانوني الجزائري لا تزال غير كافية لضمان المحاكمات العادلة.

بالنسبة للضمانات الدستورية نلاحظ أنه رغم مصادقة الجزائر على أغلب اتفاقيات حقوق الإنسان، و الدستور الجزائري نص صراحة أنه في حال المصادقة على الاتفاقيات فإنها تسمو على القوانين الداخلية، إلا أن الممارسة الفعلية من قبل القضاة تثبت العكس، حيث في الغالب ما يتردد القضاة في تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية التي وقعت الجزائر عليها و يولون الأهمية للتشريعات الداخلية و هذا ما يطرح إشكالية خاصة في مجال حماية حقوق الإنسان لان بعض الاتفاقيات التي وقعت عليها الجزائر في مجال حقوق الإنسان قد تحمي المتهم أكثر من القوانين الداخلية، و هذا يعد مساسا بحقوق الإنسان سواء في مجال المحاكمة العادلة أو في مجال حماية حقوق الإنسان بصفة عامة.

كما أن فكرة استقلالية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية لا تزال تثار حولها العديد من التساؤلات و الشكوك، فالتتبع الكرونولوجي يبين أن السلطة القضائية في دستور 1963 و تعديل سنة 1976 اعتبرا القضاء مجرد وظيفة، و هذا يعد مساسا صارخا باستقلالية الجهات القضائية باعتبار أن استقلال القضاء يعد من أهم ضمانات المحاكمة العادلة، كما يلاحظ أن تعداد الضمانات في حد ذاتها في هذه الفترة كان ضئيلا و المشرع لم يولي أهمية لهذه الضمانات بالرغم من توقيع الجزائر على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منذ سنة 1963.

و بعد صدور دستور 1989 و تبني فكرة الانفتاح في الجزائر، فان المشرع سعى إلى تكريس أهم الضمانات الأساسية لضمان محاكمات عادلة للمتهمين إلا أن الانزلاق الخطيرة التي عاشتها البلاد في تلك الفترة ( العشرية السوداء) أدت إلى انتهاكات خطيرة في مجال حقوق الإنسان و تحديدا ضمانات المحاكمة العادلة حيث كانت تتم محاكمة المتهمين أمام المحاكم العسكرية و ذلك بعد إعلان حالة الطوارئ بموجب المرسوم الرئاسي 92-44 المؤرخ في 09/02/1992 و كذلك صدور المرسوم التشريعي الخاص بمكافحة التخريب و الإرهاب الصادر في سبتمبر 1992 لافتقادهما لشروط المحاكمة العادلة، فأمام المحاكم العسكرية كان قبول المحامي في هذه المحاكم يخضع لسلطة رئيس المحكمة و الذي له الحق في رفض المحامي أو رده دون تعليل و هذا يعد مساسا صارخا بحق دستوري راسخ ألا وهو حق و حرية اختيار دفاعه.

أما بالنسبة لدستور 1996 فقد سعى المشرع الجزائري إلى تبني جملة من الضمانات الفعالة للحد من الانتهاكات التي شهدتها فترة التسعينات، فتعددت النصوص التي تفصل في تحديد الضمانات الأساسية للمحاكمات العادلة إلا أنه يلاحظ أن فكرة استقلالية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية لا تزال مطروحة، كما أن العمل بهذه الضمانات يوقف العمل إذا تعلق الأمر بالجرائم ذات الطابع السياسي و الإرهابي، و هذا بالنسبة للضمانات الدستورية.

أما بالنسبة للضمانات التشريعية خاصة في قانون الإجراءات الجزائية مع العلم أننا في هذه الورقة البحثية أثرنا الحديث عن الضمانات في مرحلة المحاكمة إلا أننا في الانتقادات سنحاول تبيين جميع النقائص أثناء كل المراحل ابتداء من التحقيق و صولا للمحاكمة و الطعن في الأحكام القضائية.

ففي مرحلة التحقيق الأولي أمام ضباط الشرطة القضائية حيث أن أول إشكالية تثار في تعديل 06-22 من قانون الإجراءات الجزائية هي أن المشرع دعم صلاحيات الضبطية القضائية بشكل يمس بمبدأ التوازن المفترض في هذا القانون فمن الواجب أن تتم الموازنة بين سلطة الاتهام و حقوق الدفاع لان المشرع الجزائري قد اقتبس و اخذ عن المشرع الفرنسي فكرة اعتراض المراسلات و التسرب، و لم يمكن المحامي من التأسيس أمام الضبطية القضائية و هذا يعد مساسا بالمحاكمة العادلة لان المشرع لم يساير التشريع الفرنسي الذي أعطى الحق في تأسيس المحامي أمام الضبطية القضائية بموجب القانون الصادر في 15/06/2000 المتعلق بقرينة البراءة و حقوق الضحايا. أما في مرحلة التحقيق الابتدائي فلم يلزم القانون الإجراءات الجزائية قاضي التحقيق بما يسمى بالآجال الهادفة……و عند انتهاء القاضي من التحقيق في التشريع الفرنسي مثلا يبلغ جميع الأطراف بأن له مهلة 20 يوما من أجل تقديم أي طلب يخص القضية في حين أن المشرع الجزائري لم ينص على ذلك و ترك الأمر إلى فترة المحاكمة فمثلا المحامي قد يطلب ندب خبير أو مواجهة بين شاهد و متهم فتكون أثناء فترة المحاكمة هذا ما يطيل من مدة المحاكمة، و سرعة المحاكمة تعد من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

أما في مرحلة التحقيق النهائي، في محكمة الجنح في اعتقادها أنه إذا كان القانون يجيز للنيابة العامة إحالة المتهم عن طريق إجراءات التلبس طبقا لأحكام المواد 91- 59- 383 من قانون الإجراءات الجزائية كذلك يجب أن يكون مطابقا لمبادئ المحاكمة العادلة، إذ أن المادة 59 تجيز لوكيل الجمهورية إذا لم يقدم المتهم ضمانات كافية للمثول أمام المحكمة أن يصدر أمرا لإيداع المتهم للمؤسسة العقابية على أن يحاكم في أجل أقصاه 8 أيام، و هذا في اعتقادنا يعد مساسا بالمحاكمة العادلة على أساس أن النيابة خصم و لا يمكن أن يتصور أن يكون أحد الأطراف حكما و خصما في آن واحد، حيث من الواجب تقديم هذه الضمانات أمام قاضي التحقيق و الذي سيفصل في الملف.

و كذلك إشكالية طرح الأسئلة: حيث أن النيابة مكنت من طرح الأسئلة مباشرة في حين لا يجوز للمحامي توجيه و طرح الأسئلة مباشرة بل مرورا على الرئيس الذي له سلطة رفض السؤال ان كان لا يتعلق بالوقائع، و هذا كذلك يعد مساسا بضمانات المحاكمة العادلة.

أما بالنسبة لمحكمة الجنايات فانه نفس الأمر بالنسبة لطرح الأسئلة و غياب الاستئناف في مادة الجنايات و يعد مساسا صارخا بمبادئ و ضمانات المحاكمة العادلة.

بعد استعراضنا لأهم الضمانات الدستورية و التشريعية للمحاكمة العادلة في النظام القانوني الجزائري نلاحظ أن المشرع الجزائري في مختلف الدساتير و التشريعات مع الإشارة إلى التعديلات التي مست قانون الإجراءات الجزائية، فان المشرع الجزائري يسعى دوما إلى ضمان أسس و مبادئ المحاكمات العادلة إلا أن هذه الضمانات لا تزال تتخللها بعض النقائص التي قد تؤدي في بعض الحالات إلى المساس بحقوق الإنسان، فعلى المشرع السعي إلى تدارك هذه النقائص بغية الوصول إلى محاكمات تضمن فيها جميع حقوق المتهمين و تكون صونا لحقوق الإنسان.

 

 

 

[1] : المادة 61 من دستور 1963.

[2]: ماروك نصر الدين، محاضرات في الإثبات الجنائي، النظرية العامة للإثبات الجنائي، دار هومة، الجزء الأول، الجزائر، 2003، ص 618.

[3] : المادة 38 من قانون الإجراءات الجزائية. ” تناط بقاضي التحقيق إجراءات البحث و التحري و لا يجوز له أن يشترك في الحكم في قضايا نظر فيها بصفته قاضيا للتحقيق وإلا كان ذلك الحكم باطلا.

و له في سبيل  مباشرة مهام وظيفته أن يستعين مباشرة بالقوة العمومية.

و يختص بالتحقيق في الحادث بناء على طلب من وكيل الجمهورية أو شكوى مصحوبة بادعاء مدني ضمن الشروط المنصوص عليها في المادتين  67 و 73.

في حالة الجناية أو الجنحة المتلبس بها يباشر قاضي التحقيق السلطات المخولة له بمقتضى المادة 57 و ما يليها.”

[4] : محدة محمد، ضمانات المتهم أثناء التحقيق، دار الهدى، الطبعة الأولى، الجزائر، 1992، ص38.

[5] : عبد الله زايدية، شرح قانون الإجراءات الجزائية –التحقيق و التحري، دار هومة، الطبعة السادسة، الجزائر، 2006، ص 357.

[6] : عبد الله زايدية، نفس المرجع السالف الذكر، ص 357.

[7] :  المادة 272 من قانون الإجراءات الجزائية ” يتم النطق بالأحكام الفاصلة في النزاع علنيا.

يصرح بالأوامر الولاية بغير ذلك”

[8] : عوض محمد عوض، المبادئ العامة لقانون الإجراءات الجنائية، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1994، ص 596.