صلاحيات قاضي تطبيق العقوبات في التشريع الفرنسي

434

صلاحيات قاضي تطبيق العقوبات في التشريع الفرنسي

أعبسلامي عبد الحكيم

 طالب باحث بسلك الدكتوراه قانون الخاص بوجدة.

المقدمة

ان تطور السياسة العقابية بصفة عامة وغرض العقوبة بصفة خاصة ، قد ادى الى معاملة الجاني المحكوم عليه معاملة انسانية تهدف الى اصلاحه وتيسير اعادة ادماجه ، بعد ان كان في السابق لا تهدف سوى الى الإنتقام وردع دون سواه، ولتكريس هذه المعاملة الإنسانية وحماية حقوقه في مرحلة تنفيذ العقوبة ، برزت قناعة لدى الفقه والتشريعات الوطنية الى ضرورة ادخال عنصر القضاء لمواصلة الإشراف على مرحلة تنفيذ العقوبةليقوم بمهمة تأهيل المحكوم عليه.[1]

وانسجاما مع هذه القناعة،عمل المشرع الفرنسي على تبني تدخل القضاء في مرحلة التنفيذ العقوبة،واحدثلهلأول مرة جهاز قاضي تطبيق العقوبات في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1958 بمقتضى المادتين 721 و722 منه،الذييعين من بين القضاء الجالس بقرار لوزير العدل بعد اخذ رأي المجلس الاعلى لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد،حيث حددت المادة 722  من ذات القانون الإطار العام لمهامه المتمثلة في تحديد العناصر الأساسية للمعاملة العقابية بالنسبة للمحكوم عليه مع تبيان اهم صور هذه المعاملة ،وكما عمدت المادة 166 من ذات القانون على مزيد من تحديد لمهامه ، فحددتها في  العمل على كفالة تفريد تنفيذ الحكم القضائي بتوجيه ورقابة ظروف تطبيقه.[2]

وقد تعززت صلاحيات قاضي تطبيق العقوبات الفرنسيابتداء من سنة 1970 مع تبني نظام التدابير البديلة للمحكوم عليه ( العمل من اجل المنفعة العامة ،المنع من الإقامة…)وتوسعت هذه الصلاحيات بعد تعديل  القانون رقم 72-1226 الصادر بتاريخ 29 دجنبر 1972 المعدل لقانون الإجراءات الفرنسي ،بحيث اصبح بإمكانهمنح الإفراج الشرطي في  الحالات التي تكون فيها العقوبة تقل عن ثلاث سنوات مع اسناد الإختصاص بالإفراج الى وزير العدل في حالة تجاوز العقوبة هذا الحد.

وبالرغم من كل هذه المحطات الإصلاحية التي مر بها قاضي تطبيق العقوبات الفرنسي ، فان مرحلة التعديل قانون الإجراءات الجنائي الفرنسي 9 مارس2004[3] شكلت قطيعة مع المحطات السابقة على مستوى الصلاحيات الممنوحة له،والتي وسع منها في مجال التنفيذالذي واكبته مجموعة من تعديلات[4] مست بعض مواد قانون الإجراءات الجنائية كان اخرهاتعديل 13 دجنبر2014عملت على تدعيم هذه الصلاحيات بالرغم من كونها تعديلاتها جزئيةلم تغيير من الإطار العام لصلاحياته قاضي تطبيق العقوبات وفق تعديل 9مارس 2004.

وعليه، نتسأل عن أهم الصلاحيات الممنوحة لقاضي تطبيق العقوبات في التشريع الفرنسي وفق اخر التعديلات؟ ومدى مساهمتها في تحقيق تأهيل المحكوم عليه؟.

ولإجابة عن هذه الاسئلة سنعالج موضع البحث من خلال تطرق الىصلاحيات قاضي تطبيق العقوبات  في التشريع الفرنسي  التي تندرج في اطارين : الاول يتعلق بتتبع المحكوم عليهم في حالة سراح(المطلب الاول) ،والثاني بتنظيم عقوبات الحبس  النافذ ( المطلب الثاني).

 

المطلب الاول : تتبع المحكوم عليهم في حالة سراح.

تتجلى اهم صلاحيات قاضي تطبيق العقوبات في التشريع الفرنسي المرتبطة بتتبع المحكوم عليهم في حالة سراح باتخاذه مجموعة من تدابير ترتبط ببدائل عقوبات البعض منها يعتبر بدائل تقليدية (الفقرة الاولى) ، والبعض الاخرى يعتبر بدائل حديثة (الفقرة الثانية).

الفقرة الاولى :البدائل التقليدية.

المقصود بالبدائل التقليدية التي يختص قاضي تطبيق العقوبات الفرنسيالإشراف عليها تلك البدائل التي ظهرت في مرحلة اولى لتجنب مساؤى العقوبة السالبة للحرية والتي  تسمح بتتبع المحكوم عليه خارج اسوارالسجن،والتي نجد من بينها بديل ايقاف تنفيذ العقوبة )اولا(، وبديل تأجيل النطق بالعقوبة مع الوضع تحت الإختبار)ثانيا(.

اولا  وقف التنفيذ مع الوضع تحت الإختبار : le sursis avec mise a l’éprouve

يعتبر قاضي تطبيق العقوبات المحرك الاساسي لوقف التنفيذ مع  الوضع تحت الإختبار ، فهو الذي يسهر على مراقبة تنفيذه،[5] بكل ما يلزم المحكوم عليه من التزامات تفرض بمقتضى الحكم الصادر بالإدانة او بقرار يصدر من قبله في اي وقت[6]

ولأداء عمله على احسن وجه يساعده موظفين اجتماعين ينتقون من طرف مستشري الإدماج والإختبار التابعين للإدارة السجنية الذين  من طرف وزارة العدل[7]

وهكذا، تقوم هذه الجهات المختصة بإعداد وتنفيذ البرامج ألإصلاحية بإعداد تقارير دورية عن المحكوم عليه ومدى التزامه بتنفيذ البرامج الإصلاحية ومدى استفادته من إجراء إيقاف التنفيذ ورفعها لقاضي تطبيق العقوبات الذي يملك صلاحيات تقريرية  واسعة بهذا الشأن ، فقد يقرر تعديل الالتزامات المفروضة عليه أو إضافة التزامات جديدة لم تكن مقرر من قبل حسب المادة 2-739 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي حتى توافق حالته وتحقيق ما استهدفه الوضع تحت الاختبار ثم بناء اجتماعي للمحكوم عليه.[8]

وكما يتوفر قاضي تطبيق العقوبات على سلطة اصدر امر معلل بحبس المحكوم عليه في أقرب سجن لعدم مراعاة الالتزامات المفروضة عليه ، أما في حالة احترام كل الالتزامات والإجراءات وعدم ارتكاب أية جريمة خلال فترة التجربة التي يجب ألا تتعدى ثلاث سنوات ، فإن الحكم يعتبر لاغياً.[9]

وهكذا،يتضح ان المشرع الفرنسي لم يتوقف عند منح قاضي تطبيق العقوبات  صلاحية الرقابة على وقف تنفيذ العقوبة مع الوضع تحت الاختبار ، بل امتد الى منحه سلطات ذات طبيعة تقريرية تسمح له بتغيير الالتزامات أوتعديلها للخاضع لهذا البديل بشكل تسمح له بتحقيق تأهيل المحكوم عليه.

ثانيا تاجيل النطق بالعقوبة مع الوضع تخت الاختبار

L’ajournement du pronnoné de la peine avec mise en l’éprouve.

يقصد بتأجيل النطق بالعقوبة مع الوضع  تحت الاختبار بكونه تعليق للعقاب مصاحب بإجراءات إحاطة أو مراقبة أو التزامات محمولة على المنحرف[10]

هذا التأجيل مع الوضع تحت الاختبار لا يطبق إلا في مجال الجنح ويقتصر تطبيقه على الشخص الطبيعي دون المعنوي، وقد بينت المادة 63-132 من قانون الجنائي الفرنسي حدود سلطة القاضي في تقديره بقولها إذا كان المتهم شخصاً طبيعياً، وحضر الجلسة يجوز للمحكمة أن تؤجلا النطق بالعقوبة بالشروط للقواعد المبينة في المادة 6-132 مع وضع المتهم تحت الاختبار لمدة لا تزيد على سنة.[11]

وفي هذه الحالة، فإن المحكمة هي التي تحدد الإلتزامات التي ينبغي أن يخضع لها المستفيد من نظام تأجيل النطق بالعقوبة مع الإختبار، بينما يتولى قاضي تطبيق العقوبات الفرنسي دورمراقبة احترام المتهم الذي يقع محل إقامته في دائرته للإلتزامات المفروضة عليه خلال فترة الإختبار والتأكد من تنفيذ لها، ومدى فعالية الإختبار القضائي في إصلاحه وتأهيله، وذلك من خلال دراسته للتقارير الواردة إليه من عون الإختبار واستدعائه للمتهم للتأكد من صحة ما جاء في تلك التقارير.[12]

ولا يتوقف دور القاضي تطبيق العقوبات بهذا المجال عند مجرد المراقبة بل نجد انه منح له دور إيجابي يتماشى مع الدور التفريدي التنفيذي الحركي للمحكوم عليه تبعا لتطور سلوك الخاضع لهذا البديل، حيث يملك  في هذا الصدد صلاحية تغيير أو إلغاء الإلتزامات[13] المفروضة على الخاضع لهذا التدبير، وكما يملك صلاحية الإعتقال المؤقت للخاضع بعد استشارة الوكيل العام ويتخذ قرار معلل ويخبر المحكمة الجنحية بهذا الإجراء، إذا كان يتعلق الأمر بشخص في حالة فرار أو يقيم بالخارج.[14]

 

 

 

الفقرة الثانية : البدائل الحديثة.

يملك قاضي تطبيق العقوبات الفرنسي بجانب البدائل التقليدية على صلاحيةالإشراف والرقابة علىالبدائل الحديثة افرزها تطور العصر،وتتمثل هذه البدائل في كل من العمل من اجل المنفعة العامة )اولا( والوضع تحت المراقبة الإلكترونية )ثانيا(.

اولا : العمل من اجل المنفعة العامة Travail d’intérêt général    :

ينص المشرع الفرنسي بالنسبة للجنح المعاقبة عليها بالحبس على بديل العمل من اجل المنفعة العامة ينجز لفائدة جماعة محلية اومؤسسة عمومية اوجمعية ذات نفع عام شريطة موافقة الخاضع لهاوالذي حدد عدد ساعته ما بين 40 الى 280 ساعة[15]على ألا يتجاوز تنفيذه 18 شهرا[16].

ويلعب  قاضي تطبيق العقوبات دورا مهما في تحديد اجراءات تنفيذ العمل من اجل المنفعة العامة، وكذا وقف تنفيذ مع العمل من اجل المنفعة العامة حيث نصت الفقرة الثانية من المادة 22-131 من القانون الجنائي الفرنسي على اختصاص قاضي تطبيق العقوبات الذي يقع في دائرته محل اقامة المحكوم عليه بتحديد اساليب  تنفيذ العقوبة[17]،والإشراف على تطبيقها.

بالإضافة الى هذا، يتوفرقاضي تطبيق العقوبات في ظل التشريع الفرنسي على صلاحيات أخرى ذات طبيعة تقريرية تتماشى مع عملية التفريد التنفيذي الحركي للمحكوم عليه تبعا لتطور سلوكه، حيث يملك في هذا المجال أن يغير طرق تنفيذ العمل من أجل المنفعة العامة في أي وقت و له أن يستبدلها بالغرامة بقرار معلل بناء على طلب المعني بالأمر أو العون، أو بعد تقديم مستنتجات وكيل الملك[18]، وكما له أن يستبدلها بعقوبة السجن لا تتجاوز ستة أشهر بنفس شروط استبدال الغرامة[19]. وله أيضا أن يوقف تنفيذ عقوبة العمل من أجل المنفعة العامة لأسباب خطيرة على النظام الصحي، العائلي المهني أو الإجتماعي.[20]

ثانيا: وضع تحت المراقبة الإلكترونيle placement sous surveillance électronique

يملك قاضي تطبيق العقوبات الفرنسي صلاحية إخضاع المحكوم عليه لنظام الوضع تحت المراقبة الإلكترونية شريطة أن تكون العقوبة المتبقية أو المطلوب تنفيذها لا تتجاوز أكثر من عام واحد علاوة على ضرورة صدور موافقة صريحة منه[21] مع التزام هذا الأخير بالخضوع إلى مجموعة من القيود والإلتزامات. ويساعده في مراقبة الخاضع لتنقل عن بعد موظفو الإدارة السجنية المختصة بذلك[22] ومن أجل تأكد من عدم وجود تأثيرات جانبية على صحة الشخص الخاضع له أن يعرضه في اي لحظة أمام طبيب من أجل التأكد من عدم وجود خطر على صحته وكما له في حالة خرقه لإحدى الإلتزامات المفروضة عليه صلاحيات إلغاء أو استبدال هذا النظام بنظام آخر سواء بنظام الحرية الجزئية أو نقل إلى الخارج[23]

ومن أجل ممارسة هذه الصلاحيات على أحسن وجه، فإن قاضي تطبيق العقوبات تساعده مصلحته السجنية للإدماج والإختبار بإنجاز تقرير حول احترام هذه التدابير من طرف الخاضعين لها[24].

ويفيد هذا النظام في تخفيف من اكتظاظ السجون والمساعدة الشخص على الإندماج في المجتمع، وتجنب مساوئ الناتجة عن الإختلاط  ببعض المجرمين بالصدفة مع آخرين محترفين في السن.

المطلب الثاني : تنظيم عقوبات الحبس النافذ

يقوم قاضي تطبيق العقوبات بدور هام في تنظيم عقوبات الحبس النافذ، ويتمثل دوره هذا  في إختياره من بين مختلف أساليب تنفيذ العقوبة افضلها لتتناسب مع الوضعية المهنية والإجتماعية والعائلية للمحكوم عليه وهو بهذا يقوم بعملية التفريد العقابي الحركي للمحكوم عليه الذي يهدف الى تشجيع المحكوم عليه على تأهيله نفسه وتسهيل إعادة إدماجه[25].

وتعتبر أساليب تنفيذ العقوبة نوع من الانظمة المعاملة العقابية التي تسمح بتأهيل المحكوم عليهوإعادة ادماجه في المجتمع، والتي يملك قاضي تطبيق العقوبات الفرنسي صلاحية تقريرها، وتتوزع هذه الانظمة ما بين نظام نصف الحرية والإفراج الشرطي( الفقرة الاولى) وكذا تجزئة العقوبة وتخفيضها (الفقرة الثانية).

الفقرة الاولى : نصف الحرية والإفراج الشرطي.

سنتناول في هذه الفقرة كل من نظام نصف الحرية (اولا)والإفراج الشرطي (ثانيا)كأنظمة يتوفر فيها قاضي تطبيق العقوبات على صلاحية  واسعة تسمح له بتفريد التنفيذ تبعا لتطور سلوك المحكوم عليه.

 اولا : نظام نصف الحرية :La semiliberté

يملك قاضي تطبيق العقوبات الفرنسي صلاحية إخضاع المحكوم عليه لنظام الحرية الجزئية في حالة كون العقوبة المتبقية له لا تتجاوز سنة واحدة، وكذا إذا قبل باستفادته من نظام الإفراج الشرطي[26]. وذلك شريطة مراعاته لبعضالإلتزامات الملقاة عليه، وكما يتولى أيضاقاضي تطبيق العقوبات مراقبة  إجراءات تنفيذ هذا النظام، وله أن يلغي هذا النظام؛ إذ أبان المحكوم عليه عن سلوك سيء أو عدم مراعاته للالتزامات المفروضة عليه، وكما يملك علاوة على هذا صلاحية تغيير أو استبدال هذا النظام بنظام العمل بالخارج، أو الوضع تحت المراقبة الإلكترونية[27]

ويفيد تطبيق هذا النظام على المحكوم عليه باجتنابهلاختلاط بسجناء نظرا لتغيبه طيلة فترة النهار، وبالتالي تجنب عدوى الجريمة ممن هم أشد منه خطورة، علاوة على ضمان اندماجه في محيطه الإجتماعي.

ثانيا : الإفراج الشرطيLa libération conditionnelle:

يختص قاضي تطبيق العقوبات الفرنسي بعد اخذ راي لجنة تطبيق العقوباتبمنح الإفراج الشرطي للمحكوم عليه في حالة كون العقوبة المحكوم بها تقل أو تعادل 10 سنوات وكون العقوبة المتبقية على قضائها تقل أو تعادل 3 سنواتوفي باقي الحالات الاخرى  تختص  به محكمة تطبيق العقوبات[28]. وذلك بعد أن تتوفر فيه الشروط العامة للاستفادة من هذا الإفراج والمتمثلة في بذله مجهود من أجل التأهيل الإجتماعي سواء بقيامه بممارسة نشاط مهني أو بالإنضباط في الدراسة، أو قيامه بتكوين مهني أو بالتدريب أو بعمل مؤقت[29].

وكما يملك ايضا صلاحية مراقبة وتتبع مدى مراعاة المفرج عنه للتدابير المنصوص عليها في قرار الإفراج،وكذا تحديد تدابير المساعدة ،مثال  ذلك الإلزام بالإقامة في مراكز الإيواء او استقبال ،والمنع من ممارسة بعض المهن التي تسهل للمفرج عنه ارتكاب جريمة جديدة او الإلزام بالخضوع لعلاج طبي[30]، دون ان ننسى امكانيته في الغاء القرار الإفراج الشرطي في حالة ادانته بجريمة من جديد او سوء سلوكه[31].

ومما لا شك  فيه ،انجعل جميع قراراتالإفراج الشرطي تحت بصر وبصيرة قاضي تطبيق العقوبات الفرنسي ،سواء بالنسبة لصلاحية منح الإفراج او تقريره تدابير والتزامات مساعدة للمفرج عنه ، سيجعل من الإفراج الشرطي نظاما لتأهيل يهدف الى تكملة اساليب المعاملة العقابية الحديثة،ويحقق التدرج في عودة المحكوم عليه للتألف مع الحياة الإجتماعية من جديد

الفقرة الثانية تجزئة العقوبة وتخفيضها.

بالإضافة الى الأنظمة المعاملة العقابية السابقة ،فإن قاضي تطبيق العقوبات  في ظل التشريع الفرنسي يملك ايضا  صلاحية تطبيق انظمة اخرىتسمح له بالقيام بعملية التفريد التنفيذي للمحكوم عليه خلال مرحلة تنفيذ ،والتي تتوزع بين كل من تجزئة العقوبة (اولا) وتخفيضها( ثانيا).

اولا :تجزئة او تقسيط تنفيذ العقوبةla fraction de peine:

وفقا لهذا النظام، فان قاضي تطبيق العقوبات الفرنسي يملك تنفيذ العقوبة على دفعات، حيث يقرر بناء على طلب المحكوم عليه منحه أيام محددة يتم تنفيذ العقوبة فيها، وباقي الأيام الأخرى، يقضيها في الوسط الحر مع مراعاة أن لا توافق أيام التنفيذ أيام العمل الرسمية، بمعنى ألا يتم حبسه خلال أيام العطلات، والمناسبات الرسمية، حيث يستفيد من أساليب المعاملة الحديثة التي تسهم في الكشف عن حقيقة شخصية، والتطورات التي تطرأ عليها، وعلاج ما بها من انحراف.[32]

وهكذا،يمكن لقاضي تطبيق العقوبات الفرنسيفي مواد الجنح ولأسباب جدية طبية او مهنية او اجتماعية بالنسبة للمحكوم عليه ،عندما تكون العقوبة المتبقية على قضائها تقل او تعادل سنتين ، ان يأمربإيقافها او تجزئتها خلال فترة اربع سنوات ودون ان تقل مدتها عن يومين ،[33]، ويتخذ هذا القرار بعد أخذ رأي ممثل الإدارة السجنية، وفق مسطرة المواجهة في غرفة الإستشارة بعد تقديم الإستنتاجات النيابة العامة والإستماع للمحكوم عليه[34] والتي يمكن أن يخضع فيها المستفيد من توقيف أو تجزئة العقوبة لواحد أو أكثر من الإلتزامات وقف تنفيذ مع الإختباروكما يملك قاضي تطبيق العقوبات صلاحية تغيير قرار تجزئة العقوبة الذي تنطق به محاكم الموضوع.[35]

لا شك أن تقريرهذا النظام على المحكوم عليهسيجنبه مساوئ الكثيرة  للعقوبات القصيرة المدة، خصوصاً المرتبطة باختلاطه بالمجرمين المحترفين، علاوة  على ان تقرير هذا النظام يفيده في تعزيز وتقوية الروابطه الأسرية و الاجتماعية، وبالتالي سهولة اندماجه من جديد في المجتمع.

ثانيا :تخفيض العقوبةLa réduction de peine :

يملك قاضي تطبيق العقوبات بعد استشارة لجنة تطبيق العقوبات صلاحية الموافقة على إقرار عدة تخفيضات للعقوبة بالنسبة للمحكوم عليه شريطة عدم تجاوزه لشهرين في السنة، وأربعة أيام في الشهر عندما تكون مدة الحبس المتبقية على تنفيذها أقل من سنة هذا بالنسبة للمحكوم عليه في حالة العود. أما بالنسبة للمحكوم عليه الذي لا يوجد في حالة العود، فلا ينبغي أن تتجاوز مدة تخفيض عقوبته ثلاثة أشهر في السنة و سبعة أيام في الشهر. ويشترط لكي يستفيد المحكوم عليه بهذه التخفيضات أن يبين عن بذله مجهودات من أجل التأهيل الإجتماعي سواء بالنجاح في امتحان جامعي أو مدرسي أو مهني يعبر على اكتسابه لمعارف جديد…..[36].

خاتمة

نخلص مماسبق ، انقاضي تطبيق العقوبات في ظل التشريع الفرنسي يتوفرعلى صلاحيات متنوعة وواسعةتمثل في حقيقتها صلاحيات تدخلية إيجابية تهدف الىالقيام بعملية التفريد التنفيذي الحركي للمحكوم عليه تبعا لتطور سلوكهوذلك باختيار أفضل وسائل التنفيذ لكي تتناسب مع ظروفهالإجتماعية والشخصية بهدف تأهيله و إعادة إدماجه في مجتمعه، وما يسهل عليه  تحقيق هذه المهمة هو اتخاذه مجموعة من التدابير تشكل اغلبيتها العظمة انظمة للمعاملة العقابية بجانب بدائل للعقوبات تجنبه الآثار السلبية للعقوبات السالبة للحرية وتمكنه من تأهيل المحكوم عليه في أحسن ظروفوهو ما يجعل بحق قاضي تطبيق العقوبات الفرنسي يمثل تجسيد الفعلي للقضاء التنفيذ في ظل السياسة العقابية الحديثة الذي يجعل من تأهيل المحكوم عليه اهم اهدافه.

 

 

 

 

 

 

[1]-لمزيد من التفاصيل حول اقرار الفقه والتشريعات الوطنية لإشراك القضاء في مرحلة تنفيذيراجع:

– لطيفة المهداتي،الشرعية في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية، الشركة الشرقية ،الطبعة الاولى، الرباط ،2005 ص 203 وما يليها.

– موسى مسعود ارحومة ، اشراف القضاء على تنفيذ كضمان لحقوق نزلاء المؤسسات السجنية،مجلة الحقوق العدد 44،2003، ص 203 ومايليها

-امينة عتيوي ،شرعية تنفيذ الجزاء الجنائي ،اطروحة الدكتوراه في القانون الخاص، نوقشت بكلية الحقوق بمراكش،السنة الجامعية 2003-2004،ص266 ومايليها.

[2]–محمود نجيب حسني ، علم العقاب ، الطبعة الثانية ، القاهرة ، 1973، ص279.

[3]– قانون رقم 204-2004  المؤرخ 9 مارس 2004المعدل والمتمم لقانون المسطرة الجنائية الفرنسي

راجع الموقع الإلكتروني :

https://www.legifrance.gouv.fr

[4]-ونجد من بين هذه التعديلات على التوالي :

-تعديل  قانون رقم 526-2009 المؤرخ في 12 ماي 2009

-تعديل قانون رقم 672-2011 المؤرخ في 16 يونيو2011

راجع الموقع الإلكترونيhttps://www.legifrance.gouv.fr

[5]-Bernard Bouloc, “pénologie execution des sanctions des sanctions  adultes et mineur”          “3 edition,dalloz ,2005,p265.

[6]– المادة 739 من ق.م.ج الفرنسي المعدل بقانون 939-2011 المؤرخ 10 غشت 2011

[7]-Bernard Bouloc, pénologie execution des sanctions des sanctions  adultes et mineur ,op cit, p 269.

[8]– المادتين 739 الفقرات 2، 3، 4 من ق.م.ج الفرنسي. المعدل بقانون 939-2011 المؤرخ 10 غشت 2011 للمزيد من التفاصيل راجع:

 

– Bernard Bouilouc, pénologie,exécution des sanctions adultes et mineurs,op cit,p 268 et S.

 

– أحمد فتحي سرور، الاختبار القضائي، دراسة في الدفاع الاجتماعي، دار النهضة العربية،الطبعة الثانية، ص 287 وما يليها.

[9]– لطيفة المهداتي، الشرعية في تنفيذ العقوبات السالبة للحرية، المرجع السابق، ص 84.

[10]– جمال شهلول، “قاضي تنفيذ العقوبات “التجربةالفرنسية”، مجلة القضاء والتشريع،العدد1، السنة 2003، ص 107.

[11]– للمزيد من التفاصيل حول تأجيل مع الوضع تحت الاختبار، راجع: عصام عفيفي عبد البصير، تجزئة العقوبة نحو سياسة جنائية جديدة، دراسة تحليلية تأهيلية مقارنة.طبعة 2004،ص 41.

[12]– تتمثل هذه الالتزامات حسب التشريع الفرنسي فيما يلي:

– مباشرة نشاط مهني أو تعليم أو تأهيل مهني.

– الإقامة في مكان معين

– الخضوع للفحص الطبي وتنفيذ برنامج علاجي، يمكن القاضي إلزام المحكوم عليه بالإقامة في مستشفى أو مصحة علاجية إذا ما رأى ضرورة لذلك.

– الامتناع عن قيادة أنواع معينة من السيارات.

– الامتناع عن التواجد في أماكن معينة خلال فترة الاختبار.

[13]– أيمن رمضان الزيني، العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة – دراسة مقارنة، دار النهضة العربية،القاهرة،2004، ص 283.

[14]– المادة 3-747 من ق.م.ج الفرنسي المعدل بقانون 204-2004 المؤرخ في 9 مارس 2004.

[15]-المادة 8-131 من ق.ج الفرنسي.

[16]-المادة 54-131 من ق.ج الفرنسي.

[17]-المادة R131-23من ق.ج الفرنسي.

[18]– المادة 1-733 من ق.م.ج الفرنسي المعدل بقانون1436-2009 المورخ 24 نوفمبر 2009.

[19]– المادة 27-131R من ق.ج الفرنسي.

[20]– المادة 22-131 من ق.ج الفرنسي.

[21]– المادة 723.7 من ق.م.ج الفرنسي.المعدل بقانون1436-2009 المؤرخ 24 نوفمبر2009.

[22]– المادة 723.9 من ق.م.ج الفرنسي.المعدل بقانون204-20004 المؤرخ في 9 مارس 2004.

-[23]المادة 723.13 من ق.م.ج الفرنسي المعدل بقانون204-20004 المؤرخ في 9 مارس 2004.

[24]-l’ aménagements de courtes peines cité parhttp://www.cdad-valdemarne.justice.fr/fiches-pratiques/fiche/id/391 تاريخ زيارة الموقع 2016/03/03

[25]-isabelle dréan-rivette : la personnalisation de la peine dans la code pénal ,harmattan ,paris,2005,p228.

[26]– المادة 1-723 من ق.م.ج الفرنسي المعدل بقانون 896-2014 المؤرخ في 15 غشت 2014.

[27]– المادة 2-723 من ق.م.ج الفرنسي.المعدل بقانون 896-2014 المؤرخ في 15 غشت 2014.

[28] – المادة 730 من قانانون الاجراءات الفرنسي المعدل بقانون 896-2014 المؤرخ في 15 غشت 2014.

[29]عبد الصمد الزعنوني، بدائل العقوبة السالبة للحرية، مقاربة قانونية مقارنة، إشكالية السجن والحرية، دار السلام الرباط 2000، ص 55-56.

[30] مصطفى المساوي ، الافراج المفيد بشروط –دراسة مقارنة-، بحث نهاية الماستر ق.ج والعلوم الجنائية ، السنة 2011-2012،ص18.

[31]– المادة 733 من ق.م.ج الفرنسي المعدل بقانون242-2010 المؤرخ في 10 مارس 2010.

[32]– عبد الرحيم صدقي، علم العقاب،دار الثقافية العربية،2001 ، ص 186.

[33]– المادة 1-720 من ق.م.ج الفرنسي.المعدل بقانون 896-2014 المؤرخ في 14غشت 2014.

[34]-المادة 6-712 من ق.م.جالفرنسي المعدل بقانون 1436-2009 المؤرخ في 24 نوفمبر 2009 .

[35]– المادة 1-720 من ق.م.ج الفرنسيالمعدل بقانون 896-2014 المؤرخ في 14غشت 2014.

 

[36]– المادة 1-721 من ق.م.ج الفرنسي المعدل بقانون 896-2014 المؤرخ في 15 غشت 2014.