سؤال الحكامة الإدارية من خلال مشروع قانون التنظيم القضائي

278

سؤال الحكامة الإدارية من خلال مشروع قانون التنظيم القضائي

                                                             د / عبد الواحد القريشي

                            أستاذ باحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس

 

حظي إصلاح القضاء بأهمية كبيرة في الخطاب الرسمي ، واهتمت به العديد من الخطب الملكية ، وهو أمر نخاله طبيعيا نظرا للأهمية الكبيرة لإقرار العدل بأي مجتمع  ونظرا لأهمية جهاز العدالة والأجهزة الموازية للبت في القضايا والمنازعات .

وفي هذا الإطار انطلق الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة والذي يخلص إلى ميثاق وطني لإصلاح منظومة العدالة [1]، والذي اعتبر أرضية لسن أو تعديل مجموعة النصوص المؤطرة لهذا الاصلاح.

من بين القوانين الموضوعة قيد الإعداد قوانين المسطرة المدنية ، المسطرة الجنائية قانون التنظيم القضائي للمملكة …

الإعداد لهذه القوانين بدوره عرف مشاورات ولقاءات دراسية بغية التوصل إلى نص ذو جودة عالية ، وفي هذا الصدد نتناول أحد النصوص المهمة والأساسية ويتعلق الأمر مشروع قانون التنظيم القضائي[2] .

و تكتسي أهمية هذا النص القانوني في كونه ينصب على :

  • مكونات التنظيم القضائي ؛
  • قواعد عمل الهيئات القضائية ؛
  • التنظيم الداخلي والتسيير الإداري للمحاكم ؛
  • درجات المحاكم وأنواعها واختصاصاتها؛
  • التفتيش والمراقبة القضائية بمختلف أنواعها قضائيا ، إداريا وماليا.

وعلى ضوء هذه المحاور سنطرح السؤال الاتي : إلى أي حد يؤسس مشروع قانون التنظيم القضائي للحكامة الإدارية في سير المحاكم وعملها ؟

من أجل الاجابة على هذا السؤال سوف نعتمد التصميم الآتي :

            أولا : السياق العام لتعديل قانون التنظيم القضائي

خصص الدستور المغربي الباب الثاني عشر منه للحكامة الجيدة ، حيث نص الفصل 154 على أنه : << يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها والإنصاف في تغطية التراب الوطني والاستمرارية في أداء الخدمات .

تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية وتخضع في تسييرها لمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور .>>

كما أن الفصل الأول يؤسس لمقتضى مهم وذلك بتنصيصه في فقرته الثانية على أنه :

<< …يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط ، وتوازنها وتعاونها والديمقراطية المواطنة والتشاركية وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة…>>

ثم إننا نجد أن الفصل 107 ينص على أن : << السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية >>.

من خلال الفصول التي بسطها أعلاه نود أن نؤكد على قواعد أساسية :

  • إن الدستور هو القانون الأسمى ، وبالتالي فإن مختلف النصوص يجب أن تحترم تدرج القاعدة القانونية ؛
  • إن مبدأ الفصل بين السلط الوارد بالفصل الأول من الدستور المغربي يقوم على الأقل على قواعد أساسية :

 

  • فصل السلط ؛
  • توازن السلط ؛
  • تعاون السلط ؛
  • اعتماد الحكامة الجيدة ؛
  • وربط المسؤولية بالمحاسبة .

وعلى هذا الأساس وبقراءة مسودة مشروع قانون التنظيم القضائي  نتساءل كيف تمت ترجمة هذه القواعد ونقلها من مبادئ عامة و إلى قواعد قانونية ؟ وعلى الخصوص ما مكانة الحكامة الادارية في مشروع قانون التنظيم القضائي ؟

       ثانيا : الحكامة على مستوى الأجهزة المسيرة للمحكمة

    بقراءة مسودة مشروع قانون التنظيم القضائي نقف على إحداث مجموعة من الأجهزة لم تكن متواجدة بقانون التنظيم القضائي[3] ، وإذا كانت لهذه الأجهزة اختصاصات محددة من شأنها أن ترفع من سير العمل بالمحاكم ، فإن هذا لا يعني خلو الصيغة الحالية للمسودة من مجموعة النقائص.

     1 – لجنة لدراسة وبحث الصعوبات

هذه اللجنة مهمتها بحث الصعوبات وإيجاد الحلول المناسبة ،يترأس هذه اللجنة رئيس المحكمة ورئيس النيابة العامة لديها ، نقيب هيئة المحامين والمسير الإداري مقررا ، كما يمكن إحداث لجان لنفس الغاية بالنسبة لباقي المهن القضائية .

 2 – مكتب المحكمة

نصت المادة 23 من مسودة التنظيم القضائي على أنه :<< يحدث بكل محكمة من محاكم أول وثاني درجة مكتب ينظم المصلحة الداخلية للمحكمة ، ويتولى وضع تنظيم مشروع تنظيم العمل بالمحكمة ، من خلال تحديد عدد الأقسام والغرف بها وتكوينها وتوزيع القضايا والمهام بين القضاة ، وأيام وساعات انعقاد الجلسات .

وحسب المادتين 24 و25 فإن المسير الإداري يعتبر عضوا إلى جانب باقي المكونات لكن بصفته مقررا.

كما يمكن أن نلاحظ أيضا بأن مسودة المشروع حرصت على أن تكون للمرأة القاضية تمثيل في مكتب المحكمة.

يتولى المسير الإداري إنجاز محضر بأشغال المكتب يوقع من طرفه ومن طرف الرئيس .

ترفع قرارات المكتب إلى الجمعية العامة للمحكمة قصد المصادقة عليها.

3 – الجمعية العامة للمحكمة

حسب المادتين 28 و29 فإن الجمعية العامة للمحكمة تتكون من جميع قضاة الأحكام والنيابة العامة العاملين بها ، وبحضور المسير الإداري باعتباره مقررا والذي يتولى انجاز محضر.

أما المادة 30 فقد حددت أعمال الجمعية العامة للمحكمة على سبيل المثال منها :

  • عرض نشاط المحكمة خلال السنة المنصرمة ؛
  • عرض مشروع تنظيم العمل المعد من قبل مكتب المحكمة على المصادقة والذي يعتبر مصادقا عليه في حالة عدم الاعتراض عليه من قبل ثلثي أعضاء الجمعية العامة للمحكمة؛
  • مناقشة أساليب توحيد العمل القضائي بالمحكمة ؛
  • تدارس الطرق الكفيلة بالرفع من النجاعة القضائية بالمحكمة وتحديث أساليب العمل بها؛
  • وضع البرنامج الثقافي والتواصلي للمحكمة ، وحصر مواضيع التكوين المستمر لقضاتها وموظفيها ؛
  • تحديد حاجيات المحكمة من الموارد البشرية والمادية .

4 – المسير الإداري

بالرجوع إلى المواد التي تتحدث عن مكونات المحكمة نجد أن المسير الإداري جهاز إلى جانب باقي المكونات بما فيها هيئة كتابة الضبط .

وإذا كانت المادة 95 تنص على أنه :<< يعين المسير الإداري لمحكمة النقض من بين أطر كتابة الضبط بالمحكمة .>>

فإن السؤال يبقى مطروحا حول :

  • من أين يعين المسير الإداري بالمحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف ؟
  • هل يعين المسير الإداري بهذه المحاكم من أطر كل محكمة على غرار ماهو وارد بالنسبة لمحكمة النقض ؟ أم يمكن تعيينه من أطر موظفي كتابة الضبط بوزارة العدل ؟
  • ثم هل يمكن أن يكون منصب المسير الإداري مفتوحا أمام باقي موظفي الدولة بمن فيهم القضاة ؟

يستفاد من المادة 31 من مسودة مشروع قانون التنظيم القضائي أن :

  • المسير الإداري هو من يتولى ضبط عمل مختلف مصالح كتابة الضبط بالمحكمة ؛
  • المسير الإداري يخضع إداريا للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل ومراقبتها ؛
  • ينضبط في عمله لسلطة المسؤولين القضائيين بالمحكمة التي يعمل بها ؛
  • وضعية المسير الإداري واختصاصاته تحدد بمرسوم بعد استشارة المجلس الأعلى للسلطة القضائية .

   ثالثا : الحكامة على مستوى التسيير الإداري والمالي للمحاكم

وقد لخصته المادة 31 من المشروع والتي نصت على أنه : << تتولى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل الإشراف الإداري والمالي على المحاكم بما لا يتعارض ومبدأ استقلال السلطة القضائية .

يتولى ضبط عمل مختلف مصالح كتابة الضبط بالمحكمة مسير إداري يشرف على هيئة موظفي كتابة الضبط العاملين بها ، وتخضع إداريا للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل ومراقبتها بما لا يتعارض مع انضباطه في عمله لسلطة ومراقبة المسؤولين القضائيين بالمحكمة التي يعمل بها .

تحدد وضعية المسير الإداري واختصاصاته بمرسوم ، بعد استشارة المجلس الأعلى للسلطة القضائية .>>

ولقد أكدت المادة 19 نفس المقتضى المتعلق بالسلطة الرئاسية للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل ، والخضوع في نفس الوقت لسلطة ومراقبة المسؤولين القضائيين ، والانضباط أيضا.

إن التنصيص على مقتضى السلطة الرئاسية إذا كان يبدو أمرا طبيعيا ،فإن ما يطرح بخصوصه التساؤل حول كيفية توظيف ميكانيزمات هذه السلطة الرئاسية في المحكمة .

فالمبدأ أن يكون هناك فصل بين السلط بين الجهاز القضائي وبين الجهاز الإداري، وبالتالي فالسلطة الرئاسية يجب أن تمارس عموديا بالأساس في الجهاز الإداري وذلك على الشكل التالي من الأدنى إلى الأعلى :

موظفو هيئة كتابة الضبط ، المسير الإداري على مستوى المحكمة الابتدائية ، المسير الإداري على مستوى محكمة الاستئناف ، المسير الإداري على مستوى محكمة النقض ثم السلطة الحكومية المكلفة بالعدل .

لكن مسودة التنظيم القضائي تكسر هذه القاعدة على عدة مستويات :

  • خضوع المسير الإداري للسلطة الرئاسية للمسؤول القضائي بالاستناد إلى مبررين :
  • المبرر الأول يتعلق بالتعاون ؛
  • أما المبرر الثاني فيتعلق بواجب الانضباط .

وقد كان من المفروض أن يخضع المسير الإداري في عمله للسلطة الرئاسية للمسير الإداري لدى محكمة الاستئناف الذي يخضع بدوره للمسير الإداري لدى محكمة النقض ثم للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل.

  • خضوع موظفي هيئة كتابة الضبط مباشرة للمسؤولين القضائيين دون احترام التسلسل الإداري للمسير الإداري ؛
  • أما ما يتعلق بواجب الانضباط فيتعارض تماما والتدبير الحديث المستند إلى سمو القانون ، لأن الانضباط يحيل إلى معنيين : الأول انضباط ذاتي مرتكز إلى النصوص القانونية والقيم الاخلاقية ، ومعنى ثاني يرتبط بالخضوع الجبري لسلطة عليا وهو المعنى الوارد بمشروع قانون التنظيم القضائي .

كما نشير إلى أن استعمال المشرع لعبارة المسير الإداري يتنافي ومسألة الاختصاص الأصيل للسلطة الإدارية ، فاستخدام عبارة المسير بدل المدير مثلا يحيل إلى تقزيم دوره ، وما يؤكد هذا الطرح هو أن الاجتماعات التي يحضرها المسير يحضرها بصفته مقررا للاجتماع وهي صفة ارتبطت به في أغلب المواد التي تشير إليه .

          رابعا : التفتيش الإداري والمالي للمحاكم

التفتيش عملية إدارية للسير الحسن لكل مرفق إداري أو قضائي ، ولذلك تضمن مشروع التنظيم القضائي موادا تتعلق بهذا الجانب غير أن ما نلاحظه هو أنه لا جديد فيما يخص هذا الجانب ، فالمادة 102 أبقت على دور المفتشية العامة حيث نصت على أنه:

<< تتولى المفتشية العامة للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل تفتيش المصالح الإدارية لكتابة الضبط بالمحاكم ، بحسب ما ينص عليه القانون >>

مشروع القانون أيضا أبقى على دور المسؤولين القضائيين فيما يعرف بالتفتيش التسلسلي سواء على القضاة أو موظفي كتابة الضبط ،وهذا ما نصت عليه المادة 104 :<< يمارس الرؤساء الأولون لمحاكم ثاني درجة مراقبتهم على جميع قضاة الأحكام العاملين بها وكذا بمحاكم أول درجة التابعة لها ، وعلى مصالح كتابة الضبط .

الوكلاء العامون ووكلاء الملك يراقبون موظفي هيئة كتابة الضبط العاملين بالمصالح المعهدة إليهم مهام حسابية .

وعلى ضوء ما سبق نرى أنه إذا كان التفتيش التسلسلي للمسؤولين القضائيين على القضاة أمرا طبيعيا ، فإننا نعتبر بأنه كان من الأولى أن يعهد بتفتيش كتابة الضبط إلى المسؤولين الإداريين وهو ما ينسجم حكامة مرفق القضاء.

هذا ومن المهم التأكيد على أن النحاعة القضائية التي وردت كهدف أساسي في ديباجة مشروع التنظيم القضائي سوف تبقى مطلبا حتى في ظل الصيغة الحالية والتي يجب أن تدعم من خلال تحقيق العديد من التعديلات التي تستجيب للاقتراحات التالية :

  • اعتماد تسلسل عمودي للسلطة الرئاسية ؛
  • قصر عملية التفتيش الإداري على المفتشية العامة وعلى أطر إدارية تنتمي للجهاز الإداري للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل أو لموظفي كتابة الضبط أو منهما معا ؛
  • اعتماد عبارة مدير كتابة الضبط بدل المسير الإداري وتوضيح المهام والاختصاصات المتعلقة بهذا المنصب بدل اعتماد عبارة المسير وربطها بصفة المقرر التي تحيل إلى دور ثانوي خاصة عند ارتباطه بعبارة الانضباط التي نعتبرها عبارة دخيلة على مشروع التنظيم القضائي ؛
  • اعتماد هيكلة ناجعة لهيئة كتابة الضبط والتي نقترح مبدئيا بخصوصها في المحاكم العادية علىسبيل المثال :
  • مصلحة التدبير الاداري والمالي ؛
  • مصلحة القضايا المدنية ؛
  • مصلحة القضايا الجنائية ؛
  • مصلحة التبليغ والتنفيذ .

أما بخصوص الاقسام الادارية أو التجارية والتي يمكن أن تحدث بالمحاكم العادية ، فإننا نعتقد أنه بغض النظر عن مطلب قرب المحاكم من المتقاضين، فإننا لا نعتبره تعديلا إيجابيا ولا ينسجم والتقسيم الجهوي الجديد ، بل كان من الأولى تكريس تجربة القضاء المتخصص، وبدل من المستجدات الواردة بهذا الخصوص بمشروع قانون التنظيم القضائي كان المنتظر أن يتم احداث محكمة متخصصة اداريا وتجاريا على مستوى الجهات الاثنى عشر.

وهكذا فسؤال الحكامة الإدارية لن يتأتى بمنطق الانضباط الوارد بمشروع التنظيم القضائي ، وإنما بمنطق الانضباط إلى القانون بالمفهوم الوارد بالفصل السادس من الدستور المغربي .

[1]  الميثاق الوطني حول إصلاح منظومة العدالة

[2]  تمت المصادقة على مشروع القانون 38-15 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة من طرف المجلس الحكومي بتاريخ 18 فبراير2016.

[3]  الظهير الشريف بمثابة التنظيم القضائي للمملكة رقم 1-74-338 بتاريخ 15 يوليوز 1974 كما تم تعديله وتغييره وتتميمه .