رهانات المجتمع المدني في ضوء مستجدات دستور 2011

251

 رهانات المجتمع المدني في ضوء مستجدات دستور 2011

ذ.محمد لكريني-

 كلية الحقوق سلا؛ جامعة محمد الخامس السويسي؛ المغرب

تقديم:

ظهر مفهوم المجتمع المدني لأول مرة في الفكر اليوناني القديم؛ حيث عرّفه أرسطو بكونه: “مجموعة سياسية تخضع للضوابط القانونية”؛ هذه المرحلة التي لم يكن فيها التمييز قائما بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي[1]؛ ليأتي بعد ذلك رواد عصر الأنوار (توماس هوبز؛ وجون لوك؛ وجون جاك روسو[2]) ليضع كل من هؤلاء المفكرين نظريته الخاصة بالعقد الاجتماعي التي تتجاوز حالة الطبيعة وتحدد علاقة الحاكم بالمحكومين (سواء كانت هذه العلاقة مطلقة أو مقيدة)؛ في حين أكد ماركس على أن المجتمع المدني هو: “فضاء للصراعات الطبقية”؛ على عكس “غرامشي” الذي صرح على أن (المجتمع المدني) ليس فقط فضاء للتنافس الاقتصادي؛ بل فضاء للصراع الإيديولوجي”[3]؛ بينما أشار المفكر “عزمي بشارة” إلى أن: “تدعيم المجتمع المدني يعني وجود مجتمع ينتج ذاته خارج الدولة”[4].

إن المجتمع المدني هو مجموعة من الجمعيات؛ المنظمات غير الحكومية…، التي تعمل بشكل تطوعي ومستقل- ولو نسبيا عن الدولة- ووفقا للاختيار الحر للفرد مع عدم استهداف الربح؛ لكن في مقابل ذلك ضرورة قيام كل من سيحظى بعضوية هذه الهيئات والفعاليات بالدفاع عن الفئات المجتمعية وقضاياهم المرتبطة بمختلف المجالات سواء ما تعلّق منها الاجتماعية أو الاقتصادية أو الحقوقية…؛ والمحددة بشكل دقيق ومفصل في قوانينهم وأنظمتهم الداخلية عند تحمل المسؤولية داخل أروقة هذه المؤسسات المدنية؛ هذه الأخيرة التي لم يتم تمييزها عن الدولة في الأقطار العربية الإسلامية إلا خلال القرن 19 حسب ما  أكدت عليه العديد من المراجع التاريخية[5].

وقد انفتح المغرب على مؤسسات المجتمع المدني منذ تسعينيات القرن الماضي بفعل التحولات الدولية المرتبطة بإرساء دعائم الديمقراطية وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان؛ وما يبرز هذا الانفتاح على هاته الهيئات هو عدد الجمعيات وباقي الفعاليات الأخرى التي تتزايد بشكل كبير من حين لآخر وقيامها بأدوار طلائعية لتلبية حاجيات المواطنين وخدمة قضاياهم؛ علاوة على المبادرة الملكية التي أعلنها في خطاب له في 18 ماي 2005 والمتعلقة بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي ترتكز في مضامينها على المقاربة التشاركية[6]؛ والمبنية على الشراكة ما بين الدولة والمواطن والمجتمع المدني لرفع التهميش والهشاشة والفقر عن مختلف مكونات المجتمع وبخاصة في مناطق المغرب العميق؛ وصولا إلى دستور 2011 الذي وفّر أساسا قانونيا مهما لفعاليات المجتمع المدني للتأثير في مسار السياسات العامة.

إن الإشكالية التي سأحاول معالجتها في هذا الإطار تتمثل في السؤال التالي:

إلى أي حد سيتم تفعيل مقتضيات الوثيقة الدستورية المعدلة لسنة 2011 المرتبطة بإشراك هيئات المجتمع المدني في اتخاذ القرارات وتتبعها وتنفيذها وتقييمها؟ وما هي حدود هذه المقاربة التشاركية لمساهمة المجتمع المدني بل حتى المواطن(ة) من أجل التأثير في مسار السياسات العامة التي تعتمدها الدولة ؟

وللإجابة على هذه الإشكالية سيتم الاعتماد على خطة العمل التالية:

أولا:واقع  فعاليات المجتمع المدني بالمغرب

ثانيا: رهانات المجتمع المدني في ظل دستور 2011.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولا:واقع فعاليات المجتمع المدني بالمغرب

      تلعب العديد من فعاليات المجتمع المدني (جمعيات؛ منظمات غير حكومية ونقابات…) في الدول الأوروبية أدوارا مهمة للدفاع عن مختلف شرائح المجتمع من خلال المشاركة في تدبير قضايا الشأن العام –بحيث تشكل قوة ضغط على صانع القرار وتوجهاته لاتخاذ بعض القرارات في مختلف المجالات والمشاركة في تنفيذه- ؛ وهو ما يحمّل المسؤولية بطريقة أو بأخرى لهاته الفعاليات لتكون في مستوى تطلعات المواطنين والمواطنات والدفاع عن مصالحهم في ظل الظروف الراهنة الصعبة والمتسمة بالأزمة الاقتصادية التي عمّت مختلف دول العالم.

يتواجد بالمغرب عدد كبير من الجمعيات؛ المنظمات غير الحكومية؛ التعاونيات…؛ التي تعمل في مجالات مختلفة[7] لخدمة قضايا المجتمع وتأطيره وتمثيله وتكوينه؛ لكن الملاحظ في إطار العلاقة السائدة ما بين المواطنين والمواطنات-الشباب بصفة خاصة- والأحزاب السياسية هو أن معظم هؤلاء الشباب أضحوا يتجهون صوب الجمعيات بدل الأحزاب السياسية؛ نظرا لتواضع-إن لم نقل ضعف- قيام هذه الأخيرة بمهامها على أحسن وجه[8]؛ ثم أيضا بسبب غياب ثقة الشباب في هذه النخب؛ على اعتبار أنها تهتم بقضاياهم وتروّج لها فقط خلال الفترات والحملات الانتخابية؛ إضافة إلى أنها لا تعطي الفرصة اللازمة لهاته الشريحة المهمة من المجتمع خصوصا منهم ذوي الكفاءات العليا لإبراز قدراتها لخدمة الفئة التي تنتمي إليها من جهة؛ ثم تلبية لحاجيات مختلف فئات المجتمع الأخرى من جهة ثانية[9]؛ بل الأكثر من ذلك أن هذه الأحزاب السياسية تضع فئة الشباب في الواجهة فقط وهو الأمر الذي يدفع هذه الفئة إلى العزوف السياسي والانتخابي؛ ومن تم ضعف انخراطها في مختلف الأحزاب السياسية بشتى أشكالها وأطيافها؛ ومن ثمة التوجه نحو الجمعيات التي أضحت أكثر من أي وقت مضى تقدم خدمات مهمة وتلعب أدوارا طلائعية في هذا الشأن[10] سواء تعلق الأمر بالقضايا التنموية؛ أو الحقوقية أو الاجتماعية؛ أو الاقتصادية…؛ بل حتى تلك المتعلقة بالتحديات المشتركة التي تواجه مختلف الدول وذلك من قبيل (قضايا البيئة؛ والجرائم العابرة للحدود؛ وجرائم الإرهاب…)؛ بحيث لم تعد الحدود ما بين الدول تشكل عائقا للتنسيق بين العاملين في هذا المجال لمجابهة معظم هذه المشاكل المشتركة العالقة؛ وذلك في إطار ما يسمى بالمجتمع المدني العالمي[11].

ينبغي التأكيد على أن عمل هاته الفعاليات من المفترض أن يكون داعما ومكملا للدولة- باستقلال ولو نسبي عن هذه الأخيرة- من أجل تحقيق الاستقرار المشروط بحماية الجميع من جهة كما وسبق أن أكد على ذلك “شيشرون”[12]؛ ثم من جهة أخرى التقليل من الاحتقان المتواجد بجل المجتمعات النامية بفعل انتشار البطالة؛ والفقر وانتهاكات حقوق الإنسان…؛ الذي تعانيه مختلف شرائح المجتمع من نساء وشباب…؛ لذلك فانفتاح صانعي القرار على هذه الهيئات وإشراكها لتحديد التزاماتهم وأهدافهم على المستويين المحلي والوطني سيأخذ بعين الاعتبار آراء وتصورات كل الأطراف المعنية وتحميلهم المسؤولية من أجل تنفيذ كل المقترحات التي يتقدمون بها[13] من ناحية؛ ثم سيعكس حتما الإرادة السياسية الحقيقية لصناّع القرار من أجل التقليص من مركزية واحتكار الدولة لجل القطاعات الأساسية من ناحية أخرى؛ من أجل ضمان النجاعة والفعالية والمصداقية لمختلف القرارات المزمع اتخاذها خدمة للمصالح العليا للبلاد؛ وبالتالي عدم الاعتماد المطلق على الدولة وإثقال كاهلها بفعل كثرة الالتزامات الملقاة على عاتقها لتدبير الشأن العام الوطني والدولي.

فصلاحيات هاته الفعاليات لها ارتباط وثيق وعلاقة وطيدة بدور الدولة التي تسهم إما في تدهور أو تقدم المجتمع المدني[14]؛ فوجود هذا الأخير بشكل فاعل وناجع يعد ركيزة أساسية من ركائز الديمقراطية للقيام بأدواره المختلفة والمرتبطة بتثقيف المجتمع وتحسيسه وتوعيته بحقوقه وواجباته وخدمة قضاياه[15]؛ ومن تم فالصراع أو التعارض الذي قد يحدث ما بين الدولة والمجتمع المدني يجري فقط في الأنظمة الشمولية[16] سواء بإفريقيا؛ منطقة الشرق الأوسط أو أمريكا اللاتينية الذين تأثروا بتقاليد القانون الروماني الذي كانت تهيمن فيه الدولة على المجتمع المدني[17].

إن وجود نظام سياسي ديمقراطي يتيح الفرصة لفعاليات المجتمع المدني المساهمة والمشاركة في مختلف القرارات الاستراتيجية والتدابير والإجراءات التي تتخذها الدولة في جل القطاعات الحيوية؛ ومن تم تفعيل المقاربة الديمقراطية التشاركية في الأنظمة المنفتحة؛ على عكس الأنظمة المستبدة التي تضعف فيها مشاركة هذه الفعاليات في تدبير الشأن العام المحلي والوطني؛ الأمر الذي يجعل من الدولة محتكرة ومهيمنة على مختلف القطاعات والمجالات المحورية في البلد[18].

قام الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني[19]؛ السيد الحبيب الشوباني المنتمي لحزب العدالة والتنمية عند تعيينه على رأس هذه الوزارة بإحصاء عدد الجمعيات المتواجدة بالتراب الوطني ونشر الدعم الذي استفادت منه؛ بحيث ناهز عددها حوالي 90 ألف جمعية محلية ووطنية بمختلف اختصاصاتها ومجالاتها إلى غاية حدود سنة 2012؛ وذلك في إطار الشفافية والوضوح وربط المسؤولية بالمحاسبة التي نص عليها الدستور المعدّل لسنة 2011؛ غير أن هذا الإحصاء الذي قامت به الوزارة أكد على أن حوالي 10% من الجمعيات  استفادت من 80% أي ما يناهز حوالي تسع مليارات التي تمنح سنويا لهذه الجمعيات؛ بينما 90% من الجمعيات حصلت على 10% من هذه الميزانية[20]؛ وفي سنة 2013 استفادت 534 جمعية من دعم الدولة الذي قدر بحوالي مليار و638 مليون درهم حسب ما صرح به الوزير المنتدب لدى وزير الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية في اليوم الدراسي الذي انعقد بمدينة الرباط يوم 18 فبراير 2014؛ منها 366 في القطاع الاجتماعي و118 في القطاع الاقتصادي و12 في القطاع الإداري و38 جمعيات أخرى؛ وقد أكد الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني في هذا الإطار على أن:”عملية تمويل المجتمع المدني أقرب ما يكون إلى الغموض”[21]؛ فمن المفروض من السيد الوزير باعتباره يتربع على رأس هذه الوزارة أن يقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من هذه الخروقات؛ وتفعيل مقتضيات الدستور المعدل لسنة 2011 المتعلقة.

إن عدم تقديم الوثائق الرسمية أو رفع التقارير التي تثبت صرف هذه الاعتمادات المرصودة للجمعيات والمنظمات غير الحكومية..؛ يبرز الاختلالات الكبيرة التي يعرفها هذا القطاع الحيوي؛ ويظهر غياب تكافؤ الفرص بين مختلف الفعاليات في الحصول على الدعم؛ هذا الأخير الذي ينبغي أن يكون بناء على قيمة الأنشطة والأعمال التي تقوم بها مختلف هاته الفعاليات والتي تلامس القضايا الحقيقية للمواطنين؛ لذلك ينبغي على الحكومة الحالية أن تعمل على تفعيل المبادئ الأساسية التي تضمنها الدستور والمتعلقة بربط المسؤولية بالمحاسبة؛ ثم تكريس مبدأ الشفافية في الحصول على الدعم الذي تستفيد منه مختلف الجمعيات والمنظمات غير الحكومية من خلال القيام بالتتبع والمواكبة وفرض عملية رفع التقارير الأدبية والمالية إلى الوزارة المعنية بالأمر؛ مع نشر الدعم الذي حصلت عليه هذه الجمعيات على الموقع الإلكتروني للوزارة[22].

تعد الأنشطة التي تقوم بها الجمعيات والمنظمات غير الحكومية مكملة وداعمة لعمل الدولة وليس بديلا عنها- رغم المناداة باستقلالها عن الدولة- في مجابهة مختلف المشاكل التي يعاني منها المجتمع؛ لأن هذه الاستقلالية لن تمنع من القيام بالتعاون والشراكة بينهما تلبية لحاجيات المواطنين والمواطنات؛ أو بعبارة أخرى العمل والتعاون في حدود المشترك دون الوصول إلى مرحلة ضغط الدولة على هذه الفعاليات التي تعد تعبيرا اجتماعيا للشعوب المتطلعة لمستقبل أفضل[23]؛ وبخاصة وأن الدول في الظرفية الراهنة بأمس الحاجة إلى قطاع يقوم بتنظيم علاقة الدولة بالمواطنين ويُعنى بحاجياتهم الأساسية[24].

ثانيا: رهانات المجتمع المدني في ظل مستجدات الدستور المعدل لسنة 2011  

ساهمت الاحتجاجات التي قامت بها حركة 20 فبراير[25] في بلورة إصلاح دستوري متقدم؛ تجلى في مضامين الوثيقة الدستورية المعدّلة والمرتبطة بالصلاحيات الممنوحة للمجتمع المدني[26]؛ بحيث أكد الفصل 12 من دستور 2011 على حرية تأسيس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وممارسة أنشطتها بحرية في إطار احترام الدستور والقانون الجاري بهما العمل؛ وطبقا لمضامين هذا الفصل ستسهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام والمنظمات غير الحكومية في إطار المقاربة الديمقراطية التشاركية التي نص عليها الدستور؛ في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية؛ والسهر على تفعيلها وتقييمها.

بالإضافة إلى إحداث هيئات للتشاور من لدن السلطات العمومية المغربية بغية إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها طبقا للفصل 13 من الدستور؛ بل الأكثر من ذلك نص الفصل 14 على حق المواطنين والمواطنات في تقديم ملتمسات في مجال التشريع؛ وسمح لهم أيضا بتقديم عرائض إلى السلطات العمومية تبعا للفصل 15 من الدستور إلى حين إصدار القانون التنظيمي الخاص بكل حق لتوضيح طريقة ممارسته؛ علاوة على الفصل 33 الذي يفيد بأنه ينبغي على السلطات العمومية أن تعمل على اتخاذ بعض التدابير والإجراءات المتمثلة فيما يلي:

– توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد؛ كذلك مساعدة الشباب على الاندماح في الحياة النشيطة والجمعوية؛ بالإضافة إلى تيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا…

فضلا عن الفصل 139 منه الذي يشير إلى ضرورة دعم وتسهيل مشاركة ومساهمة المواطنين والمواطنات والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها؛ وذلك من خلال الآليات التشاركية المرتبطة بالحوار والتشاور التي تضعها مجالس الجهات والجماعات الترابية الأخرى؛ كما يمكن للمواطنين والمواطنات والجمعيات تقديم عرائض من أجل إدراج نقطة ضمن جدول أعماله تدخل في اختصاصه؛ وهو ما يبرز الدور الذي  سيلعبه كل من المواطنين والمواطنات والجمعيات والمنظمات غير الحكومية…؛ وتدخلهم لوضع جدول أعمال المجلس في حال إغفاله لبعض النقط التي تندرج ضمن اختصاصاته؛ لكن في مقابل ذلك ينبغي عليهم- المواطنين والمواطنات وفعاليات المجتمع المدني- الاطلاع على اختصاصات المجلس حتى يتمكنوا من القيام بهذا الأمر.

لكن السؤال الذي يظل مطروحا في هذا السياق هو:

ما هي حدود مساهمة هذه الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في إعداد مختلف القرارات والمشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية؛ ومدى انفتاح هذه الأخيرة على فعاليات المجتمع المدني في ظل التأخر الحاصل في إعداد القوانين التنظيمية المكملة للدستور؟

تأسس البرنامج الحكومي على ثلاث مرتكزات أساسية تمثلت فيما يلي[27]:

  • العمل المندمج والمتكامل؛
  • المقاربة التشاركية؛
  • ربط المسؤولية بالمحاسبة

كما التزمت أيضا الحكومة ب “فتح ورش الديمقراطية التشاركية المتعلق بتفعيل المقتضيات الدستورية ذات الصلة وتطوير وتنمية العلاقة مع المجتمع المدني لخدمة القضايا التنموية والعمل على تعزيز الحقوق والحريات والتحفيز على الواجبات”[28]؛ بالإضافة إلى” سعيها نحو تعزيز مكانة المجتمع المدني في مختلف حلقات تدبير الشأن العام وتقييمه وصياغة سياساته، عبر الإسراع بوضع الإطار القانوني المنظم لذلك على ضوء الدستور وخاصة ما يهم دوره في المجال التشريعي؛ والعمل على اعتماد سياسة جمعوية فعالة؛ وإقرار معايير شفافة لتمويل برامج الجمعيات وإقرار آليات لمنع الجمع بين التمويلات واعتماد طلبات العروض في مجال دعم المشاريع؛ ومراجعة سياسة التكوين الموجهة للجمعيات؛ بما يرفع من فعاليتها؛ وبما يمكن من تعميم الاستفادة لفائدة أعضاء الجمعيات”[29].

وقد أطلقت الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني حوارا وطنيا لمناقشة الأدوار الدستورية الجديدة لفعاليات المجتمع المدني يوم 13 مارس 2013 -خصوصا الجمعيات والمنظمات غير الحكومية- في مختلف جهات المملكة من أجل الأخذ بالآراء والمقترحات التي تتقدم بها هذه الفعاليات؛ وقد عقدت اللجنة الوطنية لهذا الحوار الوطني  10 اجتماعات في مختلف جهات المغرب[30]؛ وتم القيام بتنظيم مجموعة من الندوات العلمية والورشات تفعيلا لمضامين الدستور المعدل لسنة 2011 المرتبطة بالمقاربة التشاركية؛  من أجل المضي قدما نحو تعزيز مكانة المجتمع المدني وبخاصة الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام والمنظمات غير الحكومية في القيام بأوراش التنمية والإصلاح ومختلف المجالات الأخرى.

من خلال الفصول الدستورية السالفة الذكر ومضامين البرنامج الحكومي؛ يتبين أنه تم منح صلاحيات متقدمة ومهمة لفعاليات المجتمع المدني من أجل التأثير في مسارات السياسات العامة؛ والإسهام بشكل أو بآخر في تحقيق التنمية الاقتصادية؛ الاجتماعية؛ الثقافية والسياسية؛ غير أنه بعد مرور أزيد من سنتين من تحمل الحكومة المسؤولية لازالت متأخرة في تنزيل وتفعيل هاته المقتضيات– رغم القيام بالحوار الوطني مع الجمعيات والمنظمات غير الحكومية-؛ إلا أنه ينبغي الإسراع وعدم التباطؤ-هذا لا ينبغي أن يكون بطبيعة الحال على حساب الجودة- في تنظيم هذه المشاركة وفقا للشروط التي سيحددها القانون؛ حتى يتسنى لهاته المؤسسات معرفة أدوارها بشكل مفصل ومحدد من أجل المساهمة بشكل فعال وناجع في تدبير قضايا الشأن العام المحلي والوطني رفقة المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية.

وباستحضار هذه المستجدات؛ يمكن القول إنها ستعطي نفسا جديدا للمشهد المدني المغربي وستسهم في خلق دينامية كبيرة؛ بما سيمكن من توفير شروط ستسمح بدعم الديمقراطية المبنية على التشارك في تدبير الشؤون العامة واستجابة السياسات والمشاريع العامة للحاجيات الحقيقية للمجتمع.

خاتمة:

أضحت لفعاليات المجتمع المدني بموجب دستور 2011 مكانة مهمة تخوّل له التحرك بالشكل الذي يسمح بتحقيق العديد من المكتسبات وبخاصة في ارتباطها الوثيق بمصالح المواطنين؛ أو خدمة الاقتصاد الوطني بشكل عام من خلال قيام هاته الفعاليات بمحاولات التنسيق مع هيئات المجتمع المدني المماثلة في مختلف الدول المتقدمة وتوضيح الإمكانيات والتحفيزات الجمركية والضريبية المتاحة في المغرب من أجل ضغطها (الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في الدول المتقدمة) على حكومتها للقيام بالاستثمار في المغرب؛ وفي مقابل ذلك ينبغي أن تفعّل مضامين دستور 2011 حتى يتم التمكن من جعل المجتمع المدني خيارا ورهانا استراتيجيا تعمل الدولة على إشراكه في مختلف السياسات المتبعة حتى المتعلقة منها بقضية الصحراء المغربية؛ خصوصا وأن الملك أكد في خطاباته أكثر من مرة على ضرورة تحرك هاته الفعاليات وقيامها بمبادرات مهمة تخدم وتحقق بعض المكتسبات للقضية الوطنية الأولى في حقل السياسة الخارجية المغربية؛ لذلك فتوفير المعلومات اللازمة لهذه الفعاليات عن هذه القضية الجوهرية والانفتاح عليها بشكل أكبر سيسهم في عدم تشتيت الجهود وتضييعها؛ وعدم تضارب الرؤى في الدفاع عن مختلف القضايا الحيوية للمغرب؛ أضف إلى ذلك أنه ينبغي أن تكون العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني وثيقة ومتينة؛ لأن قوة الدولة تكمن في وجود مجتمع مدني قوي من جهة؛ ثم من جهة أخرى ينبغي أن ترتكز علاقاتهما أيضا على التعاون والشراكة والحكامة الجيدة التي نص عليها دستور 2011 والتنسيق والتواصل الدائمين[31].

ولتحقيق الأهداف السالفة الذكر يمكن الأخذ بمجموعة من التوصيات والمقترحات المتمثلة فيما يلي:

  • التأطير والتكوين المستمر للموارد البشرية المسيرة لفعاليات المجتمع المدني من أجل القدرة على تفعيل ومواكبة الصلاحيات المخوّلة لها بموجب الدستور المعدل لسنة 2011 لضمان النجاعة والفعالية بشكل أكبر.
  • ضرورة تبني الديمقراطية والشفافية في تدبير عمل فعاليات المجتمع المدني سواء تعلق الأمر بالتنظيم أو التسيير أو عند عملية اتخاذ القرار.
  • عقد شراكات أو القيام بمذكرات تفاهم بين فعاليات المجتمع المدني المغربي ونظيرتها في مختلف الدول المتقدمة من أجل الاستفادة من تجاربها في هذا الشأن.
  • السعي للدفاع عن مصالح المواطنين؛ وتجاوز اعتبار هاته الفعاليات آلية ووسيلة للحصول على منافع ومآرب شخصية.
  • تقوية العمل الجماعي بدل العمل بشكل فردي ومن تم تغيير الثقافة السائدة حول “شخصنة ” فعاليات المجتمع المدني من جمعيات؛ ومنظمات غير حكومية..
  • ضرورة انفتاح الدولة بشكل أكبر على هاته الفعاليات؛ لأن ذلك سيمنح لقرارات وسياسات الدولة أساسا متينا؛
  • انخراط وسائل الإعلام في التحسيس والتوعية بأهمية المجتمع المدني وأدواره الدستورية الجديدة في المساهمة والمشاركة والانخراط في تنفيذ السياسات العامة وتقييمها.

[1] – عبد الغفار شكر “نشأة وتطور المجتمع المدني: مكوناته وإطاره التنظيمي”؛ الحوار المتمدن؛ العدد 985؛ 13 أكتوبر 2004 ؛ منشور على الموقع الإلكتروني التالي:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=24930

[2] – للمزيد من التفاصيل انظر جون جاك روسو ترجمة عادل زعيتر:” العقد الاجتماعي”؛ كلمات للترجمة والنشر؛ القاهرة-مصر؛ طبعة 2013.

[3] – عصام العدوني:”المجتمع المدني في المغرب: المفهوم والسياق “؛ مجلة إضافات العدد الخامس / شتاء 2009 ص 154-155.

[4] – عزمي بشارة:”تعزيز المجتمع المدني”؛ في أعمال الندوة الإقليمية حول المجتمع المدني في البلدان العربية ودوره في الإصلاح بالإسكندرية 21-22 يونيو 2004 ص 267.

[5] -نياز ضيف الله ” مفهوم المجتمع المدني:الاختلاف المفاهيمي والتأصيل النظري”؛ الحوار المتمدن العدد 1484؛9 مارس 2006  منشور على الموقع الإلكتروني التالي:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=59130

[6] – بحيث نصت ديباجة الدستور:” إن المملكة المغربية وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه ؛ في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون؛ تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة؛ مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة …”؛ بالإضافة إلى الفصل الأول في فقرته الثانية الذي أقر على أنه:” يقوم النظام الدستوري للمملكة على فصل السلط وتوازنها وتعاونها؛ والديمقراطية المواطنة و التشاركية؛ وعلى مبادئ الحكامة الجيدة؛ وربط المسؤولية بالمحاسبة”.

[7] – وقد سبق أن تم التأكيد على هذه المسألة سواء تعلق الأمر بالرسالة الملكية الموجهة للمشاركين في الأيام الدراسية حول التدبير الجمعوي بتاريخ 14 فبراير 2002 ؛ أو تعلق الأمر بالخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش في 30 يوليوز 2011 .

[8] – غير أن الإصلاحات الدستورية والسياسية التي أقدمت عليها المملكة في سنة 2011 والمتمثلة في تخصيص مقاعد للنساء والشباب في البرلمان بمجلسيه؛ ينبغي أن يدفع  بالأحزاب السياسية إلى استقطاب هاتين الفئتين إلى صفوفها وذلك تماشيا مع روح مضامين دستور 2011 سواء تلك المتعلقة بسعي الدولة إلى تحقيق المناصفة بين الرجال والنساء أو المرتبطة بإشراك الشباب في مختلف القضايا المجتمعية (الفصلين 19 و33 من دستور 2011).

[9] – لأن الفاعلين السياسيين لا يتيحون الفرصة للشباب ذوي الكفاءات العالية لتقلد مناصب ومراكز مهمة  تخول لهم اتخاذ قرارات؛ وهو ما ينفّر هاته الفئة عن العمل السياسي بشكل عام؛ وبالتالي انعدام الثقة  بين الطرفين.

[10] – هناك بطبيعة الحال من يسترزق بهذه الفعاليات لتحقيق مصالحه الشخصية.

[11] –  للمزيد من التفاصيل انظر مارتن غريفيش وتيري أوكا لاهان ” المفاهيم الأساسية في العلاقات الدولية”؛مركز الخليج للأبحاث؛ دولة الإمارات العربية المتحدة؛ النسخة العربية صدرت سنة 2008 ص 367-370.

[12] -جون إهرنبرغ ترجمة علي حاكم صالح و حسن ناظم؛ مراجعة فالح عبد الجبار:”المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة”؛ المنظمة العربية للترجمة؛ مركز دراسات الوحدة العربية-بيروت؛ الطبعة الأولى فبراير 2008 ص 69.

[13] – محمد الغالي:”أبعاد الهندسة الدستورية للأدوار الجديدة للمجتمع المدني” ؛ 15 يونيو 2013 ؛ منشور على الموقع الإلكتروني الخاص بالحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة :

http://hiwarmadani2013.ma/

[14] – نغم محمد صالح ” مجتمع مدني أم مجتمع أهلي؟  دراسة لواقع المجتمع المدني في البلدان العربية” ؛ عدد خاص بالذكرى الخمسين لتدريس العلوم السياسية  في العراق؛ مجلة العلوم السياسية العددان 38-39 بدون سنة ص 141.

[15] – إعداد منظمة هاريكار غير الحكومية ” دور منظمات المجتمع المدني في التنمية الاجتماعية “؛ مطبعة زانا – دهوك؛ العراق ؛ آذار 2007 ص 8.

[16] – نغم محمد صالح ” مجتمع مدني أم مجتمع أهلي؟  دراسة لواقع المجتمع المدني في البلدان العربية” مرجع سابق ص 148.

[17] -هوارد ج.وياردا ترجمة ليلى زيدان:”المجتمع المدني النموذج الأمريكي والتنمية في العالم الثالث”؛ الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية 2007 ص 14-15.

[18] -لأنها غالبا ما ترغب في الهيمنة والسيطرة على كل القطاعات دون فتح المجال لباقي الفاعلين الآخرين للمشاركة في اتخاذ القرارات وتنفيذها؛ على عكس الدول الديمقراطية التي تفسح المجال لهاته المؤسسات المدنية الاشتغال بشكل حر وديمقراطي.

[19] –  والتي كانت في السابق يطلق عليها اسم الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان وقد تم إضافة مصطلح المجتمع المدني  تماشيا مع ما تم التنصيص عليه في دستور 2011 والأدوار الدستورية الجديدة التي حظيت بها هذه الفعاليات.

[20] – “أكذوبة المجتمع المدني”؛ منشور على الموقع الإلكتروني لمعهد الربيع العربي:

http://arabsi.org/index.php?option=com_content&view=article&id=2956:2013-08-24-12-28-46&catid=122:2012-09-24-14-50-33&Itemid=135

 

[21] – طارق بنهدا :”مسؤولون يدعون إلى إلى شفافية توزيع “الثروة” الممنوحة للجمعيات” منشور على  الموقع الإلكتروني الخاص بالحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة:

http://hiwarmadani2013.ma/news/144.html

[22] – وقد أكد رئيس الحكومة في منشور رقم 2/2014 يوم 5 مارس 2014 على أن المجلس الأعلى للحسابات سيقوم بافتحاص الأموال العمومية التي تتلقاها الجمعيات من مؤسسات الدولة وفقا للحكامة الجيدة وإعمالا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة  اللذين نص عليهما دستور 2011.

[23] -دون إي.إيبرلي ترجمة هشام عبد الله؛ مراجعة فؤاد سروجي :” بناء مجتمع من المواطنين: المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين” ؛ الأهلية للنشر والتوزيع- الأردن؛ الطبعة العربية الأولى 2003 ص 152.

[24] – المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة؛ اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) ” تقرير اجتماع فريق الخبراء لمناقشة دراسة تحليل مقارن لمشاركة المجتمع المدني في السياسات العامة في دول عربية مختارة”؛ بيروت 1-2 دجنبر 2010.

– E/ESCWA/SDD/2010/26 December 2010.

[25] – حركة تشكلت بالمغرب بالموازاة مع الحراك الذي شهدته مختلف الدول العربية وقد كانت تضم في تشكيلاتها أطياف مختلفة تصل إلى حد التناقض في إيديولوجيتها؛ لكن في مقابل ذلك كانا يلتقيان في بعض المطالب المرتبطة بإسقاط ومحاربة الفساد بكل أشكاله؛ محاربة اقتصاد الريع…

[26] – وللإشارة فمنذ أول دستور لسنة 1962 مرورا بدساتير (1970؛1972؛1992؛1996)  لم يتم التنصيص صراحة على مصطلح “المجتمع المدني “؛ وهو ما يوحي حسب الوثيقة الدستورية المعدلة لسنة 2011 بجدية المغرب في اتجاه إشراك مختلف الفعاليات المدنية في عملية صنع القرار والسهر على  تنفيذه.

[27] – البرنامج الحكومي؛ يناير 2012 ص 7.

[28] – المرجع نفسه ص 19.

[29] – المرجع نفسه ص 83.

[30] – حصيلة الحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة؛ حصيلة مرحلية من مارس 2013 إلى غاية نونبر 2013 منشورة على الموقع الإلكتروني للوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني والخاص بالحوار الوطني:

www.hiwarmadani2013.ma

 

[31] – نوال بهدين:” الفاعلون في رسم معالم السياسة الخارجية المغربية وفق مقتضيات الدستور الجديد”؛المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 109-110 ؛ 2013 ص 99.