دور وحدة المعلومات المالية في مكافحة جرائم غسل الأموال

436

دور وحدة المعلومات المالية في مكافحة جرائم غسل الأموال

اكرام اوداود

باحثة بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس الرباط، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي.

مقدمة:

تعتبر ظاهرة غسل الأموال من أبرز القضايا و المشاكل التي اكتسبت بعدا دوليا، و ذلك من خلال وعي جل التشريعات بخطورة هذه الظاهرة العالمية[1]، و أثرها البالغ على إضعاف قدرة السلطات على تنفيذ السياسات الاقتصادية الدولية[2] و على السير العادي لحياة المجتمعات.

و بذلك حرصت العديد من الاتفاقيات الدولية[3] ذات الصلة بمكافحة الأموال غير النظيفة، على حث الدول لاتخاذ تدابير و آليات لوقاية النظام المالي من مخاطر استغلاله في عمليات غير مشروعة، و هو ما تم تجسيده واقعيا من خلال إنشاء وحدات أو هيئات للاستخبارات المالية، كآليات مؤسساتية تعنى بتلقي و فحص الإخطارات المتعلقة بالعمليات المالية المشكوك في مشروعيتها.

و من هذا المنطلق، اتجهت مختلف التشريعات[4] إلى إحداث جهاز و إن اختلفت حول تسميته[5] أو تنظيمه[6] إلا أنها اتفقت حول الغرض المنوط به، المتمثل في جمع المعلومات و تحليلها و تعميمها بغرض التحري          و الكشف عن عمليات غسل الأموال.

و تماشيا مع التوجهات الدولية، عمل المشرع المغربي على إحداث وحدة لمعالجة المعلومات المالية[7] ذات طابع إداري ملحقة برئيس الحكومة تهدف إلى حماية الاقتصاد المالي المغربي من الأموال غير المشروعة.

و على هذا الأساس، يمكن التساؤل حول الصيغة التي اعتمدها المشرع المغربي في تأسيس وحدة معالجة المعلومات المالية و الدور الذي تلعبه في مكافحة جريمة غسل الأموال؟

و هو ما سنحاول مقاربته من خلال مطلبين نناقش في أولهما الإطار التنظيمي للوحدة ( المطلب الأول)، بينما سنتناول في الثاني صلاحيات الوحدة في مجال المكافحة (المطلب الثاني).

المطلب الأول:الإطار التنظيمي لوحدة معالجة المعلومات المالية

أدى الانتشار السريع لعمليات غسل الأموال داخل النظام المالي إلى تضافر الجهود الدولية من أجل اتخاذ تدابير و آليات تعنى بتحصين الجهاز المالي و تلافي مخاطر استعماله في أغراض غير مشروعة، و هو ما تم تجسيده من خلال استحداث  هيئات خاصة توكل لها مهمة  مكافحة غسل الأموال.

و على هذا الأساس، تعتبر وحدات التحريات المالية من الآليات المؤسساتية المعتمد عليها دوليا للكشف     و التصدي للأموال غير المشروعة، و قد عمد المشرع المغربي مواكبة منه للجهود الدولية إلى إحداث وحدة معالجة المعلومات المالية كوحدة تميزت من خلال تنظيمها ( الفقرة الأولى) و اختصاصاتها (الفقرة الثانية)      و تسييرها (الفقرة الثالثة) بالتنوع.

الفقرة الأولى: التنظيم الداخلي للوحدة

سنعالج في هذا المحور التنظيم الداخلي لوحدة مكافحة جرائم غسل الأموال، من خلال البحث في تشكيلتها (ثانيا) و التطرق قبل ذلك لتعريفها (ثانيا).

أولا: تعريف الوحدة

يعتبر الالتزام بإحداث وحدة لمعالجة المعلومات المالية من أبرز الآليات لكشف و مواجهة عمليات غسل الأموال، فهي الجهة المخول ها قانونا تلقي الإخطارات بالشبهة عن العمليات التي يمكن أن تشكل انطلاقة لغسل الأموال[8].

و أمام أهمية دور الوحدة في مواجهة الجريمة عملت الاتفاقيات و التوصيات و المنظمات الدولية على وضع تعريف لوحدة التحريات المالية، حيث عرفتها مجموعة ايغمونت[9] بأنها هيئة قومية مركزية تختص بتلقي و تحليل و موافاة الجهات المختصة بالإخطارات المالية التي تتعلق بأموال يشتبه في أنها متحصلات من أنشطة إجرامية، أو الأموال التي قد ترتبط بتمويل الإرهاب أو بالإخطارات المالية التي تطالب بها التشريعات القومية لمكافحة غسل الأموال و تمويل الإرهاب.

و عرفتها مجموعة العمل المالي[10] بأنها عبارة عن مركز وطني يقوم بتلقي  و تحليل تقارير الإبلاغ عن العمليات المشبوهة و المعلومات الأخرى ذات الصلة بغسل الأموال و تمويل الإرهاب، و تكون له القدرة على الوصول بصورة مباشرة و في الوقت المناسب إلى المعلومات المالية و الإدارية و المعلومات الخاصة بإنفاذ القانون التي تحتاجها للقيام بوظيفتها.

أما اتفاقية باليرمو لسنة 2002 فلم تعرف وحدة التحريات المالية بل اكتفت بالتنصيص على الصلاحيات و المهام التي تناط بها، و رأت بأنه يتعين على الدول الأطراف النظر في إنشاء وحدة استخباراتية مالية تقوم بمهمة المركز الوطني لجمع و تحليل و توزيع المعلومات فيما يتعلق بالأنشطة المشتبه في ارتباطها بأموال غير مشروعة[11].

و تماشيا مع التوجه الدولي، عمل المشرع على إحداث وحدة لمعالجة المعلومات المالية، و اكتفى في إطار النصوص المنظمة بتحديد الاختصاصات و المهام الموكولة لها، دون إعطاء تعريف محدد لها، حيث اعتبرها وحدة ذات طابع إداري ملحقة بالوزارة الأولى، تتولى مهمة جمع و طلب و تحليل المعلومات المشبوهة و تحويل الإخطارات التي تتلقاها إلى الجهات المختصة.

ثانيا: تشكيلة الوحدة

تتألف الوحدة من المجلس (1) و أمانة عامة (2) و مصالح إدارية (3).

1– المجلس

يتكون مجلس وحدة معالجة المعلومات المالية من الرئيس (أ) و الأعضاء (ب).

  • رئيس الوحدة

يتم تعيين رئيس وحدة معالجة المعلومات المالية من طرف رئيس الحكومة بناء على اقتراح وزير العدل      و وزير الداخلية و الوزير المكلف بالمالية لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة[12]، وذلك ليتولى مهمة رئاسة الوحدة و السهر على قيامها بالمهام المنوطة بها بموجب قانون مكافحة غسل الأموال.

و من جملة الاختصاصات المنوطة به اتخاذ القرارات بشأن الإخطارات بالشبهة و السهر على تطبيقها،      و ضمان حسن سير عمل الوحدة، كما يمثل الوحدة تجاه الأغيار، و يتولي مهمة التوقيع على اتفاقيات تبادل المعلومات مع السلطات الوطنية و الأجنبية، و اقتراح الصلاحيات التشريعية و التنظيمية الضرورية للمكافحة[13].

و على هذا الأساس، و بالنظر لطبيعة المهام المسندة لرئيس الوحدة يشترط فيه أن يكون من ذوي الكفاءات العالية في المجال القانوني و المالي، و أن يتوفر على تجربة وخبرة كافية في مجال التدبير و التسيير.

كما تجدر الإشارة إلى أن المشرع أسند مهمة رئاسة الوحدة مؤقتا للكاتب العام[14] في الحالة التي يغيب أو يتعذر على الرئيس الحضور.

  • أعضاء الوحدة

تتميز الوحدة بتشكيلتها المتنوعة فهي تضم أعضاء من مختلف الإدارات و القطاعات المالية و القانونية       و الأمنية المرتبطة بمكافحة عمليات غسل الأموال.

و هكذا تضم الوحدة 13 عضوا يمثلون 9 قطاعات حكومية مختلفة موزعين على النحو التالي[15]:

  • ممثلين اثنين للوزارة المكلفة بالمالية
  • ممثلين اثنين لوزارة العدل
  • ممثلين اثنين لوزارة الداخلية
  • ممثلين اثنين لبنك المغرب
  • ممثلا للإدارة العامة للأمن الوطني
  • ممثلا لقيادة الدرك الملكي
  • ممثلا لإدارة الجمارك و الضرائب غير المباشرة
  • ممثلا لمجلس القيم المنقولة
  • ممثلا لمكتب الصرف

و يتم تعيين هؤلاء الأعضاء من طرف الإدارات و المؤسسات التي ينتمون إليها[16] كأعضاء رسميين اعتمادا على معيار الكفاءة و الخبرة، مع ضرورة قيام المؤسسات المعنية بتعيين عضوا نائبا للقيام بالنيابة عن العضو الرسمي في الحالة التي يتعذر عليه الحضور، مع وجوب قيام المؤسسات بإشعار رئيس الوحدة بأسماء الأعضاء المختارين لتمثيلها داخل أجل أقصاه 15 يوما بعد التعيين[17].

و جدير بالذكر أن لرئيس الوحدة صلاحية دعوة خبراء أو تقنيين أو غيرهم من الأشخاص الذين لهم دراية و مؤهلات علمية خاصة تمكنهم من إبداء رأيهم في بعض القضايا التي يتم تدارسها من طرف الوحدة[18]، و التي يتطلب فهمها و إدراكها و اتخاذ قرار بشأنها الاستعانة بأشخاص عرضيين يتوفرون على مستوى عال من الكفاءة و متخصصين في المجالات المعلوماتية أو العقارية أو غيرها،و ذلك قصد إشراكهم بصفة استشارية في أعمال الوحدة.

و تبعا لذلك فاعتماد المشرع المغربي في تأليف الوحدة على تشكيلة متنوعة  تضم قطاعات مختلفة مع تخويله لإمكانية الاستعانة بأشخاص من تخصصات مختلفة، يرجع  إلى حساسية الاختصاصات الموكولة للوحدة في مجال التحري و البحث لمواجهة العمليات المالية المشبوهة، و إلى أهمية الهدف الذي أنشئت من أجله و المتجلي في حماية نزاهة الاقتصاد و النظام المالي المغربي من مخاطر عمليات غسل الأموال.

2- الأمانة العامة

يوجد على رأسها الكابت العام الذي يتم تعيينه من طرف رئيس الحكومة بعد استطلاع رأي رئيس الوحدة، يقوم الكاتب العام تحت سلطة رئيس الوحدة بممارسة المهام المنوطة به، و إدارة الأمانة العامة التي تتشكل من مصالح إدارية و تقنية[19].

3–  المصالح الإدارية للوحدة

تقوم وحدة معالجة المعلومات المالية بأداء مهامها من خلال مصالح إدارة متعددة[20]، تتوزع بين المصلحة القانونية (أ) و مصلحة التوثيق و التحليل(ب) و مصلحة الدراسات و التعاون الدولي (ج) و مصلحة الإعلاميات و اللوجستيك(د).

  • المصلحة القانونية

و هي مصلحة تختص بالعلاقات مع الجهاز القضائي، فبعد انتهاء الوحدة من عملية التحقيق و التحري      و جمع المعلومات المالية و التأكد من كون العملية المشتبه فيها تنطوي على جريمة غسل الأموال، تقوم بإحالة الأمر على وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط[21]، و ذلك لأن الوحدة لا تملك صلاحية فرض العقوبات إلا في حدود ما نص عليه القانون[22]، و الذي أجاز لها فرض عقوبات مالية على الأشخاص الخاضعين           و مسيريهم و أعوانهم الذين لا يملكون هيئة إشراف أو مراقبة في حالة إخلالهم بالالتزامات المفروضة.

ب- مصلحة التوثيق و التحليل

و هي مصلحة مكلفة بجمع المعلومات و تحليلها بعد تلقي الإخطار بالشبهة من الأشخاص المؤهلين قانونا[23]، و تقوم هذه المصلحة بمعالجة التصاريح بالاشتباه بالاعتماد على كافة الوثائق و الأدلة المتحصل عليها من  المصالح الإدارية و المؤسسات الخاضعة.

و يمكن لمصلحة التوثيق و التحليل الاستعانة في أداء مهامها بكل شخص تراه مناسبا و مؤهلا لمساعدتها[24]، شريطه تقيده بالسر المهني و عدم استعماله المعلومات التي وصلت إلى علمه بمناسبة و أثناء قيامه بالعمل لغرض غير الذي أفشيت من أجله و هو مكافحة الأموال القذرة.

  • مصلحة الدراسات و التعاون

و هي مصلحة مكلفة بالعلاقات الثنائية و المتعددة الأطراف و تبادل المعلومات مع الهيئات و المؤسسات الوطنية و الأجنبية التي تعمل في إطار مكافحة غسل الأموال.

  • مصلحة الإعلاميات و اللوجستيك

و هي مصلحة تختص بنشر التقارير و الإعلانات و بتوفير الوسائل والتقنيات الضرورية لعمل الوحدة.

الفقرة الثانية: اختصاصات وحدة معالجة المعلومات المالية

عهد المشرع المغربي للوحدة بمجموعة من الاختصاصات  التي تسمح لها بمواجهة ظاهرة غسل الأموال،     و هي اختصاصات تزاوج بين الاختصاصات ذات الطبيعة العامة التوجيهية (أولا) و ذات طبيعة عملية (ثانيا) و أخرى ذات طبيعة إشرافية و رقابية (ثالثا).

أولا: المهام العامة و التوجيهية

و تتجلي هذه الاختصاصات في:

  • اقتراح الإصلاحات التشريعية و التنظيمية و الإدارية الضرورية في مجال غسل الأموال[25]، ذلك أن الوحدة بما لها من صلاحيات واسعة بشأن تتبع جميع العمليات و رصد كافة التحركات المالية المشبوهة[26]،      و اتخاذ القرار بشأن مآل القضايا المعروضة عليها تكون مؤهلة لتقييم نجاعة المنظومة التشريعية و اقتراح الإصلاحات لتجاوز الثغرات و النقائص.
  • إبداء رأيها للحكومة حول مضمون التدابير المتعلقة بتطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال[27]، بالاعتماد على المعلومات و الإحصائيات الميدانية التي تتوفر عليها، و التي من شأنها توضيح مدى نجاعة مضامين التدابير المتخذة في مكافحة الجريمة.
  • تحديد الشروط الخاصة المتعلقة بالعمليات التي تدخل في مجال تطبيق قانون مكافحة غسل الأموال.
  • التعاون و المشاركة مع المصالح و الهيئات الوطنية المعنية بدراسة التدابير التي يمكن اتخاذها لمكافحة غسل الأموال، حيث تتولى مهمة التنسيق بين مختلف الهيئات و المصالح الإدارية و العمومية و الأشخاص المعنيون بمكافحة الأموال القذرة.
  • التمثيل المشترك للمصالح و الهيئات الوطنية المعنية بمكافحة ظاهر الأموال غير النظيفة[28].

ثانيا: المهام العملية

و تتجلي في:

  • جمع و معالجة و طلب المعلومات المرتبطة بأفعال يشتبه في علاقتها بغسل الأموال، و اتخاذ القرار بشأن مآل القضايا المعروضة عليها، و القيام بواسطة مستخدميها من الأعوان المؤهلين بإجراء الأبحاث و التحريات بخصوص العمليات و المعاملات المشبوهة، مع إمكانية الاستعانة في انجاز مهامها بطلب المعلومات من الأشخاص و الإدارات و المصالح المختلفة الخاضعة للقانون العام أو الخاص[29].
  • ممارسة حق التعرض على تنفيذ أي عملية كانت موضوع تصريح بالاشتباه حيث يتم إرجاء تنفيذ العملية لمدة لا تتعدى يومي عمل ابتداء من تاريخ توصلها بالتصريح[30].
  • تبادل المعلومات المالية المرتبطة بغسل الأموال مع وحدات المعلومات المالية الأجنبية التي لها اختصاصات مماثلة سواء في إطار الاتفاقيات أو عملا بمبدأ المعاملة بالمثل[31].
  • إحالة الحالات التي يدو لها صلة بجريمة غسل الأموال على النيابة العامة[32].
  • تكوين قاعدة للمعطيات تتعلق بعمليات غسل الأموال، و هي عبارة عن خلية داخلية للمعطيات تستهدف القيام بجرد إحصائي للعمليات المرتبطة أو المشتبه في ارتباطها بغسل الأموال، و العمل على دراستها و تحليلها و تتبع مسارها[33].

ثالثا: مهام الإشراف و المراقبة

و تتجلى في ممارسة الوحدة لدور السلطة المكلفة بالإشراف و المراقبة على الأشخاص الخاضعين الذين لا يتوفرون على هيئة إشراف أو مراقبة محددة بموجب القانون.

كما تتولى الوحدة صلاحية الإشراف على احترام الأشخاص الخاضعين الذين يوجدون تحت رقابتها للمقتضيات القانونية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال[34]، مع وجوب مراعاتها للمهام المخولة لباقي سلطات الإشراف و المراقبة، و بذلك لا يجوز للوحدة مراقبة حدود احترام مقتضيات قانون مكافحة غسل الأموال بالنسبة للأشخاص الخاضعين المتوفرين على هيئة تتولى مهمة الإشراف و المراقبة.

الفقرة الثالثة: تسيير وحدة معالجة المعلومات المالية

فرض المشرع على وحدة معالجة المعلومات المالية وضع قانون داخلي[35] لتحديد المساطر المتعلقة بتسييرها،    و عن الكيفية التي سيتم بمقتضاها التسيير، كما ألزمها بعرض قانونها الداخلي على رئيس الحكومة للمصادقة عليه بموجب مقرر بعد استطلاع رأي وزير العدل و وزير الداخلية و الوزير المكلف بالمالية.

هذا و تقوم بعقد اجتماعاتها[36] بدعوة من رئيسها كلما دعت الضرورة إلى ذلك في حدود مرتين في السنة، و يشترط لصحة مداولاتها أن يحضر ما لا يقل عن نصف أعضائها، و أن تتخذ قراراتها بأغلبية أصوات الأعضاء الحاضرين، و أن يرجح الجانب الذي يكون فيه الرئيس في حالة تعادل الأصوات.

المطلب الثاني: صلاحية وحدة معالجة المعلومات المالية في مجال مكافحة غسل الأموال

عمد المشرع إلى منح وحدة معالجة المعلومات المالية عدة صلاحيات لتفعيل دورها في مجال مكافحة جرائم غسل الأموال صلاحيات تتوزع بين ما هو ضبطي (الفقرة الأولى) و  بين ما هو تقريري (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الصلاحيات الضبطية

يعهد للوحدة بمهمة ضبط كافة المعلومات و البيانات المشتبه فيها و دراستها و تحليلها من خلال تلقي التصريحات (أولا) و طلب الوثائق (ثانيا) و تبادل المعلومات (ثالثا).

أولا: التصريح بالاشتباه

في إطار تفعيل دور وحدة معالجة المعلومات المالية في مكافحة جريمة غسل الأموال، جعلها المشرع الهيئة الوحيدة المخول لها تلقي التصاريح بالاشتباه. و بذلك تعتبر الوحدة بمثابة المستودع الرئيسي لاستقبال الإخطارات و تقارير الاشتباه التي تعدها الأبناك و المؤسسات المالية و غيرها من الأشخاص الخاضعة.

و على هذا الأساس ألزم المشرع بمقتضى المادة 9 من قانون مكافحة غسل الأموال جميع الأشخاص الخاضعين التصريح بالاشتباه للوحدة بشأن كل المبالغ أو العمليات التي يشتبه أن يكون لها ارتباط بغسل الأموال، و أيضا بشأن كل عملية تكون هوية الذي أصدر الأمر بشأنها أو المستفيد منها مشكوكا فيها[37]       و ذلك تحت طائلة المساءلة و الجزاء[38]، على أن يقدم التصريح كتابة مع جواز تقديمه شفويا  في حالة الاستعجال شريطة تأكيده كتابة[39]، كما يجب أن يقدم وفق النموذج المعد من طرف الوحدة.

ثانيا: طلب وثائق و معلومات إضافية

يعتبر التنسيق بين الوحدة و جهات إنفاذ القوانين و المصالح المختصة أمرا بالغ الأهمية لمنع و مكافحة جرائم غسل الأموال، لذلك يتوجب على الوحدة عند تلقي الإخطارات بالشبهة أن تتيح[40] و تتبادل المعلومات المتعلقة بهذه الإخطارات مع السلطات المعنية بالمكافحة.

و بذلك و ضمانا لحسن أداء الوحدة لمهامها أجاز لها المشرع في إطار القيام بتحليل و معالجة الإخطارات بالشبهة، طلب المعلومات الإضافية التي تراها مناسبة[41] من السلطات المختصة أو الهيئات الخاضعة دون إمكانية احتجاجها بالسر المهني لرفض تقديمها.

و بذلك يمكن للوحدة أن تتوجه إلى مختلف الإدارات للحصول على المعلومات اللازمة لتحليل و معالجة التصاريح بالاشتباه، كالإدارة العامة للأمن الوطني التي تساعد في إجراء التحريات، و وزارة الداخلية التي توفر معلومات و بيانات دقيقة حول معاملات و علاقات الشخص الطبيعي أو المعنوي المقصود، و إدارة الضرائب    و الجمارك التي توفر أرقاما عن قيمة المعاملات الخارجية المؤسسة المعنية أو الشخص المقصود ، و وزارة العدل التي تمكن من معرفة بيانات السجل العدلي[42].

ثالثا: التعاون الدولي في مجال تبادل المعلومات

على اعتبار أن جريمة غسل الأموال من الجرائم المنظمة العابرة للحدود فقد تطلب الأمر تبادل المعلومات   و التحريات بكفاءة و سرعة مع الهيئات الدولية من أجل نجاعة أكبر في مكافحة الجريمة.

و بذلك يجوز للوحدة أن تتعاون و تتبادل المعلومات مع الهيئات الأجنبية التي لها اختصاصات مماثلة تطبيقا لمبدأ المعاملة بالمثل و في إطار احترام الاتفاقيات الدولية و الأحكام الداخلية.

و يعتبر الاتحاد الدولي لوحدات التحريات المالية اجمونت[43] جهازا بالغ الأهمية في مجال تبادل المعلومات المتعلقة بجرائم غسل الأموال بين مختلف وحدات التحريات المالية عبر العالم، و الذي فرض على الدول ضرورة إعطاء وحدات التحريات المالية الصلاحية القانونية اللازمة لممارسة عملها، و تزويدها بالموارد البشرية         و القدرات الفنية الكافية للقيام بوظائف الفحص و التحليل، و على وجه الخصوص إعطاؤها الصلاحيات الموسعة للوصول إلى المعلومات و البيانات المتعلقة بالعمليات محل الاشتباه[44].

الفقرة الثانية: الصلاحيات التقريرية

خول المشرع للوحدة بعد الانتهاء من جمع المعلومات و تحليلها و اتخاذ القرار بشأنها، و  المتمثل إما في الاعتراض على تنفيذ العملية موضوع التصريح بالاشتباه (أولا) أو إشعار النيابة العامة بالأفعال التي من شأنها أن تشكل جريمة (ثانيا) أو إصدار عقوبات (ثالثا).

أولا: التعرض على تنفيذ العمليات المشبوهة

يجوز لوحدة معالجة المعلومات المالية أن تتقدم باعتراض على تنفيذ أي عملية كانت موضوع التصريح بالاشتباه، و يتم تأجيل تنفيذ كل عملية بنكية أو تجميد أرصدة موجودة في حساب كل شخص طبيعي أو معنوي[45] يكون محل شك لارتباطه بجرائم غسل الأموال لمدة لا تتجاوز يومي عمل تبتدئ من تاريخ توصل الوحدة بالتصريح، على أن يمدد الأجل لمدة لا تتجاوز 15  يوما بأمر من رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط بناء على طلب من الوحدة و بعد تقديم وكيل الملك لمستنتجاته[46].

ثانيا: إشعار النيابة العامة

بعد قيام الوحدة بتحليل و معالجة المعلومات الواردة عليها، تتخذ أحد القرارين، إما حفظ الملف لعدم وجود أدلة تثبت شبهة الجريمة، أو إشعار السلطات المختصة بالأفعال التي من شأنها أن تشكل انطلاقة لجريمة غسل الأموال.

و بذلك فبمجرد أن تتوصل الوحدة بمعلومات تبرز وجود شبهة و دلائل مقنعة حول العملية موضوع الإخطار تقوم فورا بإحالة الملف على وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط، مبينة إذا اقتضى الحال مصالح البحث أو التحري أو مصالح الإشراف و المراقبة التي تم إبلاغها من أجل القيام بالتحريات[47].

ثالثا: إصدار العقوبات

في إطار تفعيل دور الوحدة في التصدي للأموال غير المشروعة، عهد لها المشرع بصلاحية إصدار عقوبات مالية تتراوح بين 100.000 و 500.000 درهم ضد الأشخاص الخاضعين المخلين بواجب  احترام المقتضيات القانونية المفروضة عليهم[48].و يقتصر دور الوحدة في إصدار العقوبات على الأشخاص الخاضعين إذا لم يكن لهم هيئة إشراف أو مراقبة، أما إذا كانت لهم هيئة فإنها تكون هي صاحبة الاختصاص في إصدار العقوبات عن الإخلال بالواجبات المهنية.

إذن و بعد الإطلالة السريعة على مختلف الصلاحيات و المهام التي منحت للوحدة من طرف المشرع، يتضح حرص هذا الأخير على تعزيز دور الوحدة في التصدي لظاهرة غسل الأموال بشكل يسمح بتوفير حماية ملائمة للنظام المالي المغربي و يعزز الثقة فيه.

 

 

 

[1]-Matar Rama, La globalisation du processus du blanchiment d’argent, thèse de doctorat en droit université, Paul Cezanne-Aix Marseille 3 , faculté de droit et science politique D’AIX Marseille 3 année 2004 ;p :22.

2- حيث أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن مشكلة غسل الأموال أصبحت خطرا عالميا يتهدد سلامة و استقرار النظم المالية و التجارية و الهياكل الحكومية، و أن عائدات الاتجار غير المشروع بالمخدرات و سائر الأنشطة غير المشروعة التي يجري غسلها من خلال المصارف تمثل عائقا أمام تنفيذ السياسات الرامية إلى تحرير الأسواق المالية من أجل اجتذاب الاستثمارات المشروعة لأنها تشوه صورة تلك الأسواق.

للمزيد من التفصيل انظر:

-البرنامج العالمي لمكافحة غسل الأموال و تمويل الإرهاب استجابة للأمم المتحدة، مقتطفات من الصكوك القانونية و القرارات الرئيسية المعتمدة برعاية الأمم المتحدة لمكافحة غسل الأموال و تمويل الإرهاب، ص: 24-25 منشور بالموقع الالكتروني:

www.unodc.org/money-laundering.html

[3] – كاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة للحدود الوطنية لسنة 2000 التي نصت على أنه:” يتعين على كل دولة طرف إنشاء وحدة استخباراتية مالية تعمل كمركز وطني لجمع و تحليل المعلومات”.

[4] – كالمشرع الفرنسي الذي أنشئ هيئة الاستخبارات المالية الفرنسية TRACFIN بموجب المرسوم رقم 1990-06 و المشرع المصري الذي احدث وحدة التحريات المالية المصرية بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 164 لسنة 2002.

أنظر: باخوية دريس، جريمة غسل الأموال و مكافحتها في القانون الجزائري، دراسة مقارنة، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الجنائي الخاص، جامعة أبو بكر بلقايد بنسليمان، كلية الحقوق و العلوم السياسية الجزائر، السنة الجامعية 2011-2012،ص:278-280.

[5] -أطلق عليها في موريتانيا اسم اللجنة المكلفة بتحليل المعلومات المالية، و في فرنسا TRACFIN و في مصر وحدة مكافحة غسل الأموال  و في الجزائر خلية معالجة الاستعلام المالي.

[6] – تختلف نماذج وحدات التحريات المالية من دولة لأخرى نظرا لعدم وجود نموذج تنظيمي موحد لهذه الوحدات، و بذلك يمكن أن تتخذ الوحدة المكلفة بالتحريات المالية إحدى النماذج التالية:

– نموذج الهيئة الإدارية: ترتبط الوحدة في هذا النموذج إما بهيئة إدارية أو هيئة إشراف كالبنك المركزي أو وزارة المالية، و قد أخذ بهذا النموذج العديد من الدول كمصر و تونس و الإمارات و الولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا.

-نموذج هيئة تنفيذ القوانين: ترتبط الوحدة في هذا النموذج بجهة ذات طبيعة أمنية، و من أبرز الدول التي تأخذ بهذا النموذج المملكة المتحدة ألمانيا ايطاليا.

-نموذج هيئة الملاحقة: ترتبط الوحدة في هذا النموذج بالجهاز القضائي و تأخذ بهذا النموذج سويسرا لوكسمبورغ لبنان.

[7] – تم إحداثها بموجب مرسوم 2.08.572 صادر في 24 دجنبر 2008 منشور بالجريدة الرسمية عدد5698 و ذلك تطبيقا للمادة 14 من قانون مكافحة غسل الأموال رقم43.05 المعدل بمقتضى القانون لرقم13.10 و كذا القانون 145.12، و قد تم تنصيبها من طرف رئيس الحكومة بتاريخ10 ابريل 2009.

[8] -Palpacuer Jennifer, L’utilisation des nouvelles technologies et leur influence sur le blanchiment d’argent, aspect  juridique ;thèse de doctorat en droit, université de Nice sophia, Antipolis 2008,p72.

[9]-كما عرفتها مجموعة ايغمونت Egmont Group الوحدة سنة 1996:

تعتبر وحدة التحريات المالية وحدة مركزية وطنية تقوم بتلقي و تحليل و توزيع المعلومات المالية على السلطات المختصة بهدف مكافحة غسل الأموال، سواء كانت هذه المعلومات متعلقة بالمتحصلات المشتبه في كونها ناتجة عن الجرائم أو كانت هذه المعلومات مطلوبة بموجب القوانين و التشريعات الوطنية لمكافحة الجرائم”.

للمزيد انظر:

-باخوية دريس، جريمة غسل الأموال و مكافحتها في القانون الجزائري، دراسة مقارنة، المرجع السابق،ص:256.

[10] – المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال و تمويل الإرهاب و انتشار التسلح، توصيات مجموعة العمل المالي (فاتف)، فبراير 2012،ص:22.

[11] -الفقرة الأولى من المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة العابرة للحدود.

[12] – المادة 6 من مرسوم 2.08.572 المتعلق بإحداث وحدة معالجة المعلومات المالية.

[13] – المادة 15 من قانون مكافحة غسل الأموال رقم43.05 المعدل بمقتضى القانون لرقم13.10 و كذا القانون 145.12.

[14] – الفقرة الأخيرة من المادة 6 من مرسوم 2.08.572.

[15] – المادة 6 من مرسوم إحداث الوحدة.

[16] – الفقرة الأولى من المادة 7 من مرسوم إحداث الوحدة .

[17] -الفقرة 2 و 3 من المادة 7 من المرسوم.

[18] – الفقرة الأخيرة من المادة 7 من المرسوم.

[19] – المادة 10 من المرسوم.

[20] – تقرير وحدة معالجة المعلومات المالية لسنة 2009،ص:59.

[21] -المادة 18 من قانون مكافحة غسل الأموال.

[22]  -المادة 28 من قانون مكافحة غسل الأموال.

[23] – العيد سعدية، المسؤولية الجزائية للبنك عن جريمة تبييض الأموال، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم  القانونية، جامعة مولود معمري تيزي وزو، كلية الحقوق و العلوم السياسية، السنة2016،ص:248.

[24] – العيد سعدية، المسؤولية الجزائية للبنك عن جريمة تبييض الأموال، المرجع السابق، ص:249.

[25] -الفقرة 6 من المادة 15 من  قانون مكافحة غسل الأموال.

[26]  – يوسف بناصر، جرائم غسل الأموال بالمغرب و تحديد المرحلة: أية توجهات لتطويق المد التعاقدي لهذه الجرائم و أية آليات تشريعية للتصدي و المكافحة، مجلة الواحة القانونية، دار الآفاق المغربية للنشر و التوزيع، العدد الثالث، مطبعة الأمنية، الرباط،ص:164.

[27] – الفقرة 7 من المادة 15 من قانون مكافحة غسل الأموال.

[28] – المادة 15 من قانون مكافحة غسل الأموال.

[29] – المادة 22 من قانون مكافحة غسل الأموال.

[30] – الفقرة الأولى من المادة17 من قانون مكافحة غسل الأموال.

[31] – المادة 24 من قانون مكافحة غسل الأموال.

[32] – المادة 18 من قانون مكافحة غسل الأموال.

[33] – يوسف بناصر، جرائم غسل الأموال بالمغرب و تحديد المرحلة، المرجع السابق، ص:163.

[34] – ربيع كموح، النظام البنكي المغربي و مكافحة غسل الأموال، أطروحة لنيل الدكتوراه، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ، السويسي، السنة الجامعة 2015-2016،ص: 128.

[35] – المادة 4 من مرسوم إحداث وحدة معالجة المعلومات المالية.

[36] – المادة 8 من المرسوم المتعلق بإحداث الوحدة.

[37] – عزيز ندا علي و حميد، المقاربة الوقائية و الزجرية لظاهرة غسل الأموال، وفق قانون 43.05 ، مجلة الملف، العدد18 أكتوبر 2013،ص:41

[38] – عزيز ندا علي وحميد، المقاربة الوقائية و الزجرية لظاهرة غسل الأموال، وفق قانون 4305، المرجع السابق،ص:44.

[39] – المادة 10 من قانون مكافحة غسل الأموال.

[40] – ربيع كموح، النظام البنكي المغربي و مكافحة غسل الأموال، المرجع السابق،ص:128.

[41] – دموش حكيمة، مسؤولية البنوك بين السرية المصرفية و تبييض الأموال، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، جامعة مولود معمري تيزي وزو، كلية الحقوق و العلوم السياسية، السنة 2017،ص:255.

[42] – للمزيد من التفصيل أنظر:

-ربيع كموج، النظام البنكي المغربي و مكافحة غسل الأموال، المرجع السابق،ص:128.

[43] – مجموعة ايغمونت هي منتدى دولي لوحدات المعلومات المالية تأسست في عام1995 و ترمي إلى تعزيز أنشطة أعضائها في مجال مكافحة غسل الأموال و تمويل الإرهاب، و تتمثل الأهداف الرئيسية للمجموعة كما حددها ميثاقها فيما يلي:

– تطوير التعاون الدولي من خلال تبادل المعلومات.

-زيادة فعالية و حدات المعلومات المالية من خلال برامج التبادل و تدريب الموظفين.

– تعزيز الاستقلالية العملية لوحدات المعلومات المالية.

– تشجيع إنشاء وحدات المعلومات المالية التي تستجيب لنفس المعايير الدولية و نفس المقاربة العملية لملفات غسل الأموال.

أنظر الموقع الالكتروني لوحدة معالجة المعلومات المالية:     www.utrf.gov.ma

[44] – باخوية دريس، جريمة غسل الأموال و مكافحتها في القانون الجزائري، دراسة مقارنة، المرجع السابق،ص:262.

[45] – العيد سعدية،المسؤولية الجزائية للبنك عن جريمة تبييض الأموال، المرجع السابق، ص:254.

[46] – المادة 17 من قانون مكافحة غسل الأموال.

[47] – المادة 18 من قانون مكافحة غسل الأموال.

[48] – المادة 28 من قانون مكافحة غسل الأموال.