دور قاضي تطبيق العقوبات في مسطرة الإفراج الشرطي .

351

دور قاضي تطبيق العقوبات في مسطرة  الإفراج الشرطي .

                                         

Email :abeslamihakim @gmail.com اعبسلامي عبد الحكيم            

Tel :0613382953                                   طالب باحث في سلك الدكتوراه

                                                               قانون الخاص بوجدة  .

 

مقدمة

 

يعتبرالإفراج المقيد بشروط[1] نظاما لتدرج في تنفيذ العقوبة الذي ينبغي أن يشكل المرحلة الأخيرة منها ؛  بعد أن تتهيأ الظروف المناسبة لعودة المفرج عنه إلى حياة الجماعة [2]، حيث إذا ثبت أن العقوبة حققت أغراضها ولم يعد هناك مجال للاستمرار فيها اقتضى ذلك تغير المعاملة التهذيبية للمحكوم عليه بما يتناسب مع درجة إستقامته و إصلاحه، وهو ما يفترض معه أن ينقل من الفضاء المغلق للسجن إلى الفضاء الحر، مادام قد استنفذت المعاملة التهذيبية هدفها ألإصلاحي ،وهو ما لا يتم إلا عبر نظام الإفراج الشرطي لمتابعة تأهيله داخل المجتمع.[3]

وارتباطا بمسألة تأهيل المحكوم عليه التي اضحت من اهم الاهداف الداعية الى استمرار القضاء الى مرحلة تنفيذ العقوبة، عمل المشرع المغربي على تبني قاضي تطبيق العقوبات في المسطر الجنائية ومنحه اختصاصات لتتبع تنفيذ العقوبة بكيفية تسمح بإعادة إدماج المحكوم عليه في المجتمع[4]، والتي  نجد من بين   هذه الاختصاصات  ما  يرتبط بنظام الإفراج المقيد.

وبناء عليه : نتسأل عن مدى دور الممنوح لقاضي تطبيق العقوبات في التشريع المغربي بشأن الإفراج المقيد بشروط ومعه امكانية القول بتحقيقه التأهيل من عدمه؟.

ولإجابة على هذا التساؤل ، ارتأينا ان نتطرق بداية الى مفهوم  وشروط الافراج المقيد بشروط (المطلب الاول)، لنعرج بعد ذلك على دراسة حدود دور قاضي تطبيق العقوبات بشأن الافراج المقيد بشروط( المطلب الثاني).

المطلب الاول مفهوم وشروط الافراج المقيد بشروط.

لأخذ صورة واضحة عن نظام الإفراج المقيد بالشروط لا بد لنا من تطرق  بداية  الى مفهومه (الفقرة الاولى) ، لنمر بعد ذلك الى دراسة شروط المتطلبة لإستفادة المحكوم عليه (الفقرة الثانية).

الفقرة الاولى : مفهوم الإفراج المقيد بشروط.

يعرف التشريع المغربي الإفراج المقيد في المادة 59 من القانون الجنائي بأنه “إطلاق سراح المحكوم عليه قبل الأوان نظرا لحسن سيرته داخل السجن وإذا أخل بالشروط التي حددها القرار بالإفراج المقيد فإنه يعاد إلى السجن لتتميم ما تبقى من عقوبته”.

وأما بعض الفقه [5] فيذهب الى تعريفه بكونه “تعليق تنفيذ الجزاء الجنائي أو إطلاق سراح المحكوم عليه قبل انقضاء كل مدة العقوبة المحكوم عليه أو جزء منها، متى تحققت بعض شروط الإفراج ومن ثم إلتزام المحكوم عليه بإحترام ما يفرض عليه من إجراءات خلال المدة المتبقية من ذلك الجزاء”.

كما يعرفه البعض الاخر[6] بأنه : “الإفراج عن المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية بعد انقضاء  مدة معينة  منها ، افرجا مقيدا بشروط محددة تتمثل في اخضاعه لمجموعة من الإلتزامات التي تقيد حريته، ويترتب على تنفيذها الإفراج النهائي عنه، اما إذا اخل بهذا،  فتسلب حريته مرة ثانية، ويعود الى المؤسسة العقابية لتنفيذ المدة المتبقية ” .

ومن خلال هذه التعاريف ، يتبين ان الإفراج المقيد بشروط ينطوي على تغيير فقط في كيفية تنفيذ الجزاء الجنائي ، فبعد ان كان ينفذ في وسط مغلق سالب للحرية ، اصبح يتم في وسط حر يكتفي فيه بتقييد تلك الحرية .

ويبرز هذا النظام عدت اعتبارات منها تشجيع المحكوم عليه على التزام السلوك الحسن داخل السجن وخارجه ويحقق هذا الالتزام تدعيما للحفظ النظام داخل السجن .

وهو بهذا ، يشكل سبيل الى تفريد المعاملة العقابية ، بحيث يتحسن وضع المحكوم عليه بسرعة اكثر مما يتوقع القاضي اثناء نطق بالحكم ، وبالتالي يكون من غير المستصاغ ، الاستمرار في تنفذ الجزاء الجنائي داخل السجن بالنسبة للمحكوم عليه في الوقت الذي بدا في إصلاحه[7].

ويحقق الإفراج الشرطي جملة من الأهداف تساعد المحكوم عليهم في عملية التأهيل تتمثل في كونه يتيح استخدام أساليب متنوعة للإصلاح ، ويشجع النزلاء على الالتزام بحسن السلوك والانضباط لعملهم الشيء الذي من شأنه أن يؤدي إلى الإفراج عنهم[8]. وان كان هذا هو مفهوم الإفراج المقيد ، فإننا نتسأل عن شروط المتطلبة في التشريع المغربي للقول بإمكانية  الإستفادة من الإفراج المقيد؟.

الفقرة الثانية  : شروط الإفراج المقيد بشروط.

اشترط المشرع المغربي مجموعة من الشروط لابد من توفرها للقول بإمكانية استفادة المحكوم عليه من نظام الإفراج المقيد بشروط  ،فبالإضافة الى ضرورة توفر المحكوم عليه على الشرط العام المنصوص عليه في المادة 59 من القانون الجنائي المتمثل في حسن سلوك المحكوم عليه وبرهنته على ذلك من خلال سيرته داخل المؤسسة التي ينفذ بها العقوبة،  نص على ضرورة توفر باقي الشروط الأخرى المنصوص عليها في المادة 622 من ق.م.ج وكذا المرسوم رقم 2.00.485 المحدد لكيفية تطبيق الظهير المتعلق بتنظيم المؤسسات السجنية وتسييرها[9] ، وهكذا لا يمكن تمتيع أي محكوم عليه بالإفراج الشرطي إلا  بعد تأكد من توفره على الشروط التالية:

–  تنفيذ مقرر مكتسب لقوة الأمر المقضي به: يجب أن يكون الشخص موضوع إقتراح الإفراج المقيد محكوم عليه بمقتضى مقرر قضائي مكتسب لقوة الأمر المقضي به من أجل جناية أو جنحة، وعلى هذا الأساس لا يجوز تمتيع المعتقلين الاحتياطيين وكذا المحكوم عليهم بمقتضى مقرر حائز لقوة الأمر المقضي به من أجل جريمة أو عدة جرائم، ولازالوا معتقلين من أجل جرائم أخرى لم يقع البث فيها بمقتضى مقرر حائز لقوة الأمر المقضي به [10]، كما لا يمتد نطاق الإفراج الشرطي إلى الخاضعين لبعض التدابير الوقائية الشخصية كالإيداع القضائي في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية أو الوضع في مؤسسة للعلاج طبقا للمادة 103 من قانون الجنائي .[11]

–  ضرورة قضاء مدة من العقوبة السالبة للحرية: يشترط المشرع لتمتيع المحكوم عليه بالإفراج الشرطي ضرورة قضاءه مدة معينة من العقوبة يفترض معها أنه كانت كافية لإصلاحه وتأهيله للاندماج في المجتمع. وفي هذا الصدد  نجد المشرع المغربي قد ميز بين فئات المحكوم عليهم حسب نوع الفعل الصادر بشأنه العقوبة التي  ينبغي مراعاتها لأجل اقتراح الإفراج المقيد على الشكل التالي:

–  قضاء نصف العقوبة المحكوم بها على الأقل متى كانت الجريمة المنفذ من أجلها تتصف بوصف جنحة.

–  قضاء ثلث العقوبة المحكوم بها على الأقل متى كانت الجريمة المنفذ من أجلها تتصف بوصف جناية أو جنحة يزيد الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها عن خمس سنوات”.

–  قضاء ثلاث سنوات على الأقل من الإعتقال الفعلي، إذا تعلق الأمر بمحكوم عليه بالإقصاء ، على أن تحسب المدة ابتداءا من اليوم الذي يصبح فيه تدبير الإقصاء ساري المفعول( المادة 622 من ق.م.ج ).

أما المشرع الفرنسي وعلى خلاف المشرع المغربي فقد حدد مدة العقوبة التي يجب قضائها من أجل استفادة المحكوم عليهم بالإفراج الشرطي على أساس معيار مختلف يفرق بين فئات المحكوم عليهم المبتدئين والعائدين: فبالنسبة للمبتدئين حدد هذه المدة  في ضرورة قضاء نصف المدة المحكوم بها، أما بالنسبة للعائدين فرفعها إلى ثلثي المدة المحكوم بها، أما إذا كانت العقوبة مقرونة بالوصاية الجنائية، فإن مدة انقضاءها تتحدد بثلاث أرباع مدة العقوبة المحكوم بها .

وما يمكن ابدؤه من ملاحظة بشان المعيار المعتمد من طرف المشرع الفرنسي ، انه معيار يساير التوجه الحديث في تأهيل المحكوم عليهم،الذي اصبح ينظر الى خطورة الشخص ومدى استعداده للحصول على الإفراج المقيد بشروط، والذي يتماشى وأفكار المدرسة الدفاع الاجتماعي ، عكس النظرة التقليدية التي تنظر الى الفعل الجرمي المجرد دون مرعاة لشخصية المحكوم عليه، وهو ما لا يتماشى والهدف التأهيلي الحديث الإفراج المقيد بشروط ، الأمر الذي يجعل المعيار الذي تبناه المشرع المغربي قاصرا عن تحقيق اي تأهيل للسجين.

–  تحسن سلوك المحكوم عليه داخل السجن[12]: يجب التأكد من أن المحكوم عليه قد استجاب لأساليب المعاملة التهذيبية ؛ و بعبارة أخرى أن يكون المحكوم عليه حسن السلوك وهو ما يظهر من خلال وجود إمارات ظاهرة تدل على امكانية اندماجه وتكيفه مع المجتمع ، ولا ينبغي ان يشكل سلوك السجين قبل اعتقاله ونوع سوابقه القضائية عائقا في سبيل اقتراح  استفادته من الإفراج المقيد، إذا العبرة بتحسن سلوكه أثناء تنفيذ العقوبة بشكل يجعله مؤهلا للتعايش داخل المجتمع بعد الإفراج عنه[13].

وهو ما  عبر عنه المشرع  المغربي في المادة 622  بالعبارة “برهنوا بما فيه الكفاية على تحسن سلوكهم” الا ان هذه العبارة الاخيرة  بالنظر الى عموميتها تطرح صعوبة تحديد الحالات التي تبين عن تحسن سلوك، ولتجاوز هذه الصعوبة نجد ان المشرع الفرنسي اورد بعض الامارات على سبيل المثال  في المادة 729 من ق.م .ج الفرنسي  ، تجعل من يتوفر عليها خاضعا لإفراج المقيد ، ومن بين هذه الامارات ممارسة النشاط المهني ، او متابعة التعليم او تكوين مهني ، او ممارسة عمل مؤقت لأجل لاندماج الاجتماعي ، والمساهمة الاساسية في حياة العائلية، او الخضوع للعلاج ، وكذا القيام بالمجهودات لتعويض الضحايا ، وهي حالات تأخذ ما للشخصية المحكوم عليه من دور في  تحسن السلوك وذلك ببذله جهود يبين فيه رغبة في تحقيق الإندماج .

–  إثبات توفر المحكوم عليه على وسائل شريفة للعيش: يعتبر هذا الشرط ضروري لضمان استقراره في المجتمع بعد خروجه من السجن وهو ما يفرض على طالب الإفراج أن يدلي بشهادة تثبت أنه يملك وسائل شخصية للعيش أو مهنة ذات دخل قار وإذا تعذر عليه ذلك فبشهادة إيواء، أو شهادة من مشغل يلتزم بتشغيله بمجرد الإفراج عنه [14].

ونعتقد في هذا الصدد بضرورة تفعيل دور اللجنة الاقليمية لمراقبة السجون في مساعدة المحكوم عليه في العثورعلى وسائل شريفة للعيش، وذلك بحكم التنوع الذي يطبع تكوينها ، حتى لا يصبح هذا شرط مانعا امام استفادة الكثير من المحكوم عليهم من نظام الافراج الشرطي ، اذا اخذنا بالحسبان الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة لفئة كبيرة من نزلاء المؤسسات السجنية.

وكما تجدر الإشارة أن هناك من التشريعات من اشترطت ضرورة صدور موافقة صريحة من قبل المحكوم عليه للخضوع لنظام الافراج المقيد بشروط وهو ما نجده اشترطه لدى  المشرع الفرنسي الذي اورده في المادةD531  من ق.م .ج الفرنسي [15]، وهو شرط ذو أهمية كبرى بالنسبة للمحكوم عليه، لكونه يعطي أهمية لإرادة المستفيد من نظام الإفراج ، ليقرر ما يراه مناسبا له لأجل تحقيق عملية تأهيله وإندماجه في المجتمع عن قناعة، وهو مقتضى يستحق التنويه الامر الذي ندعو المشرع المغربي للاقتداء به عند إخضاع اي محكوم عليه للإفراج المقيد بشروط.

وما يؤكد اهمية هذا المقتضى ، انه في الواقع نسبة مهمة من المحكوم عليهم( بعقوبات القصيرة او المتوسطة) يرفضون الإستفادة من الإفراج المقيد بشروط ، اذ يفضلون الحصول على الحرية الكاملة بعد إستنفاذ الحكم ولو طلت مدة تنفيذه ، عوض الحصول على حرية ناقصة معرضة لخطر الرجوع الى السجن[16].

المطلب الثاني : حدود دور قاضي تطبيق العقوبات  بالنسبة الافراج المقيد بشروط.

لإبراز نطاق دور قاضي تطبيق العقوبات بالنسبة لمسطرة الافراج المقيد بشروط في التشريع المغربي، لا بد لنا من تحديد هذا الدور والمكانة الممنوحة له بشأن هذه المسطرة كفقرة اولى، وتحديد المعيقات القانونية و العملية التي تعرقل تفعيل هذا الدور كفقرة ثانية.

 

الفقرة الاولى  :دور قاضي تطبيق العقوبات بشأن مسطرة الافراج المقيد بشروط .

بالرجوع الى المقتضيات القانونية المرتبطة بالموضوع ، نجد ان دور قاضي تطبيق العقوبات بهذا الصدد يتمثل في تقديم مقترحات حول استفادة المحكوم عليهم من نظام الإفراج المقيد بالشروط استنادا للمادة 596 من ق.م.ج، بعد تأكد من توفر الشروط  اعلاه بالنسبة لبعض المحكوم عليهم ، وهو في ذلك يقوم بإعداد لائحة بأسماء السجناء المقترح تمتعيهم بالإفراج الشرطي استنادا للمادة 625 من ق.م.ج[17]، ليرسلها فيما بعد إلى مدير المؤسسة السجنية التي يقضي بها المحكوم عليهم المقترح إستفادتهم من نظام الإفراج عن عقوبتهم، ليتولى المدير إعداد ملف الاقتراح الإفراج المقيد بشروط بعدما يضمنه  الشروط المذكورة في المادة 155 من مرسوم رقم 485-200 الصادر بتاريخ 3 نونبر 2000 ،المتمثلة في ما يلي :

– بطاقة شخصية بخصوص الوضعية الجنائية للمحكوم عليه.

– شهادة طبية عند الاقتضاء تتعلق بحالة المحكوم عليه الصحية .

– بيان الحساب الاسمي بالمؤسسة السجنية للمحكوم عليه مع الاشارة الى كل المبالغ التي بذمته   بمقتضى المقرر الزجري الذي بصدد تنفيذه.

– ملخص  حول سلوكه في السجن .

–  رأيه في الافراج.

وبعد تأكد مدير المؤسسة السجنية من هذه الشروط اعلاه يقوم بتوجيه ملف الإقتراح إلى مدير إدارة السجون وإعادة الإدماج الذي يطبق مقتضيات المادة 156 من المرسوم السالف الذكر [18]، ليعرضها على لجنة الإفراج المقيد بشروط المكونة بوزارة العدل طبقا للمادة 624 من ق.م.ج [19] وعندما يتقرر منح سجين الإستفادة من الإفراج المقيد بشروط، فإنه يتم تبليغه قرار الإفراج بواسطة مدير السجن، مع توجه نسخة من قرار الإفراج المقيد بشروط إلى القاضي المكلف بتطبيق العقوبات شأنه شأن وكيل الملك أو والي أو عامل الإقليم الذي يتعين على المفرج عنه أن يجعل فيه محل إقامته ( مادة 628 من ق.م.ج).

وبناءا على ما سبق، يتضح ان رئيس المؤسسة السجنية هو صاحب الاختصاص الاصيل[20]  في اعداد ملف الافراج المقيد بشروط بغض النظر عن صاحب الاقتراج .

وهو ما يجعل دور قاضي تطبيق العقوبات في مسطرة الإفراج المقيد بشروط مجرد مقترح ثانوي هامشي، لا يتماشى والدور المنتظر منه كجهة قضائية ينبغي ان يتمتع باستقلالية في مواجهة السلطة التنفيذية ، وما يؤكد هذا الدور الثانوي ان صلاحية قاضي تطبيق العقوبات في ظل التشريع المغربي ، لم تمنح له اي سلطة تقريرية واضحة بهذا المجال.

لعل الدراسة المقارنة لبعض الأنظمة في هذا المجال تبين لنا مدى الدور الذي يظطلع به قاضي تطبيق العقوبات بخصوص الإفراج المقيد بشروط، كما هو الشأن بالنسبة لتشريع الفرنسي ؛ حيث أنه اذا لم تتجاوز عقوبة السجن عشر سنوات او كانت المدة المتبقية على انقضاءه ثلاث اشهر فان قرار الإفراج المقيد بشروط يتخذه قاضي تطبيق العقوبات بعد أخذ رأي لجنة تطبيق العقوبات وفي باقي الحالات الاخرى  تختص  به محكمة تطبيق العقوبات  ( المادة 730 من ق.م.ج الفرنسي)، كجهة بديلة عما كان مخولا للمحكمة الاقليمية لافراج الشرطي[21] ، وكما يملك ايضا صلاحية مراقبة وتتبع مدى مراعاة المفرج عنه لتدابير المساعدة المنصوص عليها في قرار الافراج وكما يملك صلاحية تغيير تدابير المساعدة والرقابة المضمنة في قرار الافراج (المادة 732 من ق.م.ج الفرنسي) دون ان ننسى امكانيته في الغاء القرار الافراج الشرطي في حالة ادانته بجريمة من جديد او سوء سلوكه (المادة 733 من ق.م.ج الفرنسي). وهو ما يؤكد  الدور المحوري  لقاضي تطبيق العقوبات الفرنسي في مجال التأهيل ،حيث أعطيت له صلاحية اتخاذ القرار بشأن الإفراج وليس فقط مجرد الاقتراح وهو ما يتماشى مع الدور الايجابي للقضاء في  مسطرة الافراج المقيد بالشروط.

وهو ما ندعو معه المشرع المغربي إلى الإقتداء بالتشريع الفرنسي بهذا الصدد، وذلك بإعطاءه لقاضي تطبيق العقوبات المغربي صلاحية إتخاذ قرار الإفراج وليس الإقتراح فقط، الشيء الذي من شانه أن يؤدي الى تخفيف من ظاهرة الاكتظاظ الذي تعرفه المؤسسات السجنية بالمغرب و معه التقليص من حجم نفقات المالية التي تصرفها دولة على السجون والتي هي في أمس الحاجة إلى استثمارها في مجالات  التنمية. إلى جانب تجنيب السجناء المبتدئين من مساوىء الاختلاط مع غيرهم من المحترفين .

وأمام غياب اي دور تأهيلي لقاضي تطبيق العقوبات في مسطرة الإفراج المقيد بشروط الذي يعد من ادواره المحورية  في السياسة العقابية الحديثة ، نتسأل حول المعيقات  القانونية والعملية التي تزيد من الحد من الدور الممنوح له بشان هذه المسطرة؟.

الفقرة الثانية : المعيقات  القانونية و العملية لإقتراح الإفراج المقيد بشروط.

ومما يزيد من الدور الهامشي الممنوح لقاضي تطبيق العقوبات ، أن منطوق الفصل 596 من ق.م .ج الذي ينص على انه :” ..يمكن –اي قاضي تطبيق العقوبات – تقديم مقترحات العفو والإفراج المقيد بشروط “، جاء خاليا من أي مقتضى يحدد كيفية تقديمه اقتراحات الافراج المقيد بشروط  ، فضلا عن انه لم يمنح له أي دور يمكنه من مراقبة  هذه الإقتراحات ، وهل تم الاخذ بها ام لا[22].

بالإضافة الى هذا، نتسأل عن الغاية من تبليغ قرار الإفراج المقيد بشروط الى عدة جهات اخرها قاضي تطبيق العقوبات ،مادام المشرع  المغربي لم يشير الى طبيعة تدخل  قاضي تطبيق العقوبات في مجال الإفراج الشرطي  ، هل يعتبر ذلك على سبيل الإخبار فقط ،اذا علما ان دوره يتوقف عند مجرد اقتراح ،ام ان الأمر يرتبط بصلاحيات تدخلية  لمساعدة المفرج عنه شرطيا، مراعاة لعضويته  ضمن  اللجنة الاقليمية  لمراقبة  السجون ، حيث يظطلع بتنسيق مع مكونات اللجنة المذكورة وخاصة هيئات المجتمع المدني لسعي نحو إعادة إدماج المفرج عنه شرطيا ؟.[23] ومما يحد أكثر من دور قاضي تطبيق العقوبات بشأن  الافراج المقيد بشروط ويجعل من هذا الاخير غير مفعال نجد المعيقات التالية :

– ترك اعداد الملف الإفراج في يد الادارة السجنية ،التي تحاول تغليب النظرة الامنية على التأهيلية.

– طول مسطرة اجراءات اقتراح الافراج المقيد بشروط.

– كثرة المتدخلين في مسطرة الافراج المقيد بشروط.[24]

– اجتماع اللجنة المكلفة بدراسة ملفات الاقتراح مرة في السنة.[25]

وقد كان لهذه المعيقات تأثير على الواقع العملي الذي أبان ندرة في  اللجوء الى  الاستفادة من مسطرة الافراج المقيد بشروط ، لتبقى مجرد اجراء لا يحقق اي تأهيل ، وما يؤكد هذه الندرة الإحصائيات المتحصل عليها من طرف وزارة العدل المتعلقة بطلبات الإفراج المقيد بشروط الواردة من مختلف محاكم المملكة لسنوات 2012،2011 2014،2013،[26]،وهو ما يتضح من خلال الجدوال التالي :

السنوات الملفات المعروضة المستفيدون من الإفراج الملفات المرفوضة
2011 55 2 53
2012 206 17 189
2013 406 19 387
2014 377 6 371

وبتفصيل هذه الإحصائيات نجد انه بالنسبة لسنة 2011  وصلت عدد الملفات المعروضة على لجنة العفو و لإفراج المقيد 55 ملف ، تم رفض 53 ملف ، مع منح شخصين الافراج المقيد بشروط اي ان نسبة الممنوحين لا تتعدى معدل %3.63.

أما فيما يخص سنة 2012، ارتفعت نسبيا عدد الملفات المعروضة على اللجنة العفو و الإفراج المقيد بشروط الى 206 ملف، والتي تم رفض منها 189، واستفاد منها 17 معتقلا من الافراج المقيد بشروط ، اي ان نسبة الممنوحين لا تتعدى %8.26   .

أما في سنة 2013، فقد تم عرض 406 ملف على اللجنة العفو والإفراج المقيد،تم رفض منها  387 ملف ، استفاد منها 19 معتقلا من الافراج المقيد بشروط اي ان نسبة الممنوحين لا تتعدى % 4.68.وهو ما يشكل انخفاضا بالمقارنة بالسنة 2013.

وأما بالنسبة للسنة 2014 فقد عرفت انخفضا في عدد الملفات المعروضة الى 377 ملف، تم رفض منها 371، واستفاد منها 6  معتقلين من الافراج المقيد بشروط ، اي ان معدل ممنوحي لا يتعدى %1.6.

وما يستفاد من هذه الأرقام ، أن عدد الملفات التي تم قبولها ومنح الإفراج بشأنها ضئيلة لا تقارن بعدد الملفات المعروضة على لجنة العفو والإفراج المقيد بشروط  ، حيث لا تتعدى في أحسن الأحوال ب%8 ، وهذه الضائلة لا تتوقف عند عدد المستفيدين بل تمتد الى عدد الملفات المعروضة التي لم تتجاوز في احسن الأحوال 406 ملف خلال سنة 2015 وهو مما لا شك فيه رقم لا يحتمل المقارنة مع عدد الإجمالي للمعتقلين ،  الشيء الذي يجعل من الإفراج المقيد بشروط غير ذي  جدوى في تحقيق اي تأهيل للسجين المغربي او تخفيض من اكتظاظ السجون.

وتبعا لهذه الضائلة في عدد الملفات المعروضة ومعها الملفات الممنوح لها الإفراج،يتبين بالملموس ، أن دور قاضي تطبيق العقوبات بجانب الجهات الاخرى التي لها صلاحية اقتراح الافراج دورغير مفعال وان لم نقول شبه منعدم.

الخاتمة.

ختاما ، يتبين ان قاضي تطبيق العقوبات في التشريع المغربي يتسم بالطابع السلبي الذي يحد من دوره في مسطرة  الافراج المقيد بشروط ، حيث ان صلاحياته الوحيدة تختزل في الاقتراح فقط، دون ان  تمنح له سلطة تقرير بهذا المجال، اذ تبقى سلطة اتخاذ القرار بشأن الإفراج المقيد بشروط حكرا على وزير العدل.

ومما لا شك فيه ان السبب في تقليص دور قاضي تطبيق العقوبات في ظل التشريع المغربي ،ان هذا الاخير مازال يعتبر طبيعة الافراج المقيد بالشروط كمنحة تهذيبية يستفيد منه المحكوم عليه متى توفر فيه شرط حسن السيرة بالإضافة الى الشروط الأخرى، وبالتالي ترك امره للسلطة الادارية دون ان يمتد الى مواكبته بتدابير مساعدة لرعاية اللاحقة تساعده على الاندماج في المجتمع ، ليصبح معه نظام الافراج بالشروط اداة للتأهيل تفرض اسنادها لجهاز القضاء باعتباره المختص بتحقيق هذا التأهيل .

فهذا الحرمان من السلطة التقريرية لقاضي تطبيق العقوبات وحده يجعلنا نتساءل عما إذا كان المشرع المغربي قد كرس فعلا مبدأ التدخل القضائي في مرحلة التنفيذ العقوبة بمفهومه الايجابي الذي يهدف إلى تأهيل المحكوم عليه أم أنه اكتفى فقط بإضافة شخصية إدارية متقمصة شخص قاض للعمل في مجال التنفيذ؟.

[1] – ويرجع ظهور استعمال كلمة الإفراج المقيد بشروط للفقيه الفرنسي  arnoud bonneville de massangy سنة 1847، الذي اقترح هذا النظام كنوع من الافراج لاحق يستفيد منه المحكوم عليه بعد قضائه مدة من تنفيذ  العقوبة ( تترواح في الغالب ما بين نصف او ثلث او ربع المدة) وبإخضاع هذا المستفيد لمجموعة من الشروط، التي يترتب على مخالفتها ارجعه الى السجن ليتم بعد ذلك تبني هذا النظام من طرف اغلب التشريعات.

Jean Pradel,Droit pénal comparé,2 edition ,dalloz,2002,p719

[2] -ياسين اسماعيل مفتاح،الاشراف القضائي على التنفيذ العقابي،المركز القومي للإصدارات القانونية،الطبعة الاولى 2015،ص253

[3] -محمد عيد الغريب الافراج الشرطي في ضوء السياسة العقابية الحديثة دار الايمان للطباعة 1994-1995 ،ص 23.

[4] – نصت ديباجة ق.م.ج في بداية  الفقرة السابعة منها على فلسفة قاضي تطبيق العقوبات بقولها” ..احدث القانون الجديد مؤسسة قاضي تطبيق العقوبة الذي عهد اليه في كل محكمة ابتدائية باختصاصات لتتبع تنفيذ العقوبة بكيفية تسمح باعادة ادماج المحكوم علية”

[5] – محمد نجيب حسني ،علم العقاب،دار النهضة العربية ،1968،ص519

[6]  – عبد الرحمان ابو توتة ،اصول علم العقاب ،منشوراتELGA،2001،بدون ذكر مكان الاصدار ،ص 344.

[7]– – علي عبد القادر القهوجي،  علم الاجرام والعقاب، دار الجامعية للطباعة ، القاهرة ،1986  ، ص318.

[8] – Léauté. jacques, criminologie et science pénitentiaire ,paris .1972, pp793 .794.

[9] -مرسوم رقم 2.00.485 كما تم تغييرها بمقتضى مرسوم رقم 2.04.8.99 بتاريخ 13 ديسمبر 2005، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5406 بتاريخ 23 مارس 2006.

[10]  – شرح المسطرة الجنائية، تنفيذ المقررات والسجل العدلي، ورد الاعتبار الاختصاص المتعلق بالجرائم المرتكبة بالخارج التعاون القضائي، منشورات جمعية المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 8، يونيو 2007، ص 27.

[11] — ينص الفصل 103 من القانون الجنائي على أن “أسباب انقضاء تدابير الوقائية أو الإعفاء منها، أو إيقافيها ،فيما عدا موت المحكوم عليه. لا تطبق على الإيداع القضائي في مؤسسة علاجية، ينقضي وفق الشروط المحددة في الفصلين78و82″.

– هذا على خلاف ما ذهب اليه التشريع النمساوي الصادر في 23 يناير 1974، الذي يسمح للخاضعين لتدابير الوقائية الشخصية الاستفادة من هذا النظام ، حيث نصت المادة 1147 من ذات القانون على انه :” يجوز الافراج عن الاشخاص المودعين في مؤسسة المرضى العقليين شرطيا، بشرط تحديد مدة الافراج ” . – محمد عبد الغريب ، الافراج الشرطي في ضوء السياسة العقابية الحديثة ، دار النهضة العربية ،القاهرة،،ص119.

[12] – تنص الفقرة الاولى من المادة الاولى من المرسوم التطبيقي للقانون 23.98 بأنه”يمكن  ان يترتب  عن حسن سيرة المعتقلبن  اقتراحهم لتغيير نظام اعتقالهم او ترحيلهم او ترشيحهم للاستفادة  من الغفو او الافراج المقيد بشروط..”

[13] –  نبيه صالح، دراسة في علمي الإجرام والعقاب، المكتبة القانونية، الأصدار الأول،  عمان،2003، ص 281.

[14] – المادة 156 من مرسوم رقم 2.00.485 كما تم تغييرها بمقتضى مرسوم رقم 2.04.8.99 بتاريخ 13 ديسمبر 2005، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5406 بتاريخ 23 مارس 2006.

[15] – l’article D.531 du code de procédure pénale enonce que «  Tout condamné, sous réserve de l’application des dispositions de l’article 729-2, a la faculté de refuser son admission à la libération conditionnelle, en sorte que les mesures et les conditions particulières qu’elle comporte à son égard ne peuvent s’appliquer sans son consentement.

Ces mesures et conditions doivent en conséquence être portées à la connaissance de l’intéressé avant l’exécution de la décision qui les prescrit ».

[16]  -Francois  Staechele , Francois Staechelle, la pratique de l’application des peines, libraire de la cour de cassation,  Dalloz 1995 ,p156.

[17] – تنص المادة 625 من ق.م .ج على انه “يعد رئيس المؤسسة السجنية التي يقضي بها المحكوم عليه عقوبته اقتراحات الافراج المقيد بشروط اما تلقائيا او بناءا على طلب من المعني بالآمر او عائلته ، وإما بتعليمات من وزير العدل او مدير ادارة السجون ،او بمبادرة من قاضي تطبيق العقوبات “.

[18] -تنص المادة 156 من مرسوم 3 نونبر 2000 على انه ” ترسل هذه الملفات الى مدير ادارة السجون واعادة الادماج لتتمميها ب :

-شهادة تثبت بان المعني بالأمر يملك وسائل شخصية للعيش او مهنة ذات دخل قار ، واذا تعذر ذلك بشهادة ايواء او -شهادة من مشغل يلتزم فيها بتشغيل المعتقل بمجرد الافراج عنه والا سيرفض الطلب

-بنظرية رئيس النيابة العامة لدى المحكمة التي اصدرت الحكم مع ملخص  لوقائع الجريمة

– بنظرية عامل الاقليم او العمالة التي سيقطن بها المعتقل.

يرفع مدير ادارة السجون وإعادة الادماج هذه الملفات الى وزير العدل مرفقة وبنظريته”.

[19] – تتمثل تشكيلة هذه اللجنة حسب نص المادة 624 من ق.م .ج من

– مدير الشؤون الجنائية والعفو او من يمثله رئيسا ينوب عن وزير العدل .

– مدير ادارة السجون وإعادة الادماج او من يمثله،

– ممثل عن الرئيس الاول للمجلس الاعلى وممثل عن الوكيل العام لدى المجلس الاعلى.

[20] –وهو نفس التوجه الذي اخذ به المشرع المصري الذي اناط اقتراح الافراج المقيد بشروط لمدير العام للسجون ( المادة 53 من قانون تنظيم السجون المصري).

[21] – وقد عوضت محكمة تطبيق العقوبات بمقتضى قانون 9 مارس 2004،محكمة الاقليمية الافراج الشرطي والتي عوضت بدورها بمقتضى قانون 15 يونيو صلاحيات  وزير العدل سابقا ،والذي كان يتقاسم مع قاضي تطبيق العقوبات صلاحية تقرير الإفراج المقيد، حيث كان يختص قاضي تطبيق العقوبات  بتقرير الإفراج المقيد بشروط  اذا كانت العقوبة  المتبقية على  انقضائها  خمس سنوات ، بينما اذا تجاوزت هذه المدة يمنح فيها الاختصاص للوزير العدل.

– Bernard Bouloc, “pénologie execution des sanctions des sanctions  adultes et mineur”          “3 edition,dalloz ,2005,p295-296.

 

 

[22] -ادريس النوازلي ،”الاشكالات العملية لمؤسسة قاضي تطبيق العقوبة”،مجلة المحامي العدد 48،2008،ص238-239.

[23] -عبد العالي عبد الحفيظ ، صلاحيات قاضي تطبيق العقوبات  في القانون المغربي ،الطبعة الثانية ،دار القلم،الرباط،2012 ص 290

[24] – عبد السلام رحو، مؤسسة قاضي تطبيق العقوبات ، مطبعة دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع،الطبعة الاولى 2002،ص 70.

[25] – المادة 626 من ق.م.ج المغربي

[26] – احصائيات متحصل عليها من وزارة العدل والحريات متعلقة بملفات الافراج المقيد بشروط (غير منشورة)،