دور المعارضة البرلمانية على ظل دستور 2011

308

دور المعارضة البرلمانية على ظل دستور 2011

النعيمي حميد

طالب باحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية-عين الشق

جامعة الحسن الثاني

 

تقديم

 

تتميز النظم السياسية الديمقراطية[1] بحضور ووجود الاحزاب السياسية، بحيث لا يمكن تصور وجود نظام ديمقراطي بدون أحزاب سياسية تتمتع بكل الحرية في ممارسة نشاطاتها السياسية بما في ذلك مراقبة عمل الحكومة ، وتوجيه النقد لها وإظهار أخطائها للرأي العام.إنها ركيزة الحياة السياسية و نتاج الديمقراطية ومبدأ سيادة الشعب.

والأحزاب إما أن تكون إذن في المعارضة[2] فتلعب دور المراقبة والمحاسبة على الحزب الحاكم أو في الحكومة فتعمل على تنفيذ برنامجها الذي انتخبت من أجله.

ان وجود المعارضة أصبح ضرورة و ذا اهمية في المراقبة والمساءلة ومن ثم التقويم العام لاداء و عمل الحكومة ،خاصة وان القائمين على الحكومة هم من البشر يتعرضون للاخطاء والهفوات .فهي ليست لاجل الصراع من اجل البقاء بل هي تنافس لخدمة الصالح العام.

و انطلاقا من هاته الاهمية عملت دول عدة على سن قوانين تنظم دورها وتحدد حقوقها وواجبعتها  حتى تساهم في العملية الديمقراطية وتشارك بفعالية في تحقيق التنمية بمختلف صورها.

  • فهل بوأ المشرع الدستوري المغربي المعارضة البرلمانية المكانة اللائقة بها؟
  • وهل عمل على تقوية الدور التشريعي و الرقابي للمعارضة ،أم عمل على إضعافها و حد من تدخلها ؟
  • وهل يرمي المشرع من وراء تخويل المعارضة البرلمانية نظاما خاصا بها السمو بمكانتها في البرلمان، أم اعتبارها كفسيفساء واجهة لتاثيت المشهد السياسي ؟

لكن قبل الاجابة هلى هاته التساؤلات وغيرها في المبحث الثاني ،سنقف في المبحث الاول على حقيقة المعارضة واهمية دورها

المحور الاول: أهمية ودور المعارضة في النظام السياسي الديمقراطي

تحرص الأنظمة السياسية في الدول المتقدمة في مجال الممارسة الديمقراطية على تكريس دور المعارضة ورعايته وتطويره كونه يشكل دعامة أساسية لحماية النظام السياسي والمساهمة في استقراره.

إذا كان دور المعارضة في الأنظمة السياسية الديمقراطية هو مراقبة صنّاع القرار السياسي ومدى نجاحهم أو إخفاقهم على الأرض ، فإن غيابها استئثارا بالحكم من قبل حركة أو كتلة أو حزب سياسي أو شخص واحد.

لاشك ان أسوأ إستراتيجية يمكن أن تنتهجها المعارضة الديمقراطية هي تخليها عن الشرعية،فالمعارضة السلبية التي تسعى إلى العنف والتخريب والقتل تقضي على الديمقراطية وتهدمها.
إن قبول المعارضة من جانب السلطة الحاكمة ثم الاستفادة منها من أجل تسيير عمل المؤسسات السياسية تقدما بارزا بالنسبة للمواطنين المنتمين للمعارضة، فهؤلاء يستطيعون عن طريق الدستور أن يؤكدوا استقلاليتهم وحرياتهم تجاه السلطة الحاكمة ويعبرون عن آرائهم، وبواسطة المعارضة يستطيعون مراقبة الحكومة وهذا مكسب إيجابي للمعارضة والتي يمكنها عن طريق الفصل العاشر من الدستور أن تظهر قوتها وما لديها من أفكار إيجابية يستفيد منها الجميع في إطار الشفافية والوضوح.

ولاجل تبيان وتحليل المعارضة وثقافتها وممارستها في النظام السياسي الديمقراطي كواحدة من القيم السياسية سنوزع البحث على ما يلي:

 

الفقرة الاولى:مساهمة  المعارضة في بناء الديمقراطية

تمثل المعارضة[3]  ركيزة أساسية لا تستقيم الديمقراطية دونها٬ ومهمتها الأساسية هي أن تشكل بديلا ذا مصداقية للأغلبية القائمة. فبرقابتها وبنقدها لعمل الحكومة فهي تساهم في ضمان شفافية ونزاهة وفعالية تسيير الشأن العام٬ وتحول دون وقوع التجاوزات من قبل السلطات العمومية.فالمعارضة السياسية تستطيع أن تساهم في الوقت الحالي في المجالات التالية:

صيانة الوحدة الوطنية، فالنزعات الانفصالية يا كانت تمظهراتها تجد مرتعها دائما في المجتمعات التي لا تتوفر على حيز كبير من حرية التفكير والتعبير وفضاءات تسمح بحرية النقاش والحوار.

مواجهة التوترات الاجتماعية :

ترتبط المعارضة بنشوء حالة من الاستفزاز والقلق الاجتماعي والسياسي الذي ينطوي على شعور الانسان بالتذمر في درجاته الدنيا وفي التمرد في درجاته العليا بسبب حدوث التناقض بين السلطة والشعب مما يولد حالة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي يلقي آثاره الى مختلف نواحي الحياة الاخرى.

فالمعارضة هي سلوك جماعي معين ازاء ظاهرة ما تتقاطع مع رأي هذه الجماعة ام تلك.

التقدم نحو الديمقراطية من دون إيجاد مخرج للتناقضات الاجتماعية العميقة التي تخلق بؤر الاحتجاج  و السخط

تستمد بعض المعارضات السياسية المتطرفة والتي تمارس نشاطها خارج المؤسسات الرسمية  شرعيتها من عمق التناقضات والتوترات الاجتماعية والسياسية وما هو المآل الذي آلت إليه بعد أن دمرت قدرات البلاد والعباد. (وجود اختلالات في هذه الأنظمة السياسية ورفض المعارضة في المشاركة السياسية وعدم الاعتراف بها كقوة سياسية، ما أدى إلى اضطرابات وأزمات سياسية واجتماعية واقتصادية مصحوبة أحيانا بالعنف والقتل والتخريب.)

أمام المعارضة السياسية مسؤولية كبيرة في إعادة بناء المجتمع على أسس السلام  والديمقراطية والتسامح وتقبل الآخر وحقه في الاختلاف في إطار ما يسمح به القانون.

 المساهمة في التنمية: الناس لا يأكلون من الديمقراطية وعليه لابد من المساهمة في تنمية البلاد من خلال البحث العلمي وتقديم الاقتراحات البناءة. ولما كانت سلطة الأغلبية قادرة على فعل كل شيء وهي القوة الوحيدة التي ينبغي الامتثال لها، فإنه لا ينبغي في نفس الوقت تهميش المعارضة وتجاهل دورها الإيجابي في الحياة السياسية.

مساهمة في النقاش العام: لا يمكن أن تقوم المعارضة بدورها بدون وجود فضاء للنقاش خاص بها (جريدة الحزب، موقع على الانترنيت، نشاطات دائمة ومستمرة) وكذلك بدون استعمال وسائل الاتصال العمومية والخاصة وأهمها التلفزيون.

– جعل السلطة وسيلة وليس غاية، من حق المعارضة ان تنتقد وتعترض وتراقب عمل الوزارة وتستجوب رئيس الحكومة والوزراء في اي شأن من شؤون المجتمع والدولة وفق آليات دستورية وقانونية وتقديم المقترحات والبدائل لتصحيح الخطأ والخلل هذا من جهة ،ومن جهة اخرى فان المعارضة تحترم وتعترف بسلطة الحكومة المنتخبة كما تحترم الاغلبية الاقلية السياسية وتتعاون مع الحكومة لاجل الصالح العام فهي لا تقوم بالمعارضة لاجل المعارضة بل ان المعارضة تشكل جزءا متمما للنظام السياسي .

 

الفقرة الثانية:ظهور وتطور المعارضة السياسية بالمغرب

لن نتعرض لتاريخ المعارضة السياسية بالمغرب، بل نذكر فقط المراحل التي مرت بها هذه المعارضة، وهي ثلاث:

– المرحلة الأولى: 1912-1955، فقد ولدت المعارضة المغربية تحت نير الاحتلال، ووجدت من أجل المطالبة بالحقوق الأساسية للشعب المغربي. مطالب المعارضة تأرجحت بين المطالبة ببعض الحقوق إلى الاندماج إلى الاستقلال التام.

– المرحلة الثانية: 19561998 وهي التي بدأت مع استعادة المغرب لسيادته الوطنية (1956)، حيث استندت السلطة السياسية إلى ما سمي وقتها بالشرعية التاريخية وذلك حتى سنة 1962 بعدها جاءت مرحلة الشرعية الدستورية. اعتراف السلطة السياسية بالتعددية الحزبية ….

إلا أنه على مدار التجربة الدستورية التي عرفها المغرب طيلة ما يقارب النصف قرن، ابتدءا من دستور 1962 ومرورا بدساتير 1970 ، 1972، ووقوفا عند دستوري 1992، و 1996 ، عرفت حقوق المعارضة البرلمانية[4] تقييدا من طرف المشرع الدستوري، وتحولت الى مؤسسة فارغة من محتواها لا تقوى لا على مراقبة الأداء الحكومي ولا على محاسبته[5].

المرحلة الثالثة: ابتدأت بإقرار التعديل الدستوري لسنة 2011

جاء الدستور الجديد بتحول عميق في الفصل 10، عندما أعطى للمعارضة حقوقا وضمانات ومكانة تجعلها تتمكن من العمل داخل الحياة السياسية مثل المشاركة الفعلية في مسطرة التشريع والمشاركة الفعلية في مراقبة العمل الحكومي، لا سيما عن طريق ملتمس الرقابة، ومساءلة الحكومة والأسئلة الشفوية الموجهة للحكومة، واللجان النيابية لتقصي الحقائق والمساهمة في اقتراح المترشحين وفي انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية وتمثيلية ملائمة في الأنشطة الداخلية لمجلسي البرلمان ورئاسة اللجنة المكلفة بالتشريع بمجلس النواب، والمساهمة الفاعلة في الدبلوماسية البرلمانية للدفاع عن القضايا العادلة للوطن ومصالحه الحيوية… إلخ

فالمعارضة استنادا على ذلك ليست رفضا للنظام السياسي بل هي عدم الموافقة على بعض البرامج والأهداف ولكنها تمتزج بقبول أسس هذا النظام وأهمها الثوابت المنصوص عليها في الفصل الأول من مشروع الدستور الجديد والتي تتمثل في الدين الإسلامي السمح والوحدة الوطنية متعددة الروافد والملكية الدستورية والاختيار الديمقراطي.

المحور  الثاني: مكانة المعارضة البرلمانية في الدستور المغربي الجديد

أعطى الدستور الجديد مكانة للمعارضة في العمل السياسي من أجل تسيير المؤسسات السياسية، وتشكل هذه المقتضيات تقدما دستوريا تستطيع من خلاله المعارضة مراقبة عمل الحكومة وبذلك يضيق مجال السرية السياسية بشكل ملحوظ، ويؤدي قبول المعارضة وجعلها مؤسسة فعلية إلى خلق توازن سياسي، للحد من طغيان الأغلبية على الأقلية.

الفقرة الاولى:حقوق وواجبات المعارضة البرلمانية

تعتبر المعارضة البرلمانية أحد الأركان الأساسية للأنظمة البرلمانية لكونها تقوم بدور المراقب للأداء الحكومي، ولا تتأتى لها هذه المراقبة إلا إذا اعترف لها الدستور بحزمة من الحقوق في المجال الرقابي، والتشريعيان.ذلك ان  الدستور الجديد كفل للمعارضة البرلمانية  حقوقا وردت على سبيل الحصر في المادة 10 من الدستور الحالي وهي كالأتي:

–   رئاسة المعارضة للجنة المكلفة بالتشريع .:حسب النظام الداخلي للمجلس فإن لجنة التشريع تختص بالعدل ،وحقوق الإنسان ،والأمانة العامة للحكومة ،والشؤون الإدارية ،والعلاقات مع البرلمان والمجلس الأعلى، والمجالس الجهوية للحسابات .ونظرا لأهمية الاختصاصات الموكولة لهذه اللجنة ،وتدعيما لمكانة المعارضة في الدستور الحالي تمت دسترة رئاسة هذه اللجنة من طرف المعارضة في الفصل  10 من الدستور الجديد ،مع التأكيد في الفصل 69 منه على ضرورة تضمين النظام الداخلي للمجلس ما يفيد بتخصيص  رئاسة لجنة ،أو لجنتين على الأقل من طرف المعارضة.

–  إحالة القوانين على المحكمة الدستورية.:إن الهدف من إحالة القوانين على المحكمة الدستورية هو الحيلولة دون صدور أي نص قانوني مخالف للدستور. ولتمكين المعارضة البرلمانية من اللجوء إلى هذه الآلية، تم تخفيض طلب إحالة[6] هذه القوانين على المحكمة الدستورية من ربع الأعضاء في المادة 81 من دستور 1996، إلى خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من مجلس المستشارين طبقا للمادة 132 من دستور 2011

–    التقدم بمقترح مراجعة الدستور :إن كل الدساتير الخمس التي عرفها المغرب بعد الاستقلال نصت على حق البرلمانيين بالتقدم بمقترحات لمراجعة الدستور. وباستثناء دستور 1962 الذي نص في فصله 106 على أن مقترح مراجعة الدستور لا يتطلب إلا تصويت الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس. فإن الدساتير الأخرى اشترطت تصويت أغلبية ثلثي الأعضاء على هذا المقترح. وبذلك فإن المشرع الدستوري المغربي لم يحد عن العديد من الدساتير المقارنة التي تشترط التصويت بهذا النصاب القانوني كالدستور اللبناني في مادته 79.

وتفرض جل الدساتير والقوانين المعمول بها في الأنظمة الديمقراطية على الأحزاب السياسية، سواء كانت في السلطة أو في المعارضة، مجموعة من الشروط والالتزامات والتي منها:

– المساهمة في تنمية الروح الديمقراطية؛

– احترام الدستور والمؤسسات؛
–  احترام القانون بمفهومه العام فلا يمكن البحث عن السلطة إلا في إطار الاحترام الكامل للقانون؛
–  الدفاع عن المصالح العليا للأمة؛
– متابعة العمل الحكومي ونقده بصورة واضحة وبناءة

ولما كانت المعارضة ركيزة أساسية لا تستقيم الديمقراطية دونها ومهمتها الأساسية هي أن تشكل بديلا ذا مصداقية للأكثرية القائمة. فبرقابتها وبنقدها لعمل الحكومة فهي تساهم في ضمان شفافية ونزاهة وفعالية تسيير الشأن العام وتحول دون وقوع التجاوزات من قبل السلطات العمومية أو الأفراد. وبهذا تكون قد ضمنت الدفاع عن الممتلكات العامة.

– تقوم المعارضة في النظام الديمقراطي بدور النقد والمراقبة والاقتراح وتؤدي وظيفتها انطلاقا من مبدأين هما׃
–  السعي للوصول إلى السلطة بالطرق السلمية وعن طريق الاقتراع.
– عدم عرقلة عمل الحكام المنتدبين من طرف الأغلبية

– إن واجبات المعارضة تضبطها قواعد سياسية ومسلكيات يحددها القانون وتقتضي من أعضاء المعارضة أن يمارسوا مسؤولياتهم في إطار احترام الشرعية. على المعارضة أن تتحاشى التحريض على العنف كوسيلة للتعبير السياسي وأن تتفادى التصرفات المنافية للدستور. يجب على المعارضة أن تمارس نشاطاتها في جو من التسامح والبحث عن الحوار والتشاور.

– لكي تمكن المعارضة من تحقيق مهماتها بفعالية لا بد لها من الالتزام بمبادئ الديمقراطية وعليها أن تتحلى بالمسؤولية وتتصرف طبقا للمصلحة العليا للأمة. كما يجب عليها أن تعارض بصورة بناءة ومسئولة وتقدم اقتراحات بديلة للسياسات التي تطبقها الأغلبية الحاكمة. وخلال عملها على المعارضة أن تسهر على عدم العرقلة المجانية لعمل الحكومة وأحرى بها أن تسعى لتحسين أداء الحكومة من أجل المصلحة العامة.

– انتبه الدستور الجديد إلى ما للمعارضة البرلمانية من أهمية لهذه المسألة بالغة الأهمية لهذا عمل على تكريس مبدأ توازن السلطات وأعطى للمعارضة المكانة الدستورية اللائقة بها حتى تقوم بدورها الإيجابي في الحياة السياسية خدمة للمصلحة العامة للبلاد.

وفي هذا الاطارعمل المشرع الدستوري على دسترة مجموعة من الحقوق ،حيث أوردها  على سبيل الحصر في الفصل العاشر مع تأكيده  في الفصل 69 على إلزامية تضمين هذه الحقوق ضمن النظام الداخلي للمجلس.ومن أهمها :

ـ حرية الرأي، والتعبير، والاجتماع.

ـ الاستفادة من وسائل الإعلام الرسمية .

ـ الحق في ممارسة السلطة عن طريق التناوب الديمقراطي .

 ـ المساهمة الفعلية في مراقبة العمل الحكومي عن طريق ملتمس الرقابة، والأسئلة البرلمانية، ولجان تقصي الحقائق.

 

الفقرة الثانية:وسائل عمل المعارضة البرلمانية

تتمثل هذه الآليات الرقابية في تشكيل اللجان النيابية لتقصي الحقائق، وتقديم ملتمس للرقابة، وطلب عقد الدورات الاستثنائية، وتوجيه الأسئلة للحكومة،

– تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق[7] :يعد تشكيل اللجان النيابية لتقصي الحقائق آلية من آليات مراقبة المعارضة للعمل الحكومي، والهدف من إحداث مثل هذه اللجان هو تجميع المعلومات المتعلقة بوقائع محددة تثار مواضيعها بحدة خلال الجلسات العامة للبرلمان.وينتهي عمل هذه اللجان بصياغة تقارير تتضمن خلاصاتها، وتقدم أمام البرلمان.   وبخلاف الدساتير السابقة، فإن الدستور الحالي سمح في فصله 67 بتقديم طلب تشكيل هذه اللجان من طرف ثلث أعضاء أحد المجلسين[8]، شرط أن لا يتم تشكيلها في وقائع تكون موضوع متابعات قضائية.وهذا الشرط يحد من تشكيل مثل هذه اللجان لاسيما وأن الوقائع التي تشكل من أجلها مثل هذه اللجان تكون موضوع متابعات قضائية.

  – تقديم ملتمس الرقابة:من الناحية القانونية ،يشكل ملتمس الرقابة المقدم من طرف المعارضة أحد الأسلحة التي قد تصيب الجهاز الحكومي في مقتل، وبالتالي تؤدي إلى استقالة جماعية للحكومة . إلا أن هذا السلاح يبقى عديم الفعالية من الناحية العملية.

أكيد أن الدستور الحالي خفض نصاب قبول ملتمس الرقابة من توقيعه من طرف ربع الأعضاء في الفصل 76 من دستور 1996، إلى الخمس في الفصل 105 منه[9]. لكنه لا بد من الإقرار بأنه حتى إذا ما تحقق للمعارضة النصاب القانوني للتوقيع على الملتمس، فإنه يصطدم بإجبارية الموافقة عليه من طرف أغلبية أعضاء المجلس المؤيدة للحكومة[10]. وفيما يخص مجلس المستشارين فقد جرده الدستور الحالي من أي حق في التقدم بملتمس للرقابة ،أو التصويت عليه بخلاف ما كان عليه الحال في  المادة 77 من دستور 1996 .

–          طلب عقد دورة استثنائية .

إن الهدف من عقد الدورات الاستثنائية للبرلمان هو مناقشة مواضيع طارئة ،وهامة تكتسي طابع الاستعجال . وفي الغالب فإن المعارضة البرلمانية تلجأ لطلب عقد هذا النوع من الدورات ،واقتراح نقط بجدول أعمالها لها علاقة بتقييم الأداء الحكومي في مجال من المجالات.

وإذا كان الفصل 41 من دستور 1996 قد تشدد فيما يخص عقد الدورات الاستثنائية،حيث اشترط تقديم الطلب بعقدها من طرف الأغلبية المطلقة لأعضاء أحد المجلسين. فإن الدستور الحالي في فصله 66 لم يشترط إلا تقديم طلب من طرف ثلث أعضاء مجلس النواب لعقدها[11]، مثلما نص على ذلك الفصل 40 من دستور1962.

 –  مساءلة الحكومة من طرف المعارضة البرلمانية.

1ـ الأسئلة:

تعتبر الأسئلة الشفوية وسيلة من وسائل مراقبة العمل الحكومي ونظرا لهذه الأهمية فقد تعرض الدستور المراجع سنة 2011 بتنظيمها في الفصل 100 و خصص بالأسبقية جلسة خلال كل أسبوع لأسئلة أعضاء المجلسين، وأجوبة الحكومة، والتي يجب أن تدلي بجوابها خلال العشرين يوما الموالية لإحالة السؤال إليها.

 لكنها تصطدم على المستوى العملي بتقاعس رد الحكومة داخل الأجل الدستوري المحدد في عشرين يوما، نظرا لغياب أي جزاءات قانونية عن هذا التأخير، و تفشي ظاهرة الغياب المتكرر لبعض أعضاء الحكومة عن جلسات البرلمان للرد على الأسئلة المطروحة .ناهيك على أن هذه الأسئلة لا يمكن أن تترتب عنها أي مسؤولية سياسية للحكومة[12] أو أحد أعضائه[13].

-مساءلة الحكومة من طرف مجلس المستشارين:

طبقا للفصل 106 من الدستور الجديد يمكن لمجلس المستشارين أن يسائل الحكومة بواسطة ملتمس يوقعه على الأقل خمس أعضائه .ولا يقع التصويت عليه إلا بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس .وهذا الملتمس يتلوه نقاش ولا يعقبه تصويت ، ولا تترتب عنه أي مسؤولية سياسية للحكومة ،لذلك كان حريا بالمشرع الدستوري أن لايربط تقديم هذا الملتمس بالموافقة عليه من طرف الأغلبية المطلقة لمجلس المستشارين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خلاصات لابد من إثارتها:

مما لا شك فيه أن مكانة المعارضة البرلمانية في الدستور الجديد تسمو على مكانتها في الدساتير المغربية السابقة لكون المشرع الدستوري سمى المعارضة البرلمانية بالاسم بعد أن كانت نكرة في الدساتير السابقة ،وعمل لأول مرة على دسترة بعض حقوقها الخاصة ، وأضفى مرونة على بعض آلياتها الرقابية والتشريعية ، واستجاب للعديد من المقترحات التي تضمنتها مذكرات بعض الأحزاب السياسية ، إضافة إلى تقدم بعض فصول الدستور المغربي الجديد على بعض فصول الدستورين الفرنسي ،والإسباني .

-لكن هذه السمة الإيجابية التي طبعت بعض فصول الدستور الجديد لا تمنعنا من القول بأن المشرع الدستوري المغربي لم يأخذ بالعديد من الآليات الرقابية الجريئة التي تضمنتها بعض المذكرات الحزبية كحق استجواب الوزير الأول ووزرائه، ومساءلتهم. وتخفيض النصاب القانوني إلى الحد الأدنى عند اللجوء إلى تحريك بعض الآليات الرقابة، أو التشريعية من طرف المعارضة، كإحالة القوانين على المحكمة الدستورية، وتشكيل لجان تقصي الحقائق، وعقد الدورات الاستثنائية. مع الإشارة إلى تقدم بعض فصول دستور 1962 على الدستور الحالي خصوصا تلك المتعلقة بالنصاب القانوني الواجب لتقديم ملتمس الرقابة، والتصويت على مقترح تعديل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] – توجد العديد من الآراء والتعاريف التي تقدم للديمقراطية، فهي بمعناها الواسع، تعني مشاركة الشعب في اتخاذ القرار، ومراقبة تنفيذه، والمحاسبة علي نتائجه.إنها “صيغة لإدارة الصراع في المجتمع بوسائل سلمية، من خلال قواعد وأسس متفق عليها سلفا بين جميع الأطراف، تضمن تداول السلطة بين الجميع من خلال انتخابات دورية حرة ونزيهة”.

[2] – يمكن تعريف المعارضة سياسيا بأنها مجموعة من الأفكار والآراء والسلوكات والمواقف الصادرة عن أشخاص طبيعيين أو تنظيمات منظمة أو غير منظمة المناوئة لنظام الحكم.انظر  ” موسوعة العلوم السياسية ” مؤلف جماعي، الجزء الأول، جامعة الكويت 1991

 

[3] – تلعب المعارضة دورا أساسيا في النظام الديمقراطي٬ هذا ما جعل دولا عدة تسن قوانين تنظم دورها. ففي بريطانيا مثلا٬ أعطوا لزعيم المعارضة دورا رسميا،حيث يكون قائد أكبر أحزاب المعارضة ” زعيم معارضة صاحبة الجلالة ” انظر

Maurice Duverger: ” Les parties politiques” librairie Armond colin 1976  P. 541

مما يخوله تعيين حكومة ظل بعدد من النواب واللوردات يساوي عدد أعضاء الحكومة. هكذا تضمن المعارضة متابعة أعضاء الحكومة واستجوابهم بطريقة معمقة. تمكن حكومة الظل أيضا المعارضة من تحضير نواب ولوردات يكونون جاهزين لاستلام مهامهم عند فوزهم في الانتخابات العامة المقبلة. وبهدف التحضير لهذا الاحتمال تنشغل المعارضة أيضا بإعداد برنامجها الحكومي الخاص. حكومة الظل هذه تمثل تقليدا قديما في هذا النظام البرلماني العتيق٬ ويعمل به بصورة رسمية منذ بداية القرن العشرين. مصطلح ″حكومة الظل″ مشتق من عبارة التي تعني تقصي أثر شخص أو ملازمته كظله. انظر

[4] –  رغم أن مذكرة الكتلة الديمقراطية للإصلاحات الدستورية لسنة 1992 طالبت بتقوية دور المعارضة البرلمانية ،كحقها في استجواب الحكومة ومساءلتها، ومراعاة حقوقها البرلمانية في مجال المراقبة ،والتشريع  فإن المشرع الدستوري لم يستجب إلا لبعض هذه المطالب، وبقيت المطالب الأخرى معلقة إلى أجل غير مسمى.انظر

[5] – أسباب عديدة تدخلت لتحرم المعارضة من المشاركة الفعلية في إحداث التحول نحو الديمقراطية نذكر من هذه الأسباب:

–       ولادة الكثير من الأحزاب السياسية كانت قيصرية وبدون توفر جو سليم للنمو العادي.

–       تقلص فضاءات التعبير، على الساحة السياسية وداخل الأحزاب،

–       افلاس بعض الأحزاب السياسية بسبب مشاركتها في تسيير الشأن العام

–       فشل الكثير من الأحزاب في تقديم برنامج واضح ومحدد

–       افتقاد القدرة على التجديد والتغيير السياسيين والتعبئة وبلورة مواقف سياسية تخدم رصيد الحزب،

–       الغياب التام لبعض الأحزاب عن الساحة السياسية والظهور فقط أيام الحملات الانتخابية.

 

[6] – بينما الدستور الألماني في مادته 93 يستوجب تقديم الطلب من طرف ثلث أعضاء المجلس النيابي الاتحادي بخلاف الدستور الفرنسي الذي لم يتشدد في موضوع إحالة القوانين من طرف البرلمانيين  على المجلس الدستوري ،حيث أجاز بذلك ل 60 نائبا من أصل577 نائبا بالجمعية  الوطنية أي ما يزيد عن عشر الأعضاء.

 

[7] – ويلاحظ  بأن التجربة الدستورية للمغرب ما بين دستوري سنة 1962 و سنة1972 لم تعرف أي دسترة للجن البرلمانية لتقصي الحقائق ،وباءت محاولات النواب البرلمانيين بتضمين هذه اللجان في النظام الداخلي للمجلس بالفشل خلال هذه الفترة بسبب تدخل المجلس الدستوري ،والحكم بعدم ملاءمة النظام الداخلي للمجلس الذي يسمح له بتأسيس مثل هذه اللجان .وبالرغم من أن دستوري سنة 1992 في فصله 40 ، وسنة 1996 في فلصه 42 ،سمحا للبرلمانيين بطلب تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق ،فإن هذا الطلب بقي مشروطا بشروط تعجيزية لا تسمح للمعارضة البرلمانية بالمبادرة بتشكيل مثل هذه اللجان لأن ذلك يستوجب تقديم طلب من طرف الأغلبية البرلمانية لأحد المجلسين ، وهذا فيه هضم لحقوق الأقلية البرلمانية. انظر

[8]– في حين سهل المشرع الدستوري في بعض الدساتير المقارنة مأمورية المعارضة البرلمانية لإحداث مثل هذه اللجان، كالدستور الكويتي في مادته 114 والذي لم يضع أي قيود على تشكيلها وسمح لمجلس الأمة بتأسيسها في أي وقت. والدستور اليمني الذي أجاز في مادته 94 تكوين هذه اللجان بناءا على طلب من عشرة أعضاء بمجلس النواب الذي يتكون من 301 نائب..

[9] – مع التذكير بأن الفصل81 من دستور 1962 تقدم على الدستور الحالي بحيث لم يكن يشترط في توقيع هذا الملتمس إلا عشر أعضاء المجلس، مما شجع المعارضة البرلمانية سنة 1964 لتبادر بتقديم ملتمس للرقابة ضد الحكومة.

[10] – لهذا السبب فإن المعارضة البرلمانية في المغرب لم تلجأ لتقديم هذا الملتمس إلا مرتين، خلال سنة 1964 ضد حكومة أبا أحنيني ،وسنة 1990  ضد حكومة عز الدين العراقي ،لم يترتب عنهما أي إسقاط للحكومة بسبب معارضة الأغلبية البرلمانية.والملاحظ وتكاد الدساتير المقارنة للأنظمة البرلمانية تتفق على التصويت بالأغلبية المطلقة على ملتمس الرقابة ، كالدستور الكويتي في مادته 101، والدستور الإسباني في مادته 113 ،والدستور السويدي في مادته 4. ولعل الهدف من هذا التقييد القانوني هو ضمان الاستقرار الحكومي .

[11] – . إسوة ببعض الدساتير المقارنة ،كالمادة  39 من دستور جمهورية ألمانيا الاتحادية ، والمادة 73 من الدستور اليمني. وفي هذا الصدد فإن الدستور الحالي تقدم على العديد من الدساتير الأوروبية، كالدستور الفرنسي في مادته 29 ،والدستور الإسباني في مادته 74الذين يشترطان تقديم الطلب من طرف الأغلبية المطلقة للمجلس لعقد مثل هذه الدورات. لكن الدستور المغربي الجديد بقي متأخرا عن دساتير دول أخرى كالمادة 53 من الدستور الياباني التي تكتفي بتقديم طلب عقد الدورة الاستثنائية من طرف ربع أعضاء المجلس ، والمادة 112من الدستور الكويتي والتي تجيز لعشر أعضاء مجلس الأمة طرح موضوع عام على المجلس. وفي هذا الاتجاه فإن مذكرة حزب الاستقلال اقترحت تخفيض هذا النصاب إلى ربع أعضاء المجلس.

[12] – ربما لخطورة هذا السلاح الرقابي الذي قد يترتب عنه عدم الاستقرار الحكومي بالإثارة المتكررة للمسؤولية السياسية للحكومة من طرف المعارضة، و الخوف من مبادرتها لسحب الثقة منها .

[13] – في حين عملت بعض الدساتير العربية على تقوية دور المعارضة البرلمانية بواسطة آلية الاستجواب التي قد تتطور أحيانا إلى سحب الثقة من  رئيس  الوزراء، أو أحد وزرائه ، كالمادة 109 من الدستور الكويتي التي تسمح لكل عضو من أعضاء مجلس الأمة  بتوجيه استجواب للوزير الأول ، أو أحد وزرائه. وفي هذه الحالة يجوز للاستجواب أن يؤدي إلى طرح موضوع سحب الثقة من الوزير الأول ،أو أحد وزرائه على المجلس . ونفس المنحى اعتمده دستور البحرين في مادته 65 .