دور القاضي الانتخابي في حماية العمليات الانتخابية

1,094

دور القاضي الانتخابي في حماية العمليات الانتخابية

دكتورة عفاف كوثر صابر

باحثة في القانون العام

 

تعد كفالة الحقوق السياسية مقوما أساسيا لدولة الحق والقانون ، وصحيح أن المجتمعات الديمقراطية تكفل من خلال دساتيرها ممارسة هذه الحقوق وفق ما أقرته المواثيق الدولية، إلا أن الديمقراطية الحقيقية تقتضي حرصها على ضمان ممارستها الفعلية على أرض الواقع وذلك بإحاطتها بسياج من الضوابط القانونية والقضائية .

والحق في الانتخاب هو أحد هذه الحقوق وهو وسيلة للمشاركة السياسية والمواطن في إطاره غير مدعو للتعبير عن رأيه وإنما مدعو لاتخاذ قراره ، ولكي تؤدي هذه المشاركة وظيفتها وتعبر حقيقة عن رغبة المواطنين ناخبين ومنتخبين  أحاطها المشرع بجملة من الضمانات التشريعية والقضائية الكفيلة بمواجهة التصرفات والسلوكات السلبية التي قد تتخلل العملية الانتخابية .

فقد فطن المشرع إلى أن الضوابط القانونية التي توضح كيفية وضع اللوائح الانتخابية وترسم سبل الترشيح وتنظم الدعاية للمرشحين وتضبط مكان وزمان الاقتراع… غير كافية .

بل لابد لمراقبة حسن التطبيق وشرعيته من فتح باب الطعن في المقررات ذات الصلة بتلك الانتخابات أمام جهة محايدة ، تلغي المقررات غير المشروعة التي تخرق القواعد القانونية والضوابط المرسومة، وتبطل النتائج المعلن عنها والتي لم تراعي الإجراءات الجوهرية للاقتراع أو التي لا تعبر عن حقيقة الإرادة الحرة والنزيهة والشفافة للناخبين وتعدلها أو تستبدلها بقرارات نافذة([1]).

وتتمثل هذه الجهة في مؤسسة القضاء بنوعيه الدستوري والإداري باعتباره مؤسسة مستقلة وكفيلة بضمان حماية أسرع وأكثر فعالية لحقوق المواطنين، وفي هذا الإطار أوكلت مهمة النظر في منازعات الانتخابات التشريعية للمجلس الدستوري بينما تولت المحاكم الإدارية مهمة البت في منازعات الانتخابات الجماعية وذلك وفقا لمقتضيات  الفقرة الثانية من المادة (8) من القانون رقم (90/41) المحدث لها .

إذن وبالنظر للدور المنوط بالقاضي الانتخابي في حماية مشروعية الانتخاب تقدم أمامه مجموعة من الطعون التي تستهدف إلغاء النتيجة الانتخابية، فكيف تعامل مع هذه الطعون وإلى أي حد يمكن القول بحرصه على ضمان حماية قضائية فعلية تستهدف صيانة مشروعية الانتخابات وفرض احترام القانون ؟

للإجابة على هذا التساؤل سنحاول رصد سلطته في ضبط الممارسة الانتخابية من خلال مرحلتين أساسيتين :

– المرحلة الأولى وتتمثل في الرقابة على العمليات الممهدة للاقتراع.

– المرحلة الثانية وتتمثل في الرقابة على سير العملية الانتخابية .

مستعينين بمجموعة من الأحكام والقرارات التي أسفر عنها الاجتهاد القضائي بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية، وللإحاطة بمختلف النقاط التي تطرحها المرحلتين سنناقشها في محورين أساسيين.

 

        المحور الأول: الرقابة القضائية على الأعمال الممهدة للاقتراع

 

يقصد بالعمليات الممهدة للاقتراع ” القيد في اللوائح الانتخابية وتحديد الدوائر ، الترشيح والحملة الانتخابية ” فكيف تعامل القاضي الإداري مع مختلف الخروقات التي تطال هذه العمليات .

أولا : القيد في اللوائح الانتخابية وتحديد الدوائر

إن ممارسة حق التصويت رهينة بالتقيد في اللوائح الانتخابية ، وإذا كانت هذه العملية تخضع سابقا لمزاج المواطن، فقد اختلف الأمر بمجيء مدونة الانتخابات  ذلك لأن المجتمع السياسي قد فطن للدور الذي تلعبه الانتخابات في إفراز النخبة وتحقيق الديمقراطية وفي هذا الإطار نصت المادة الثانية من قانون 97-9 على “أن التقيد في اللوائح الانتخابية عمل إجباري ” .

وقد حرص المشرع على إحاطة هذه العملية بسياج من الضمانات سواء على مستوى القيد أو التشطيب ، ففتح أمام الأفراد أبواب المنازعة بدءا من الطعن أمام لجنة الفصل، وانتهاء بعرض النزاع أمام المحكمة.  لذلك ففي حالة تسجيل أشخاص لا تتوفر فيهم الشروط القانونية لاكتساب صفة ناخب ، أو رفض تسجيل من توفرت فيهم هذه الصفة  فإن المنازعات المرتبطة بهذه الحالات يلجأ بخصوصها للمحكمة الإدارية لكن بعد استنفاذ طرق الطعن أمام لجنة الفصل . وقد أسفر الاجتهاد القضائي على إجماع المحاكم الإدارية على أن ” عدم تقديم الطعن أمام لجنة الفصل قبل عرضه على المحكمة يجعل هذا الطعن غير مقبول “([2]).

والثابت  أن القاضي الإداري لم يتوانى عن الحكم بإلغاء قرارات لجنة الفصل كلما ثبت له تجاوزها للقانون سواء على مستوى القيد أو التشطيب، وفي هذا الإطار سبق لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط أن قضت “بإلغاء قرار لجنة الفصل لجماعة لكطيطر بتاوريرت  والحكم بتسجيل المستأنفة باللائحة رقم 5 من الجماعة المذكورة لتوفرها على شروط الإقامة الفعلية بها “([3]).

وينطبق الأمر نفسه في حالات التشطيب غير القانوني، فالثابت ومن خلال مجموعة من الأحكام والقرارات عدم تردد القاضي الإداري في إلغاء قرارات التشطيب والحكم بتسجيل اسم الطاعن من جديد ضمن اللائحة الانتخابية، كلما ثبت له أن التشطيب غير قانوني ([4]).

مقابل دلك فالملاحظ من خلال اجتهاد القاضي الدستوري، رفض المجلس التصدي للمنازعات المتعلقة بالتسجيل في اللوائح الانتخابية إلا إدا  كان هدا التسجيل مقرونا بمناورات تدليسية ترمي إلى التأثير في نتيجة الاقتراع. ” لكن حيث إنه لئن كانت المشاركة في التصويت تستلزم القيد في اللوائح الانتخابية ، فإن طلبات القيد في هده اللوائح والشطب على أشخاص قد يكونوا قيدوا فيها بصفة غير قانونية ، أخضعها المشرع طبقا لأحكام مدونة الانتخابات لمسطرة خاصة وأجال محددة وأسند إلى جهات قضائية معينة صلاحية الفصل في الطعون المتعلقة بها إن  اقتضى الأمر ولا  يتصدى المجلس الدستوري لهده المنازعات بمناسبة طعن في عملية انتخابية معروضة عليه إلا إدا اقترن دلك بمناورات تدليسية ترمي إلى التأثير في نتيجة الاقتراع “[5]. زيادة على دلك حمل الطاعن مسؤولية إثبات المناورة وتأثيرها[6] .

وإذا كان القيد في اللوائح الانتخابية يكتسي أهمية خاصة في إطار الأعمال الممهدة للانتخاب فإن عملية تحديد الدوائر لا تخلوا من الأهمية بمكان، فالعمليات الانتخابية تجري تبعا لتقسيم انتخابي معين ، بموجب قرار وزير الداخلية بإحداث الدوائر الانتخابية طبقا لمقتضى المادة 199 من مدونة الانتخابات بناء على المرسوم الذي يحدث الجماعات ويحددها . ويتم ذلك بشكل يضمن المساواة داخل كل جماعة ، فإذا ما جرت الانتخابات وفق تقسيم غير عادل ، وتم الطعن في نتيجة الانتخاب لهذه العلة فللمحكمة أن تلغي العملية الانتخابية بعد تفحص ما إذا كان هذا العمل المهيأ للانتخابات معيبا .

والثابت أن القاضي الإداري المغربي قد اعتبر أن المنازعة في التقطيع  يجب أن تتم بمقتضى دعوى الطعن بالإلغاء في قرار هذا التقطيع وليس بمناسبة الطعون الانتخابية، وخلافا لذلك أكد مجلس الدولة الفرنسي أن القاضي الإداري يمكنه أن يلغي العملية الانتخابية إذا كانت قائمة على تقطيع انتخابي غير قانوني عند نظره في الطعن في العملية الانتخابية ([7]).

وعموما يضم العمل القضائي اجتهادا فريدا من نوعه يتعلق بهذا الموضوع، وهو ذلك الذي صدر عن ابتدائية أسفي سنة 1992 والقاضي ببطلان العملية الانتخابية بعلة أن التقسيم الانتخابي لم يكن مناسبا لخلق مكتب تصويت واحد ، وصحيح أن المحكمة لم تلغي قرار التقطيع في حد ذاته غير أنها راقبت أجزاء القرار الإداري المتعلق بهذا التقطيع وبالتالي استمدت منه سببا للإلغاء ([8]) .

 

 

 

ثانيا : الترشيح

تعتبر فترة الترشيح للانتخابات من أهم المحطات في العملية الانتخابية ،وذلك لما تتميز به من إجراءات دقيقة بالغة الأهمية، وإذا كان مبدأ حرية الترشيح يقتضي فتح بابه أمام المواطنين باعتباره أحد أهم وسائل المشاركة السياسية، فإنه مع ذلك يتطلب توفر شروط معينة. فعلى المرشح لعضوية مجلس جماعي أن يكون مستوفيا للشروط المتطلبة بموجب القانون الانتخابي والمتمثلة  في أهليته  الانتخابية من جهة وذلك طبقا للمواد (41-42)و(74) من مدونة الانتخابات، وعدم وجوده في وضعية تتنافى والمهمة التمثيلية المرشح من أجلها من جهة أخرى، وفي حالة عدم استيفائه لهذه الشروط فإن ترشيحه يكون غير مقبول ويوجب بطلان العملية الانتخابية.

ومن الضروري في هدا الإطار أن نميز بين انعدام  الأهلية الانتخابية التي يطلق عليها كذلك عدم القابلية للانتخاب وحالة التنافي لأنهما وضعيتان مختلفتان، فنكون أمام انعدام الأهلية الانتخابية حين لا يمكن للمرشح أن يكون منتخبا بالنسبة لإحدى الحالات التي يحددها القانون، فانعدامها يشكل حاجزا للترشيح وكذا الانتخاب وينتج عن وجودها بطلان الانتخاب من أساسه ([9]).

والملاحظ من خلال مجموعة من الأحكام والقرارات أن القاضي الانتخابي دأب على الحكم بإلغاء العملية الانتخابية كلما تبين له أن المرشح الفائز بعضوية المجلس الجماعي فاقدا للأهلية بمقتضى القانون أو صدرت في حقه أحكام تدينه في حدود ما نصت عليه المواد (41و42 ) من مدونة الانتخابات ، شرط أن تكون أحكام نهائية ([10]) وفي هذا الإطار جاء في حكم لإدارية فاس ما يلي: ” وبالإطلاع على وثائق الملف وخصوصا حكم قضائي  بموجب القرار الإسثئنافي  المشار إليه أعلاه والذي أصبح نهائيا بعد صدور قرار الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى عدد 1979 بتاريخ 29/06/2005  في الملف الجنحي عدد 4626/6/3/05، يتضح أن المطعون في فوزه أدين فعلا من أجل جنحة المس بممارسة حق الانتخاب وحرية التصويت مما يجعله فاقدا لأهلية الترشيح، والعملية الانتخابية المجراة بتاريخ 612/2009 والتي فاز بها باطلة وبالتالي وجب إلغاؤها”([11]).

مقابل دلك لم يتردد القاضي الدستوري في الحكم ببطلان انتخاب الأعضاء كلما كانت أحكام إدانتهم نهائية.

” وحيث إنه لئن كانت الأهلية من النظام العام وتعد شرطا جوهريا للترشيح للانتخابات والاستمرار في تمثيل الأمة، ويقضي فقدانها في أي مرحلة من المراحل حتما إلى المنع من الترشيح أو بطلان الانتخابات فإن إعمال منطق  قرينة  البراءة هو مبدأ دو قيمة دستورية  ويوجب أن يكو الحكم الجنحي الذي يترتب عنه فقدان الأهلية للانتخاب حكما نهائيا صادرا قبل أن يبث المجلس الدستوري في الطعن الانتخابي المعروض عليه” [12] .

أما عن حالة التنافي فيقصد بها الحالة لا يتأتى فيها للعضو الجمع بين صفتين لأن إحداهما ستؤثر على  الأخرى .

وقد تضمن الفصل 2 من الميثاق الجماعي السابق الصادر في 30/09/1976 قائمة الأشخاص الممنوعين من الترشيح للانتخابات الجماعية نظرا لأن مهامهم  الإدارية تحول بينهم وبين تمثيل المواطنين والدفاع عن حقوقهم وباعتبار أيضا أن وضعيتهم قد تحملهم على التأثير في أحوال الجماعة واستغلالها بشكل سيئ ، هدا ونص الفصل 202 من مدونة الانتخابات على أنه لا يمكن أن ينتخب الأشخاص الأتي ذكرهم في مجلس الجماعة الحضرية أو القروية ” مستخدمو الجماعات الحضرية والقروية والعاملون فيها اللذين يتقاضون مرتبهم كليا أو بعضا من الجماعة – المحاسبون المشرفون على أموال الجماعة – الحاصلين على امتياز لإدارة مرفق الجماعة”.

أيضا تعرض لها المشرع الدستوري في المواد من 10 إلى 18 من القانون التنظيمي لمجلس النواب والقانون التنظيمي لمجلس المستشارين، والواضح أن القاضي الانتخابي كان وفيا لحرفية هده النصوص فقد سبق للغرفة الإدارية أن قضت في أحد قراراتها بما يلي :

”   المستأنف باعتباره موظفا مسئولا بإدارة وزارة المالية لم يكن من حقه أن ينتخب كرئيس للمجلس الجماعة، لوجود حالة التنافي المتمثلة في إمكان تأثيره على مالية الجماعة.

الإشهاد الذي أدلى به والذي يفيد أن مهمته بالإدارة المالية تنحصر في التكوين والموارد البشرية والشؤون العامة ، لا يكفي لنفي حالة التنافي مادام يمكن أن يسند إليه في أي وقت عمل يمكنه من استغلال مركزه للتأثير على المجلس الجماعي الذي يرأسه”( [13]).

 

مقابل دلك جاء في قرار للمجلس الدستوري ما يلي:

” حيث  أن السيد نور الدين الأزرق انتخب يوم 25 نونبر 2011 عضوا بمجلس النواب عن دائرة “سلا المدينة”، ويضطلع في ذات الوقت بمهام رئاسة الجماعة الحضرية لسلا وكدا رئاسة مجموعة التجمعات الحضرية لتدبير مرفق النقل الحضري ومخطط التنقل الحضري، كما صرح بدلك في رسالته الموجهة إلى المجلس الدستوري ،

وحيث إن القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب ينص في مادته 13 على انه تتنافى العضوية في مجلس النواب مع رئاسة مجلس الجهة ، كما تتنافى مع أكتر من رئاسة واحدة لغرفة مهنية أو مجلس جماعة أو مجلس عمالة أو إقليم أو مجلس مقاطعة جماعية أو مجموعة تؤسسها جماعة ترابية ،

وحيث إن “مجموعة التجمعات الحضرية لتدبير مرفق النقل الحضري ومخطط التنقل الحضري “، تعد من ضمن المجموعات التي تسيرها مجموعات ترابية وفق لمقتضيات المادة 79 من القانون رقم 78.00 الصادر بتاريخ 13 أكتوبر 2002 المتعلق بالميثاق الجماعي كما تم تغيره وتتميمه.

وحيت انه تأسيسا على ما سبق، فإن عضوية السيد نور الدين الأزرق بمجلس النواب تتنافى مع الجمع بين رئاسة الجماعة الحضرية لسلا ورئاسة المجموعة المذكورة “.[14]

وجاء في قرر أخر ” وحيث إن المادة 14 من القانون التنظيمي  المتعلق بمجلس النواب تنص في فقرتها على انه تتنافى العضوية في مجلس النواب مع صفة عضو في الحكومة، وانه في حال تعيين نائب بصفة عضو في الحكومة تعلن المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس النواب داخل أجل شهر شغور مقعده .

وحيث إن رئيس مجلس النواب هو المختص في حالة التجريد والتنافي معا بإحالة الأمر على المجلس الدستوري الإحالة التي تؤول في الحالتين إلى تصريح المجلس الدستوري بشغور المقعد الذي يشغله في مجلس النواب .

لهده الأسباب يصرح بشغور المقعد الذي يشغله السيد عزيز أخنوش بمجلس النواب مع دعوة المرشح الذي يرد اسمه في لائحة الترشيح المعنية بعد أخر منتخب في نفس اللائحة لشغل المقعد الشاغر تطبيق لمقتضيات المادة 90 من القانون التنظيمي لمجلس النواب ” [15].

ثالثا : الحملة الانتخابية

تعتبر الحملة الانتخابية من أهم المراحل التي يعرفها المسلسل الانتخابي،وهي تلك الفترة من الزمن الواقعة بين انتهاء عملية تسجيل المرشحين وموعد الاقتراع ، ولقد حددت مدونة الانتخابات في فصولها من (49 إلى 54) الإطار القانوني لممارستها ومقابل ذلك جرمت الأفعال المتعلقة بتحويل إرادة الناخبين ودفعهم إلى الإمتناع عن عملية التصويت ، وكذا استعمال العنف والتهديد للتأثير على إرادتهم وخرق سرية التصويت ([16])، هذا واعتبر جانب من الفقه  أن تأطيرها يستند إلى ثلاث مبادئ أساسية وهي :

– مبدأ المساواة في الترشيحات ، وهو المبدأ الذي يتم ضمانه عن طريق مراقبة الأعمال المتعلقة بها .

– مبدأ حياد السلطة الإدارية، فالإدارة تساهم حصرا في حسن التنظيم المادي للحملة الانتخابية غير أن القضاء لا يبسط رقابته إلا على السلوكات التي قد تخلق لدى الناخب إحساس بكون الإدارة تساند مرشحا بعينه أو لائحة بعينها على حساب مرشح أو لائحة أخرى .

– مبدأ ضمان مشروعية الوسائل المستعملة ، إذ أن بعض وسائل الحملة الانتخابية قد تكون غير مشروعة إذا كان من شأن استعمالها تضليل الناخب والمس بشرف ونزاهة الانتخابات ([17]).

غير أن الثابت في الاجتهاد القضائي أن القاضي الإداري قضى مرارا بأن المخالفات المرتبطة بالعمليات الانتخابية على فرض ثبوتها تبقى غير مؤثرة ونستشهد في هذا الإطار بالأحكام التالية :

جاء في حكم لإدارية فاس ما يلي :” و يؤسس الطاعن طلبه على كون المطعون في فوزه قام بالحملة الانتخابية طيلة يوم الاقتراع عن طريق توزيع بيان استنكاري والقيام بوقفات احتجاجية أمام مقر الباشاوية بشكل أدى إلى التأثير على إرادة الناخبين واختيارهم، وحيث أن المخالفات المتصلة بالحملة الانتخابية وما يرتبط بها على فرض وقوعها تعد مخالفات انتخابية أعطى القانون إمكانية تقديم شكاية بخصوصها للجهة المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة في حق مرتكبيها في إبانها وتبقى على فرض ثبوتها غير مؤثرة مادام أن التصويت يكون سرا “([18]) . هذا وعللت نفس المحكمة موقفها في حكم آخر بأن : ” الناخب له حريته داخل المعزل بعيدا عن ضغوطات خارج المكتب،وذلك بالمعنى المستخلص من قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عدد 498 الصادر بتاريخ 30 أكتوبر 1997 في الملف الإداري عدد 1563/5/ 1/97 “([19]).

وعلى ما يبدوا فهذا اتجاه عام، فحتى في حالة اقتران عملية استمالة أصوات الناخبين باستعمال العنف والتهديد لم يتردد القاضي الإداري في تعليل حكمه بكون المرشح بعيد عن الضغوطات التي يمكن أن تمارس خارج مكتب التصويت ([20]).

نعتقد في هذا الإطار أن القاضي عندما ربط بين المخالفة ودرجة التأثير على الاقتراع دون إعطاء أي اعتبار للضغط الممارس على الناخبين الذين تعرضوا للعنف،لم يقم بدوره كحام للحريات العامة وحقوق الإنسان، فكان من الأجدر به إلغاء العمليات الانتخابية خصوصا أن مدونة الانتخابات عندما جرمت في فصولها هذه المخالفات لم تشترط درجة تأثيرها في عملية الاقتراع .

مقابل دلك دأب القاضي الدستوري على القضاء ببطلان العمليات الانتخابية في حالة ثبوت استعمال الناخب للعنف والتهديد يوم الاقتراع .

” وحيث إن هده التصريحات تؤكد مضمون الإفادات المشار إليها  والتي تفيد تعرض عدد من الناخبين من أنصار الطاعن يوم الاقتراع لأعمال التهديد والعنف من طرف عصابات جندها المطعون في انتخابه لإكراههم على التصويت له .

وحيث يتضح والحالة هده من الأوراق المدرجة بالملف ومن ظروف النازلة وملابساتها أن العملية الانتخابية التي جرت يوم 14 نوفمبر 1997 بدائرة “أولاد فريج”  التابعة لإقليم الجديدة ، لم تتوفر فيها للناخبين حرية اختيار المرشح الذي يرغبون في التصويت لفائدته الأمر الذي يتعين معه إبطال عملية الاقتراع عملا بأحكام المادة 83 من القانون التنظيمي رقم 31.79 المتعلق بمجلس النواب “[21].

 

 

 

المحور الثاني : الرقابة القضائية على سير العملية الانتخابية

 

يمتلك القاضي الانتخابي في ميدان الطعون سلطات واسعة، إذ انه لا يكتفي بمراقبة شرعية عملية الانتخاب والوقوف على مدى احترامها للإجراءات التي اقرها القانون لسير الاقتراع بدءا بتشكيل المكاتب وانتهاء بفرز الأصوات وإعلان النتائج، بل يتجاوز دلك إلى تصحيح النتائج  والإعلان عن المرشح الفائز أو الأمر بتنظيم انتخاب جزئي .

ولتوضيح هذه الرقابة سنحاول رصد سلطته على طول المراحل التالية :

– تشكيل مكاتب التصويت

– عملية التصويت

– فرز وإحصاء الأصوات والإعلان عن النتائج

    أولا : تشكيل مكاتب التصويت

تنص المادة 57 من مدونة الانتخابات على ما يلي : ” يعين رئيس مكتب التصويت ونائبه من بين الموظفين والعاملين بالإدارة العمومية أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العامة أو الناخبين الذين يحسنون القراءة والكتابة .

يتولى مساعدة رئيس مكتب التصويت الناخبان الأكبر سنا والناخبان الأصغر سنا يختارون من بين الناخبين غير المرشحين الحاضرين بمكان التصويت الذين يحسنون القراءة والكتابة”.

بالرغم من وضوح النص القانوني بخصوص سلطة تعيين أعضاء مكتب التصويت  وضرورة توفرهم على شرط القراءة والكتابة ، فالثابت في الاجتهاد القضائي المغربي اختلافه في معالجة الحالتين. ففي الوقت الذي كان فيه موقف القضاء موحدا بخصوص سلطة تعيين أعضاء مكتب التصويت واعتبارها من النظام العام، تميز موقفه بنوع من التباين بخصوص شرط القراءة والكتابة. ونستشهد في هذا الإطار بالأحكام التالية:

قضت المحكمة الإدارية بمكناس بأن ” تشكيل مكتب التصويت من النظام العام وأن أمية العضو الأكبر سنا يجعل تكوين المكتب مخالفا للمادة 57 من القانون الانتخابي باعتبار أن الأمر يتعلق بشرط جوهري يؤثر لا محالة في نتيجة الاقتراع”([22])، و خلافا لذلك ذهبت إدارية فاس إلى القول بأن:” الأصل هو حمل   الإجراءات المتعلقة باختيار أعضاء مكتب التصويت على الصحة وكونهم يحسنون القراءة والكتابة، وعلى فرض ثبوت أمية أحد الأعضاء فالأمر لا يعتبر مؤثر في مشروعية العملية الانتخابية” ([23]).

مقابل دلك جاء في قرار للمجلس الدستوري ما يلي :”إن مكتب التصويت رقم 10 يتضمن بالفعل عضوا أميا من بين أعضائه مما يعتبر خرقا لقاعدة جوهرية يترتب عليها البطلان، وبالتالي استبعاد الأصوات المدلى بها من النتيجة العامة للاقتراع وعدم احتساب ما ناله منها مختلف المرشحين في عداد الأصوات التي نالها كل منها في مجموع الدائرة الانتخابية. غير أن دلك لن يكون له تأثير في نتيجة الاقتراع لأن الفائز الأخير والمرشح الذي يليه، حصلا في هدا المكتب على التوالي 79 وصفر وبالتالي فإن المرشح الذي يحتل الرتبة الأخيرة ضمن الفائزين سيظل متقدما على المرشح الذي يليه في الترتيب …”[24].

نعتقد في هدا الإطار انه كان على القاضي أن يؤخذ بعين الاعتبار مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 57، ويتشدد في ضرورة تشكيل مكتب التصويت وفقا للضوابط القانونية، دون أن يربطها بمدى التأثير مادامت الغاية من اشتراط القراءة والكتابة في الأعضاء هي ضمان سلامة الإجراءات.

ثانيا : عملية التصويت

تتم عملية التصويت بخصوص كل دائرة في مكتب أو مكاتب متعددة بحسب حجم الناخبين ويتم تحديد هذه المكاتب من طرف الجهة المختصة حتى يكون الناخب على بينة من المكان الذي سيدلي فيه بصوته .

ويشترط في التصويت أن يكون شخصي وسري بالشكل الذي يوفر للناخب إمكانية الاختلاء داخل معزل واختيار الورقة التي يرتضيها بكامل الحرية ، والثابت في الاجتهاد القضائي المغربي أن القاضي الإداري لم يتوانى عن الحكم ببطلان عمليات الاقتراع كلما ثبت له خرق شرط شخصية وسرية التصويت، إلا أنه ربط الأمر بدرجة تأثير المخالفة على نتيجة الاقتراع . وفي هذا الإطار سبق للمحكمة الإدارية بفاس أن قضت في أحد أحكامها وبخصوص الوسيلة المتعلقة بتصويت أحد الناخبين مرتين أصالة عن نفسه وعوضا عن والده بأنه  : ” وباعتبار التصويت يكون سري وشخصي ويمارس من طرف كل ناخب بصفة مباشرة  بعد تحقق مكتب التصويت من هويتهم ولا يمكن لناخب أن يصوت محل ناخب آخر، وبالنظر لكونه نتيجة العملية الانتخابية المطعون فيها أسفرت حسب محضر عملية التصويت … أي أن فارق الأصوات هو صوت واحد فقط فإن المخالفة الانتخابية المنعاة  تكون مؤثرة ويتعين الحكم بإلغاء الاقتراع” ([25]).مقابل ذلك أقرت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بان  ” المخالفات المعتد بها في العملية الانتخابية هي تلك المؤثرة في نتيجة العملية الانتخابية وأن ما يتمسك به المستأنف من تواجد ناخبين في معزل واحد فإنه فضلا عن عدم تحديد اسم هذين الناخبين ، فإن ذلك على فرض صحته غير مؤثر في صحة وسلامة العملية الانتخابية خاصة بالنظر لفارق الأصوات المحصل عليها من كلا الطرفين من 9 أصوات لفائدة المستأنف و16 لفائدة المستأنف عليه ” ([26]) .

أما بخصوص احترام شرط السرية في تصويت الناخبين من دوي الحاجات  الخاصة بما فيهم  ضعاف البصر فقد أوكل المشرع مهمة مساعدتهم على التصويت لأعضاء مكتب التصويت  بمقتضى الفقرة الثالثة من المادة 62 من قانون 9 /97، إلا أن الغرفة الإدارية أقرت بان مساعدتهم  يجب أن تتم من طرف أوليائهم و أقربائهم الدين يطمئنون لهم معللة قرارها بان: “الاستعانة بأعضاء مكتب التصويت من شانها خرق سريته في هده الحالة” ([27])، وبدلك يكون القاضي قد كرس مبدءا جديدا.

غير أن  الإشكال الذي  طرح في بعض النوازل هو استغلال المرشحين لعلاقة القرابة، والثابت أن القاضي الإداري كان حازما في موقفه منها  فقد قضت المحكمة الإدارية بفاس بأنه ” وبالإطلاع على عناصر المنازعة وخاصة ما أفرزته جلسة البحث يتضح فعلا أن أخ المرشح المعلن عن فوزه قام بتاريخ الاقتراع بالدخول رفقة شخصين كفيفين إلى المعزل، وبغض النظر عن علاقة القرابة التي تربطه بهما فإن ذلك له مساس بسرية الاقتراع وهو المعطى الذي له تأثير مباشر على النتيجة بالنظر لفارق الأصوات والذي لا يتجاوز صوتين”[28]

 

صحيح أن قاضي المجلس الأعلى  كان  موفقا في موقف الذي يعد سابقة قضائية من نوعها، إلا انه رغم دالك تبقى الصعوبة في إثبات المخالفة من داخل المعزل قائمة  لدلك يبقى التساؤل مطروحا حول إمكانية تصويت دوي الإعاقة بشكل سري على غرار باقي الناخبين .

يحتاج الأمر لتدخل تشريعي لتنظيم مثل هدا التصويت حتى نضمن سرية الاقتراع ونقترح في هدا الإطار وعلى سبيل المثال بالنسبة للمكفوفين التصويت بطريقة “برايل”، وبدلك نضمن سرية التصويت لأن الناخب له كامل الحرية من داخل المعزل في اختيار المرشح بعيدا عن مظاهر الضغط التأثير التي من شئنها أن تؤثر في إرادته.

نشير في إلى أن المشرع الإسباني قد فطن إلى ضرورة حماية هده الشريحة لدلك أقر بأن الناخبين المكفوفين وضعاف البصر الدين يستطيعون استخدام طريقة” برايل” ويكونون على درجن الإعاقة المعترف بها مساوية أو أكبر من 33 في المائة،أو منتسبين إلى المنظمة الوطنية للمكفوفين ويرغبون في التصويت بهده الطريقة  بإمكانهم أن يقدموا طلبا للإدارة العامة للدولة من خلال وزارة الداخلية على رقم مجاني، وإجراءات تصويتهم ينظمها المرسوم الملكي رقم 2007/1612 المؤرخ في 7 كانون الأول. وأتناء العملية الانتخابية توفر لهم صناديق ومغلفات وبطاقات مماثلة لتلك المستخدمة من قبل بقية الناخبين إضافة إلى وثائق” برايل ” ومنها دليل توضيحي يسمح للناخب ضعيف البصر أو الأعمى المستخدم للطريقة المذكورة بتحديد الخيار المطلوب مع الاستقلال الكامل وضمان سرية التصويت[29]

صراحة هي طريقة ناجعة ،غير أنه لا يمكن تعميمها لوجود ناخبين أميين لدلك تبقى الطريقة الأسلم في نظرنا إشراف القضاء على عمليات التصويت من داخل مكاتب الاقتراع، ودلك بأن يتم تعين قاض في كل مكتب تصويت لضبط تصويت هده الحالات وإن استعصى الأمر لقلة عدد القضاة بالمقارنة مع عدد المكاتب فاختيار مكتب على مستوى كل منطقة يعلن عنه بشكل سابق وتنظم فيه العملية  تحت  إشراف القضاء حتى نضمن سرية التصويت، وعموما للمشرع المغربي اختيار الصيغة المثلى لهده المهمة .

إضافة إلى ما سبق ذكره تقتضي سرية التصويت استعمال صندوق شفاف وأغلفة غير شفافة تحمل طابع السلطة المحلية، وصحيح أن المشرع قد أحاط هذه العملية بالعديد من الضمانات طبقا للمادة 61 من مدونة الانتخابات إلا أن واقع العملية الانتخابية أسفر عن العديد من المظاهر السلوكية التي تطال صناديق الاقتراع، كعدم إقفالها اختطافها وكسرها، والثابت أن القاضي الإداري قد تعامل بشدة مع هذه الخروقات ولم يتوانى عن التصريح ببطلان عملية الاقتراع كلما ثبت له صحة الخروقات المنعاة .

وفي هذا الإطار قضت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بما يلي : “لكن حيث لما كان المشرع قد أناط صندوق الاقتراع بحمايته ضمانا للشفافية وسلامة عملية التصويت، فإن واقعة اختطافه في نازلة الحال لمدة ساعة ونصف خارج مكتب التصويت بعد انطلاق عملية الانتخاب وإرجاعه مكسرا يدخل ضمن المناورات التدليسية وبالتالي يفسد عملية الانتخاب مما يجعل إعادتها واجبة” ([30]) وجاء في قرار آخر: ” لكن حيث أن واقعة استيلاء أحد ممثلي المرشحين على صندوق الاقتراع حوالي الساعة الرابعة و 25 دقيقة من يوم 12/06/2009 وكسره وتناثر أوراق التصويت الموجودة فيه وإشعال النار في بعضها، تثبتها الملاحظات المدونة بالمحضر الموقع عليها من طرف الرئيس وأعضاء مكتب  التصويت 3….، وكذلك إفادة رئيس المكتب … وكذا معاينة الدرك الملكي … مما يجعل الانتخاب مشكوك في سلامته” ([31]).

ثالثا : إحصاء وفرز الأصوات والإعلان عن النتائج

لضمان انتخابات نزيهة ومعبرة بشكل حقيقي عن إرادة الناخبين لابد من احترام ما تفرزه صناديق الاقتراع من نتائج ، ولتحقيق دلك يجب أن تكون عملية فرز و إحصاء الأصوات مضبوطة ولا يشوبها الغموض والتدليس ولقد خصها المشرع بمجموعة من الأحكام.

تنص الفقرة الأولى من المادة 63 من مدونة الانتخابات على ما يلي : “يتولى المكتب بمجرد اختتام الاقتراع فرز الأصوات بمساعدة فاحصين ويجوز للرئيس وأعضاء المكتب أن يقوموا بأنفسهم بفرز الأصوات دون مساعدة فاحصين، إذا كان مكتب التصويت يشتمل على أقل من مائتي ناخب مقيد ” ، وطبقا لهذه المادة فعملية الفرز تكون بحضور رئيس المكتب وأعضائه أو بمساعدة فاحصين .

لقد أسفر الاجتهاد القضائي عن جرأة القاضي الانتخابي في بسط رقابته على  هده العملية بالرغم من كونها جد دقيقة، إلا أن الثابت من خلال مجموعة من الأحكام والقرارات تشدده في الكيفية التي يجب أن تثبت بها ،فقد سبق للقاضي الإداري في أحد قراراته أن اعتبر أن: ” استئثار رئيس مكتب التصويت بعملية فرز الأصوات واحتسابها وتعبئة محضر العملية الانتخابية في غياب المشاركة الفعلية لباقي أعضاء المكتب يخالف ما نصت عليه المادة 63 من مدونة الانتخابات” ([32]).مقابل دلك اعتبر أن إشهاد عضو من أعضاء مكتب التصويت ( الكاتب ) على تدخل عون السلطة في عملية الفرز والإحصاء لا يؤخذ به ، معللا موقفه بأنه ” كان على عضو مكتب التصويت الإشارة إلى ذلك في محضر مكتب التصويت بدل الإشهاد به ” ([33]).

من الواضح  أيضا في اجتهاد القاضي الدستوري أن موقفه لم يكن أقل تشددا من نظيره الإداري في ضرورة إثبات المخالفة  فقد جاء في أحد قراراته أنه :

” فضلا عن أن الإدعاء المتعلق بعدم تعيين فاحصين وبعدم السماح لممثلي اللوائح المرشحة بحضور عملية الفرز جاء عاما غير محدد لمكاتب التصويت المعنية، فإن شقه الأول لم يدعم بأي دليل إضافة إلى أن عدم التقيد بهذا  الإجراء على فرض ثبوته لا يعني أن دلك كان له تأثير على نتيجة الاقتراع طالما لم يقترن الأمر بمناورات تدليسية وهو ما لم يثبته لطاعن [34].

تتوج عملية الانتخاب بإعلان النتائج وفق مسطرة محددة تقضي بأن تعلن النتيجة من طرف رئيس مكتب التصويت  فورا بمجرد انتهاء عملية الفرز، غير أن الواضح من خلال أحد القرارات أن القاضي الدستوري كان مرنا  في تعامله مع الأمر معللا موقفه بأنه ” إدا كان المشرع قد ركز في مادة الانتخابات على أهمية إعلان النتيجة فور الانتهاء من عملية فرز الأصوات كما يستفاد من صياغة الأحكام المنظمة للانتخابات، فقد ربطها بالتوفر على المعطيات الرقمية المكونة للنتائج المتعين التصريح بها ” [35].

نرى في هدا الإطار أن تعليله منطقي إلا انه يبقى تأخير الإعلان عن النتائج أمر غير عادي يبعث على الشك والريبة ويستوجب إجراء بحت لمعرفة سبب التأخير في الحصول على المعطيات الرقمية .

وفي إطار السلطات الممنوحة للقاضي الانتخابي يمتلك كامل الصلاحية في القيام بمراجعة عملية الإحصاء، تصحيح النتائج وأحيانا الإعلان عن المرشح الفائز وقد سبق له في هذا الاتجاه أن قضى في أحد أحكامه بما يلي ” ..وحيث أنه بحسب محضر مكتب التصويت فإن عدد الأصوات المحصل عليها من طرف الطاعن هو 39 صوت ، وبإضافة الورقة الصحيحة يصبح العدد هو 40 وتبعا لما للمحكمة من سلطة كاملة في إلغاء نتيجة الانتخاب وتعيين المرشح الفائز كما جاء في قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عدد 1256 الصادر بتاريخ 24/09/1998 … فإنها تقرر إلغاء نتيجة الانتخابات المجراة بالدائرة رقم 1 وإعلان الطاعن فائزا بهذا الانتخاب([36]).

مقابل دلك جاء في قرار للمجلس الدستوري ما يلي  :

“وحيث ، من جهة ثالثة ، إنه يتبين  من التحقيق الذي قام به المجلس الدستوري أن مقارنة كل من مضمون محضر مكتب التصويت رقم 1 بجماعة بني عياط مع اللائحة الانتخابية المتعلقة بهذا المكتب، تكشف بالفعل تناقضا بين عدد المصوتين المشار إليهم بمحضر مكتب التصويت الذي يبلغ 646 ، وبين عددهم المؤشر عليه في اللائحة الانتخابية الذي لا يتجاوز 608 ، الأمر الذي يبعث على عدم الاطمئنان على سلامة عملية الفرز وإحصاء الأصوات بهذا المكتب ، ويتعين معه استبعاد الأصوات المعبر عنها فيه ؛ وحيث إن ما ناله المطعون في انتخابه السيد إبراهيم الحسناوي من الأصوات بلغ 646 وهو مجموع الأصوات المعبر عنها بهذا المكتب، وأن خصم هذا العدد من مجموع الأصوات المعبر عنها على مستوى الدائرة الانتخابية  وعدم احتساب ما ناله المطعون في انتخابه المذكور بهذا المكتب ، سيؤدي إلى إزالة الفرق الذي كان بينه وبين المرشح الذي يليه وهو 372 ، مما يؤثر في نتيجة الاقتراع ، ويترتب عن ذلك إلغاء انتخاب السيد إبراهيم الحسناوي بصفته المرشح الذي يحتل الرتبة الأخيرة بين المرشحين الفائزين ….. ، مع إعادة الانتخاب المتعلق بالمقعد الذي كان يشغله “[37].

 

 

خاتمة

يتضح من خلال ما تم الاطلاع عليه من أحكام و قرارات أسفر عنها الاجتهاد القضائي بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية  أن العمليات الانتخابية في المغرب  لم تسلم من الغش التزوير في مختلف مراحلها، بدءا بالتقيد في اللوائح وإيداع الترشيحات وانتهاء بفرز الأصوات وإعلان النتائج .

فقد أثبتت  الممارسة العملية مرة أخرى  قصور الضمانات القانونية عن الحماية الفعلية للعمليات الانتخابية، فمهما بلغت  دقة  القوانين في تنظيم الضمانات والتأكيد على ضرورة احترامها والعمل بمقتضياتها، فان الطبيعة المتطورة للخروقات تجعل عملية حصرها مستحيلة.

فكثيرة هي الأمور التي ترفضها الأخلاق لكن يصعب ضبطها وتقنينها من طرف المشرع، مقابل دلك  فطن القاضي  إلي أن طبيعة المهمة المنوطة به في حماية العمليات الانتخابية تقتضي منه مراعاة خصوصية المنازعة ومهمته في هدا الإطار لا تتوقف عند تطبيق المقتضيات القانونية، والواضح  انه استطاع تطوير أدواته بتطور الخروقات  ويظهر دلك بشكل جلي  في موقفه إزاء  سرية التصويت،  ونعتقد في هدا الإطار انه على المشرع أن يأخذ هده الاجتهادات  بعين الاعتبار في تعديلاته، فقد حان الوقت للحديث عن تأثير الاجتهاد القضائي في النظام القانوني المغربي .

ففي الدول المتقدمة وبعد كل استحقاقات انتخابية تبدأ سلسلة من الاجتماعات تتم  فيها مناقشة أنواع الخروقات التي حصلت وتقدم فيها اقتراحات قانونية لسد الثغرات، وبناءا على ما أفضت إليه تتحرك آليات التشريع أما في المغرب فلازال القاضي الانتخابي يتخبط في نفس الإشكالات لأن المشرع لم يحسم فيها بعد وبالرغم من موجة التعديلات التي تعرفها القوانين حاليا فهي لم تستجب في جزء منها  لمتطلبات المرحلة الراهنة .

ونعطي مثال على دلك  بما نصت عليه المادة 72 من القانون التنظيمي لمجلس النواب “التصويت بالوكالة بالنسبة للناخبين المقيمين خارج تراب المملكة ” فبغض النظر عن طبيعة هده الوكالة وكيف تم تنظيمها فمن الغريب أن تنص المادة 71 من  نفس القانون على أن التصويت “حق شخصي” بمعنى انه يمارس بصفة  شخصية  ولا يجوز تفويته للغير.

تم أنه  في الوقت الذي نتحدث فيه عن سرية التصويت حتى في الحالات الخاصة  ترد إمكانية التصويت بالوكالة، نتساءل في هدا الإطار عن فلسفة المشرع المغربي في هده المادة  الم يأخذ بعين الاعتبار حجم الصعوبات التي ستنجم عن تطبيقها ، نعتقد في هدا الإطار أنه  قد أضيفت  إلى لائحة المخالفات التي تقع في العمليات الانتخابية مخالفة من نوع أخر يستحيل إثباتها .

في الختام وبالرغم مما يمكن إبداءه من ملاحظات ايجابيه بخصوص دور القاضي الإداري في حماية العمليات الانتخابية، لازال القصور يطال هدا الدور فقد أسفر الاجتهاد القضائي عن مواقف نتمنى أن يعاد فيها النظر ونخص بالذكر:

ـ  اعتماد القاضي تقنية الربط بين الخرق القانوني ومدى تأثيرها  على نتيجة الانتخاب وهي تقنية لا تنظر للمخالفة بصفة مجردة وإنما لمدى تأثيرها  على النتيجة الانتخابية، والمطلوب من قضاتنا في هدا الإطار أن يكونوا أكثر تشددا في تعاملهم مع المخالفات بغض النظر عن مدى تأثيرها  لان مهمة القاضي بالأساس هي حماية إرادة الناخبين .

ـ تشدد القاضي أحيانا في كيفية إثبات بعض الخروقات ويتعلق الأمر بحالة عدم التزام المرشحين بالضوابط الأخلاقية فبالرجوع للاجتهاد القضائي في هده النقطة نجد أن القاضي جعل عبء  إثبات هده الخروقات  على الطاعن. نتساءل في هدا الإطار كيف يمكن للطاعن  إثبات سلوك من هدا القبيل ؟

عادة يلاقي  الطاعن صعوبة في الحصول على وسائل الإثبات خصوصا تلك التي تكون بحوزة الجهاز الإداري بحكم أن السلطة الإدارية هي المسئولة عن تدبير الانتخابات والممسكة بكل الوثائق والملفات المرتبطة بها والعارفة بطبيعة الظروف التي تحكمت في إجرائها ، وهي غالبا ما ترفض الإدلاء للمرشح بالوثائق فتضيع الحقوق لعجزه عن الإثبات.نشير في هدا الإطار إلى أنه وبالنظر للتعديل الدستوري الجديد سيختلف الوضع، فقد  نصت المادة 27 من الدستور الجديد على حق كل مواطن في  الحصول على المعلومة فكيف ستتعامل الإدارة الآن  في وجود هده المادة هدا ما سنستشفه  من خلال الاجتهادات القضائية  المقبلة .

 

 

1- د. محمد  بورمضان: ” طبيعة الطعون في القرارات ذات الصلة بالانتخابات” مجلة المحامي، هيئة المحامين بمراكش العدد 51 دجنبر 2007 ص13.

[2] – المحكمة الإدارية بمكناس :

–    حكم عدد 5/2002/6ش ملف رقم 4/2002/6ش بتاريخ 25/7/2002 غير منشور.

–    حكم عدد 7/2002/ 6ش ملف رقم 6/2002/6ش بتاريخ 6/8/2002 غير منشور .

– محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط قرار رقم 651 بتاريخ 16/04/ 2009 ملف عدد 79/ 02/ 12 غير منشور .

 

[3] – محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط قرار 1114 بتاريخ 18/05/2009 ملف عدد 353/09/12 غير منشور .

[4] – محكمة الاستئناف الإدارية :

– قرار رقم 1649 المؤرخ في 29/06/2009 في ملف عدد 578/09/12 غير منشور .

– قرار رقم 762 المؤرخ في 23/04/2009 في ملف عدد 134/09/12 غير منشور .

– قرار رقم 691 المؤرخ في 16/04/2009 في ملف عدد 125/09/12 غير منشور .

[5]  – المجلس الدستوري قرار رقم 792/2010 صادر بتاريخ 25 مارس 2010 منشور بالجريدة الرسمية عدد 5831 بتاريخ 19 ابريل 2010،  ص:5831.

[6]  – المجلس الدستوري قرار رقم 802 /2010 صادر بتاريخ 30 يونيو 2010 منشور بالجريدة الرسمية عدد 5860 بتاريخ 29 يوليوز 2010.

[7] – ذ. بوعبيد الترابي ” رقابة القاضي الإداري للضوابط الانتخابية على ضوء العمل القضائي المغربي ” مجلة الملف العدد العاشر طبعة أبريل 2007 ص11.

[8] – ذ. المصطفى الحلامي ” أسباب الطعن الموجبة لبطلان الانتخاب على ضوء القانون والاجتهاد القضائي” ، القضاء الإداري والمنازعات  الانتخابية أشغال اليومين الدراسيين 27و 28 مارس سلسلة دفاتر المجلس الأعلى عدد 4 سنة 2004 ص.136 .

  [9] –   د. عسو منصور .د. نعيمة البالي . د. أحمد مفيد ” القانون الانتخابي المغربي “مطبعة انفوبرانت الطبعة الأولى 2005، ص : 62.

[10]   –   المحكمة الإدارية بفاس حكم عدد 824 بتاريخ 20/07/2009 في الملف الإداري عدد 173/10/2009 غير منشور.

[11] –    المحكمة الإدارية بفاس حكم عدد 709 في الملف الإداري عدد 113/10/2009 غير منشور .

[12]   –  المجلس الدستوري قرار رقم 780/2009 صادر بتاريخ 18 يوليوز 2009 منشور بالجريدة الرسمية عدد 5760، بتاريخ 13 غشت 2009 ص:4325.

[13] – الغرفة الادارية  بالمجلس الأعلى،  قرار رقم 1486 صادر بتاريخ 30/10/1997 ورد في د  عسو منصور ، د نعيمة البالي ،د  احمد مفيد “القانون الانتخابي المغربي “مرجع سابق ، ص 208 .

[14] – المجلس الدستوري قرار رقم 823/2011 في ملف عدد 1183/11 صادر بتاريخ27 دجنبر 2011 منشور بالجريدة الرسمية عدد1433 بتاريخ 19 يتاير 2012 ص:357.

[15] – المجلس الدستوري قرار رقم 828 /2012 صادر بتاريخ 19 يناير 2012، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6015 بتاريخ 23 يناير 2012 ص:402.

[16] – الفصول من 76 إلى 108 من قانون 97-9 المتعلق بمدونة الانتخابات .

[17] – ذ. مراد آبت السافل ” منهجية القاضي الإداري في محاكمة مشروعية العملية الانتخابية “، المنازعات الانتخابية والجبائية من خلال اجتهادات

المجلس الأعلى ، ” خمسون سنة من العمل القضائي الندوة الجهوية السادسة الرباط 10/11 مايو   2009 ص161  .

[18] – المحكمة الإدارية بفاس حكم عدد 817 /2009 في الملف الإداري عدد 148/10/2009غير منشور .

[19] – المحكمة الإدارية بفاس ، حكم عدد 856/2009 في الملف الإداري عدد 106/10/2009 غير منشور.

[20] – المحكمة  الإدارية بفاس حكم عدد 855 بتاريخ 23/7/2009 في الملف الاداري عدد  105/10/2009 غير منشور.

– المجلس الدستوري قرار رقم 363/2000، صادر بتاريخ 18 يناير 2000 منشور بالجريدة الرسمية عدد4768 بتاريخ 10 فبرلير 2000. [21]

[22] – المحكمة الإدارية بمكناس . حكم صادر في الملف رقم 360/97/6 في قضية عبد السلام بوزيان . ورد في د. عسو منصور ” المنازعات   الانتخابية في العمل القضائي للمحاكم الإدارية “منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية (1994-2004) عشر سنوات من العمل القضائي للمحاكم الإدارية بالمغرب سلسلة  مواضيع الساعة عدد 47 سنة 2004 ص. 174

  2- المحكمة الإدارية بفاس . حكم عدد 794  في الملف الإداري عدد 160/10/2009 غير منشور.

[24]– المجلس الدستوري، قرار رقم 764/2009 صادر بتاريخ 16 يونيو 2009 منشور بالجريدة الرسمية عدد5751 بتاريخ 13يوليوز 2009ص:3860

[25]–  المحكمة الإدارية بفاس ، حكم عدد 704 بتاريخ 6/7/2009 في الملف الإداري عدد 85/10/2009 غير منشور .

2- محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط .قرار عدد 2225 بتاريخ 29/10/2009 ملف عدد 717/09/12 . غير منشور

[27] – الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى  قرار رقم 144 بتاريخ 12 /10 /1997  ورد في ذ محمد القصري” المنازعات الانتخابية ورقابة القضاء الإداري”  دار قرطبة للطباعة والنشر الطبعة الأولى   2009   ص116.

[28] – – المحكمة الإدارية بفاس ،  حكم عدد 703 بتاريخ 6/7/2009 في الملف الإداري عدد 84/10/2009 غير منشور .

 

[29] -Elecciones.Mir.es/genarales 2011/contenido /generales- information –sobre et procedimiento de htm.

http//www.infoelctoral.mir.es/Normativa/normativa_es_det_ail_proced-6.html.

2- محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ، قرار عدد 2279 بتاريخ 05/11/2009 ملف عدد 857/09/12 غير منشور .

3- محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ، قرار عدد 1938 . بتاريخ 24/09/2009 ملف عدد 727/09/12 غير منشور .

[32] – المحكمة الإدارية بفاس ، حكم عدد 1492  صادر بتاريخ 24/10/2003 في الملف الإداري عدد 2003/544 . ورد في د. عسو منصور  “المنازعات الانتخابية في العمل القضائي للمحاكم الإدارية” 1994-2004 عشر سنوات من العمل القضائي للمحاكم الإدارية بالمغرب ، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، سلسلة مواضيع الساعة عدد 47 سنة 2004 ص 183 .

[33] – محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ،قرار رقم 1431 بتاريخ 26/11/2009 في ملف عدد840 /2009 /12 غير منشور.

[34]– المجلس الدستوري قرار رقم 779/2009 صادر بتاريخ18 يوليو 2009منشور بالجريدة الرسمية عدد5760 بتاريخ 13غشت 2009 ص4349.

[35] – المجلس الدستوري قرار رقم 514 صادر بتاريخ 14 يونيو 2003 ،ورد في”دليل المنازعات  الانتخابية البرلمانية  من خلال قرارات المجلس الدستوري” مجلة المجل الدستوري   طبعة 2011 .ص185 .

[36] – المحكمة الإدارية بفاس ،حكم  عدد739 بتاريخ 9 /7/2009 في الملف الإداري عدد 117 /10/2009 غير منشور.

[37] – المجلس الدستوري ، قرار رقم 685 /2008 صادر بتاريخ 16 ابريل 2008 منشور بالجريدة الرسمية عدد5630 بتاريخ 15 مايو 2008 .