دور  العنصر البشري في نجاح مشاريع الاستثمار

293

 

دور  العنصر البشري في نجاح مشاريع الاستثمار           

علي بن مسلم بن محاد الكثيري                     

طالب باحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية محمد الأول وجدة

غالبا ما يعتقد أن الاستثمار ملازما لضخ روس الأموال في خلق الشركات والمقاولات التجارية الكبرى، حيث أضحت دول العالم الثالث تلهث وراء البحث عن رؤوس الأموال الأجنبية وذلك بتحفيزها على الاستثمار الداخلي، حيث تنتهج العديد من الدول تقديم التسهيلات لأصحاب روس الأموال الأجانب قصد الاستثمار في هذه الدول، وهو المصطلح الذي يطلقه خبراء الاقتصاد على الاستثمار الأجنبي المباشر.

ولعل العلاقة وطيدة بين الاستثمار ومحدد وجود العنصر البشري في أي شكل من أشكال الاستثمار، إذ أن نجاح المشروع التجاري أو المقاولاتي، يرتكز بالأساس على وجود عنصر بشري يتصف بالكفاءة والتكوين الملائم لطبيعة الاستثمار المراد إحداثه.

وتثار العديد من الإشكاليات في موضوع العلاقة بين العنصر البشري والاستثمار، وأهمها على الخصوص: كيف يساهم العنصر البشري في إنجاح مشاريع الاستثمار بجميع أنواعها؟ وهل توجد إستراتيجية وطنية لتكوين لعنصر البشري للمساهمة في جلب الاستثمار الخارجي؟ وقبل ذلك مال المقصود بالاستثمار في المفهوم الاقتصادي؟ وكيف ينظر المستثمرون الأجانب إلى العنصر البشري في الوطن العربي؟

إن الإجابة على مجموعة هذه الإشكاليات سيجعلنا حتما نبحث في ماهية الاستثمار وأسسه ومجالاته في الوطن العربي (أولا)، ثم بعد ذلك في العلاقة بين الاستثمار ومحدد العنصر البشري (ثانيا)، وأخيرا دور العنصر البشري المؤهل في إنجاح مشاريع الاستثمار (ثالثا).

أولا- ماهية الاستثمار وأسسه ومجالاته في الوطن العربي

فمن المنظور العام للاستثمار نجد أنه يعرف في اللغة بمعان ودلالات عديدة، فهو مصدر لفعل “استثمر” الدال على “الطلب”، أي أن الاستثمار هو استخدام المال وتشغيله بقصد تحقيق ثمرة هذا الاستخدام”، فيكثر المال وينمو على مدى الزمن”[1].

وقد جاء في الموسوعة الاقتصادية بأن الاستثمار هو “مصروف يقوم به رب العمل كي يحفظ أو يطور جهاز إنتاجه الذي يعبر عن انتقال الرأسمال النقدي إلى رأسمال منتج”[2].

فيما يرى بعض الباحثين أن الاستثمار بالمعنى الدقيق للكلمة هو استعمال للدخل يترجم بزيادة في ثروة وسائل التجهيز يحدد تكوين الرأسمال ويوجهه للإنتاج وبهذا يناقض الاستهلاك الذي يهدف إلى إشباع الحاجات بإبادة الأموال والخدمات[3].

وإذا كان الاهتمام بتعريف الاستثمار انبثق منه العديد من التعاريف، حيث جاءت هذه التعاريف بناء على طبيعة الاستثمار وأنواعه، واختلفت هذه التعاريف مابين تعريف خاص بالاستثمار الداخلي أو الخارجي والذي يقصد به الأجنبي، وبين تعاريف الاستثمار المباشر وغير المباشر، والهدف من هذه التعاريف هو إعطاء الإطار المفاهيم لكل مدلول بغية تبيان محدداته ومجال إحداثه.

ومن هذا المنطلق سنركز على تعريف مصطلح الاستثمار الأجنبي على اعتبار انه النوع الذي أصبح مرغوبا في جميع الدول سواء كانت متقدمة أو من دول العالم النامي، نظرا لما له من ايجابيات كبيرة على اقتصاد الدولة المستقبلة لهذا النوع من الاستثمار.

وفي هذا الصدد يعرف الاستثمار الأجنبية بأنه قيام شركة أو منشأة ما بالاستثمارات في مشروعات تقع خارج حدود الوطن الأم، وذلك بهدف ممارسة قدر من التأثير على عمليات تلك المشروعات[4].

ومن وجهة نظرنا فإننا نرى بأن الاستثمار بصفة عامة هو تحويل رأسمال مادي نحو إنشاء وإحداث مشاريع تجارية بغرض الربح. ومنه نرى بأن الاستثمار الأجنبي هو البحث عن بيئة لإحداث مشاريع تجارية داخل حدود دولة معنية.

ولعل التعاريف السابقة توحي بان الهدف الأسمى من الاستثمار سواء كان محليا أو أجنبيا فهو تحقيق الربح من وراء خلق المشاريع التجارية، ويتوقف نجاح هذا النوع من المشاريع التجارية على توفر البيئة الملائمة، إضافة إلى ما تقوم به الدولة من تحفيزات وتسهيلات إدارية مختلفة، فأحد أهم محددات إنجاح المشاريع الاستثمارية هو توفير العنصر البشري المؤهل، إذ يعتبر في الوقت الرهان شرطا أساسيا لضخ رؤوس الأموال الأجنبية في الدول النامية أو الصاعدة.

ثانيا- العلاقة بين الاستثمار ومحدد العنصر البشري

كثير من المتتبعين والمهمتين بدراسات مآل الاستثمار كخيار نحو تطوير الاقتصاديات المحلية للدول، يرون أن تبني الدول هذه السياسة لم يكن وليدة الظرفية الراهنة التي عقبت الركود الاقتصادي العالمي، وإنما ظهر عقب تفاقم الأزمات المالية والاقتصادية بسبب زيارة الديون الخارجية سنوات السبعينيات، نتيجة اعتماد العديد من الدول خاصة دول الوطن العربي سياسة القروض التمويلية للمشاريع الاقتصادية الكبرى.

مما أدى إلى ظهور مشاكل اجتماعية اقتصادية كبيرة، تتمثل في تدهور الاقتصاديات الوطنية، والذي ترتب عنه العديد من السلبيات؛ أهمها على الخصوص ضعف القوة الشرائية للنقود، وارتفاع سعر الفائدة، وتفشى ظاهرة البطالة، والأمية.

ومرد ذلك في اعتقادنا إلى أن الدولة كانت إلى وقت قريب ترعى كل المشاريع الاستثمارية وتشرف عليها، حيث كانت تعتبر المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي، فتغيرت وظيفتها لتصبح في الوقت الحاضر ملزمة بنهج سياسة ليبرالية منفتحة، مما ترتب عنه اقتصار دورها على التنظيم والضبط للرفع من مستوى الخدمات العمومية وتشجيع الاستثمار، الذي أضحى يعتبر في أبجديات الاقتصاديات المعاصرة محرك عملية التنمية بجميع فروعها.

ولعل الدور الذي باتت تشكله التنمية كعامل في الاستقرار والأمن والتطور الاقتصادي والعيش الكريم الذي يبحث عنه المواطن، كان نتيجة تبني الدول في الوطن العربي لبرامج تنموية تهم بالأساس العنصر البشري، ونستدل على الخصوص في هذا الصدد بتجربة المملكة المغربية في تبني خيار التنمية البشرية م سنة 2005 والذي بدت نتائجه الايجابية تظهر على عدة مستويات في  البنية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة المغربية.

إذ نعتقد أن مسألة التنمية أصبحت ترتبط بشكل وثيق بأهمية الاستثمار، وبنيته، وفاعليته، حيث أن هذا الارتباط عرف تغييرات كبيرة أمام متطلبات التنمية المتزايدة خاصة بعد الثورة التكنولوجية والعلمية التي شهدها العالم، ولعل السبب يرجع إلى تطور مفهوم الاستثمار، الذي انتقل من مجرد كونه إيداعا ماليا إلى مفهوم يعتبر الاستثمار تخصيص الموارد من أجل  إنعاش النمو، وزيادة الإنتاج.

ولئن كان الاستثمار هو حجر الزاوية في التنمية الاقتصادية، فإنه من اللازم الاهتمام بالقطاعات التي تمتلك القدرة الكافية على التأثير بشكل إيجابي في ميكانيزمات التنمية، ونقصد تحديدا تكوين العنصر البشري وتحفيزه على البذل والعطاء.

إذ يمكن القول أن العنصر البشري بات يشكل مطلبا رئيسيا لكبريات الاستثمارات الأجنبية، بل أصبح يشكل محددا رئيسيا قبل التسهيلات الجبائية والعقارية التي تقدمها الدول المستقبلة للاستثمارات، لان علاقة الاستثمار بالعنصر البشري باتت تتحكم في مصير نجاح الاستثمار.

قد يطرح المرء التساؤل حول كيف يساهم العنصر البشري في إنجاح لمشاريع الاقتصادية؟ وما هو الدور الذي لعبه في جعل الاستثمارات الاقتصادية تنمو وتتطور وتحقق مبتغاها.

ثالثا- دور العنصر البشري المؤهل في إنجاح مشاريع الاستثمار

من المسلم أن يقدم الاستثمار أدوارا حيوية كبيرة في تنشيط الحركة الاقتصادية والاجتماعية للبلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، إلا أن ضعف البنية الاقتصادية لهذه الأخيرة دفعها إلى ضرورة تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي، تحاول من خلاله تقليص الهوة بينها وبين الدول المتقدمة، غير أن ذلك لن يتم إلا بوضع إستراتيجية وطنية لتكوين العنصر البشري بما يفي أغراض الاستثمارات الاقتصادية الأجنبية.

فإذا كان الاستثمار مفهوما اقتصاديا وقانونيا بشتى أنواعه ومجالاته، قد لقي قبولا لدى دول العالم تتمثل في منحه التسهيلات والتشجيعات والامتيازات التي تساهم بشكل واضح على نموه وزيادة حجمه وتطوره، ولئن كانت إحدى أهم الدوافع إلى التشجيع على الاستثمار داخل الدول النامية، من خلال ما يقدم للمستثمرين من دور الاقتصادي والمالي، وأيضا دور ينعكس على الطبقة الاجتماعية، إلا أن ذلك كما سبقت الإشارة لن يتأتى إلا بتمكين المستثمرين من رأسمال بشري يتمتع بالكفاءة والتكوين المهني والمستوى الثقافي الذي يساهم في ترجمة طموحات الشركات المستثمرة في هذه الدول.

إذن لابد من الإقرار بكون التشغيل أصبح اليوم، أكثر من أي وقت، يعتبر رهانا اجتماعيا وسياسيا في المقام الأول، كما أنه يشكل تحديا اقتصاديا وضرورة أخلاقية، ليس في ظل تفشي البطالة وقلة فرص العمل فحسب، ولكن أيضا في ظل تزايد عدد السكان المستمر.

ومن هذا المنطلق تسعى الدول إلى أحداث تنمية تستهدف قدرات العنصر البشري، وتحريره من الفقر عن طريق زيادة جلب الاستثمارات المحلية والأجنبية وتشجيعها على ضوء تفعيل القطاعات الخاصة في ظل سياسة النهج الليبرالي المعتمد على حرية الأسواق، وأيضا من خلال تراجع الدولة عن دورها في الحياة الاقتصادية. وبذلك يكون الهدف الاجتماعي المتمثل في خلق مناصب شغل، عن طريق توظيف الأيدي العاملة للحد من البطالة، من الأهداف الأساسية المحفزة لجلب الاستثمار وتشجيعه إلى جانب مجموعة من الأهداف الأخرى الاقتصادية.

فالتأكيد على توظيف الأيدي العاملة الوطنية سواء في المشاريع الاستثمارية الأجنبية أو الوطنية، أخذ حيزا في النصوص القانونية داخل الدول العربية، وذلك من خلال سن مجموعة من القوانين المشجعة على الاستثمار، والتي نصت صراحة على ضرورة توظيف وتدريب أكبر عدد ممكن من الشباب، وهي معادلة باتت صعبة أمام خير التكوين والكفاءة التي يشترطها المستمرون قبل إقدامه على إحداث مشاريع استثمارية كبرى.

ونقر في هذا الصدد، أن تنهج الدول العربية استراتيجيات وطنية تتيح تكوين إعداد كبرى من الشباب، وأن يقتصر هذا التدريب والتكوين على المهن المتطلبة لدى المستثمرون، ونقصد تحديدا المهن التطبيقية، دون الاقتصار على تدريب الشباب المهن النظرية التي لا فائدة منها، بل أكثر من ذلك ينبغي أن ينص المشرع في الدولة العربية على ضرورة إلزام أصحاب المشاريع الاستثمارية تدريب وتكوين الأطر والكوادر المحلية وتأهيلها، نظرا لأهمية التأهيل والتدريب في الرفع من مستوى أداء المشروع وإنجاحه.

ففي اعتقادنا أن مسألة تأهيل العنصر البشري وتدريبه أصبحت لها أهمية بالغة في الوقت الحاضر، بحيث أن وجود أيد عامله مدربة ومؤهلة يساعد بشكل كبير على تحفيز  الاستثمارات وتشجيعها كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

نافلة القول أن الهدف الأسمى في اعتقادنا لاستغلال الاستثمار بشقيه الأجنبي أو المحلي توظيف العنصر البشري، حيث أضحى هذا الاتجاه من المسالك التي أخذت بها أغلبية التشريعات الاستثمارية في الدول المضيفة للاستثمار، وخصوصا ما لها من انعكاسات إيجابية على اقتصاد الدول باعتباره أحد الأهداف، التي تسعى الدول إلى تحقيقها، ولعل المسار الذي سارت عليه دول شرق آسيا كنموذج لاستقطاب الاستثمار الأجنبي، وما رافق ذلك من إعداد البيئة الملائمة لإنجاح هذه الاستثمارات وفي مقدمتها تكوين العنصر البشري وإعداده، من خلال تلقينه التكوين والتدريب في المهن المتطلبة في عالم الاستثمارات، أضف إلى ذلك تلقيها تكوينا خاصا في اللغات الحية ساهم بشكل كبير في سهولة اندماج الشركات الاستثمارات في مشاريع كبرى كان لها الوقع الايجابي على الدول المستقبلة، وانتقلت ذلك اقتصاديات بعض الدول في شرق آسيا إلى مرتب متقدمة على الصعيد العالمي كما حدث بالنسبة للتجربة الاندونيسية والماليزية.

فالامتيازات والحوافز التي تقدمها قوانين الاستثمار مرهونة بما تحققه من مردودية مالية اقتصادية على خزينة الدولة، وكم حققت هذه الاستثمارات من توفير فرص عمل حدت خلالها من معضلات التشغيل التي تعاني منها جل الدول.

أخيرا نقر بكون تأهيل العنصر البشري وتكوينه سيجلب حتما رؤوس الأموال الأجنبية إلى الدول العربية، وهو ما سيساهم في تقليص البطالة وجعل الاقتصاد ينمو بشكل ملحوظ، قياسا على التجربة التي انتهجتها بعض دول شرق آسيا معتمدة في ذلك على العنصر البشري في تقوية اقتصادياتها التي أضحت من الاقتصاديات القوية على المستوى العالمي.

[1]– ابن منظور، لسان العرب، دار بيروت، 1956. أورده، مصطفى خالد مصطفى، النظامي الحماية الإجرائية للاستثمارات الأجنبية الخاصة، الدار العلمية الدولية للنشر، الطبعة الأولى، عمان، 2002، ص:11.

[2]– مشار إليه لدى عبد اللطيف ناصري، إنعاش الاستثمارات الصناعية والإجراءات الجبائية والجمركية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية اكدال الرباط 2000-2001 ص: 20.

[3]– إدريس الكراوي وعبد العزيز النويض، “الاقتصاد المغربي: نموذجا الفلاحة والاستثمار الأجنبي”، الطبعة الأولى، دار توبقال للنشر،  الدار البيضاء، 1988 ، ص:11.

[4] – ذ. حسن خضر، الاستثمار الأجنبي المباشر، وتجربة دول مجلس التعاون لدول الخليج لعربية، بنك الكويت المركزي، الكويت، 1999.