دور العلاقات العامة في التواصل داخل المؤسسة التشريعية

316

 

 

 

 

 

 

“دور العلاقات العامة في التواصل داخل المؤسسة التشريعية”

 

 

 

 

 

إعداد الطالب الباحث:                   علي بن مسلم بن محاد الكثيري                          

 

إذا ما أردنا إلقاء الضوء على التواصل كمصطلح عام وشامل، سنجد أنه حديث النشأة من حيث التطبيق على المستوى الإداري، إلا أنه كمفهوم فقد استعمل منذ ما قبل الإسلام، فهو نشاط مارسه الإنسان لتحقيق التفاهم والتعايش بجميع الحواس، اللفظية منها وبواسطة الإشارات، وقد تطور استعمال التواصل بتطور الحضارة الإنسانية.

وعرفت الدكتورة “ليلى شحرور” التواصل على أن التواصل البشري هو في المقام الأول، دراسة معمقة لعملية الاتصال الشفهي وغير الشفهي، التأثيرات الداخلية والخارجية وعملية الإقناع في السلوك البشري. وهو ما يبرز العلاقة بين التواصل والإقناع بين طرفين اثنين[1].

أما من حيث الدور داخل المؤسسة الإدارية فهو يعتبر أحد مقومات التسيير، وهو من الكلمات القليلة التي يستخدمها كثير من الناس بطرق ذات معان عديدة ومختلفة، باعتبار اختلاف وجهات النظر. وفي هذا الصدد يرى الدكتور “شكري مجاهد” أثناء ترجمته لكتاب “التواصل عبر الثقافات” أنه حينما تعمل مع أناس آخرين عليك أن تتوقع بروز الاختلافات على السطح[2].

وعموما فإن التواصل داخل الإدارة كانت في العهود الأولى يتمثل أساسا في التواصل الشفوي، الذي كان يتميز بالوضوح والبساطة والسرعة وانعدام التسلسل الإداري، أما في وقتنا المعاصر فأصبح التواصل داخل المؤسسة الإدارية يتم عبر وسائل مختلفة سواء منها المكتوبة أو الرقمية أو المنسوخة.

ولعل التواصل داخل المؤسسة الإدارية يتطلب وجود عناصر مختلفة[3]، سنتطرق من خلال دراستنا هذه إلى عنصري المجتمع المدني والمؤسسة التشريعية، باعتبار أهمية التواصل بينهما من أجل إنجاح العملية الديمقراطية سواء أثناء مراحل الانتخابات أو أثناء ممارسة الديمقراطية التشاركية، والتي أضحت رهانا لكل شعوب العالم خاصة العربية منها.

وبناء عليه سنعمل من خلال هذه الدراسة على تبيان أهمية التواصل المؤسساتي من خلال البحث في أهميته على مستوى المؤسسة التشريعية وعلاقتها بالمجتمع المدني (أولا)، على أن نتطرق فيما بعد إلى دور العلاقات العامة داخل المؤسسات التشريعية في التواصل مع فعاليات المجتمع المدني (ثانيا).

أولا- أهمية التواصل داخل المؤسسة التشريعية:

من الطبيعي أن تكون المؤسسة التشريعية من بين المؤسسات السيادية التي تحرص الدول المتقدمة والمتخلفة على حد سواء على رفع كفاءتها وتحقيق التفاهم بين أفراده من ناحية، وبين المجتمع المدني والمؤسسات المختلفة من ناحية أخرى بصفته من المؤسسات المهمة، بل إنه الجهة المخولة بإصدار القوانين والتشريعات التي تطبق على المجتمع برمته، وهو ما يتطلب أساليب للاتصال وإدارة تسعى لتوضيح سياساته وهذا بإعطاء المكانة اللائقة للعلاقات العامة.

وفي هذا الإطار سعت هذه الدراسة إلى التركيز على أهمية إيصال المعلومة المرتبطة بصنع القرار البرلماني إلى المواطن من أجل الحد من ظاهرة العزوف عن العمل السياسي من جهة، ومن جهة ثانية جعل المؤسسة البرلمانية أكثر انفتاحا على المجتمع المدني من خلال الاهتمام بمصلحة التواصل والإعلام وعصرنتها خدمة لوظيفة الاتصال والتواصل بين المؤسسة البرلمانية والمجتمع المدني.

وعلى أساس ما سبق يمكن القول أنه بات من الضروري تشخيص واقع التواصل المؤسساتي داخل المؤسسة التشريعية (البرلمان)، وهو الهدف الأساسي المرجو بلوغه من خلال هذه الدراسة.

ففي المغرب على سبيل المثال فقد فرض موضوع الروابط بين المجتمع المدني والبرلمان نفسه بشكل متزايد، لاسيما في أعقاب الانتخابات التشريعية لسنة 2007[4]، التي طبعت بنسبة مشاركة ضعيفة جدا، ألقت نتائجها السلبية بضلالها، بحيث رأى بعض الباحثين أن هذا التراجع راجع لعدة أسباب منها على الخصوص، عدم الثقة في الأحزاب السياسية[5]. مما حدا بالدولة إلى تشخيص أسباب العزوف عن الممارسة السياسية للمواطن، حيث أفرزت النتائج عدم اطلاع عنصر المواطن على المجريات السياسية، وعدم انخراطه في المشاركة بالطرق المباشرة أو غير المباشرة ساهمت بشكل كبير في تذمره من كل ما هو سياسي.

أما في سلطنة عمان كمثال ثاني، فعقب الأحداث التي شهدتها بعض مناطقها إبان فترة ما اصطلح عليه بالربيع العربي، بالرغم من المستوى المعيشي المميز للمواطن العماني مقارنة مع نظرائه في العالم العربي، إلا أن الدافع إلى خروجه إلى الشارع ووقوفه للاحتجاج من أجل التغيير والتقليص بين الهوة، بين السلطة السياسية المكونة للأحزاب وبين مكونات المجتمع المدني ذات الخصوصية المختلفة في هذا البلد.

وما يستساغ من وضعيات كهذه أن دور المواطن في الديمقراطية لاينتهي عند الانتخابات، بل يتطلب أن يتواصل التفاعل بين المواطنين والمؤسسة البرلمانية بشكل خاص من خلال آليات رسمية ومؤسساتية تجنبا لخلق هوة بين المواطنين وتدبير الشأن العام بصفة عامة، لذلك نقر بأن مشاركة المجتمع المدني عنصر هام في المشاركة المواطنة في العمل السياسي برمته، وهي مشاركة تبقى أساسية في تعزيز الديمقراطية ودولة الحق والقانون في شتى بقاع العالم العربي.

ففي علاقة المؤسسة البرلمانية بعملية التواصل مع الشركاء في المشهد السياسي الداخلي، نجد أن تلك العلاقة أضحت مطلبا مجتمعيا، حيث برزت ضرورة انفتاح المؤسسة البرلمانية في علاقتها مع نوابها من جهة، ومن جهة ثانية مع المجتمع المدني، ذلك أن مساهمة المجتمع المدني في المسلسل التشريعي من شأنه أن يسلط الضوء على المشاكل القريبة من المواطن، وأن تعبر عن انخراطه في تسيير الشؤون العامة للدولة عن طريق اطلاعه على كل مجريات الأحداث والقرارات الصادرة عن المؤسسة التشريعية.

ثانيا- دور العلاقات العامة داخل المؤسسات التشريعية في التواصل مع فعاليات المجتمع المدني:

في ظل الفرص والتحديات التي طبعت العصر الحالي، والمتميز بالتطور المعلوماتي المتسارع، وأيضا إبان تصاعد وتنامي أهمية الرأي العام داخل المنظومة السياسية للدولة، والذي يعتبر عنصرا مهما في الحياة السياسية، وكذا نضج المجتمع المدني وانتشار الديمقراطية بشتى صورها من قبل فئاته، بات لزاما للبرلمان بحكم طبيعته ومهامه التشريعية والرقابية منح أهمية لوظيفة التواصل المؤسساتي، هذه الوظيفة التي أصبحت بمثابة البنية التحتية لتنمية المؤسسة البرلمانية من جهة، وإنعاش المناخ الديمقراطي وتطويره والرقي به من جهة ثانية. وفي هذا الصدد فقد أوصت منظمة الأمم المتحدة للتنمية بضرورة العمل على تخصيص قناة للإعلام البرلماني العربي للمساهمة في تطوير ثقافة المجتمع الديمقراطي ومؤسساته.[6]

ومن خلال تشخيص واقع وظيفة التواصل المؤسساتي في البرلمانات العربية، تبدو وظيفة التواصل المؤسساتي موجودة من حيث المهام والقيام ببعض النشاطات المعدودة، لكنها غائبة في الهيكل الوظيفي -رغم وجودها في الهيكل التنظيمي الذي تنشره مجالس النواب العربية في مواقعها على شبكة الانترنيت- كما أن هناك تداخلا في المهام بالنسبة للموظفين التابعين للمصلحة الموكل إليها طبيعة ربط جسر التواصل مع شركاء العملية السياسية، حيث تنسب في بعض الأحيان لخلية التواصل والإعلام مهام العلاقات العامة والتواصل، في حين يشاركها المهام الصحافة والإعلام سيما إذا علمنا ضخامة المسؤولية الملقاة على الإعلام أو الصحافة في مؤسسة كالبرلمان.

والشائع أن مسار الحصول على المعلومات يتخذ شكل الاتصال في اتجاهين مختلفين، سواء من الإدارة إلى المواطن أو العكس،  وفي حين نسجل التطور الكبير لطرق التعامل بين البرلمانات والمواطنين في عديد من الدول المتقدمة، من خلال فتح قنوات عدة للتواصل معها، فإننا نجد أن إدارة مجالس النواب العربية لا تعتمد على وسائل الاتصال الحديثة حسب ما تقتضيه الضرورة، ولازالت تمارس وظيفة التكتم على المعلومة، إلا ما تنشره في الجرائد الرسمية.

ونجد أن معظم البرلمانات العربية تعتمد في أحيان كثيرة على موقعها الالكتروني، الذي نرى ضرورة عصرنته وتحديثه بطريقة متجددة لكي يتم الحصول على الوثائق المنشورة عليه بالسرعة المتطلبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقرارات برلمانية أو قوانين وطنية تهم مصالح المواطن في حياته اليومية.

من جهة أخرى فإنه بالرغم من مجموعة السلبيات التي يتم رصدها، والتي لا تزال تشوب هذه الوظيفة، تبقى تقنية التواصل المؤسساتي داخل البرلمانات العربية تكتسي أهمية وضرورة ملحة باعتبارها وظيفة المستقبل في مشروع الحكومة الالكترونية والتعامل الالكتروني في التواصل ما بين البرلمان والمجتمع المدني في كل الدول العربية.

وبالتالي فقد أضحى على المؤسسة التشريعية سواء المغربية أو العمانية أن تجد لنفسها مخططا استراتيجيا لعصرنة آليات التواصل والرقي بها، نظرا لأهمية الانفتاح على العالم الخارجي من مجتمع مدني وبرلمانات ومؤسسات تشريعية دولية وغيرها، على اعتبار أننا في القرن الواحد والعشرين والحاجة ماسة إلى علاقات قوية تربطها بالرأي العام والمجتمع المدني من خلال اتصال ديمقراطي، وفق ما ينص عليه دساتير هذه الدول.

وبناء على كل ما سبق، حاولنا وضع تصور شمولي لوظيفة التواصل المؤسساتي داخل البرلمان، واعتمدنا رصد الحالة الراهنة لهذه الوظيفة، من خلال تشخيص الوضعية حيث ارتأينا مجموعة من الإصلاحات الهيكلية والتنظيمية لوظيفة التواصل الإداري داخل المؤسسة التشريعية، لتؤدى هذه الوظيفة بالطريقة المثلى، وترقى إلى التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم، فلا يعقل أنه في الوقت الذي يتسم بوضع جل الحكومات العربية أولى اللبنات لإنشاء الحكومة الالكترونية والتعامل الالكتروني للوثائق الإدارية، نجد مقابلها أن مؤسسة كالبرلمان تتوفر على مواقع الكترونية لاينشر فيها حتى القرارات والقوانين فور المصادقة عليها من قبل غرف البرلمان.

ختاما نود لو أن الحكومات العربية تعمل على وضع مخططات إستراتيجية لوضع خلية تعنى بوظيفة التواصل المؤسساتي في البرلمان، وبالتالي إتباع الخطوات التالية من أجل وضع أسس سليمة للتواصل بين المؤسسة البرلمانية والمجتمع المدني، وتحديا من خلال:

– وضع هيكل تنظيمي لوظيفة التواصل يترجم الأدوار المناطة بها في وحدات وأقسام تتحدد من خلالها الأدوار والواجبات، ولما لا تجميع الخلايا التابعة لرئاسة الديوان بالبرلمان ودمجها في خلية موحدة، ونقصد تحديدا خلايا (الاتصال، العلاقات الخارجية، العلاقات العامة والسياسية، الإعلام، النشرات الخاصة، تحيين الموقع الالكتروني، الخ…).

– تزويد المؤسسة التشريعية بالكفاءات البشرية المتخصصة في مجال التواصل بجميع تقنياته، بتعيين المؤهلين لذلك، مع عقد دورات تدريبية متواصلة ومستمرة للقائمين عليها، لاكتساب مزيد من التقنيات والتكنولوجيا الحديثة؛

– ضرورة إتباع الأساليب العلمية والموضوعية السليمة في ممارسة أنشطة التواصل المؤسساتي، مع الاستناد على البحوث والمعلومات الموضوعية الدقيقة والدراسات الأكاديمية في اتخاذ قرارات تتعلق بأسس التواصل المؤسساتي؛

– ضرورة الاهتمام بتكوين تكميلي لجميع البرلمانيين من أجل حسن استعمال الوسائل التكنولوجيا للحصول على المعلومات والوثائق الضرورية.

– تحديث نظام المعلوميات، وجعله في خدمة المواطن بدل الاكتفاء بالطبع والنسخ لفائدة الإدارة.

نافلة القول نقترح رصد اعتمادات مالية لتحديث قطاع التواصل المؤسساتي، وحث البرلمانيين على اقتراح هذا المشروع وذلك بتجهيز البرلمان ومصلحة التواصل بالآليات الإلكترونية والعتاد لوضع أرشيف إلكتروني حديث لجميع إصدارات المؤسسة التشريعية.

أخيرا تبقى وظيفة التواصل المؤسساتي أحد أهم وسائل انفتاح المؤسسة التشريعية على المجتمع المدني، سيما إذا ماتم وضع الآليات المناسبة لتسهيل عملية أداء وظيفة التواصل الإداري داخل المؤسسة البرلمانية في دول العالم العربي، حيث ينبغي جعل المؤسسة التشريعية مؤسسة سهلة الولوج من طرف المواطن، ليطلع على أشغال وإصدارات هذه المؤسسة، وتزيح عنها صورة المؤسسة الغامضة أمام المواطنين، ليستطيع الاطلاع على المستجدات في وقتها، وبالتالي يمكنه من اقتراح البدائل تفاديا للانفرادية في اتخاذ قرارات تهمه بالدرجة الأولى.

 

المراجع المعتمدة في المقال

 

  • ليلى شحرور، فن التواصل والإقناع، الدار العربية للعلوم، 2009.
  • دون و-برنس ومايكل هـ.هوب، ترجمة شكري مجاهد” أثناء ترجمته لكتاب “التواصل عبر الثقافات”، مجلة دليل الأفكار العلمية، 2000.
  • قراءة في نتائج الانتخابات البرلمانية المغربية 2007، الحوار السياسي العربي، مجلة الكترونية، 10-09-2007.
  • الدكتور عمرو حمزاوي، كبير الباحثين بمركز “كارنيغي” للدراسات بالشرق الأوسط منشورة على الموقع: http://carnegie-mec.org.
  • محمد بن علي شيبان العامري، عناصر (مراحل) عملية الاتصال، مقال الكتروني منشور على الموقع:

http://www.sst5.com/readArticle.aspx?ArtID=1267&SecID=20.

[1] – ليلى شحرور، فن التواصل والإقناع، الدار العربية للعلوم، 2009، ص: 4.

[2] – دون و-برنس ومايكل هـ.هوب، ترجمة شكري مجاهد” أثناء ترجمته لكتاب “التواصل عبر الثقافات”، مجلة دليل الأفكار العلمية، 2000، ص: 17.

[3] محمد بن علي شيبان العامري، عناصر (مراحل) عملية الاتصال، مقال الكتروني منشور على الموقع:

http://www.sst5.com/readArticle.aspx?ArtID=1267&SecID=20

[4]– في هذا الصدد ذهب الدكتور عمرو حمزاوي، كبير الباحثين بمركز “كارنيغي” لدراسات الشرق الأوسط، إلى القول أن الهبوط التاريخي الحاد في نسبة مشاركة المقترعين والذي وصل إلى 37 %، وجاءت هذه النسب كرد فعل على تزايد عدد الناخبين الذين يعتقدون أن مجلس النواب هو مؤسسة غير فعالة لا تقدم سوى القليل من الحلول الناجعة لحسم الضغط الإقتصادي الواقع عليهم وحل مشاكلهم الإجتماعية. كما أن خطا الإصلاح السياسي لم تسهم بالكثير لتخفيف تكريس السلطة في يد الملك، أو خلق نظام محاسبة ومراجعة ذي مصداقية.

انظر: تقرير مركز “كارنيغي”، منشور على الموقع الالكتروني: http://carnegie-mec.org

[5] – قراءة في نتائج الانتخابات البرلمانية المغربية 2007، الحوار السياسي العربي، مجلة الكترونية، 10-09-2007.

مقال منشور في الموقع الالكتروني:

http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/showthread.php?t=25383

[6] – مقال منشور في موقع الأمم المتحدة للتنمية على الموقع الالكتروني:

ftp://pogar.org/LocalUser/pogarp/legislature/lcps1a/section4.html