دور الدبلوماسية المغربية في إدارة الأزمات

1,249

دور الدبلوماسية المغربية في إدارة الأزمات
الدكتورة ملاك قائد
باحثة في القانون العام والعلوم السياسية في موضوع
تقديم
تعتبر الدبلوماسية أداة مهمة من أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية لكل بلد ، كما أنها من أهم الوسائل لحل المنازعات التي عرفها تاريخ العلاقات الدولية منذ أقدم العصور إلى اليوم. وإذا كانت الدبلوماسية نشأت وتطورت في حُضن حقل القانون الدولي العام ، فإن نجاعتها برزت بشكل أساسي في حقل العلاقات الدولية الذي تميز باندلاع العديد من الحروب والصراعات اتسوجبت بعد إنتهائها، اللجوء إلى الطرق الدبلوماسية لإعادة ترتيب أوضاع النظام الدولي، تم تطور الوضع فيما بعد، بحيث أصبحت جل الدول تُفضل اللجوء إلى الآلية الدبلوماسية لتدبير نزاعتها بعيداً عن استعمال القوة، كما أن ميثاق الأمم المتحدة نص على هذه الآلية، وألزم الدول أثناء إنضمامها للمنظمة، بأن تلتزم بمقاصدها الواردة في المادة الأولى التي تنص على حفظ السلم والأمن الدوليين بالوسائل السلمية.
وفي ظل المتغيرات التي عرفها المحيط الدولي منذ أكثر من عقدين ، والتطورات السريعة والمعقدة للواقع الجيوسياسي الدولي التي خلفت أزمات حادة وشادة، اتجهت السياسة الخارجية المغربية إلى التكيف مع تطورات الظرفية الدولية وذلك بإرساء دبلوماسية قوية وتفاعلية، ومتعددة الأبعاد فمن هذا المنطلق أصبح العديد من الطلبة الباحثون يُقبلون على أنجاز أطاريحهم الجامعية المرتبطة بالدبلوماسية وعلاقتها بتدبير الأزمات، لما خلفته من تراكم معرفي في حقل الدراسات الدولية بشكل عام، وللنجاعة التي أصبحت تحققها نسبياً في حل العديد من الصراعات الداخلية والخارجية للدول بشكل خاص.
وفي هذا الإطار يأتي العمل الأكاديمي الذي تقدمت به الباحثة ملاك قائد لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية في موضوع دور الدبلوماسية المغربية في إدارة الأزمات انسجاماً مع التوجهات الجديدة التي أصبحت تنهجها المملكة المغربية في مجال سياستها الخارجية، حيث أضحت أكثر انفتاحاً بعد دستور 2011 . بالإضافة إلى تتعدد الفاعلين المتدخلون في هذه الدبلوماسية، وفاعليتها في إدارة العديد من الأزمات.
وعليه فإن الخيط الناظم لهذا العمل الأكاديمي يجمع بين هذ المحاور الثلاثة الأتية :
أولاً : تم التركيز على الدبلوماسية المغربية في عهد الملك محمد السادس، التي تميز نسقها العام بتعدد المساهمين في بلورة هذه السياسة انطلاقاً من توجهاته الملكية، وفسح المجال لفاعلين آخرين غير المؤسسات الرسمية للدولة، في إطار مقاربة تشاركية حسب الملفات التي تقتضي تعاون الدبلوماسية الرسمية و الدبلوماسية غير الرسمية، وهذا يجسد الانفتاح الكبير في صنع السياسة الخارجية المغربية التي كانت في السابق مجالاً محفوظا تتخذ فيه القرارات في نطاق محدود جداً.
ثانياً : إن الدبلوماسية المغربية في توجهاتها تميزت بخاصيتين الأولى، أنها حافظت على علاقتها مع شركائها التقليدين خاصة مع دول الاتحاد الأوربي في مقدمتهم إسبانيا وفرنسا، ومع الولايات المتحدة الأمريكية، ودول الخليج العربي، والخاصية الثانية أنها انفتحت على العديد من دول أمريكا اللاتينية كالبرازيل، أما الجديد في الدبلوماسية المغربية الإنفتاح الكبير على إفريقيا التي بوئت المغرب المستثمر الثاني في القارة بعد جنوب إفريقيا، بالإضافة إلى تمتين علاقاتها مع قوى أخرى في إطار تنويع شركائها الاقتصادين كروسيا والصين والهند.
وتجدر الإشارة أن هذه العلاقات سواء الثنائية أو المتعددة الأطراف التي تربط المغرب بهذه الدول تتخللها بين الفينة والأخرى مع بعضها أزمات ظرفية أوفتور مؤقت في العلاقات، لكن الثابت في الدبلوماسية المغربية أنها تُدير هذه الأزمات بشكل دبلوماسي وبكل حنكة وتبصر.
ثالثا: إن التطور الحاصل في الأداء الدبلوماسي عند إدارة الأزمات ، والمنهجية الجديدة التي أصبحت تعتمد عليها الدبلوماسية المغربية، المبنية على الواقعية والحزم مكنت المغرب من الانخراط بشكل فعال وإيجابي في تدبير أزماته منها قضية الصحراء المغربية التي اختار المغرب منذ البداية الحل الدبلوماسي لهذه القضية المفتعلة ، وحافظ على هذا النهج طيلة المراحل المفاوضات إلى غاية اليوم . كما أن المغرب، نهج نفس المسلك في الأزمات الظرفية التي كانت تقع مع الجارة الإسبانية ، بل حتى الاستفزازات التي تأتي من خصوم الوحدة الوطنية والترابية للبلد من دول مجاورة حافظ فيه على سلوكه الدبلوماسي ، مما أكسبه تجربة في مجال إدارة وتدبير الأزمات، حيث أصبح يلعب دور الوساطة لحل النزاعات مثال على ذلك وساطته في الأزمة الليبية بمدينة الصخيرات التي لقيت الترحيب من طرف مجلس الأمن .
كما عمل المغرب على تطوير أدائه الدبلوماسي على المستوى الإنساني ” الدبلوماسية الإنسانية” من خلال توجيه عمله لتقديم مساعدات إنسانية كما هو الشأن في “مخيم الزعتري” بالأردن لمساعدة اللاجئين السوريين، أو من خلال المساعدات الطبية الموجهة للشعب الفلسطيني في قطاع غزة ، كما أن هذه الدبلوماسية الإنسانية بقيت مستمرة حتى حالات النزاعات المسلحة، عبر مشاركة القوات المغربية عمليات حفظ السلام التي تشرف عليها الأمم المتحدة في العديد من الدول الإفريقية .
كذلك أن الأطروحة لم تغفل جانب مهم من الدبلوماسية المغربية في المجال الروحي ” الدبلوماسية الروحية ” ، حيث لعب المغرب دوراً مهماً في التصدي للتهديدات الداخلية والخارجية التي قد تمس بالأمن الروحي للمغاربة .
إن كل هذه الأدوار للدبلوماسية المغربية حاولت هذه الأطروحة أن تلامسها، وأن تخرج بخلاصات واستنتاجات ، لذلك تستحق كل التشجيع والتنويه، و أن تُّقدم للباحثين وعموم القُّراء .

ذ محمد المكليف
أستاذ التعليم العالي مؤهل
جامعة محمد الخامس الرباط
كلية الحقوق سلا