دور التحفيز في تطوير العمل القضائي

342

دور التحفيز في تطوير العمل القضائي

سالم سعيد أحمد الكثيري

طالب باحث

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية محمد الاول

وجدة

 

تقديم:

لقد جعل الله سبحانه وتعالى الثواب والأجر جزاء كل مجتهد وكل متقن لعمله وواجباته، إذ قال عز وجل” وأن للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى”[1]، حيث أن الجزاء الأوفى يمنح للإنسان الجاد والمثابر والمجتهد ويكون من نصيبه، وقد ركز جل وجلاله على منح الجزاء الحسن لهذه الفئة من الناس في عديد من الآيات الكريمةـ حيث قال سبحانه ” قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب”[2].

فالمحكمة من منح الأجر والثواب هو التحفيز على البذل والعطاء والمثابرة والاجتهاد، فالتحفيز يساهم في مضاعفة العمل وإتقانه، ونقر في هذا السياق بأن كثيرا من الأمم شهدت تطورا اقتصاديا كبيرا بالاعتماد على عنصر التحفيز والتشجيع بجميع أنواعه، سواء المعنوي منه أو المادي. وفي هذا الصدد جاءت دراستنا لواقع التحفيز في الإدارة القضائية في سلطنة عمان، والذي في اعتقادنا لازال لم يرق بعد إلى ما يصبوا إليه موظفوا الحقل القضائي، حيث أن القاضي لازال يتطلع للاعتراف بمجهوداته داخل منظومة القضاء وجعله أكثر فاعلية في خدمة العدالة والمواطن على حد سواء، وما يمكن ملاحظته هو قصور أشكال التحفيز في النصوص التشريعية التي تعني بهذه الفئة، وعدم إعطاءها مكانتها التي تستحقها ضمن منظومة التشريع المنظم للسلطة القضائية، بالرغم من مجهودات الدولة في تحسيس القاضي بكونه ضمن أولوياتها وخططها الإصلاحية لمجال القضاء، من خلال تمكينه من بعض الامتيازات بالرفع من قيمة التحفيز المادي والمعنوي خاصة في السنوات القليلة الماضية.

وفي هذا الإطار يثار الإشكال حول أوجه التحفيز في مسار موظفي القضاء بسلطنة عمان؟ وهل استطاعت الدولة أن تمكن القاضي من كافة وسائل التحفيز؟ وما هي وسائل مكافأته على البذل والعطاء؟ وكيف سيساهم التحفيز في تحديث العمل القضائي وعصرنته والرقي بوظيفة القاضي ليتلاءم مع تطورات التقاضي المعاصر؟.

للإجابة على مختلف هذه الرؤى حول واقع ودور التحفيز في تطوير العمل داخل الحقل القضائي، سنعمل على تحليل وجهة نظرنا حوله من خلال عنصرين اثنين، نرصد بداية آليات تحفيز وتشجيع القاضي على البذل والعطاء (أولا)، ثم بعد ذلك آفاق التحفيز ودوره في تحديث العمل القضائي في سلطنة عمان (ثانيا).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولا: آليات التحفيز والتشجيع على البذل والعطاء في الإدارة القضائية

تلعب المبادرات التشجيعية والتحفيزية[3] التي تقدمها الحكومة دورا مهما في تطوير العمل داخل الإدارة لاسيما في المجال القضائي، إذ غالبا ما ينبني نجاح أي مشروع إصلاح على تحفيز العنصر البشري المتواجد فيه على البذل والعطاء والمردودية.

وعموما يكتسي التحفيز دورا بارزا في تطوير العمل القضائي بسلطنة عمان كما في باقي الأنظمة القضائية في العالم العربي أو الغربي، ومن ثم فإن الاهتمام بالعنصر البشري من خلال نهج آليات لتحفيز فئة القضاة على البذل والعطاء، أضحت أمرا ضروريا لتطوير الإدارة القضائية.

وقد ظهر توجه الدولة نحو وضع إستراتيجية وطنية لتشجيع الموظف على أداء واجباته بكل تفان وإتقان، من خلال إقرار العديد من النصوص التشريعية التي تعتبر نصوصا تحفيزية للموظف في جميع القطاعات ومنه الموظف داخل الإدارة القضائية بسلطنة عمان.

وقد خلا قانون السلطة القضائية من أي تعريف للتحفيز أو إشارة إليه ما عدا ما جاءت به المادة 33 و34 حول طرق الترقية، والمواد 45 إلى 47 المخصصة للرواتب في نفس القانون، أو المادة الفريدة من خلال التعديل الذي جاء به المرسوم السلطاني رقم 5 لسنة 2004.

ولربما أحال المشرع أمر التحفيز لمقتضيات ما جاءت به اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية[4]، والتي نصت على عديد من النصوص القانونية لتحفيز الموظفين بصفة عامة داخل الإدارة العمانية بغية تحسين أدائها بدرجة أولى.

والشائع أن عملية التحفيز تقتضي فهم السلوك الإنساني فهما جيدا، وحسب الدكتور علي السلمي فهو عبارة عن سلسلة متعاقبة من الأفعال وردود الأفعال التي تصدر عن الفرد في محاولته المستمرة لتحقيق أهدافه وإشباع رغباته المتطورة والمتجددة[5].

ويتخذ التحفيز في منظومة القضاء شكلين، إما أن يكون على شكل نظام ترقية، أو على شكل مكافآت وعلاوات تمنح للموظف الذي يبذل جهدا مضاعفا ويقدم عملا مميزا للإدارة التي يشتغل داخلها.

  • التحفيز عن طريق الترقية:

تتفق غالبية القوانين المنظمة لسير مسار الموظف في العالم على نظام للترقية من درجة إلى درجة أو من مرتبة إلى متربة أعلى، تختلف من نظام وظيفة عمومية إلى آخر، فهناك من يعتمد الأقدمية التي مراسها الموظف لتمكينه من الترقي من مرتبة إلى مرتبة أعلى، وهنك من يعتمد على الشواهد المحصل عليها سواء التعليم الأكاديمي أو التدريب المهني.

وقد اشترطت المادة 33 من قانون السلطة القضائية على أن تكون الترقية بطريق التعيين في وظيفة قاضي محكمة ابتدائية ثان، من بين القضاة الذين شغلوا هذه الوظيفة مدة سنتين على الأقل.

أما بالنسبة لقاضي محكمة ابتدائية أول وقاضي محكمة استئناف فلا تتم الترقية إلا بعد شغل في نفس الوظيفة مدة أربع سنوات على الأقل، وأخيرا بالنسبة للقاضي المحكمة العليا فيشترط ستة سنوات من الخدمة في نفس المنصب على الأقل[6].

ومع اكتفائه بتبيان طرق الترقية من خلال مقتضيات المادة السالفة الذكر، فالمشرع العماني اشترط في هذا الخصوص أن تجري الترقية إلى وظائف قضاة المحكمة العليا وما دونها على أساس الأقدمية وتقارير التفتيش[7].

واشترط في جميع الأحوال ضرورة حصول المرشح على درجة كفاية لا تقل عن فوق المتوسط في التقريرين السابقين على الترقية.

إذ باستقراء النصين أعلاه، يتضح أن المشرع العماني جعل شرط الأقدمية كمعيار للترقية من درجة إلى درجة، وإذ كان بهذا الإجراء مرنا من خلال اشتراطه سنتين من الأقدمية بالنسبة للترقي إلى درجة قاضي محكمة ابتدائية أول قاضي محكمة استئناف، في حين رفع هذا الشرط إلى ستة سنوات بالنسبة للترقية إلى قاضي المحكمة العليا.

نرى أن المشرع العماني بإجراء كهذا فقد بين سبل التحفيز بالنسبة لفئة القضاة للانتقال من درجة إلى أخرى.

بإلقاء الضوء على السنوات التي يشترطها نجد أن الفئة الأولى ينبغي أن تتوفر على سنتين من الأقدمية، في حين أن الفئة الأخيرة يشترط توفرها مرور ستة سنوات من الأقدمية، وكان عليه.

فعلى العكس، باعتبار أن الفئة الأولى هي التي تحتاج إلى مزيد من الوقت لاكتساب الخبرة في مجال تحمل المسؤولية في لعمل القضائي، أما الفئة الأخيرة فمن المفترض أن تكون قد مرت على جميع المراحل قبل أن تصل إل ى شغل منصب قاضي بالمحكمة العليا مما ينبغي تقليص المدة الواجب توفرها لاستفادتها من الأقدمية من ستة سنوات إلى سنتين على الأكثر.

من جهة ثانية نرى بأن المشرع العماني ركز على الأقدمية بالسنوات بالنسبة للترقية بين فئات القضاة، في حين غيب شرط المؤهل العلمي، ونعتقد بهذا الإجراء فإنه كرس مفهوم حتمية مرور السنوات لتولي مناصب عليا في محاكم السلطنة.

وبذلك فقد سار على عكس ما جاءت به المادة 26 من قانون الخدمة المدنية، التي تعتبر أن الترقية تكون إلى الوظيفة الأعلى التالية مباشرة متى كانت درجتها المالية شاغرة وتتوافر في المرقى شروط شغلها[8]. كما تتم الترقية على أساس الجدارة التي تبنى على عناصر الأقدمية والأداء والمؤهل الدراسي وتحدد اللائحة نسب الدرجات التي تتقرر لكل عنصر من هذه العناصر.

حيث أنه الإجراء فقد أحسن المشرع العماني فعلا من خلال عنصر الأداء والمؤهل الدراسي كمحدد لمسار الترقية بالنسبة للموظف، إذ أن اغفل أحد هذا العناصر فسيساهم في غياب الحافز والدافع لدى الموظف لكي يبحث عن سبل ترقيته، إذ سيعتقد بأن الترقية مسألة وقت فقط مما يجعله أكثر تماطلا في أداء مهامه، في حين أن معيار الداء والمؤهل الدراسي، ختما سيفترض عليه أداء واجبه على أحسن وجه، كما تجعله يبحث عن سبب تحسين مستواه الثقافي مما ينعكس إيجابا على مردوديته داخل الإدارة التي يشتغل فيها.

وهو ما سار المشرع العماني في تاكيده من خلال عدم منحه إمكانية الترقية إلا قبل انقضاء الحد الأدنى للبقاء في الدرجة من تاريخ التعيين أو الترقية السابقة، وأيضا من خلال حرمانه من الترقية بالنسبة للموظف الذي يقدم عنه تقرير بدرجة ضعيف من الترقية في السنة التالية لتلك المقدم عنها التقرير[9].

خلاصة لما سبق وباستقراء النصوص التشريعية المخصصة للترقية نجد أن المشرع العماني ركز أكثر بالنسبة للسلطة القضائية على عامل الأقدمية وحصول المترشح على درجة كافية، بما يوحي باتجاه المشرع نحو ربط الترقية بالأقدمية عكس قانون الخدمة المدنية الذي يضيف شرط التوفر على المؤهل العلمي.

والأجدر في هذا السياق أن يعمل المشرع إلى تعديل المادة 34 من قانون السلطة القضائية بإضافة “… كما تجرى الترقية إلى المناصب العليا استنادا على المؤهل العلمي”، وبطبيعة الحال سيتطلب من المشرع في هذا الصدد تحيين القانون بإضافة ملحق يتضمن الشواهد العلمية التي تخول الولوج إلى درجات الوظائف العليا في المحاكم العمانية، كالحصول على شهادة الماجستير ودبلوم الدكتوراه والدورات العلمية التخصصية، مما سيفتح باب الاجتهاد والبحث والمثابرة بين فئات القضاة، لاكتساب الترقيات في أسرع وقت من جهة، ومن جهة ثانية سينعكس هذا تلقائيا على مستواهم الثقافي ومؤهلهم العلمي، مما سيسهل مشاريع إصلاح المنظومة القضائية وفق ما يتطلب عصرنة هذا القطاع وتحديثه.

ب- التحفيز عن طريق المكافآت والعلاوات.

لم يعرف المشرع العماني المكافآت والعلاوات بالشكل الصريح سواء في قانون السلطة القضائية، غير أنه قسمها إلى جزئيين اثنين في المادة 8 من قانون الخدمة المدنية.

وعموما فإن المكافآت تلعب دورا هاما في تطوير العمل الإداري بسلطنة عمان، ومن خلال القوانين الجديدة لقانون الخدمة المدنية العماني.

ولقد كان المشرع العماني صريحا حين أقر بأن الموظف يستحق أجرا عن الأعمال الإضافية التي يطلب إليهم تأديتها وفقا للقواعد والأحكام التي تضعها اللائحة.

كما لم يعر المشرع العماني اهتماما للعلاوات والمكافآت في قانون السلطة القضائية، بحيث لم ترد الإشارة إلى ذلك ماعدا ما جاء في المادة 45 حيث أشارت إلى أن رواتب القضاة وعلاواتهم والبدلات التي تمنح لهم وفقا للجدول الذي صدر به مرسوم سلطاني”.

وإذا كان المشرع قد فصل من خلال جداول توضيحية، بين رواتب وعلاوات وبدلات القضاة وأعضاء محكمة القضاء الإداري وأعضاء الادعاء العام، من خلال مقتضيات المرسوم السلطاني رقم 2014/4 ، فقد أراد بهذا الإجراء أن يبين قيمة هذه العلاوات مقارنة مع الراتب الأساسي للقاضي.

ويلاحظ أن المشرع اقتصر على التعويض المادي، مستثنيا التحفيز المعنوي بجميع أشكاله، ونقصد تحديدا عدم تخصيصه بعض التحفيزات المهمة لفئة القضاة، مثل منح بعض المزايا للسفر إلى الخارج، وتمكين هذه الفئة من إحداث نادي للقضاة على غرار بعض التجارب في العالم العربي كما نلاحظ تغييب العلاوات التشجيعية.

في هذا السياق نقر بضرورة إضافة هذا النوع من المكافآت نظرا لإيجابياته كتحفيز يمنح لفئة القضاة في البحث عن اكتساب التجربة والخبرة عن طريق المشاركة في الأيام الدراسية والملتقيات العلمية سواء داخل البلاد أو خارجها.

نافلة القول لربما اتجهت نية المشرع العماني إلى جعل تحفيز موظفي الهيئة القضائية من اختصاص مجلس الشؤون الإدارية للقضاء، وذلك بنية ترجمة استقلال هذه المؤسسة عن باقي الوزارات وعدم التدخل في مسارها المهني بأي شكل من الأشكال.

ويبقى في اعتقادنا أن التحفيز بجميع أصنافه هو شكل من أشكال التنمية الإدارية داخل المنظومة القضائية، والتطوير الوظيفي للقضاة، ونقر في هذا السياق بضرورة ترسيخ ثقافة التحفيز لترسيخ قيم البذل والعطاء في جميع أصناف موظفي قطاع القضاء، نظرا لما للتحفيز من إيجابيات على تطوير العمل القضائي برمته.

ثانيا: دور التحفيز في تطوير العمل القضائي

تحتاج منظومة القضاء وفي السلطنة إلى مواكبة التطور التقني الهائل الذي شهدته الدول الغربية، إذ أصبحنا نسمع عن الإدارة الالكترونية والحكومة الالكترونية، كما أصبحنا نسمع أيضا عن تقنيات في مجال القضاء تسمى بالقضاء الالكتروني، حيث تتيح تتبع سير القضايا والأحكام على المواقع الالكترونية دونما الحاجة إلى الحضور الفعلي.

فمن الثورة الهائلة في التكنولوجيا الحديثة، والتي باتت تلازم العمل الإداري، فقد أضحت تتطلب توفير العنصر البشري الملائم لهذا التطور، وأصبح شرط الكفاءة والتأهيل هو أساس الأداء داخل المنظومة القضائية بالسلطنة، وأصبح شرطا أساسيا لأداء الوظائف بشكلها الحديث والعصري.

وفي ذات السياق وإذا كانت النظريات العلمية قد اهتمت بالمورد البشري كأساس للتنمية البشرية، فإن الإدارة القضائية مطالبة بعدم تهميش العنصر البشري لاسيما فئة القضاة، كشرط لبلوغ أهداف النهوض بالسلطة القضائية، وحتى لا تفشل مخططات الإصلاح التي تتطلبها هذه الإدارات.

في هذا الصدد نتفق مع ما ذهب إليه الدكتور بن علي عبد الرزاق حين نسب نجاح أو فشل أي منظمة في تحقيق أهدافها المحددة وغاياتها المرجوة بشكل كبير إلى مدى فعالية الإدارة للقوى العاملة بها.

وفي هذا الإطار فإننا نرى بضرورة الاهتمام بالتحفيز المعنوي ليكون مكملا للتحفيز المادي الممنوح للقاضي، وذلك من أجل الرقي بالعمل القضائي وتطويره، وذلك بجعل التحفيز المعنوي استراتيجية مهمة في كل مشاريع تطوير الإدارة القضائية العمانية، على غرار ما تنهجه الدول الغربية المتقدمة، والتي تراهن على التحفيز المعنوي عن طريق الاستمرارية في استغلال الطاقات المتوفرة عليها أحسن استغلال.[10]

انطلاقا مما سبق وجبت الإشارة إلى أن التحفيز المعنوي، لا يقصد به فقط منح القاضي بعض الامتيازات أو الشواهد التقديرية، وإنما يقصد به جعل القاضي يعمل في بيئة يشعر فيها بالاطمئنان أكثر على مستقبله[11].

فغالبا ما نجد فئة من القضاة همهم الوحيد التفكير في مصيرهم سيما إذا ما تم نقلهم من منطقة إلى أخرى بدون رغبة منهم، فالآثار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية المترتبة عن هذا النقل، حيث تشعر القاضي بأن مجهوداته لا يعار لها أي اهتمام، وبالتالي يعتبر هذا النقل كوسيلة للتأديب أو الانتقام في حالات كثيرة.

وما كرس هذا الاعتقاد هو اكتفاء المشرع سرد فصلين متعلقين بنقل القضاة من خلال تخصيص المادتين 37 و38 لمعالجة نقل القضاة، ولم يشر في أي منهما إلى معايير النقل ماعدا الاكتفاء بالتذكير بأن النقل يبقى من اختصاص مجلس الشؤون الإدارية.

وفي اعتقادنا كان على المشرع العماني أن يوضح بعض الشروط التنظيمية لعملية نقل القضاة، وأن تنبني عملية النقل على الخصاص من خلال الاعتماد على خريطة قضائية واضحة يبين فيها النقص الحاصل في بعض الوظائف القضائية في محاكم السلطنة، ويجعل أمر نقل القاضي من اختصاص المجلس وبعد موافقة القاضي المعني بالأمر، ثم الاستناد على قرار مجلس الشؤون الإدارية، وهو ما سيكسب القاضي مزيدا من الحصانة الشخصية تشعره بدوره في اتخاذ القرارات التي تخص مساره الوظيفي.

 

 

خاتمة

تبقى التعويضات عن الأداء الوظيفي من أهم عناصر التحفيز المادي وتشكل جزء هاما من الأجرة المرتبطة بالوضعية النظامية، حيث أصبحت هذه التعويضات تكتسي طابعا قادرا يتناقض مع المفهوم الحقيقي للتعويضات التي يفترض أن تكون أداة لتشجيع الإنتاجية والمردودية، كما لها تأثيرا على الموظفين سواء على حياتهم المهنية داخل الإدارة أو تأثيرها الاجتماعي والاقتصادي المتمثل في مواجهة تكاليف الحياة، فالإنسان بطبعه يرغب في تحقيق أهدافه وهو تحقيق الرخاء الوظيفي.

عموما فإن سياسية التحفيز المعمول بها في سلطنة عمان ترقى إلى النماذج المثالية في التعامل مع إدارة الموارد البشرية وهو ما مكن الهيئة القضائية العمانية من أن تتبوأ مكانة مهمة في مجال تحفيز فئة القضاة من أجل البذل والعطاء، بالرغم من بعض النقص لذي لازالت تعاني منه، وأمام عدم التدخل لسد هذه الثغرات لن تتمكن هذه الفئة من تطوير ذاتها.

ولئن تعتزم الدولة القيام بعديد من الإصلاحات التي تخص البنية الإدارية والتشريعية إلا أن ذلك يبقى في نظرنا غير كاف، حيث أنه ينبغي على المشرع العمل أكثر على جعل التحفيز ركن من أركان ممارسة المهن القضائية، بل أكثر من هذا ينبغي أن يشمل التحفيز جميع الأنواع سواء المادي أو المعنوي.

ونقصد تحديدات في هذا السياق، بضرورة تمكين القاضي من مجموعة من الامتيازات خاصة ما يتعلق منها بتحفيزه على البذل والعطاء واكتساب الخبرة، ونقترح على الخصوص:

  • إضافة شرط المؤهل العلمي والدورات العلمية كوسيلة للترقية بدل على الأقدمية فقط؛
  • التخفيض من سنوات الأقدمية بالنسبة لفئة قضاة المحاكم العليا نظرا الفئة من المفترض أنها قضت سنوات في المحاكم الدنيا اكتسب مزيدا من الخبرات؛
  • إقرار العلاوات والمكافآت التشجيعية عن المشاركة في الندوات والمناظرات.
  • منح بعض المزايا العائلية كتمكين فئة القضاة من السفر إلى الخارج.
  • منح شواهد الاستحقاق التقديرية والتوشيح بالأوسمة بشكل تلقائي نظير سواء في الحقل القضائي أو في باقي فروع الوظيفة العمومية.
  • مهام المناطة به على أحسن وجه؛
  • ضرورة الاستعانة بالطرق العلمية الحديثة لتقييم أداء القضاة، وفي هذا تظهر العديد من الإشكاليات المرتبطة بتخويل صلاحيات كبيرة لتقييم المهني لرؤساء المحاكم في منح الحوافز؛

أخيرا على المشرع أن يجعل نظام التحفيز مرتكز على مبادئ الكفاءة والتنافسية بشكل يساهم في تحسيس موظفي القطاع القضائي وأن يعمل المشرع على إرساء دعائم تدبير محكم للموارد البشرية عبر منح ذوي الاستحقاق من حملة الشواهد العلمية العليا مناصب اتخاذ القرارات، وهذا ما نراه مطبق في السلطنة بشكل عام وفي القضاء بشكل خاص مما سينعكس حتما على انفتاح الإدارة القضائية على محيطها الاجتماعي وجعل الشخص المناسب في المكان المناسب، تمهيد لولوج عهد تحديث وعصرنة القضاء، وبالتالي الرقي إلى مصاف الدول الراقية في مجال التقاضي الالكتروني.

 

 

 

[1] – سورة النجم الآيات( 39،40،41).

[2] – سورة الزمر الآية 8.

[3] – تسمى أيضا بالبذل، وهو المبلغ الذي يصرف علاوة على الراتب ولا يعتبر جزءا منه، أنظر المادة 2 من الفصل الأول من قانون الخدمة المدنية العماني.

 

[4] – نص المشرع العماني من خلال المادة (104) من قانون السلطة القضائية 90 لسنة 1999 على ما يلي: “فيما لم يرد بشأنه نص خاص، تسري في شأن القضاة أحكام قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية وقانون معاشات ومكافآت ما بعد الخدمة  لموظفي الحكومة لمعانيين”.

[5] – د. علي السلمي، تحليل النظم السلوكية، مطبعة القاهرة، 1975، ص:44.

[6] – المادة 33 من قانون السلطة القضائية 90 لسنة 1999.

[7] – المادة 34 من قانون السلطة القضائية 90 لسنة 1999.

[8] – المادة 26 من قانون الخدمة المدنية العمانية، مرسوم سلطاني رقم 2004/120، الصادر بتاريخ 28 ديسمبر 2004، الموافق 15 ذي القعدة 1425هـ.

[9] – معدلة بالمرسوم السلطاني رقم (90/41) وكان النص قبل التعديل كالآتي: “لا تجوز ترقية قبل انقضاء الحد الأدنى للبقاء في الدرجة من تاريخ التعيين أو الترقية السابقة، ويخرم الموظف الذي يقدم عنه تقرير بدرجة ضعيف من الترقية في السنة التالية لتلك المقدم عنها التقرير ويكون الحد الدنى اللازم للبقاء في كل درجو كما يلي:

أ- خمس سنوات للبقاء في درجة او أكثر من الدرجات المالية لوظيفة مدير عام أو ما في حكمها للنقل إلى الدرجة الأولى من الحلقة الأولى.

[11] – الدكتور بن علي عبد الرزاق، المحاضرة الأولى: مفهوم تحفيز الموارد البشرية، منشور في مدونة الدكتور على الموقع الالكتروني

https://abderazagbenali.blogspotblogspot.com/2014/12blog-post.html