مظاهر التعارض بين النظام المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية وقواعد السيادة الوطنية للدول

405

دراسة حول مظاهر التعارض بين النظام المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية وقواعد السيادة الوطنية للدول*

* لحبيب النعيمي

طالب باحث بسلك الدكتوراه

كلية العلوم القانونية والاقتصادية و الاجتماعية بوجدة

 

مازال كثير من الجدل والاختلاف والشد واللغط يدور بشأن الاتفاقية المنشأة للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك للعديد من الأسباب التي تتبلور معظمها حول الإشكاليات الخاصة بمسائل السيادة الوطنية، وأحقية القضاء الوطني بالولاية عن الجرائم التي تقع داخل البلد.

كما أن هناك تجاذبا قائما حول الاختصاص الموضوعي للمحكمة، وتناقض الاختصاصات والمواقف بينها وبين مجلس الأمن بالذات، في مواجهة الدول غير الأطراف في نظام روما الأساسي[1].

فدول العالم الثالث ترفض دائما السماح للدول الأخرى بالتدخل في المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان، بدعوى تعارض ذلك مع مالها من سيادة وطنية.

فالسماح بهذا التدخل من شأنه إعطاء الفرصة للدول الكبرى للهيمنة على مقدراتها السياسية والاقتصادية، بعدما استطاعت الحصول على استقلالها السياسي[2].

لذ، سنفسر من خلال ثلاث مطالب أهم مظاهر التعارض بين النظام المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية وقواعد السيادة الوطنية للدول.

 

 

المطلب الأول: مبدأ عدم جواز المحاكمة عن ذات الفعل مرتين

إن مبدأ عدم جواز محاكمة الشخص عن ذات الفعل مرتين، يعد من المبادئ الدستورية الراسخة، كما أن الدول تسلم بهذا المبدأ باعتباره احد الأسس التي تقوم عليها الدولة القانونية[3].

كما أن مبدأ عدم جواز محاكمة الشخص عن ذات الفعل مرتين يعد جزءا من الحقوق الأساسية التي يجب صونها من الاعتداء عليها[4].

إلا أن نظام روما الأساسي و بالرغم من تبني هذا المبدأ بموجب المادة (20)، فقد أورد إستثناءات على عدم جواز محاكمة الشخص عن ذات الفعل مرتين، مما يتيح للمحكمة الجنائية الدولية محاكمة شخص سبق أن حوكم عن ذات الفعل أمام قضائه الوطني.

فماهي إذا الحالات التي يمتنع فيها على المحكمة الجنائية الدولية محاكمة الشخص مرتين، وأين تتجلى الإستثناءات الواردة على ذلك؟

الفرع الأول: حالات عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن نفس الفعل

    الأصل إن لا يخضع الشخص لمحاكمة ثانية عن ذات الفعل الذي قد سبق إن حوكم به، تطبيقا لمبدأ عدم جواز المحاكمة عن الجريمة مرتين، وقد تبنى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية هذا

 

المبدأ صراحة، بموجب نص المادة (20) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية[5].

وعليه فإنه يمتنع على المحكمة الجنائية الدولية حسب المادة (20) محاكمة الشخص عن ذات الفعل مرتين في الحالات التالية:

1- لا يجوز، إلا كما هو منصوص عليه في هذا النظام الأساسي، محاكمة أي شخص أمام المحكمة عن سلوك شكل الأساس لجرائم كانت المحكمة قد أدانت الشخص بها أو برأته منها.

2- لا تجوز محاكمة أي شخص أمام محكمة أخرى عن جريمة من تلك المشار إليها في المادة 5 كان قد سبق لذلك الشخص أن أدانته بها المحكمة أو برأته منها.

3 – الشخص الذي يكون قد حوكم أمام محكمة أخرى عن سلوك يكون محظوراً أيضاً بموجب المواد 6 أو 7 أو 8 لا يجوز محاكمته أمام المحكمة فيما يتعلق بنفس السلوك.

إن مبدأ عدم جواز المحاكمة عن ذات الفعل مرتين، يتماشى مع خاصية مبدأ التكامل الذي يمنع المحكمة الجنائية الدولية من ممارسة اختصاصها، وذلك عندما يمارس القضاء الوطني اختصاصه الفعلي، فمبدأ عدم جواز المحاكمة عن الجريمة مرتين يحفظ حق الأفراد في  عدم المثول أمام القضاء، بعدما تمت محاكمتهم سابقا عن ذات الفعل سواء بالإدانة أو التبرئة.

 

 

الفرع الثاني: الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم محاكمة الشخص مرة ثانية

لقد أوردت المادة (20/3) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية استثناءات على مبدأ عدم جواز محاكمة الشخص عن ذات الفعل مرتين، وذلك عندما تكون  إجراءات المحكمة الوطنية قد تمت في إحدى الحالات التالية[6]:

أولا:  قد اتخذت لغرض حماية الشخص المعني من المسئولية الجنائية عن جرائم تدخل في اختصاص المحكمة أو،

ثانيا: لم تجر بصورة تتسم بالاستقلال أو النزاهة وفقاً لأصول المحاكمات المعترف بها بموجب القانون الدولي.

ثالثا: أن تكون المحاكمة قد على نحو لا يتسق مع النية إلى تقديم الشخص المعني للعدالة.

إن الاختصاص الوطني ليس متروكا للدولة تمارسه كيفما شاءت، ووفقا لإجراءات تختارها بكامل حريتها، فهو ليس حقا  بقدر ما هو التزام على عاتق الدولة، فإذا أخلت به يحق للمحكمة الجنائية أن تحل محلها للقيام بالمهمة التي أنيطت بها، في المقام الأول، بالدولة لتحريك عجلة قمع الجريمة الدولية والتصدي لكل إفلات من العقاب[7].

والواقع أن النظر إلى هذه الحالات الاستثنائية التي تقرر المحكمة اختصاصها بمقتضاه بإعادة محاكمة الشخص عن الفعل نفسه، فهي وإن كانت تشكل ضوابط  لعدم إفلات المجرمين من العقاب، تكشف عن إمكانية إهدار حجة الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم الوطنية، والتشكيك في نزاهة السلطة القضائية واستقلالها، وهذا ينطوي على محاكمة للنيات، إذ يكفي أن تشكيك المحكمة في نزاهة المحاكمة التي جرت أمام القضاء الوطني، الأمر الذي لا يمكن التسليم به، لأنه يتعارض مع منطق الأشياء ومبادئ العدالة ويفتح باب آخر لتسييس عمل المحكمة [8].

وما يزكي هذا الطرح، أنه لا يمكن القول إن هنالك ضوابط دقيقة للغاية تحدد ما إذا كانت الدولة قد اتخذت ما من شانه أن ينفي المسؤولية الجنائية الدولية عن الشخص المسؤول، إلا إذا كانت إجراءات المحاكمة صورية، أو ظهر بشكل جلي أن التهم التي أسندت إلى المتهم لا تتفق والسلوك الذي أتاه بما له من قدر من الجسامة، أو إذا كانت العقوبة التي تم توقيعها عليه لا تتناسب مع السلوك الإجرامي، والتي من المفترض، بطبيعة الحال،  أن يكون ورد النص عليها في المدونة العقابية الوطنية[9].

المطلب الثاني: مباشرة المدعي العام للتحقيق فوق إقليم دولة

تضمن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، صلاحيات مهمة لهيئة الإدعاء العام أثناء قيامها بمهامها في التحقيق وتوجيه الإتهام، الأمر الذي قد يرى على أنه يشكل إعتداء على السيادة الوطنية للدول.

الفرع الأول: اختصاصات المدعي العام في التحقيق على إقليم دولة طرف أو دولة أخرى بموجب اتفاق خاص

أكد نظام روما الأساسي على العديد من صلاحيات المدعي العام في التحقيق على إقليم دولة طرف أو دولة أخرى بموجب اتفاق خاص، وذلك من خلال النصوص التالية:

_ الفقرة (2) من المادة (4) منحت المحكمة الجنائية الدولية حق ممارسة وظائفها وسلطاتها في إقليم دولة طرف في النظام الأساسي، أو إقليم دولة أخرى بموجب اتفاق خاص.

_ الفقرة (2) من المادة (54) تسمح للمدعي العام أن يقوم بالتحقيق على إقليم دولة ما، وفق نصوص الباب التاسع أو بإذن من دائرة ما قبل المحكمة.

_ المادة ( 57/3/د ) يصدر الإذن من قبل المحكمة على هيئة أمر ويجوز أن يحدد الأمر الإجراءات الواجب إتباعها في الاضطلاع بجمع الأدلة.

_ الفقرة 4 من المادة ( 99 ) تنص على أنه للمدعي العام أن ينفذ طلب المساعدة على إقليم أي دولة طرف مباشرة، كإجراء مقابلة مع أي شخص أو الحصول على أدلة منه على أساس طوعي دون حضور السلطات الوطنية في تلك الدولة، ويمكنه إجراء معاينة لموقع عام أو أي مكان عام آخر.

يجدر بنا أن نذكر إن الدول، إذا قامت بواجبها في إجراء التحقيق أو المحاكمة، فإنه لا ينعقد الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية إبتداء، ويذكر أيضا أن مبررات النص على مبدأ التكامل، حث الدول على ممارسة اختصاصها على الجرائم الأشد خطورة على المجتمع الدولي[10].

الفرع الثاني: تعارض صلاحيات المدعي العام في التحقيق على إقليم دولة ما مع أحكام سيادة الدول

لقد تم توسيع دور المدعي العام استنادا إلى المادة 15 من النظام الأساسي، على نحو يشمل مباشرة التحقيق أو الملاحقة القانونية في حالة اقتراف الجرائم المنصوص عليها في المادة 5 والتي تهم المجتمع الدولي برمته بشكل يعزز الاستقلالية والنزاهة، وهذه السلطة تجعله يعمل نيابة عن المجتمع الدولي بدلا من أن ينوب فقط عن دولة متظلمة أو عن مجلس الأمن[11].

فإذا كانت الديباجة والمادة (1) قد تضمنت ما معناه أن المحكمة في ممارستها  اختصاصها تقوم على احترام مبدأ سيادة الدول وعدم النيل من سيادتها القضائية، من خلال النص على أن تكون المحكمة مكملة للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية، فإن المادة (17) سمحت للمحكمة أن تنال من هذه السيادة، بأن تقرر أن الدولة المعنية غير قادرة أو راغبة في الاضطلاع بالتحقيق أو المقاضاة، إذ يخشى أن تمارس المحكمة هذه الصلاحية بازدواجية وبأبعاد سياسية لا قانونية، بشكل يعد اعتداء على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول[12].

إن المادة 17 تمنح المحكمة سلطة الإشراف على سير التحقيقات والمقاضاة التي يجريها القضاء الجنائي الوطني، والمادة 18 تمنح مدعي عام المحكمة سلطة الاضطلاع على التحقيقات الوطنية ومراقبتها جديا.

للمدعي العام السلطة فيما يختص بإجراءات التحقيق على إقليم أي دولة طرف في نظام روما الأساسي للمحكمة، حتى وان لم توافق الدولة طالما حصل المدعي العام على إذن من الدائرة التمهيدية، وللمدعي العام في سبيل إجراء التحقيق إن يلتمس تعاون أي دولة أو منظمة حكومية دولية أو أي ترتيب دولي[13].

يثار التعارض مع أحكام السيادة الوطنية للدول عند ممارسة المدعي العام لاختصاصاته فوق إقليم دولة ما ومع رعاياها، وبالتغاضي عن سلطات التحقيق الوطنية ودون موافقتها، وحتى دون حضورها، خاصة إذا ما استحضرنا أن تلك الإجراءات تمس باستقلال القضاء الوطني صاحب الولاية القضائية الأصيلة.

فبالنسبة لملاءمة التشريع الداخلي مع نظام روما فيما يتعلق بالتعارض مع السيادة، فإن المجلس الدستوري الفرنسي، اعتبر أن مقتضيات ممارسة المدعي العام للمحكمة سلطات البحث والتحقيق والتفتيش داخل فرنسا تمس بشروط ممارسة السيادة الوطنية[14].

 

 

 

 

المطلب الثالث: تأثير مجلس الأمن على استقلالية المحكمة الجنائية الدولية

من المعلوم أنه لا توجد علاقة عضوية بين المحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن، فبقراءة سريعة لميثاق منظمة الأمم المتحدة نجد بأن المحكمة الجنائية الدولية ليست جزء من مؤسسات الأمم المتحدة، كمحكمة العدل الدولية مثلا، وعليه فمن البديهي أن لا تكون هناك سلطة لمجلس الأمن على المحكمة الجنائية الدولية بالرغم من السلطات الواسعة التي منحها ميثاق الأمم المتحدة له في سبيل الحفاظ على السلم الأمن الدوليين.

لذا، تكتسي علاقة مجلس الأمن بالمحكمة الجنائية الدولية أهمية حاسمة، إذا ما نظرنا إليها من زاوية تفعيل دور هذه الأخيرة،  وكذلك توسيع دائرة المصادقة على نظامها الأساسي، ويعتبر تدخل مجلس الأمن في اختصاص المحكمة الجنائية أثناء التحقيق والمقاضاة، وكذا التأثير على صلاحيات المدعي العام، أهم ما يمس بجوهر استقلالية المحكمة الجنائية الدولية. على اعتبار أن حق الإحالة المخول لمجلس الأمن وفق المادة السادسة عشر من نظام روما الأساسي، يمكن تفهمه ارتباطا بصلاحيات مجلس الأمن الواسعة في حفظ السلم والأمن الدوليين[15].

الفرع الأول: سلطة مجلس الأمن في إرجاء التحقيق والمقاضاة

يملك مجلس الأمن سلطة إصدار قرار وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة موجه إلى المحكمة الجنائية الدولية، يتضمن طلب تأجيل التحقيق أو المقاضاة.

لذا فقد نصت المادة السادسة عشر من نظام المحكمة الجنائية الدولية على: “إذا رأى أن جريمة أو أكثر من الجرائم الواردة في نظام روما الأساسي قد ارتكبت، فله سلطة أن يطلب من المحكمة، وقف إجراءات التحقيق أو المحاكمة أمامها لمدة 12 شهراً قابلة للتجديد بناءا على قرار يتخذه المجلس”.

إن مسيرة محكمة العدل الدولية تشكل برهانا ساطعا على التزام مؤسسة القضاء الدولي بالاستقلالية وبعيدة عن التدخل في آلياتها وإجراءاتها القضائية من قبل أجهزة الأمم المتحدة كافة، ولاسيما مجلس الأمن، الذي تقتصر مهمته على المشاركة في انتخاب قضاة محكمة العدل الدولية مع الجمعية العامة بموجب المادة الثامنة من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.

فلا يجوز أن تشكل المحكمة الجنائية الدولية استثناء من القاعدة الدولية الآمرة باستقلال القضاء*، إلا أن واقع النظام الأساسي للمحكمة يقود بصورة لا لبس فيها إلى تدخل مؤسسي من مجلس الأمن في إجراءات المحكمة مما ينفي عنها الاستقلالية الواجبة[16].

إن لجوء مجلس الأمن إلى إرجاء ممارسة المحكمة الجنائية الدولية لاختصاصاتها، قد يؤدي إلى ضياع الأدلة، وإخفاء أثار الجريمة، وهذه الأمور كلها ضرورية من أجل حسن سير التحقيقات في الدعوى.

وبالرغم من خطورة هذا النص، إلا أن البعض يرى أنه يمكن أن يخفف من خطورته قيدين يتعين على مجلس الأمن مراعاتهما، عند اللجوء لهذه الصلاحية:

  القيد الأول: أن قرار مجلس الأمن المتضمن طلب الإرجاء يجب أن يصدر عن المجلس، استنادا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مما يعني أنه يجب أن يشكل نظر المحكمة الجنائية الدولية لأحدى تلك الجرائم، مساس بالسلم والأمن الدوليين[17].

   القيد الثاني: أن يكون الإرجاء في صورة قرار يتضمن طلب الإرجاء بشكل صريح، يصدر عن مجلس الأمن، وفي اشتراط ضرورة إصدار قرار من مجلس الأمن، ما يقلل من احتمالية الإرجاء دون مسوغ قوي، أو إلى ما لا نهاية، ذلك إن قرارات مجلس الأمن، يجب أن تصدر بإجماع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، مع الأخذ بعين الاعتبار أن عدم موافقة أحد هؤلاء الأعضاء، لا يحول دون إصدار قرار عن مجلس الأمن بسبب (حق الفيتو)[18].

إنه من الجدير أن نشير إلى تخوف العديد من الآراء، من أن تغلب التأثيرات السياسية على صلاحية مجلس الأمن في إرجاء التحقيق، لتصبح وسيلة تمكن البعض من الحيلولة دون نظر المحكمة الجنائية الدولية في بعض الدعاوى، من خلال تعطيل اختصاصها بموجب هذه الصلاحية [19].

فما دام مجلس الأمن أداة سياسية، بينما المحكمة الجنائية الدولية آلية قضائية، فإذا يجب الفصل بين السلطة السياسية ممثلة في مجلس الأمن والسلطة القضائية للمحكمة الجنائية الدولية حتى لا يؤثر ذلك على سير العدالة.

أي أن مجلس الأمن يمكن له أن يشل تماما حركة المحكمة في قضية معينة، ضدا على مبادئ المساواة وعدم الإفلات من العقاب التي بني عليها النظام، وضدا حتى على استقلالية المحكمة المعلنة في النظام، وضدا في النهاية على ما تنص عليه المادة 24 من ميثاق هيأة الأمم المتحدة  من ضرورة احترام مبادئ العدل والقانون الدولي. ولا يمكن التذرع في هذا الباب بدور مجلس الأمن في المحافظة على السلم والأمن الدوليين، إذ كيف يمكن أن نتصور أن توقيف البحث أو المتابعة أو المساءلة في جرائم المادة 5 يمكن أن يخدم القانون الدولي الإنساني، ويساهم في إرساء السلم والأمن الدوليين؟

وبالنظر إلى مقصد تأسيس نظام قانوني فوق وطني، يعتبر نظام قانوني جنائي دولي فعال جزءا أساسيا منه، تواجه النظرية القانونية حتما معضلة الواقعية السياسية، في مقابل المثالية القانونية[20].

بتعبير آخر، يمكن لأحدى الدول الكبرى، صاحبة العضوية الدائمة، أن تحيل ملفا وأن تجمد غيره، وعليه تختلط السياسة الدولية بالقانون الدولي، وتطغى لغة المصالح الدولية على فكرة العدالة الدولية [21].

إن ما قد يراه البعض انحرافا من مجلس الأمن في استخدام السلطات التي منحها إياه ميثاق الأمم المتحدة للمحافظة على السلم والأمن الدوليين، قد لا يراه البعض الآخر مشكلا لمثل هذه المخالفة، استنادا على نظرية الاختصاصات الضمنية في تفسير مواثيق المنظمات الدولية[22].

كما أنه يرى آخرون، أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، قد أعطى هذه الصلاحيات لمجلس الأمن، في إرجاء إجراءات المحكمة الجنائية الدولية، لكي يتمكن من تسوية المسألة المطروحة أمامه بالطرق السلمية، بحيث يكون اللجوء إلى المحكمة كحل أخير، خاصة وأن حل المسائل السياسية يختلف عن الفصل في القضايا ذات الطابع القانوني[23].

الفرع الثاني: استقلالية الادعاء العام في مباشرة مهامه

يتمتع مكتب المدعي العام بالحرية والاستقلال في العمل، ولقد أكد ذلك نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ونصت المادة (42) على أن: ” يعمل مكتب المدعي العام كجهاز مستقل ومنفصل عن المحكمة الجنائية الدولية، ويترأسه المدعي العام ويكون له السلطة الكاملة على الإدارة والإشراف على المكتب … “.

فنلاحظ أن مكتب المدعي العام مستقل في مواجهة هيئة رئاسة المحكمة، فلا تمتلك هيئة الرئاسة إشرافا أو توجيها أو سلطة على مكتب المدعي العام، وهو مستقل كذلك في مواجهة كل من الشعب الاستئنافية والابتدائية والتمهيدية، وهناك توازن في السلطات فيما بين هذه الشعب ومكتب المدعي العام[24].

ونشير إلى أن النيابة العامة على مستوى المحكمة الجنائية الدولية، مستقلة بشكل تام عن الدول الأطراف، ففي معظم الأحيان تدمج في نظام السلطة التنفيذية على الصعيد الوطني.

غير أن المحكمة الجنائية الدولية، على المستوى الإجرائي العام، تحظى باستقلالية مهمة عن السلطة التنفيذية، أكثر من عدة أنظمة قضائية محلية، أو أغلبها، فكما لاحظ خصوم مشروع المحكمة الدولية بحق، يعتبر موقع النائب العام في سياق المحكمة الدولية أقوى من باقي المحاكم الأخرى، إذ يعود الفضل في هذه الاستقلالية إلى عدم تداخل أي هيئة سياسية مع إدارة شؤون النيابة العامة، حيث يمكنه أن يباشر أي قضية من تلقاء ذاته[25] .

ومما يستدعي الانتباه أن اختيار المصدر المناسب للحصول على المعلومات التي تؤكد صحة الشكوى المستلمة، هي إحدى خصائص استقلالية المدعي العام في مرحلة الدراسات الأولية*.

إن المدعي العام غير محصور بين التعامل مع الأفراد العاديين والدول ذات العلاقة فقط، وعليه فقد أفردت بعض المصادر على سبيل الاختيار وهي:

_ أجهزة الأمم المتحدة.

_ المنظمات الحكومية.

_ المنظمات غير الحكومية.

_ التماس معلومات إضافية من الدول.

_ تلقي الشهادات التحريرية والشفهية في مقر المحكمة ومصادر أخرى موثوق فيها[26].

لعل ما يثير الانتباه أو ربما يثير الشعور بالتناقض على الأقل بالنسبة للباحث، كون الجهاز مستقل ثم يقيد بعلاقة واسعة النطاق والصلاحيات مع جهاز خارجي ذي اختصاص سياسي خارج هيئة

 

المحكمة أو أجهزتها، قد يكون ذلك مساسا بمبدأ عام في القانون وهو استقلال القضاء[27] .

قد يكون من المقبول أن يقوم مجلس الأمن بإحالة حالة معينة إلى المحكمة الجنائية الدولية بغرض ممارسة اختصاصها القضائي تجاهها، خصوصا عندما تتضمن إخلالا أو تهديدا للأمن والسلم الدوليين، غير أن هذه السلطة لا ينبغي أن تتضمن أي سيطرة لمجلس الأمن اتجاه الإجراءات القضائية التي تقوم بها المحكمة بشأن تلك الحالات، أو بشأن أوضاع أخرى يتم إحالتها إلى المحكمة من قبل الدول الأطراف، أو يتم البدء في إجراءاتها من قبل المحكمة من تلقاء نفسها.

إن مجمل الإجراءات القضائية في هذا الإطار يجب أن تحترم اعتبارات العدالة الجنائية، وتلتزم بقرارات المحكمة دون أي جهة أخرى، مما يخدم استقلالية المحكمة الجنائية الدولية ويضفي مصداقية أكبر على إجراءاتها وقراراتها القضائية.

 

[1]  : لؤي محمد حسين النايف، العلاقة التكاملية بين المحكمة الجنائية الدولية القضاء الوطني، (مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 27 العدد الثالث، 2011)، ص 527.

[2]  :  محمد الرزق، الشرعية الدولية بين قوة القانون وقانون القوة، أطروحة دكتوراه، (الرباط: جامعة محمد الخامس _ السويسي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، تخصص قانون عام، 2002)، ص 115.

[3]  : علي خلف الشرعة، مبدأ التكامل في المحكمة الجنائية الدولية، (عمان: دار ومكتبة الحامد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2012)، ص 96.

[4]  : محمد شريف بسيوني، المحكمة الجنائية الدولية: نشأتها ونظامها الأساسي مع دراسة لتاريخ لجان التحقيق الدولية والمحاكم الوطنية الدولية السابقة، (القاهرة: مطابع روز اليوسف الجديدة، الطبعة الثالثة،2002)، ص 172.

[5]  : علي يوسف الشكري، القضاء الجنائي الدولي في عالم متغير، (عمان: دار الثقافة، الطبعة الأولى، 2008)، ص 234.

[6]  : علي خلف الشرعة، مرجع سابق، ص99.

[7] : بلخيري حسينة،  العدالة الجنائية الدولية ودورها في حماية حقوق الإنسان، (الجزائر: دار هومه، الطبعة الأولى، 2003)، ص 112.

[8] : عبد الحق ميمونة، الاختصاص التكميلي للمحكمة الجنائية الدولية وعلاقته باختصاص المحاكم الوطنية، مجلة المستقبل العربي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 363، مايو 2009)، ص 56.

[9] : عبد الفتاح محمد سراج، مبدأ التكامل في القضاء الجنائي الدولي- دراسة تحليلية تأصيلية، (القاهرة: دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 2001)، ص 50.

[10]  : علي خلف الشرعة، مرجع سابق، ص92.                                   

[11]  : عبد الرزاق أمساسي، المحكمة الجنائية الدولية بين الطموحات القضائية وقيود النظام الدولي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، (سلا: جامعة محمد الخامس- السويسي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، تخصص قانون عام، 2007)، ص 60.

[12]  : ماجد عمران، السيادة في ظل الحماية الدولية لحقوق الإنسان، (مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 27، العدد الأول، 2001)، ص 477.                                                        

[13]  : حامد سيد محمد حامد،  سلطة الاتهام والتحقيق بالمحكمة الجنائية الدولية الدائمة، (القاهرة: المركز القومي للإصدارات القانونية، الطبعة الأولى، 2010)، ص 132.

[14]  : محمد عبد النباوي، نظام المحكمة الجنائية الدولية: إشكالية المصادقة والتطبيق، مجلة المحاكم المغربية، عدد 93، مارس/ أبريل 2002.

[15]  : بالرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية قد أنشأت بموجب اتفاقية دولية بين الأعضاء الموقعين على نظامها الأساسي، وبالرغم من أن تلك الاتفاقية لا تكون ملزمة إلا للأطراف الموقعين عليها فقط، إلا أن واضعي النظام الأساسي للمحكمة الجنائية قد اوجدوا نصا يعطى لمجلس الأمن الحق في إحالة الحالات التي يرى فيها مجلس الأمن انتهاكا للأمن والسلم الدوليين إلى المحكمة الجنائية الدولية بغرض التحقيق فيها ومحاكمة المتهمين إن كان هنالك وجه للاتهام والمحاكمة.

*اعتمدت الأمم المتحدة مجموعة من القواعد الأساسية لاستقلال السلطة القضائية على الصعيد الوطني، ومن أهم الصكوك الدولية عن استقلال السلطة القضائية، مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد بميلانو ( ايطاليا ) بين 26 أغسطس إلى 6 سبتمبر 1985، وأقرت بقراري الجمعية العامة رقم 32/40 تاريخ 29/11/1985 و 40/ 146 تاريخ 13/12/1985.

[16] : محمود ضاري خليل وباسيل يوسف، المحكمة الجنائية الدولية: هيمنة القانون أم قانون الهيمنة، (بغداد: بيت الحكمة، الطبعة الأولى، 2003)، ص 186.

[17]  : علي خلف الشرعة، مرجع سابق، ص 116.

[18]  : علي عبد القادر القهوجي، القانون الدولي الجنائي، (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2001).، ص 345.

[19]  : نفس المرجع سابق، ص 344 و345.

[20]  : هانس كوكلر، العدالة الجنائية الدولية في مفترق الطرق: عدالة عالمية أم انتقام شامل؟ ، (الدار البيضاء: طوب إديسيون، الطبعة الأولى، 2011)، ص 27.

[21] : عدنان السيد حسين، “العدالة الدولية الملتبسة”، المجلة العربية للعلوم السياسية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 22، ربيع 2009)، ص 4.

[22] : محمد الرزق، مرجع سابق، ص 80 و81.

[23]  : عبد الفتاح محمد سراج، مرجع سابق، ص 115 و116.

[24]  : حامد سيد محمد حامد، مرجع سابق، ص 131.

[25]  : هانس كوكلر، مرجع سابق، ص 32

* تتحقق مدى واقعية الحالة محل الدراسة الأولية لدى المدعي العام عن طريق الحصول على معلومات من مصادر حددتها المادة ( 15 ) على سبيل المثال لا الحصر، وذلك تجنبا للخوض في دعوى كيدية لا أساس لها من الصحة.

[26] : سنديانه أحمد بودراعة، صلاحيات المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية والقيود الواردة عليها، (الإسكندرية: دار الفكر الجامعي، الطبعة الأولى، 2011)، ص 116.

[27]  : نفس المرجع السابق، ص 154.