حجية الخبرة القضائية في المجال العقاري – دراسة مقارنة-

717

حجية الخبرة القضائية في المجال العقاري

                                      دراسة مقارنة

كريمة صنهاجي

الصفة: طالبة باحثة بسلك الدكتوراه

الكلية: جامعة عبد المالك السعدي بطنجة

 

إن انتداب الخبير القضائي لتنوير المحكمة بمشورة معينة في تخصص من تخصصات الحياة المتشعبة والتي تزيد تشعباً كلما تطورت الحياة، تجعل الخبير القضائي في محك حقيقي لكي يكون على قدر من المسؤولية المنوطة به من طرف القاضي ويزداد الأمر أهمية في المجال العقاري على وجه الخصوص، ولتحقيق هذه الغاية على الخبير أن يكون نموذجاً يحتذى به لخدمة العدالة، وذلك عن طريق احترامه للنقط الفنية والتقنية التي تم تحديدها له، ولن يتأتى له ذلك إلا بوقوفه في عين المكان ومعاينته للعقار وتفحصه لوثائق الأطراف[1]… ويتوج كل هذا وغيره بتحرير تقرير يعتمد عليه القاضي للفصل في القضية المعروضة عليه (المبحث الأول) إلا أن هذا التقرير يصطدم بمبدإ السلطة التقديرية الممنوحة للقاضي الذي قد يأخذ به أو يصرف النظر عنه من جهة، ومن جهة أخرى قد يلقى معارضة من طرف الخصوم، وذلك تكريساً لمبدأ حقوق الدفاع (المبحث الثاني).

المبحث الأول: تقرير الخبير القضائي

 

سوف نتطرق في هذا المبحث إلى الحديث عن تنفيذ الخبير لمأموريته (المطلب الأول) وعرض مختلف البيانات التي يجب أن يشتمل عليها التقرير (المطلب الثاني).

المطلب الأول: تنفيذ الخبير لمأموريته

تسهر كتابة الضبط على إنجاز الإجراءات التي تؤدي إلى تنفيذ الحكم التمهيدي الآمر

بإجراء خبرة، حيث تدعو الخصوم لإيداع الأتعاب، كما تشعر الخبير العقاري بالمهمة المسندة إليه والمتمثلة في الإجابة على نقط في شكل أسئلة فنية يتعين عليه أن يقدم جواباً محدداً أو واضحاً حولها، فإذا لم يجرح الخبير ولم يستبدل، فإنه يتعين عليه إنجاز التقرير المكتوب داخل الأجل الذي يحدده القاضي الذي عينه أو في الجلسة المعين تاريخها مسبقاً.

وعلى خلاف المشرعين المغربي والمصري، فالقانون الفرنسي يسمح للخبير بالإطلاع على الملف ولو قبل قبوله المهمة[2].

ولا يسوغ للخبير مباشرة أي نشاط قبل استدعاء الأطراف ودعوتهم لحضور أشغال الخبرة، ويحدد في الدعوة التي يوجهها للخصوم التاريخ والمكان الواجب حضورهم جميعاً فيه[3]، ويقتضي مبدأ الحضورية إعطاء الفرصة للخصوم للدفاع عن مصالحهم.

وعلى الخبير العقاري أن يلتزم بمبدأ العمل الفني، وذلك ألا يتجاوز حدود مأموريته، فلا يتصدى لغير الأعمال الداخلة في نطاقها ولا يتعرض للمسائل القانونية والتي تدخل ضمن الولاية المطلقة للقاضي دون غيره.

كما يجوز للخبير استقاء المعلومات من مختلف الأشخاص بما في ذلك الشهود والخصوم دون أداء اليمين[4]،  دون أن يتعدى الأمر التثبت من وقائع يعود اختصاصها

 

للمحكمة التي عينته[5].

وعلى خلاف المشرع المغربي، فإن المشرعين المصري والفرنسي نصا صراحة على حق الخبير في الحصول على الوثائق والمستندات الضرورية التي تستلزمها المأمورية.

وفي هذا الصدد نورد لمقتضيات الفصل 243 من قانون الإجراءات المدنية الجديدة الفرنسي حيث جاء فيه: « Le technicien peut demander communication de tous documents aux parties et aux tiers, sauf au juge à l’ordonner en cas de difficulté » .

إلا أنه أحياناً قد تعترض الخبير صعوبات في الحصول على المستندات الأمر الذي يستدعي إخبار القاضي الذي عينه لتمكينه من الوثائق المطلوبة، وقد يقرر صرف النظر عنه وإعداد التقرير على الحالة.

بالرجوع إلى المادة 148 مكرر من قانون الإثبات المصري نجده ينص في هذا الصدد على أنه: “لا يجوز لأي وزارة أو مصلحة حكومية أو هيئة عامة أو مؤسسة عامة أو وحدة من الوحدات الاقتصادية التابعة لها أو أية جمعية تعاونية أو شركة أو منشأة فردية أن تمتنع بغير مبرر قانوني على إطلاع الخبير على ما يلزم الإطلاع لما يكون لديها من دفاتر أو سجلات أو مستندات أو أوراق تفيد الحكم الصادر بندب خبير”[6].

إلا أن موقف المشرع المغربي في هذا المضمار كان خجولاً ومحتشماً، إذ نجد الفقرة الثانية من الفصل 65 من قانون 85.00 تنص على أنه: “يمكن للخبير أن يتلقى على شكل تصريح عاد كل المعلومات الضرورية مع الإشارة إلى مصدرها في تقريره عدا إذا منعه القاضي من ذلك”.

وقد كان حريا بالمشرع المغربي أن ينحو منحى نظيريه المصري والفرنسي ويضمن هذا الفصل عبارات الإلزام والتنصيص على جزاء من يرفض مساعدة الخبير ومده بالمستندات الضرورية لإنجاز المأمورية المعهودة إليه.

ونحن بصدد دراسة الخبرة القضائية في المادة العقارية على وجه الخصوص، فإن الخبير العقاري قد يضطر والحال أن موضوع النزاع عقارا، إلى الانتقال إلى عين المكان لمعاينة[7] محل النزاع لجمع تحرياته عنه بسؤال الخصوم والأشخاص المحيطين بالواقعة وبفحصها من مختلف الجوانب مع تدوين تحفظات وأقوال الخصوم بدقة وانتظام في محضر أعماله، ويسوغ للخبير العقاري أخذ صور وإنجاز رسوم عن محل النزاع، وفي ختام الخبير لمهمته يجب أن يقدم تقريراً مفصلاً عن كل ما قام به أثناء تواجده بالعقار محل الخبرة، فما هي البيانات ومستندات هذا التقرير؟

 

 

المطلب الثاني: مشتملات تقرير الخبير

 

ينص الفصل 60 من ق.م..م على أنه: “إذا كان التقرير مكتوباً، حدد القاضي الأجل الذي يجب على الخبير أن يضعه فيه وتبلغ كتابة الضبط الأطراف بمجرد وضع التقرير المذكور بها لأخذ نسخة منه.

إذا كان التقرير شفوياً، حدد القاضي تاريخ الجلسة التي يستدعي لها الأطراف بصفة قانونية ويقدم الخبير تقريره الذي يضمن في محضر مستقل.

يمكن للأطراف أخذ نسخة من ذلك المحضر وتقدم مستنتجاته حوله عند الاقتضاء”.

من خلال هذا الفصل يتضح أن المشرع سمح للقاضي بأن يأمر الخبير بوضع تقرير كتابي وعلى ورق متنبر[8] لما في ذلك من اختصار للوقت، وكذا تبعاً لنوعية النزاع، حيث يلجأ إليه غالباً عندما يكون النزاع ذو أهمية ـ كما هو الشأن بالنسبة للقضايا العقارية ـ .

إلا أنه لكي يكون تقرير الخبرة القضائية تقريراً جيداً ولا يجد القاضي صعوبة في التعامل معه، يجب أن يتم صياغته بأسلوب واضح بعيدا عن التعقيد وكذا المصطلحات غير المفهومة، على اعتبار أن الخبير القضائي بفعل تكوينه التقني قد يستعمل مصطلحات علمية وفنية يصعب على القاضي والخصوم فهمها وإدراك المغزى منها، لهذا يجب أن يكون أسلوب التقرير بسيطاً وواضحاً بقدر الإمكان، وأن لا يستعمل فيه الأسلوب البلاغي، فليس المطلوب من الخبير كما يقول فقهاء القانون، أن يكون أديباً[9]، بل الأهم أن يكون متسلسلاً مترابطاً حتى يتمكن كل من القاضي والخصوم من فهمه واستيعابه، وخاصة إذا كان يتميز بالدقة والوضوح[10].

ولتحقيق هذه الدقة وهذا الوضوح يجب أن يكون التقرير متوفراً على العناصر التالية:

  • المقدمة والديباجة:

يهتم الخبير في هذا الجزء ببيان مرجع الحكم التمهيدي الآمر بانتدابه (رقم الملف، عدد الحكم، تاريخ صدوره، المحكمة التي أصدرته) ثم موضوع الخبرة، بالإضافة إلى النقط التي حددها القاضي في الحكم التمهيدي، وتتضمن الديباجة كذلك أسماء الأطراف واسم الخبير والخبراء في حالة تعددهم وعناوينهم، هذا علاوة على تبيان أن الخبير قد انتقل إلى عين المكان وتأكد من حضور الأطراف وعاين العقار.

  • العرض:

يتعين على الخبير في هذا الجزء أن يحيط بكل الأسئلة الفنية والنقط التقنية التي حددها له القاضي أثناء انتدابه وأن يجد لها جواباً مدققاً وشاملاً[11]، ولا يغفل عنها أي نقطة مع ذكره لكل الوثائق والمستندات التي تسلمها والتي لها دور في النتيجة التي توصل إليها[12]، وكذا الإشارة إلى ملاحظات الخصوم وتدخلاتهم والأقوال التي يدلون بها سواء كانت كتابة أو شفوية[13]. أيضاً الاستماع إلى أقوال غير الأطراف ممن أحضره الخصوم وارتأى الخبير الاستماع إليهم ومن شأن أقوالهم تنوير الرأي للمحكمة إذا أذن له الحكم في ذلك.

  • خلاصة التقرير:

يضمن الخبير كخلاصة التقرير الذي أنجزه مع بيان استنتاجاته في مختلف النقط التي تشكل محور مهنته والنتيجة التي وصل إليها والرأي الذي يشير به والتي ينبغي أن تكون فنية، تقنية لا علاقة لها بالقانون[14]، والأسباب التي جعلت الخبير يتوصل إلى نتيجة معينة على اعتبار أن هذه الأسباب تعطي لتقرير الخبير مصداقية، وإذا أغفل ذكرها فإن القاضي يشكك فيما توصل إليه الخبير، ويمكن له حينها أن يأمر بإجراء خبرة تكميلية.

وفي حالة تعدد الخبراء فإنهم يقومون بإعداد تقرير واحد يعبر عن رأيهم جميعاً، أما إذا اختلفوا فيه فإنه يتعين أن يبين كل واحد رأيه مشفوعاً بالأسباب المساندة له، مع توقيع هذا التقرير من طرف الجميع[15].

وطبقاً لما جاء في الفصل 60 من ق.م.م فإنه على الخبير القضائي عندما ينتهي من تحرير التقرير أن يقوم بإيداعه بكتابة ضبط المحكمة الآمرة بالخبرة، وذلك داخل أجل معين يتم تحديده مسبقاً من طرف القاضي، حيث يتم استدعاء الأطراف من طرف كتابة الضبط قصد إطلاعهم على التقرير وإشعارهم بتاريخ الجلسة.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أنه على الخبير ألا يطلع الأطراف على تقرير الخبرة قبل عرضه على المحكمة، ذلك أن تقرير الخبرة ينجز بأمر من المحكمة ولفائدتها ولا ينجز بأمر من الخصوم ولفائدتهم، وعليه، فإن المحكمة هي المؤهلة لوحدها لإطلاع الخصوم على تقرير الخبرة[16].

أما إذا كان التقرير شفوياً، يحدد القاضي تاريخ جلسة المناقشة وتستدعي كتابة الضبط الأطراف لها بصفة قانونية ويقدم الخبير تقريره الشفوي ويحرر في محضر مستقل و يمكن للأطراف أخذ نسخة من هذا المحضر وتقديم مستنتجاتهم حوله عند الاقتضاء[17]

المبحث الثاني: سلطات الخصوم والمحكمة إزاء تقرير الخبير

 

يعتبر تقرير الخبير حجة قوية فيما اشتمل عليه من التاريخ وحضور الخصوم او غيابهم، أو فيما يتعلق بما أبداه الخصوم من أقوال، ولا يجوز إنكار ذلك إلا بطريق الطعن بالزور، أما فيما يتعلق بالبيانات الخاصة بحالة الأمكنة واستنباطات الخبير الشخصية فيمكن للأطراف إظهار خطئها أو عدم مطابقتها للواقع بكل طرق الإثبات[18] وذلك في مناقشة الخصوم للتقرير المعد من طرف الخبير العقاري (المطلب الأول)، وإذا كان تقرير الخبير وسيلة يستنجد بها القاضي لتيسير ما صعب عليه من مسائل تقنية في قضية ما، فإن هذا مرتبط بمدى اقتناعه واطمئنانه إلى هذا التقرير، وذلك لما له من سلطة تقديرية واسعة ومطلقة تجاه التقرير (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مناقشة الخصوم لتقرير الخبير

 

كثيراً ما يثير الخصوم مسألة بطلان تقرير الخبير وذلك حين مناقشته من طرفهم، وتقرير الخبرة وعمل الخبير يخضعان فيما يخص نظرية بطلانه إلى القواعد العامة لبطلان الإجراءات المدنية مادام المشرع المغربي لم ينص على قواعد خاصة ببطلان إجراءات التحقيق بما فيها إجراء الخبرة.

ومما تجب الإشارة إليه أن قانون المسطرة المدنية الحالي قد أخذ فيما يخص نظرية بطلان الإجراءات المدنية بقاعدة عامة هي “لا بطلان بغير ضرر”. وقد تم تجسيد هذه القاعدة بمقتضى الفصل 49 من ق.م.م والذي يستخلص منه أن حالات البطلان والاخلالات الشكلية والمسطرية  يجب كشرط أول أن تثار قبل كل دفاع في الجوهر وكشرط ثان ألا يقبلها القاضي إلا إذا كانت مصالح الطرف قد تضررت فعلاً[19].

ولقد أخذ المشرع المغربي بمذهب “لا بطلان بغير ضرر” من القانون الفرنسي وخاصة مرسوم 20/07/1972، ويظهر من هذا المرسوم أن مبدأ لا بطلان بغير ضرر يخص العيوب الشكلية دون العيوب الموضوعية.

ومن قبيل العيوب الشكلية التي تلحق الخبرة عدم حلف الخبير لليمين، إغفال إثبات أقوال الخصوم في محضر أعماله، عدم توقيع أحد الخبراء على التقرير في حال التعدد مع ثبوت اتفاق آراء كل الخبراء، التأخير في إيداع التقرير.

ونورد في هذا الصدد قراراً لمحكمة النقض[20] وقد جاء فيه: “بما أن الطاعنة قدمت مستنتجات في الجوهر بعد إنجاز الخبرة دون أن تتمسك قبل ذلك ببطلانها لعلة عدم استدعائها من طرف الخبير للخصوم أثناء قيامه بمهمته فإن الطعن يكون غير مقبول”.

ويرى الفقه والقضاء المقارن أنه يجوز للمحكمة أن تستقي بعض معلوماتها للفصل في النزاع من تقرير باطل أو مخالف للإجراءات القانونية[21] بشرط ألا يكون هذا التقرير الباطل هو الأساس الوحيد الذي بني عليه الحكم[22]، إذ يضم إلا الأدلة الأخرى القائمة في الدعوى يكمل بها القاضي عناصر اقتناعه استعمالاً لسلطته التقديرية المطلقة[23].

المطلب الثاني: سلطة المحكمة إزاء تقرير الخبير

 

إن السؤال العريض الذي يجب طرحه في البدء من خلال هاته الفقرة ومن تم محاولة الإجابة عنه هو: ما مدى القوة الثبوتية للخبرة القضائية؟ وإلى أي حد يكون القاضي ملزماً بها؟

ينص الفصل 64 من ق.م.م على أنه: “يمكن للقاضي، إذا لم يجد في تقرير الخبرة الأجوبة على النقط التي طرحها على الخبير أن يأمر بإرجاع التقرير إليه قصد إتمام المهمة.

كما يمكنه تلقائياً أو بطلب من أحد الأطراف استدعاءه لحضور الجلسة التي يستدعي لها جميع الأطراف لتقديم الإيضاحات والمعلومات اللازمة التي تضمن في محضر يوضع رهن إشارة الأطراف”.

وتنص الفقرة الأخيرة من الفصل 66 من ق.م.م على أنه: “لا يلزم القاضي برأي الخبير المعني ويبقى له الحق في تعيين أي خبير آخر من أجل استيضاح الجوانب التقنية في النزاع”.

وبناء على مقتضيات هذين الفصلين، يتضح لنا أن القاضي بعد تفحصه لتقرير الخبير تفحصاً جيداً يتخذ قراره والذي لا يمكن بحال من الأحوال أن يخرج عن إحدى الحالات التالية:

أولاً: الموافقة على التقرير برمته

 

إن القاضي بطبعه عنده ميل للأخذ بتقرير الخبرة، وخاصة عندما يجد في تقريره الأجوبة عن الأسئلة الفنية التي حددها في الحكم التمهيدي وعدم خروجه عن نطاق مأموريته، وبنى تقريره على أسس سليمة وموضوعية استناداً إلى اتباع أبحاث وقواعد فنية وعلمية لا يتسرب إليها الشك[24]، فإنه في هذه الحالة يقتنع القاضي بما جاء في التقرير ولا يتردد في المصادقة عليه.

ونستحضر أحد القرارات القضائية والتي تترجم الحالة التي نحن بصدد الحديث عنها، وقد جاء فيه: “تقرير الخبير كان واضحاً ومنسجماً ومؤيداً فنياً وبرهن علمياً على نتائجه النهائية بخلاف تقرير الخبير المنجز في المرحلة الابتدائية، الذي ظل مبهماً ومتناقضاً … فإن المحكمة تنتهي مطمئنة إلى الأخذ بخبرة السيد…، دون غيره وقراءتها لنزاع يكون على ضوء ذلك”[25].

وفي حالة حدوث العكس فإن مصادقة المحكمة على تقرير الخبير يعرض قرارها للنقض[26].

وتجدر الإشارة إلى أن المحكمة عندما تقتنع بتقرير الخبير القضائي فإنها تأخذ به دون أن تكون ملزمة بالرد على الطعون التي يقدمها الخصوم إلى هذا التقرير، ففي عدم ردها هذا دليل ضمني على عدم جدية تلك الطعون[27].

وفي حالة تعلق الأمر بتعدد الخبراء وكانت آراؤهم مختلفة، يطرح السؤال التالي: هل في أخذ المحكمة برأي أحدهم يغنيها عن بيان سبب رد آراء الآخرين؟ بالنسبة لهذه المسألة فإن القاضي له كامل الصلاحية بعد تفحصه للتقرير واطلاعه على رأي كل خبير مع الأسباب المساندة لكل رأي على حدة، أن يختار رأيا واحدا من هؤلاء، وهذا ما أكدته محكمة النقض في إحدى قراراتها حيث جاء فيه: “إن الخبرة غير ملزمة للمحكمة وإذا تعددت الخبرات فللمحكمة في إطار سلطتها التقديرية اختيار الخبرة التي تراها”[28].

لكن يجب بالمقابل على القاضي تبيان أسباب الأخذ بأحد الخبرات، وهذا ما ذهبت إليه محكمة النقض في إحدى قراراتها والذي جاء فيه: “وقد وازنت المحكمة بين الخبرتين المأمور بهما وانتهت إلى القول باعتماد الخبرة الثلاثية الثانية لاقتناعها بأن ما ورد فيها هو الحل المناسب للنزاع، الأمر الذي كان معه القرار مؤسساً ومعللاً بما يكفي وما عابته عليه الوسيلتان غير سديد”[29].

ثانياً: الموافقة على التقرير في جزء معين

 

يسوغ للمحكمة أن تصادق على الخبرة بصفة جزئية لكن شريطة أن تعلل حكمها القاضي بالموافقة الجزئية على الخبرة، وذلك بعد ذكر الأسباب والدوافع التي جعلتها تأخذ بجزء من الخبرة وتترك الجزء الآخر[30]، لأن هذا التقرير يحتوي على مسائل فنية، فلا يسمح بتنفيذها إلا بأساليب فنية وإلا كان حكمها معيباً[31].

ثالثاً: رفض التقرير جملة وتفصيلاً

 

في إطار السلطة التقديرية التي يتمتع بها القاضي، يمكنه أن يستبعد تقرير الخبير القضائي جملة وتفصيلاً، إذا لم يجد فيه الأجوبة الكافية عن الأسئلة التقنية التي طرحها في الحكم التمهيدي، وهذا ما أكدته محكمة النقض إذ اعتبرت أن المحكمة “لا تكون ملزمة بالتقيد بنتائج خبرة مطعون في نتائجها ومصداقيتها”[32].

لكن يبقى هذا الموقف مقيدا بالأمر بإجراء خبرة جديدة يكون موضوعها نفس الأسئلة الفنية المعين من أجلها الخبير الأول، وهذا ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية بأكادير حيث قضت: “وحيث أن المحكمة بعد الإطلاع على تقرير الخبرة وعلى ملاحظات دفاع الطرفين تأمر تمهيدياً وقبل البت في الموضوع بإجراء خبرة ثانية”[33].

وإذا كانت هذه المكنة ممنوحة للمحكمة، فالسؤال المطروح هنا هو: هل هذه السلطة مطلقة أم مقيدة بذكر أسباب؟

لقد تضاربت الآراء حول هذه المسألة، حيث هناك اتجاه يذهب إلى القول بأن المحكمة غير ملزمة بذكر أسباب رفضها لتقرير الخبير، في حين ذهب الاتجاه الثاني إلى القول بأن القاضي ملزم ببيان دوافعه التي كانت وراء استبعاده لتقرير الخبرة.

والاتجاه الأخير هو الذي سلكته محكمة النقض حيث اعتبرت أن استبعاد تقرير الخبير بدون سبب يجعل ما قضت به المحكمة فاسدا التعليل ومعرضاً للنقض[34].

 

رابعاً: استدعاء الخبير إلى الجلسة

 

قبل أن يبت القاضي في النزاع يتوجب عليه أن يقوم بتفحص تقرير الخبير تفحصاً جيداً يجعله يتوصل إلى كل ما جاء فيه ويفهمه الفهم الجيد، وفي حالة إيجاده صعوبة في فهم بعض النقاط في التقرير، يمكن له أن يقوم باستدعاء الخبير إلى الجلسة لتفسير الغموض الذي صادفه إما تلقائياً أو بناء على طلب الخصوم، هذا إذا كانت المسطرة شفوية، أما عندما تكون المسطرة كتابية فإنه يتم إرجاع التقرير إلى الخبير قصد استكمال التحقيق فيه[35].

وإذا تمحور الأمر حول منازعات عقارية التي تكون فيها المسطرة كتابية طبقاً للفصل 45 من ق.م.م[36]، فإن إمكانية استدعاء الخبير غير متاحة، وبالتالي فالقاضي العقاري عندما يجد غموضاً أو نقصاً في التقرير لا يجد بداً من إرجاع التقرير إلى الخبير القضائي قصد تكملة مهامه وإنجاز تقرير تكميلي.

خامساً: إنجاز تقرير تكميلي

 

إن إعادة التقرير إلى الخبير القضائي قصد تكملته، كثير الورود في القضايا العقارية على وجه الخصوص، وهذا ما يتضح لنا جلياً من خلال منطوق الحكم التالي: “وبعد المداولة طبقاً للقانون أصدرت هذه المحكمة أمراً تمهيدياً تحت عدد 23 قضى بإرجاع تقرير الخبرة إلى الخبير قصد التقيد بمقتضيات الأمرين التمهيديين المشار إليهما أعلاه مع التعجيل بهذه المأمورية”[37].

والسند في هذه الحالة هو ما نصت عليه الفقرة الأولى من الفصل 64 من ق.م.م والذي جاء فيه: “يمكن للقاضي، إذا لم يجد في تقرير الخبرة الأجوبة على النقط التي طرحها على الخبير أن يأمر بإرجاع التقرير إليه قصد إتمام المهمة”.

ونسجل في هذا الصدد أن المشرع انطلاقاً من مقتضيات النص أعلاه، قد أحسن صنعاً عندما نص أن يتم إرجاع التقرير في حالة نقصانه أو غموضه إلى الخبير الذي أنجزه وليس إلى خبير آخر، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى كسب الوقت والسرعة في إنجاز التقرير التكميلي، على اعتبار أن الخبير المنتدب لديه من المعلومات الكافية التي تكونت لديه أثناء إنجاز الخبرة الأولى، هذا على خلاف ما ذهب إليه المشرع المصري الذي أعطى للقاضي إمكانية الاختيار بين إرجاعه للخبير الذي اعترى تقريره النقص، أو انتداب خبير آخر يعهد إليه بتتمة هذه الخبرة[38].

خاتمة:

ولإن كانت الخبرة القضائية إجراء قانونيا، أضحى ضرورة يلجأ إليها القاضي خاصة متى كان موضوع الدعوى المعروضة عليه عقارا، ولإن كان القاضي بطبعه عنده ميل للأخذ بتقرير الخبرة، فإنه مع ذلك تبقى للسلطة التقديرية التي يتمتع بها الكلمة الفصل في الأخذ بتقرير الخبير القضائي أو في جلها أو في بعضها أو في تركها كلها.

 

 

 

[1] رضوان ارطيم: مرجع سابق، ص: 31.

[2] Article 268 du N.C.P.C « l’expoce peut les consultes (les dossiers ou les documents) même avant d’accepter sa mission ».

[3] J.Voulet op.cit. P : 832.

[4] يطلق القانون الفرنسي مصطلح les sachants على الشهود الذين يستدعيهم للإستماع إليهم.

[5] قرار محكمة النقض عدد 2443/7 مؤرخ في 11/12/1997 ـ ملف جنحي عدد 7513/97 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 52 ـ السنة 20 يوليوز 1998 ـ الصفحات: 272 – 270.

[6] ويعيب على المشرع المصري عدم إيراد الجزاء على الموظف المختص في حالة امتناعه عن إطلاع الخبير على الأوراق الموجودة في حوزته واللازمة لأداء المأمورية، ويرى توقيع الجزاء الإداري عليه، فضلاً عن تقديمه للقضاء الزجري طبقاً للمادة 123 من قانون العقوبات.

ـ عز الدين الديناصوري وحامد عكاز: “التعليق على قانون الإثبات”. الطبعة الثامنة 1996 ـ مركز الدلتا للطباعة، ص: 150.

[7] ترتكز الخبرة العقارية أساساً على معاينة محل النزاع، وللإشارة فإن معاينة الخبير العقاري تختلف عن المعاينة كإجراء من إجراءات التحقيق والمنظمة في ق.م.م من الفصول 67 إلى 70.

[8] إبراهيم زعيم: “نظام الخبرة في القانون المغربي”. مطبعة تينمل، مراكش، الطبعة الأولى، 1993، ص: 61.

[9] علي الحديدي: مرجع سابق، ص: 342.

[10] حليمة اللطيفي: “الخبرة القضائية في قانون المسطرة المدنية المغربي”. رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في القانون المدني، الدار البيضاء، السنة الجامعية 2001 – 2002.

[11] D. Jean Beynel et Jean Rousseau : « Manuel pratique de l’expertise judiciaire », l’imprimerie Résissey, 1986, P : 138.

[12] حليمة اللطيفي: مرجع سابق، ص: 80.

[13] كمال الودغيري: مرجع سابق، ص: 290.

[14] عبد العزيز حضري: “استئناف الأحكام المدنية في التشريع المغربي ـ الجزء الأول، حق الإستئناف”. مطبعة الأمنية، الرباط، الطبعة الأولى، 2009.

[15] تنص الفقرة الثانية من الفصل 66 من ق.م.م على أنه: “يقوم الخبراء بأعمالهم مجتمعين ويحررون تقريراً واحداً، فإذا كانت آراؤهم مختلفة بينوا رأي كل واحد والأسباب المساندة له مع توقيعه من طرف الجميع”.

[16] محمد المجدوبي الإدريسي: مرجع سابق، ص: 122.

[17] الفصل 60 من ق.م.م المعدل بظهير 26/12/2000.

[18] العشماوي: مرجع سابق، ص: 247.

[19] محمد المجدوبي الإدريسي: مرجع سابق، ص: 125.

[20] قرار محكمة النقض، ملف مدني عدد 75 بتاريخ 24/12/1969 ـ منشور بقضاء المجلس الأعلى، عدد 16، س2 أبريل 1970، ص: 20.

[21] DEBBASCH, CHARLES : « Procédure administrative contentieux ». et procédure civil. Paris. L.G.D.J 1962, P : 370 et 371.

[22] العشماوي عبد الوهاب: “إجراءات الإثبات في المواد المدنية”. ص: 254.

[23] Martine Babe : op.cit. P : 42.

[24] مولاي ملياني بغدادي: “الخبرة القضائية في المواد المدنية”. مطبعة حلب الجزائر، طبعة 1992، ص: 170.

[25] قرار صادر عن محكمة الإستئناف بالناظور، بتاريخ 6 يناير 2010، ملف رقم 303/11/07 (غير منشور).

[26] قرار محكمة النقض، عدد 830، غرفة الأحوال الشخصية والميراث، صادر بتاريخ 13 شتنبر 2000 ملف عدد 190/2/2/95، مجلة المناهج، عدد مزدوج 4/3، 2000، ص: 213.

[27] كمال الودغيري: مرجع سابق، ص: 307.

[28] قرار محكمة النقض عدد 478 صادر بتاريخ 15/7/1997، ملف عقاري عدد 6185/92، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 1998، 52، ص: 78.

[29] قرار صادر عن محكمة النقض عدد 478 صادر بتاريخ 15/7/1997، ملف عقاري عدد 6185/92. أورده الحسن هوداية: “حسن وسوء النية في الإجتهاد القضائي المغربي في المادة الجنائية وفي المادة المدنية”. مكتبة دار السلام، الرباط، طبعة 2009، ص: 209.

[30] مولاي ملياني بغدادي: مرجع سابق، ص: 165.

[31] محمد أحمد محمود: “الوجيز في الخبرة”. مطبعة دار الفكر الجامعي، 2003، ص: 46.

[32] قرار صادر عن محكمة النقض عدد 5317 بتاريخ 21/12/2010ّ، ملف شرعي عدد 604/2/1/2009 غير منشور.

[33] حكم صادر عن المحكمة الإدارية بأكادير عدد 275/2009 بتاريخ 5/11/2009، ملف رقم 303 ـ 2007 غير منشور.

[34] قرار صادر عن محكمة النقض عدد 739 بتاريخ 27/02/2008. ملف مدني عدد 2055/1/5/2006، منشور بمجلة المناهج القانونية، عدد مزدوج 15/16، 2011، ص: 209.

[35] أدولف رييولط: مرجع سابق، ص: 75.

[36] تم تعديل هذا الفصل بموجب القانون رقم 35.10 المتمم والمغير لقانون المسطرة المدنية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.149 الصادر في 17 غشت 2011، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5975 بتاريخ 5 شتنبر 2011، ص: 4388.

[37] حكم تمهيدي صادر عن المحكمة الإبتدائية بتارودانت، عدد 23 بتاريخ 13/06/2005 ملف عقاري عدد 155/01 غير منشور.

[38] تنص المادة 145 من قانون الإثبات المصري: “للمحكمة أن تعيد المأمورية إلى الخبير لتدارك ما تبين له من وجوه الخطأ أو النقص في عمله أو بحثه ولها أن تعهد بذلك إلى خبير آخر أو إلى ثلاثة خبراء آخرين ولهؤلاء أن يستعينوا بمعلومات الخبير السابق”.