أحدث التدوينات

جريمة غسل الأموال وطرق مكافحتها

جريمة غسل الأموال وطرق مكافحتها.

عبد السلام أبو الربيع

باحث في القانون

مقدمة:

                إن كلمة غسيل الأموال وكلمة تبييض الأموال يلقيان في دلالة مفهومها، وهذا يعني استخدام أساليب وحيل للتصرف في أموال مكتسبة بطرق غير مشروعة وغير قانونية لإضفاء الشرعية عليها، وهذه الظاهرة الخبيثة هي ولا شك إحدى ثمار العولمة الاقتصادية التي يروج لها الغرب فاصطلاح غسيل الأموال وتبيض الأموال اصطلاح عصري وهو يدل الاقتصاد الخفي أو الاقتصاديات السوداء، وأحيانا يتم الخلط بين الأموال الحرام بأموال أخرى حلال واستثمارها في أنشطة مباحة شرعا وقانونا لإخفاء مصدرها والخروج من المسائلة القانونية بعد تضليل الجهات الأمنية والرقابية.

                ومن الأساليب التي يجري على أساسها غسيل هذه الأموال الغير مشروعة التي يتم تحصيلها من عمليات السرقة وتسهيل الدعارة والرشوة وتهريب المخدرات والبشر ونوادر القمار، أن يقوم أصحاب الغير مشروعة هذه بإيداعها في بنوك أو تحويلها بين البنوك لدمجها مع الأموال المشروعة وإخفاء مصادرها الأصلية، وقد يتم تحويل هذه الأموال من البنوك الداخلية إلى بنوك عالمية لها فروع كثيرة في العالم ثم تقوم البنوك الخارجية بنفسها بعملية تحويل أخرى للأموال عبر فروعها المختلفة، وبعد ذلك يقوم أصحابها بسحب أموالهم من البنوك لشراء الأراضي أو المساهمة في شركات عابرة للقارات وتعد روسيا من أكثر الدول التي ينتشر فيها الفساد وتكون بؤرا يكثر فيها غسيل الأموال، وأشهر قضية في هذا المجال كان بطلها زوج ابنة الرئيس الروسي “يلتسن” حيث أشارت التقارير الاقتصادية إلى أنه قام بسرقة حوالي 10 مليارات دولار من القروض الدولية الممنوحة لروسيا، وقام بغسلها في “بنك أوف نيويورك”  الأمريكي وكشفت التحقيقات أن البنك الأمريكي قام بتحويل هذه الأموال المسروقة إلى عشرات البنوك في العالم ومن بينها بنوك روسيا، ونشير بالإضافة إلى ما سبق إن الإحصاءات والتقارير تؤكد أن ظاهرة غسيل الأموال تتصادع بشكل مخيف في ظل العولمة الاقتصادية وشيوع التجارة الإلكترونية ـ الغسيل الإلكتروني يتم في دقائق أو ثواني محدودة من أجل الإسراع في إخفاء هذه العمليات الإجراميةـ.

                وقد قدر خبراء الاقتصاد المبالغ المالية التي يتم غسلها سنويا بترليون دولار وهو ما يعادل 15% من إجمالي قيمة التجارة العالمية.

                ويقول خبراء اقتصاديون أن البنوك السويسرية بها ما يتراوح بين ترليون وترليوني دولار من الأموال التي جاءت من طرق محرمة.

                إن جريمة غسل الأموال التي ظهرت على الساحة الآن وتفاقمت بعد الحرب العالمية الأولى، تعني القيام بتصرفات مالية لمال اكتسب بطريقة غير مشروعة عن طريق استخدامه لمرات عديدة في جهات مختلفة وبأساليب عدة في وقت قصير عن طريق إيداعه، كما قلنا سابقا في الأبناك وإدخاله بطرق غير مشروعة إلى البلاد أو تدويره في شراء العقارات أو تداوله في البورصة وذلك كله من أجل محاولة إخفاء المصدر غير مشروع لأموال وتضليل أجهزة الأمن والرقابة للإفلات من العقوبة.

                وإذا كانت هذه الجريمة تعد من أخطر جرائم الأعمال في العالم، فماذا نعني بجريمة غسل الأموال؟ ما هي الطرق التي تتم بها؟ وأيضا ما هي المراحل التي تمر منها هاته الأموال غير مشروعة؟

                وبما أن غسيل الأموال تعتبر جريمة قانونا فما هي أركانها التي تتحقق من خلالها؟ وأخيرا يبقى السؤال الذي يفرض نفسه ما هي طرق ووسائل مكافحتها؟

هذا ما سوف نحاول الإجابة عنه من خلال بحثنا هذا الاتي:

المبحث الأول

طرق ومراحل  غسل الأموال:

المطلب الأول  طرق و أساليب غسل الأموال   

إن غسل الأموال يقوم على تعتيم على حقيقة أموال ذات مصدر جرمي، وإضفاء مظهر مشروع عليها، حيث أن الراغبين في غسل الأموال يهتدون إلى تحقيق هدفين وهما قطع للرابطة بين مقترف الجريمة والمصدر الجرمي، ثم إعادة توظيف الأموال المبيضة، وهم يعتمدون على مجموعة من الأساليب وطرق لغسل الأموال، كما أن هذه الأخيرة تتم بمجموعة من المراحل.و للإلمام بهذا الموضوع يجب علينا التطرق إلى طرق وأساليب غسل الأموال (المطلب الأول) ثم أيضا إلى مراحل غسل الأموال (المطلب الثاني).

 تتنوع أساليب غسل الأموال، حيث أنها لا تقف عند أسلوب معين وإنما تتنوع حسب الإمكانات المتاحة وحسب إدراك القائمين عليها، ويمكن تقسيم هذه الأساليب إلى قسمين: المجال المصرفي “والمجال الغير المصرفي”.

  1. المجال المصرفي.

نجد أن حالات غسيل الأموال عبر المصارف تتعدد بتعدد الحالات التي تلجأ إليها عصابات الجريمة المنظمة[1] مثل إيداع المال نقدا أو الاكتتاب بأذونات أو سحب القروض وأوامر التحويل الجارية باسم شركات وهمية حيث تحول الأموال المراد غسلها إلى حساب شركات  في مراكز مالية ذات رقابة ضعيفة (لوكسمبورغ أو جهات أخرى). ثم تحصل هذه العصابات على قروض مصرفية في بلدان أخرى وذلك بأن يقدموا كضمانة ودائعهم من الأموال غير المشروعة وهذه القروض القانونية لا ترد، أي لا يجرى الوفاء بها فيستعمل المقرض بالضمانة، وتحصل هذه العصابات على القروض القانونية والمشروعة[2].

                وقد تلجأ أحيانا عصابات الجريمة إلى إنشاء أو شراء شركات شرعية قد تكون مغسلة أو تكون ناجحة وتقوم بتشغيلها وإدارتها وتوحي من وراء ذلك بصورة طبيعية بعمليات نقدية عالمية.

                بالإضافة إلى المجال المصرفي نجد أن عملية غسل الأموال تمتد حتى إلى المجال الغير المصرفي.

                2- المجال غير المصرفي:

قد ترغب أحيانا جماعات الإجرام المنظم  للعمل في النظام ويلجؤون إلى الطرق التي تعوضهم لأقل فرصة للظهور ولذلك حينما أنشأت الدول الكبرى نظما فعالة في التعامل مع البنوك التقليدية والرقابة عليها بدؤوا يحركون أموالهم المراد غسلها نحو المؤسسات الغير مصرفية التي تقدم خدمات مالية .

المطلب الثاني: مراحل غسل الأموال

                إن عمليات غسل الأموال هي عبارة عن مركب يمر من الناحية التقنية بمراحل معينة أساسية وهي: مرحلة الإيداع أو التوظيف، ثم مرحلة التمويه وأخيرا مرحلة الإدماج أو التكامل  وكل مرحلة من هذه المراحل تمهد للمرحلة اللاحقة عليها حتى يتم التوصل إلى المرحلة النهائية حيث يكون الغسل قد ثم إنجازه.[3]          

  1. مرحلة الإيداع أو التوظيف

و تعد مرحلة الإيداع مرحلة أساسية اذ هي تمثل مرحلة نفاد الأموال الغير مشروعة إلى المؤسسات المالية داخل الدولة،تخضع لعمليات معقدة لتغيير شكلها و من تم تكون عرضة لاكتشاف أمرها،و غالبا ما يلجا غاسلو الأموال إلى إيداعها في مؤسسات تجارية كالمطاعم أو الفنادق أو غير ذلك من الأماكن،و في حالة نجاح غاسلي الأموال في فصل الأموال الغير مشروعة عن مصدرها يتم الانتقال إلى المرحلة الثانية.

 2-مرحلة التمويه والتغطية

في هذه المرحلة يتم إجراء عدد متلاحق من العمليات المالية المعقدة بهدف قطع الصلة باللامشروعية وتعبر هذه المرحلة جد مهمة بالنسبة للراغبين في تبييض أموالهم غير المشروعة، وأصعب من مرحلة الإيداع بالنسبة لسلطات مكافحة غسل الأموال حيث يكون من الصعب الكشف عنها، ومن بين الأساليب المستخدمة، القيام بعدة عمليات عبر وطنية لنقل الأموال وخاصة إلى البلدان ذات السرية البنكية المحكمة، والتي تضعف فيها  الرقابة على وحدات النظام الاقتصادي والمالي أو ما يسمى ب”الملذات المالية الآمنة” ويتم ذلك باستخدام أنظمة التحويل البرقي للنقود والتحويل الإلكتروني[4] وكذلك القيام باستثمارات في عدة دول وإعادة بيع ما تم اقتناؤه ونقل الاستثمارات بشكل محكم يصعب معه تتبع الأموال موضوعها، وبعد عملية التمويه ننتقل لآخر مرحلة وهي الدمج.

3- مرحلة الدمج أو التكامل

                تعتبر مرحلة الدمج الغاية النهائية لغسل الأموال، حيث يتم  مزج الأموال ذات المصدر الجرمي في الاقتصاد وإضفاء طابع المشروعية عليها، واختلاطها بالأموال المشروعة بحيث تبدوا أموالا مشروعة تماما أو ناتجة عن أنظمة اقتصادية مشروعة ومن تم تكتسب هذه الأموال مظهرا قانونيا وتدور في حلقة الاقتصاد الرسمي[5].

                ويستفيد أصحاب الأموال المبيضة من حرفة وخبرة مجموعة من الأطر، التي لها دراية وتخصص في عالم المال والأعمال الذي يعملون بارتباط مع المحاسبين التابعين للعصابات الإجرامية، كما يقوم المحاسبون بتصريف الأمور المالية من خلال سمسار النقد أو المستشار المالي، الذي يكون دوره هو تقديم المشورة بالنظر لعلاقاته بالأوساط المالية عموما والبنكية على وجه الخصوص.

                يتضح من خلال المراحل الثلاث، أن غسل الأموال يبدأ بإيداع الأموال الغير مشروعة في البنوك مباشرة أو بتحويلها إلى بعض العملات الأجنبية، ثم يلي ذلك القيام بمجموعة من العمليات المالية المعقدة لتمويه وتعميم مصدرها وتأتي بعد ذلك مرحلة الدمج وفيها يستغل غاسلو الأموال البنوك والمؤسسات المالية لتدوير تلك الأموال.

المبحث الثاني

أركان جريمة غسل الأموال و الجزاءات الجنائية المترتبة عنها:

إذا كانت الجرائم عموما تتطلب وجود ركن مادي وآخر معنوي، فإن البعض الآخر بالإضافة إلى هذين الركنين يتطلب شرطا مفترضا يمثل أرضية ينبني عليها التحريم، ومنها جريمة غسل الأموال وعليه يتطلب التعرض لها من خلال الشرط المفترض (المطلب الأول)، الركن المادي (المطلب الثاني)، وأخيرا الركن المعنوي (المطلب الثالث).

المطلب الأول :أركان جريمة غسل الأموال

الفقرة الاولى: الشرط المفترض

                يتحصل الشرط المفترض في جريمة غسل الأموال في ارتكاب جريمة أولية تنتج مالا، فقد حدد الشرط المفترض بالنسبة لغسل الأموال في مجموعة من الجرائم المحددة حصرا في الفصل 2-574.

                وتتمثل فيما يلي:

  • الاتجار بالمخدرات و المؤثرات العقلية
  • المتاجرة بالبشر
  • تهريب المهاجرين
  • الاتجار الغير مشروع في الأسلحة و الذخيرة
  • الرشوة و الغدر و استغلال النفوذ و اختلاس الأموال العامة و الخاصة
  • الجرائم الإرهابية
  • تزوير النقود و سندات القروض العمومية او وسائل الأداء الأخرى.

                بما أن هذا التعداد جاء حصرا وبالتالي لا يجوز القياس عليه ولو كان على نفس الدرجة من الخطورة، وأكثر منها إذ يعاب على المشرع المغربي افتقاره إلى المنطلق القانوني عند وضعه لهذه اللائحة بحيث لا يمكن فهم السبب الكامن وراء الحصر أو استيعاب الأساس الذي تقرر بناء عليه إقصاء جرائم أخرى.

                لقد طرحت مجموعة من الإشكاليات فيما يخص إثبات الجريمة الأولية أيضا  فيما يخص مرتكبيها، فالمشرع لم يحدد موقفا واضحا فيها يتعلق بالإثبات بالتالي  فهل من الضروري وجود تحقيق في الموضوع؟

                إن استنباط مقصد المشرع بخصوص الإثبات يظل صعبا لأنه يطرح أمام القضاء ويتحتم حله، وفي هذا الصدد يمكن الاستئناس بما توصل إليه القضاء الفرنسي الذي تطلب إثبات العناصر القانونية والمادية والمعنوية إلا أنه لم يتطلب وجود حكم بات.

                أما بالنسبة لمرتكب الجريمة الأولية فإن التساؤل الذي يطرح نفسه هو هل يجوز أن يكون مرتكب الجريمة الأولية[6] هو نفسه الشخص القائم بعملية الغسل؟ أم يمكن أن يكون شخصا آخر؟

                لم يتخذ المشرع المغربي موقفا صريحا إذ أنه من خلال المادة 2-547 يبدو أنه تأرجح بين الموقفين حيث نجد أن أفعال غسل الأموال الواردة فيها تقام لفائدة الفاعل أو الغير أو أعمال المساعدة على التمويه مما يفيد أن الغاسل هو شخص آخر غير مرتكب الجريمة الأولية بخلاف الأمر في الفقرة الرابعة التي استبعدت ذكر مرتكب الجريمة الأولية.

الفقرة الثانية: الركن المادي لجريمة غسل الأموال[7]

                يقصد بالركن المادي للجريمة ما يدخل في بنيانها القانوني من عناصر مادية ملموسة يمكن إدراكها بالحواس وينحلل إلى ثلاث عناصر: السلوك والنتيجة والعلاقة السببية.

                وفي جريمة غسل الأموال يتمثل في كون هذه الجريمة تعد من جرائم السلوك أو جريمة ذات نتيجة مادية، وفيما يخص العلاقة السببية فهي لا تثير مشاكل في جريمة غسل الأموال[8] ومن تم فإننا سنتناول الركن في 3 أقسام:

  • أولا: نشاط غسل الأموال
  • ثانيا: محل غسل الأموال
  • ثالثا: النتيجة الإجرامية

أولا: النشاط الإجرامي[9]

                النشاط الإجرامي  هو النشاط الذي يتحقق من خلاله مخالفة القاعدة القانونية الجنائية، فلا يتوافر للجريمة ركنها المادي ما لم يتوافر مظهر مادي ألا وهو الإدارة الإجرامية ذلك أن المشرع لا يتدخل بالتجريم والعقاب إلا إذا كان للركن المادي مظهر خارجي يتحقق به الإعتداء على المصلحة محل الحماية الجنائية والذي يتخذ مظهر النشاط الإجرامي[10]

                وجريمة غسل الأموال كغيرها من الجرائم لا تقوم  إلا من خلال النشاط الإجرامي والذي يكمن في كل فعل يستهدف إضفاء المظهر المشروع على الأموال والعائدات المتحصلة من الجريمة.

                ويتخذ الركن المادي لجريمة غسل الأموال المغربي عدة مظاهر وعليه فقد نص على ذلك من خلال الفصل 2-574 على أربع صور للنشاط المادي في هذه الجريمة وذلك على الشكل الآتي:

                – اكتساب أو حيازة أو استعمال أو استبدال أو تحويل الممتلكات بهدف إخفاء أو تمويه مصدرها لفائدة الفاعل أو لفائدة الغير عندما تكون متحصلة من إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2-574 بعده.

                – مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب إحدى الجرائم الأولية لإفلات من الآثار التي يرتبها على أفعاله.

                تسهيل التبرير الكاذب بأية وسيلة من الوسائل لمصدر ممتلكات أو عائدات مرتكبي الجريمة الأولية والتي حصل بواسطتها على ربح مباشر أو غير مباشر.

                تقديم المساعدة أو المشورة لعملية حراسة أو توظيف أو إخفاء أو استبدال العائدات المتحصلة عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من ارتكاب إحدى الجرائم الأولية.            

ثانيا: محل غسل الأموال[11]

                إن المال الناتج عن الجريمة الأولية هو محور ومحل جريمة غسل الأموال إذ بدونه لا يتأتى القول بوجود جريمة لغسل الأموال وإن تحديد المقصود به لا يقل أهمية عن تحديد مفهوم الجريمة الأولية ذلك أن للمال مفهوما قد يختلف من جريمة إلى أخرى ومن مجال لآخر قد يضيق مفهوم المال ليقتصر على الممتلكات المادية كما قد يتسع ليشمل جل الممتلكات والعائدات سواء منها المادية أو المعنوية المنقولة أو غير المنقولة[12].

                وجريمة غسل الأموال هي جريمة متطورة تستخدم فيها العديد من الوسائل والتقنيات

الحديثة والبنكية التي تجعل شكل المال يتغير بسرعة، كما أن القائم على غسل المال يعمل على تغيير شكل المال من حين لآخر ليفقد الملاحظ نقطة البداية لهذا المال.

                وقد راعى المشرع المغربي هذا المعطي وعمل اقتداء بالعديد من التشريعات المقارنة والاتفاقيات الدولية على توسيع نطاق المال ليشمل مختلف أنواعه وفي أي شكل كان، وهكذا نص في المادة الأولى من الباب الثاني من قانون 05-43 على تعريف للعائدات على أنها: جميع الممتلكات المتحصلة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 2-574 عن مجموعة القانون الجنائي.

                الفقرة الثالثة: الركن المعنوي لجريمة غسل الأموال

                لا يكفي لقيام البنيان القانوني للجريمة وقوع الركن المادي وهو ما تناولناه في المطلب السابق بل ينبغي أن يتوافر إلى جانب ماديات الجريمة العناصر النفسية التي يتطلبها قيام الجريمة وتجتمع هذه العناصر في ركن يختص بها ويحمل اسم الركن المعنوي للجريمة والذي يمكن تعريفه بأنه علاقة تربط بين ماديات الجريمة وشخصية الجاني وهذه العلاقة محل لوم القانون وتتمثل فيها سيطرة الجاني على الفعل وآثاره وجوهرها الإرادة ومن تم كانت ذات طبيعة نفسية.

                وبالنسبة لجريمة غسل الأموال هي من الجرائم العمدية التي تتطلب وجود الركن المعنوي، فقد نص المشرع المغربي في مطلع الفصل 1-574 من القانون الجنائي على أنه “تكون الأفعال الآتية جريمة غسل الأموال عندما ترتكب عمدا”.

                وهكذا فإن جريمة غسل الأموال جريمة عمدية قوامها العلم (أولا) والإرادة (ثانيا).

                أولا: العلم[13]

                العلم أحد عنصري القصد الجنائي وهو يعني نشوء علاقة بين أمر ما بين النشاط الذهني لشخص من الأشخاص، فتغدو هذه الواقعة عنصرا من عناصر الخبرة الذهنية التي يختزنها الشخص.

                بحيث يستطيع الاستعانة بها في حكم على الأشياء وفي تحديد كيفية تصرفه تجاه الظروف المحيطة به، ومن تم فإنه ينبغي لقيام الركن المعنوي في جريمة غسل الأموال فضلا عن توافر الإرادة الآثمة أن يعلم الجاني أن الأموال التي يقوم بإخفاء المصدر الغير المشروع لها متحصلة من الجريمة.

                وكذا يفترض العلم بالقانون فالوضع السائد هو الافتراض الدائم للعلم والقانون مسبقا لا يقبل إثبات العكس وهذا الوضع مصدره القضاء.

                ثانيا: الإرادة

                بالإضافة إلى العلم فالإرادة هي ثاني عنصر في القصد الجنائي والتي تعني قوة يستعين بها الإنسان للتأثير على ما يحيط به من أشياء وأشخاص وهي المحرك لأنواع من السلوك ذات طبيعة مادية تحدث في العالم الخارجي من الآثار المادية ما يشبع به الإنسان حاجياته المتعددة، والإرادة بذلك تكون هي العنصر الأهم في القصد الجنائي لأنه هو الذي يفرق بين الجرائم العمدية و الغير عمدية ، ومن تم فإن جريمة غسل الأموال كغيرها من الجرائم العمدية يلزم للعقاب عليها أن تتجه إرادة مرتكب الفعل إلى إحدى صور السلوك الإجرامي.

المطلب الثاني: عقوبة جريمة غسل الأموال

                تناول المشرع المغربي العقوبات الخاصة بغسيل الأموال في القانون 05-43 في الفصول بين 574-3 إلى 574-7 والتي تحدد في عقوبتي الحبس والغرامة إلى جانب هاتين العقوبتين أورد المشرع مجموعة من العقوبات الإضافية هذا أو قد أضفى المشرع المغربي على هاته العقوبات مجموعة من الظروف المشددة وكذا أعذار مخففة.

                الفقرة الأولى: العقوبات الأصلية والتبعية

نص المشرع المغربي في الفصل 574-3 على العقوبات التي تعتبر أصلية (أولا) بينما أفرد الفصل 574-5 العقوبات الإضافية (ثانيا) من قانون 05.05.43 الخاصة بغسيل الأموال.

أولا: العقوبات الأصلية[14]

يقصد بالعقوبات الأصلية تلك العقوبات التي يجوز الحكم بها وحدها دون أن تضاف إليها عقوبات أخرى كما أنها تطبق إلا إذا نطق بها القاضي وحدد نوعها ومقدارها[15].

وبالرجوع إلى نص المشرع المغربي نجده قد ميز بين الأشخاص الطبيعية والأشخاص المعنوية فيما يخص العقوبة (المادة 574-3).

فبالنسبة للأشخاص الطبيعية اقر لهم المشرع عقوبة الحبس من سنتين إلى خمس سنوات و غرامة مالية تتراوح بين 000 20 درهم إلى 10000 درهم في حين أن الأشخاص المعنوية تحدد عقوبتهم في غرامة مالية من 500000 درهم إلى 3000000 درهم دون الإخلال بالعقوبات التي يمكن إصدارها على مسيريها أو المستخدمين العاملين بها و المتورطين في الجرائم.

ثانيا: العقوبات الإضافية:

يقصد بالعقوبات الإضافية تلك العقوبات التي لا يجوز الحكم بها و إنما يحكم بها إلى جانب العقوبات الأصلية فهي إما عقوبات إضافية تبعية أو تكميلية و هي التي نص عليها الفصل 574-5 من مجموعة القانون الجنائي على النحو التالي:

  • المصادرة الجزئية أو الكلية للأموال التي استعملت لارتكاب الجريمة  و العائدات المتحصلة من هذه الأموال مع حفظ حق الغير حسن النية
  • حل الشخص المعنوي
  • نشر المقررات المكتسبة لقوة الشيء المقضي به الصادرة بإدانته بواسطة جميع الوسائل الملائمة على نفقة المحكوم عليه.

يمكن علاوة على ذلك الحكم على مرتكبي جريمة غسل الأموال بالمنع المؤقت او النهائي من أن يزاولوا بصفة مباشرة أو غير مباشرة واحدة أو أكثر من المهن أو الأنشطة أو الفنون التي ارتكبت الجريمة إثناء مزاولته.

الفقرة الثانية: ظروف التشديد وظروف التخفيف أو الإعفاء.

بالإضافة إلى العقوبات الأصلية والتبعية قد نقرن هذه الأخيرة بنوع من التشديد (أولا) أو التخفيف (ثانيا) وذلك في حالات معينة.

أولا: الظروف المشددة

يقصد بالظروف المشددة تلك الظروف المحددة في القانون والتي بتوافرها[16] يشدد القاضي العقاب على المتهم بحيث يحكم عليه بعقوبة تتجاوز الحد الأقصى للعقوبة المقررة للجريمة في شكلها البسيط، وقد نص عليها الفصل 4-574 من قانون 05-43 وهذه الظروف تختلف باختلاف الجريمة أو الشخص المجرم وهي كالتالي:

  • عندما ترتكب الجرائم باستعمال التسهيلات التي توفرها مزاولة نشاط مهني.
  • عندما يتعاطى الشخص بصفة اعتيادية لعمليات غسيل الأموال
  • عندما ترتكب الجرائم في إطار عصابة إجرامية منظمة
  • حالة العود.

إلا أنه ما يؤاخذ على هذه المادة هو غياب الدقة في تحديد المفاهيم فحبذ لو أن المشرع المغربي استعمل عبارات واضحة الدلالة[17].

ثانيا : ظروف التخفيف أو الإعفاء:

الأعذار المخففة أو المعفية هي أسباب للإعفاء من العقاب يقررها المشرع في حالات معينة:

لقد أشار المشرع المغربي لظروف التخفيف أو الإعفاء في الفصل 7-574 من مجموعة القانون الجنائي المغربي و أشار إلى انه يستفيد من الأعذار المخففة  الفاعل أو المساهم أو  المشارك الذي يبلغ السلطات المختصة قبل علنها بالأفعال المكونة لمحاولة ارتكاب جريمة غسل الأموال بحيث تخفض العقوبة إلى النصف إذ تم التبليغ قبل ارتكاب الجريمة.

المبحث الثالث:

الآثار المترتبة عن جريمة غسل الأموال وآليات مكافحتها.

              تعتبر جريمة تبييض الأموال من الجرائم المنظمة ذات الصبغة الاقتصادية، كما أنها جريمة تتصل بالمؤسسات المالية لاسيما البنوك بشأن ما توفره من قنوات يستعملها الفاعلون كوسيلة لارتكاب العمليات المشبوهة.

              ونظرا لما تحققه من قواعد مالية خيالية تضر بالاقتصاديات الوطنية، تم تجنيد جميع الدول من أجل محاربة هذا الوباء. والمغرب كغيره من الدول قام بتجريم هذه الأفعال عن طريق القانون (05-43) الذي نص على آليات مكافحة هذه الجريمة المنظمة باعتبارها إطار قانوني يهدف إلى زجر كل الأفعال المنطوية تحت لواء جريمة غسل الأموال علاوة تفعيل وسائل تمكن في تسريع وثيرة ضبط هذه الجرائم وكشفها.

المطلب الأول:الآثار المترتبة: عن جرائم غسل الأموال.

              إن جرائم غسل الأموال تنطوي على مبدأ شرعنة أموال تم الحصول عليها عن طريق وسائل غير مشروعة، وفي ذلك مساس بالهياكل الاقتصادية والقانونية للبلاد، وهو ما يصطلح عليه بالإقتصاد الخفي، يهدد الاقتصاد الأساسي أو الرسمي للبلاد ويؤدي إلى التوزيع الغير العادل للثروة ، الأمر الذي ينتج عنه منافسة غير شريفة وخارجة عن نطاق المشروعية كما أن جرائم غسل الأموال تزيد من أعباء الدولة قصد التجند لمحاربتها. وإذا عرجنا على الشق الاجتماعي وتجد بأن هذه الجرائم تزيد من الهوة بين الطبقات الاجتماعية الأمر الذي يخلق نوعا من عدم التوزيع العادل للثروات وهو ما يحدث خللا في البنيات الاجتماعية ويؤدي إلى تعميق الفوارق بين الطبقات بدون سبب مشروع. كما أنه في أغلب الأحيان يلجأ أصحاب الأموال الغير المشروعة إلى الزيادة في معدات الاستهلاك الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الادخار وينعكس على الناتج الوطني الإجمالي وبالتالي يؤدي إلى ذلك إلى تحويل الأفراد من فئات منتجة فعالة إلى فئات غير منتجة وعليه سنواجه حتما اختلال في التوازن الاقتصادي، ويتم توزيع الدخل الوطني توزيعا عشوائيا يؤدي في النهاية كما سبقت الإشارة إلى توسيع الفجوة بين الفئات الاجتماعية، كما أن الأموال غير المشروعة تغدي النفقات الزائدة ويترتب عن هذا ارتفاع المستوى العام للأسعار مؤديا بذلك إلى تضخم مالي وتدهور للقوة الشرائية للنقود وبالتالي انخفاض في قيمة العملة الوطنية.

المطلب الثاني: آليات مكافحة جريمة غسل الأموال

              تكاثفت الجهود المبذولة للتصدي لجريمة غسل الأموال سواء على المستوى الوطني كسن المشرع المغربي للقانون (05-43) لزجرالأفعال المكونة لجريمة غسل الأموال، أو على المستوى الدولي بسن اتفاقيات ومؤتمرات انخرط المغرب فيها عن طريق مصادقته و توقيعه عليها.

                الفقرة الأولى: الجهود المبذولة لمكافحة جريمة غسل الأموال على المستوى الوطني.

              تعتبر البنوك أهم القنوات اللوجستيكية المعتمدة في مجال غسل الأموال، باعتبارها الجهة المختصة باستلام الودائع وتوزيع الإئتمان بشكل من وسعه تسهيل المعاملات التي يرتكز عليها مرتكبوا هذه الجرائم، ومن أهم الإشكالات المطروحة في هذا الصدد هو السر المصرفي المعتبر من أهم الالتزامات الملقاة على عاتق مؤسسات الإئتمان، حيث انقسمت التشريعات بين متشدد في التعامل مع هذا الإلتزام وتشريعات أخرى اتخذت سياسة احترازية للحد من غلو هذا الشرط وإضفاء مرونة في التعامل مع المعاملات المشكوك في أمرها، من زمرتهم المشرع المغربي الذي حدد إلتزامات الأشخاص الخاضعين للقانون (05-43) بعد نصه على الأشخاص الخاضعين لأحكامه والمتمثلة في الأشخاص الذاتيين والمعنويين الخاضعين للقانون العام باستثناء الدولة أو على هذا الأساس يخضع لهذا القانون:

  • مؤسسات الإئتمان كالأبناك والشركات القابضة الحرة
  • الشركات المالية
  • مقاولات التأمين وإعادة التأمين
  • مراقبوا الحسابات والمحاسبون الخارجيون المستشارون في المجال الضريبي
  • الأشخاص المنتمون لمهنة قانونية مستقلة
  • الأشخاص الذين يشتغلون أو يسيرون كازينوهات و ملاهي ليلية  أومؤسسات الحظ.

وتتحدد هذه الإلتزامات في التزامات اليقظة و التصريح بالاشتباه ثم الإلتزام بالمراقبة الداخلية.

حيث يتمثل الإلتزام باليقظة في جمع كل المعلومات المتعلقة بالعملاء المعتادين أو العرضيين ومراقبة الحسابات التي تبدي درجة من مخاطر مرتفعة وفقا للمواد 3-4-5-6 من قانون مكافحة غسل الأموال.

كما يتعين على الأشخاص الخاضعين لأحكام القانون (05-43) حفظ الوثائق المتعلقة بالضمانات المنجزة من طرف زبناءهم طيلة عشر سنوات ابتداءً من تاريخ من تاريخ تنفيذها.

أما التصريح بالأشباه فيقدم للوحدة المحددة لدى الوزارة الأولى لمعالجة المعلوميات المالية وفق مقتضيات المادة 24 من القانون الجنائي، ويشمل كل عملية تكون هوية الذين أصدرو كالأمر بشأنها أو المستفيدين منها مشكوكا فيها وكل العمليات أو المبالغ المشتبه في ارتباطها بغسل الأموال.

وبالنسبة للإلتزام بالمراقبة الداخلية نجده يتم عن طريق وضع الأشخاص الخاضعين لأحكام القانون (05-43) تدابير داخلية لليقظة والكشف والمراقبة تمكن من احترام كالإلتزامات المنصوص عليها في هذا القانون، وكذا تكليف الأشخاص المؤهلين لتقديم التصريح بالاشتباه بجمع المعلومات حول العمليات ذات الطابع المشبوه.

ومن حيث الاختصاص، نجد بأن وجود أفعال من شأنها أن تكون جريمة لغسل الأموال تحال على وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط الذي يمكن أن يأمر خلال البحث بالتجميد أو المنع المؤقت لتحويل أو استبدال الممتلكات، ولوكيل الملك وقاض التحقيق أن يأمر بحجز ممتلكات الأشخاص المشتبه فيهم.

الفقرة الثانية: الجهود المبذولة لمكافحة جريمة غسل الأموال على المستوى الدولي

إن قانون مكافحة غسيل الأموال يستهدف ملائمة القانون الجنائي المغرب مع اتفاقيات دولية وقع عليها المغرب وخاصة كالإتفاقية المتعلقة بالجريمة عبر الوطنية والاتفاقيات المتعلقة بمكافحة تمويل الإرهاب، وكذا توصيات مجموعة العمل المالي لمكافحة غسل الأموال.

كما أن وعي المجتمع الدولي بخطورة جريمة غسل الأموال أدى إلى تكتيف الجهود الدولية لمكافحة هذه الظاهرة وذلك عن طريق إبرام اتفاقيات دولية ووضع آليات تنفيذية تمخضت عن لقاءات ومؤتمرات دولية وإقليمية أثمرت تدابير وتوصيات هامة، تعمل اللجان والآليات المختلفة عن تتبعها والمغرب كغيره من الدول عمل على التوقيع على هذه الاتفاقيات والمعاهدات وكذا المشاركة في المؤتمرات الدولية التي تعتبر من أهم الوسائل الدولية التي تساهم في توحيد الجهود المبذولة على مستوى العالم.

ومن أهم هذه الاتفاقيات اتفاقية فيينا لمكافحة المخدرات كالاتجار الغير المشروع في المؤثرات العقلية لسنة 1988 التي ألزمت الدول باتخاذ التدابير اتفاقية الجريمة المنظمة عبر الوطنية باليرمو 2000 التي ضمت 41 مادة تجرم المجموعات الإجرامية المنظمة والفساد المالي، وكذا اتفاقية مكافحة الفساد 2003 التي حددت عدة تدابير لمنع غسل الأموال مثل إنشاء أنظمة داخلية كالإشراف على الأبناك.

أما إذا عرجنا على المؤتمرات الدولية والإقليمية سنجد من أهمها مؤتمر ستراسبورغ 1990 لمجموعة دول الاتحاد الأوروبي التي تعهدت بمكافحة غسل الأموال.

وكذا المؤتمر الوزاري العالمي لمكافحة الجريمة الدولية المنظمة المنعقد بنابولي سنة 1999 حيث طالب باتخاذ التدابير ووضع استراتيجيات لمكافحة غسل الأموال علاوة على مؤتمر الأمم المتحدة التاسع لمنع الجريمة المنعقد بالقاهرة سنة 1955.

وبالإضافة إلى اتفاقيات والمؤتمرات الدولية نجد هناك مجموعة من الوسائل التي لها نفس الأهمية في مكافحة جريمة غسل الأموال، والمتمثلة في القوانين الدولية[18] التي يعتبر قانون المبادئ الصادر عن لجنة basle  سنة 1988 من أبرزها، والتي تختص بالإشراف على البنوك في العالم وكذا إعلان Ixtapa المكسيك سنة 1990 حيث تمت الدعوة فيه إلى إيجاد تشريع بجرم الأنشطة المتعاقدة بغسل الأموال، بالإضافة إلى إعلان باريس لمكافحة غسل الأموال سنة 2002.

خاتمة:

إن إصدار المشرع المغربي لقانون 05-43 المتعلق بمكافحة غسيل الأموال سيساهم في تكثيف الجهود المبذولة في سبيل الحد من هذه الخطيرة التي تعوق التنمية ببلادنا إضافة إلى سد الثغرات التي تعرفها المقتضيات القانونية السابقة والتي كانت تتسمم بتشتت وغياب التجريم وعدم التوفر على مقتضيات عامة تمكن من رفع السر المهني وعجز الأموال في إطار البحث عن عملية مالية مشكوك في ارتباطها بغسيل الأموال وكذلك خدمة لمصلحة الاقتصاد الوطني لأن التنمية الحقيقية تكون مبنية على أسس ومصدر مالية مشروعية، إلا أن القانون لم يسلم من مجموعة من الانتقادات والملاحظات التي نجملها فيما يلي:

– الملاحظة الأولى: إن المشرع المغربي لم يضع تعريفا لجريمة غسل الأموال شأنه في ذلك شأن أغلب التشريعات الأوروبية والعربية، لكنه حدد الأفعال التي تشكل جريمة غسل الأموال، كما حدد الجرائم التي يتحصل منها على الأموال القذرة، و تحديد الجرائم التي تنبني عليها غسل الأموال سبب في إعاقة الجهود المبذولة لمكافحة هذه الظاهرة التي لها آثار خطيرة على الاقتصاديات الدولية.

                – الملاحظة الثانية: إن اللفظ الوارد بالمادة 2-574 يوحي بكون الأفعال التي حددتها المادة كجرائم مرجعية لقيام جريمة لقيام جريمة غسل الأموال هي نفسها تشكل جرائم غسل الأموال على اعتباره أنه يسري عليها التعريف الوارد في المادة 1-574 وهذا أمر غير مستساغ ، هذا علاوة على اعتبارات أخرى، مما يجعل الأمر مجرد سوء تعبير وعدم توفق في اختيار لفظ الفقرة الأولى من المادة 2-574.

                -الملاحظة الثالثة:    إن قانون غسل الأموال يشكل تمردا على المقتضيات القانونية الكلاسيكية للجريمة، إذ لا نجد بمجموعة القانون الجنائي تجريما لفصل تقديم المشورة. ما عدا القانون الإرهاب 128-4 في الوقت الذي اعتبرته المادة 2-574 في فقرتها الخامسة جريمة أصلية بالرغم من أن مقدم المشورة لم يرتكب أي فعل مادي.

يتبين في نهاية هذه الدراسة الخاصة بالبيان القانوني لجريمة غسل الأموال أن المشرع قد حاول نهج أسلوب في التجريم، إذ أنه حصر الجريمة الأولية في جرائم محددة ولم يجعل كل الجرائم مناطا للتجريم على غرار التشريع الفرنسي الذي جعل الجريمة الأولية متمثلة في كل الجنايات والجنح، وقد توخي من ذلك الاستئناس بالقانون على أن يتم في مرحلة لاحقة إضافة الجرائم أخرى.

                وكذلك نلاحظ تعثر المشرع في التدقيق في فصول القانون، إذ أنه قد تطرح صعوبات جمة على مستوى التطبيق، لكونه أهمل التعرض لمجموعة من الإشكالات التي تطرح نفسها على المستوى العلمي.

                هذه الإشكالية وأخرى ستتضح أكثر على المستوى العملي، كما أنه لا يسع الحكم النهائي على هذا القانون إلا بعد مرور سنوات من التطبيق، فهو لا زال في البداية، وستكون محاكم المملكة هي الفيصل في مدى نجاعة هذا القانون في المكافحة وكذلك في مدى توافقه مع المبادئ العامة للقانون.


[1]  مجلة الحقوق الكويتية- مجلس النشر العلمي – الكويت، عدد 1998-3 ص: 343.

[2]  نادر عبد العزيز شافعي، تبييض الأموال ص: 169

د. ماجد عمار: سرية المعرفية ومشكلة تغسيل الأموال، دار النهضة العربية، القاهرة 1995 ص: 96-97.

[3]  الجرائم المالية من خلال قرار المجلس الأعلى:

                        * جمعية  التكافل الاجتماعي لقضاة وموظفي المجلس الأعلى- طبعة 2007، الرباط ص: 201.

[4]  جلال وفاء محمد، مرجع سابق، ص: 13.

[5]  Jean François chonmy des politique législatives de lutte contre le blanchiment en europe,  loi N 11 octobre 1997 page 309/   

[6]  محمد أبو بكر سلامة-  الكيان القانوني لغسيل الأموال، منشأة المعارف بالإسكندرية 2005 ، ص: 67.

[7]  د. عبد الحفيظ بالقاضي- مرجع سابق ص: 11.

[8]  د. سليمان عبد المنعم: النظرية العامة العقوبات دار الجامعة الجديدة للنشر طبعة 2000 ص: 449 فقرة 328.

[9]  د. عبد الحفيظ بلقاضي- مرجع سابق، ص: 14.

[10]  د. محمد عبد الغريب، شرح قانون العقوبات، القسم العام، الطبعة الأولى النظرية العامة للجريمة دار النهضة العربية ص: 421.

[11]  جريمة غسل الأموال دراسة مقارنة دكتورة عزت محمود العمري، مرجع سابق، ص: 166.

[12]  د. عبد الحفيظ بلقاضي مرجع سابق، ص: 10.

[13]  د. محمد نجيب حسني غسيل الأموال ص: 49 فقرة 25.

[14]  وفقا للمادة (4-131) من قانون العقوبات الفرنسية الجديد فإن طائفة المقررة للجنح هي الحبس الذي تتراوح بين 6 شهور و 10 لحد أقصى.

 

[16]  الدكتور عبد العظيم مرسي وزير: علم الإجرام وعلم العقاب الجنائي بدون نشر بدون تاريخ ص: 113.

[17]  قانون 05-43 المتعلق بمكافحة غسيل الأموال.

[18]  إبراهيم قابل، “المواجهة الجنائية لظاهرة غسل الأموال في القانون الجنائي الدولي والوطني، دار النهضة العربية، القاهرة ص: 72.

إقرأ أيضاً

تأثير السجناء المرضى النفسيين على المؤسسات السجنية

تأثير السجناء المرضى النفسيين على المؤسسات السجنية The impact of mentally ill prisoners on prison …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *