جبابات الجهة بين المقتضيات الحالية ورهان الجهوية المتقدمة

158

جبابات الجهة بين المقتضيات الحالية ورهان الجهوية المتقدمة

 

                                                                                          د المحجوب الدربالي

                                                                                         باحث في الشأن المحلي

 

       تحتل الجهة مكانة أساسية ضمن مكونات اللامركزية ببلانا، باعتبارها وحدة إدارية تعمل على تنزيل المخططات التنموية للدولة على المجال الترابي للمملكة، ولأهمية دورها فقد تم الارتقاء بها إلى جماعة محلية بمقتضى الدستور المغربي المعدل سنة 1996([1])، و إصدار القانون رقم 46.97([2]) المتعلق بالتنظيم الجهوي، الذي اعتبر محطة مهمة في إطار دعم اللامركزية ببلادنا([3]).

ونظرا الأهمية مصادر تمويل مشاريع الجهة، فإن هذه الأخيرة تستفيد من موارد جبائية ذاتية تتمثل أساسا في الرسم على رخص الصيد والرسم على استغلال المناجم والرسم على الخدمات المقدمة بالموانئ([4]) .

لكن تعدد ادوار الجهة في ظل دستور 2011 و ضعف مواردها إضافة إلى معطيات سياسية أخرى يأتي في مقدمتها  أفاق تنزيل مشروع الحكم الذاتي بأقاليمنا الجنوبية، أدى إلى التفكير في منظور جديد للجهة ويتمثل في اعتماد جهوية متقدمة تكرس دور الجهة كفاعل أساسي ومحوري في تحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية بالمغرب.

فهذا الرؤية الجديدة لمكانة الجهة، و التي يمكن اعتبارها خارطة طريق ملكية([5]) تنبني على أفكار جديدة، تجعل من الجهة وحدة ترابية أساسية ضمن مكونات اللامركزية الترابية.ستساعد مملا شك فيه في تحقيق إقلاع تنموي حقيقي ومتكامل خصوصا في ظل المبادئ التي كرستها الخطب الملكية كالوحدة والتضامن و اللاتمركز الواسع.

فبعد العديد من محطات التشاور و النقاش لتشخيص الإمكانيات المالية والتدبيرية الجهات، و التي خلصت إلى ضعف الموارد مع كثرة الاختصاصات، تم الاتفاق بين مختلف الشركاء(جماعات محلية، مؤسسات عمومية، مجتمع مدني…) على ضرورة اعتماد مقاربة جديدة لتدبير الشأن الجهوي تعتمد على ضرورة توفير مصادر تمويل متنوعة من أجل تفعيل مشاريع جهوية قادرة على الدفع بعجلة التنمية الجهوية في ظل التقسيم الجهوي الجديد[6].

وبناء على تقرير اللجنة الاستشارية الجهوية ([7]) و مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالجهة ([8])         حظيت جبايات الجهة بمكانة خاصة ضمنهما، في إطار تقوية مواردها، حيث ستحدث للجهات موارد جبائية جديدة ستوفر لها موارد مهمة ستساعدها على القيام بدورها كشريك رئيسي لتحقيق التنمية ببلادنا

الفقرة الأولى: جبايات الجهة وفق المقتضيات القانونية الحالية

تضمن الباب السابع من القانون رقم 47.96 فصلا فريدا حول مالية الجهة، إذ يشير في المادة 66 إلى مصادر تمويل الجهات و منها حصيلة الضرائب و الرسوم و الأتاوى، و أيضا ما جاء في الفقرة الأولى من  المادة 30 من القانون رقم 45-08 المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية و مجموعاتها على أنه من بين موارد الجماعات ومنها الجهات الضرائب و الرسم المأذون للجماعة المحلية في تحصيليها طبقا للقوانين الجاري بها العمل.>

ويأتي القانون رقم 47.06([9]) المتعلق بالجبايات المحلية في مقدمة القوانين المؤطرة للجبايات المحلية وقد نظم الرسوم التي تعود لفائدة الجهات من الباب السادس عشر إلى الباب الثامن عشر. وتستفيد الجهات من ثلاثة رسوم ضمن بنود هذا القانون([10]) والتي تتمثل في الرسم على رخص الصيد والرسم على استغلال المناجم وأخيرا الرسم على الخدمات المقدمة بالموانئ([11]).

أولا: الرسم على رخص الصيد

للتطرق للرسم على رخصة الصيد نقف أولا عند مجال تطبيقه ثم بعد ذلك كيفية تصفيته وأخيرا تحصيله.

1         -مجال تطبيق الرسم

يفرض هذا الرسم على المستفيد من رخصة الصيد ولا يستحق الرسم عن تسليم نسخة من الرخصة، إذن بمجرد حصول الشخص على رخصة للصيد يصبح ملزما بهذا الرسم. وهذا ما أكدته المادة 114 عند تطرقها للأشخاص الخاضعين للرسم على رخصة الصيد. لكن المشرع لم يحدد المقصود بالصيد هل البري أو البحري؟ وكذا كيفية الحصول على رخصة حمل السلاح، بالإضافة إلى كراء الأراضي لممارسة هواية الصيد.

2-تصفية الرسم

حدد القانون الجبائي المحلي الأخير (القانون رقم 47.06) سعر الرسم على رخص الصيد في 600 درهم عن كل سنة.

ويعتبر اعتماد سعر 600 سعرا معقولا، نظرا لوجود التزامات جبائية أخرى على كاهل المستفيد من رخصة الصيد كالضريبة على رخصة حمل السلاح والتأمين وأداءه واجب قار لدى المياه والغابات وأخيرا الأداء المفروض لفائدة الجامعة الملكية للصيد([12]).

علاوة على ما سبق، يمكن إضافة مسألة أساسية قوامها أن المشرع كان عليه أن يضع طبقات عند تحديده السعر الذي يعتمد عليه في التصفية، حسب طبيعة منطقة الصيد ومكانه.

3-تحصيل الرسم

يتم استخلاص الرسم على رخصة الصيد من طرف وكيل مداخيل العمالة أو الإقليم وتسليم الطابع الخاص للملزم حين تسليم الرخصة، كما يتولى دفع مبلغ الرسم المستخلص في نهاية كل شهر إلى القابض المكلف بتدبير ميزانية الجهة التابعة لها العمالة أو الإقليم المعني([13]).

ويتم إثبات أداء الرسم بوضع طابع خاص على الوثيقة المشار إليها في المادة 114 من القانون رقم 47.06.

ثانيا: الرسم على استغلال المناجم

سنحاول التطرق لهذا الرسم من خلال تحديد مجال تطبيقه وكذا تصفيته وأخيرا تحصيله.

1-مجال تطبيق الرسم

تعتبر كميات المواد المستخرجة من المناجم المنجزة من طرف الأشخاص أصحاب الامتياز ومستغلي المناجم كيفما كان الشكل القانوني لهذا الاستغلال مجالا لتطبيق الرسم على استغلال المناجم([14]). والملاحظ هنا أن الرسم على استغلال المناجم مقارنة مع المقتضيات السابقة التي كانت تنظمه([15]).أصبح يطبق على جميع كميات المواد المستخرجة بدل الكميات الصافية مما يدل على توسيع مجال تطبيق هذا الرسم الشيء الذي ينعكس بشكل ايجابي على دور هذا الرسوم في دعم ميزانية الجهات.

2-تصفية الرسم

حدد القانون رقم 47.06 سعر الرسم على استغلال المناجم ما بين درهم واحد وثلاثة دراهم عن كل طن مستخرج([16])، وبذلك يكون قد منح الهيئات المنتخبة تحديد السعر الحقيقي الذي يجب اعتماده من أجل تصفية هذا الرسم تماشيا مع طبيعة المواد المستخرجة وكمياتها.

والملاحظ هنا أن سعر الرسم على استغلال المناجم كان يحدد بمرسوم يصدر كل ثلاث سنوات باقتراح من وزير الداخلية والوزير المكلف بالمعادن، وكان يراعى في ذلك قيمة كل مادة معدنية أو مجموعة من المواد المعدنية.

وبناء على ما سلف، نعتبر تحديد سعر أدنى وأقصى للرسم ومنح الهيئات المنتخبة سلطة تحديد سعر الرسم، مبادرة مهمة في مجال دعم الاستقلال المالي للجماعات المحلية ولو بشكل نسبي.

3-تحصيل الرسم

يدفع مبلغ الرسم تلقائيا لدى صندوق وكيل مداخيل الجهة كل ربع سنة قبل انصرام الشهر الموالي لكل ربع سنة، على أساس الكميات المستخرجة خلال هذه الفترة، بناء على بيان للأداء تعده الإدارة([17]).

وفي هذا الإطار يتعين على مستغلي المناجم الإدلاء قبل فاتح أبريل من كل سنة بإقرار إلى مصلحة الوعاء التابعة للجهة يتضمن الكميات المستخرجة من المواد المنجمية خلال السنة المنصرمة([18])، لكن هنا نتساءل عن الكيفية التي يتم بها التأكد من صحة المعلومات المدلى بها، وهل العنصر البشري لمصلحة الوعاء بالجهة له من التكوين والدراية الكافية لمعرفة مدى صحة هذه الإقرارات؟

ثالثا: الرسم على الخدمات المقدمة بالموانئ

يعد الرسم على الخدمات المقدمة بالموانئ الرسم الثالث الذي تستفيد منه الجهات وفق ما جاء في الباب الثامن عشر من الكتاب الأول، ويعتبر الرسم على الخدمات المقدمة بالموانئ من الرسوم التي تم إحداثها بمقتضى القانون المنظم للجهة ونظمه أيضا القانون رقم 47.06 فما  مجال تطبيق هذا الرسم وكيف يصفى و يحصل.

1-مجال تطبيق الرسم

يفرض الرسم على الخدمات المقدمة بالموانئ الواقعة بالنفوذ الترابي للجهة باستثناء الخدمات المرتبطة بالنقل الدولي والمتعلقة بالسلع العابرة غير الموجهة للسوق الوطني([19]). والملاحظ هنا أن المشرع لم يوسع مجال تطبيق هذا الرسم.

إضافة إلى ذلك اعتمد المشرع عند تحديده أساس فرض الرسم على المبلغ الإجمالي للخدمات المقدمة المنصوص عليها في المادة 121 من القانون رقم 47.06، حتى في حالة إعفاءها من الضريبة على القيمة المضافة.

2-تصفية الرسم

اعتمد القانون رقم 47.06 نفس الأساس الذي كان معمول به في ظل القانون المتعلق بالجهة (قانون 46.47) الذي أحدث رسوما جديدة لفائدة الجهة([20]).

فقد أكدت المادة 123 على أن سعر الرسم يحدد وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 168 من %2 إلى %5 من رقم الأعمال دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة.

ويعد تحديد سعر أدنى وأقصى إجراء يهدف إلى إضفاء نوع من المرونة في تحديده، وإعطاء كل جهة صلاحية لكي تقرر النسبة المائوية التي تراها مناسبة، لأن هناك بعض الجهات توجد بها موانئ تقليدية، وأخرى موانئ صناعية.

3-تحصيل الرسم

يتم استخلاص الرسم على الخدمات المقدمة بالموانئ من طرف الهيئة التي تقدم الخدمات([21]).

وفي هذا الإطار ألزم المشرع الهيئات المكلفة باستخلاص هذا الرسم إيداع إقرار يعد وفق مطبوع نموذجي للإدارة قبل فاتح أبريل من كل سنة لدى مصلحة الوعاء التابعة للجهة يتضمن رقم الأعمال الذي تم تحقيقه من طرف الهيئة المعنية خلال السنة المنصرمة دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة.

إضافة إلى ما سلف يتم دفع مبلغ الرسم تلقائيا لدى صندوق وكيل مداخيل الجهة كل ربع سنة قبل انصرام الشهر الموالي لكل ربع سنة على أساس رقم الأعمال الذي تم تحقيقه خلال هذه الفترة دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة وذلك بناء على بيان للأداء تعده الإدارة([22]).

وفي هذا الإطار نود أن نؤكد أن عملية تحصيل الرسوم المحلية تتسم بعدم الفعالية في استخلاص الرسوم خصوصا تلك التي تسير من طرف الجهات([23]).

و أمام الدور المحوري الذي أصبح على كاهل الجهة، نعتبر أن إصلاح الجانب الجبائي يعد مدخلا أساسيا للنهوض بدورها والرفع من مكاناتها في إطار اللامركزية، وهذا ما ستعمل الفقرة الموالية على توضيحه.

الفقرة الثانية: جبايات الجهة ورهان الجهوية المتقدمة

يعد مشروع الجهوية المتقدمة من المشاريع المستقبلية المهمة والتي ستساعد على تحقيق تنمية جهوية متكاملة على صعيد التراب الوطني للمملكة. فمساءلة الجهوية المتقدمة أصبحت توجها أساسيا، سيخرج إلى حيز الوجود في القريب، خصوصا بعد الخطاب الملكي بتاريخ 3 مارس 2011 الذي تم بموجبه إحداث لجنة أستشارية تكلفت بصياغة تقرير حول الموضوع. إضافة إلى خروج الدستور الجديد  الذي تم الاستفتاء حوله يوم 20 يوليوز 2011، وصدر ظهير شريف  يحث على تنفيذه بتاريخ 29 يوليوز 2011  ([24]). و أخيرا مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالجهات.

ونظر لأهمية تقرير اللجنة الاستشارية و مشروع قانون الجهات، سنقوم بتحليل جبايات الجهة وفق هذه المستجدات ، على أن نقدم استنتاجات للرقي بدور الموارد الجبائية  في تنمية الموارد المالية للجهات.

أولا: تقرير اللجنة الاستشارة وضرورة إصلاح النظام الجبائي المحلي

 

تضمن تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية ثلاث كتب حيث تحدث الكتاب الأول عن التصور العام للجهوية المتقدمة والكتاب الثاني عن التقارير الموضوعاتية للجهوية المتقدمة والكتاب الثالث دراسة عن الجهوية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية([25]).

وقد تضمن تقرير اللجنة الاستشارية مجموعة من التوصيات بهدف تنمية الموارد المتأتية من الجبايات، ويمكن تصنيف هذه التوصيات إلى:

  • مقترحات اهتمت بتوسيع الوعاء الجبائي.
  • مقترحات مقدمة بهدف الرفع من مداخيل الجبايات المحلية وتحصينها.
  • مقترحات ارتبطت بالتدبير الفعال للموارد الجبائية.

1-توسيع الوعاء الجبائي

ترى اللجنة الاستشارية للجهوية أنه من الضروري إعادة تقييم وتنويع الوعاء الضريبي. وهذا يعني استكشاف مصادر وأوعية جديدة، فمثلا من المفيد ملاحظة التطورات الأخيرة لتجارب الدول الأخرى في هذا السياق بغرض جلب جزء من موارد الجهات من “الضرائب البيئية”. وترتكز هذه الضرائب على مبدأ “الملوث يدفع” حيث يلزم الشخص الملوث بأداء مجموع تكلفة تنظيف التلوث الذي تسبب فيه أو جزء منها. فبالإضافة إلى دور هذه الضرائب في حماية البيئة، ستمكن من توفير مداخيل مهمة للجهات، كما ستساعد هذه الأخيرة على ممارسة مهامها من حيث تدارك مظاهر العجز المسجل في مجال البيئة.

إضافة إلى ما سلف تضمن التقرير أهمية فرض بعض الرسوم والأتاوي ذات البعد البيئي المرتبطة بثلاث مجالات وهي: الهواء والماء والأرض وذلك عبر فرض الضرائب البيئية التالية([26]):

*رسوم منخفضة على كل صفقة تجارية مرتبطة بالسيارات، على أن تتفاوت قيمة هذه الضريبة حسب قدم السيارة ونوع الوقود المستعمل.

*رسم يستخلص بمناسبة الفحص التقني للسيارات.

*رسم على تخريب مواقع استخراج مواد المقالع.

*رسم على الأكياس البلاستيكية والتغليف.

*أتاوي تفرض على رمي النفايات في البحار.

*غرامات لمعاقبة المخالفات المرتبطة بتلوث البيئة.

وفي نفس السياق أكد التقرير على أن تنويع الجبايات المحلية يتطلب أيضا توسيع مجال تطبيق بعض الضرائب، على غرار الرسم المفروض على أنشطة الموانئ، والذي ينبغي دراسة إمكانية تطبيقه على أنشطة المطارات والنقل عبر الطريق السيار([27]).

2-الرفع من مداخيل الجبايات المحلية وتحسينها

أكد التقرير من أجل الرفع من مردودية الجبايات المحلية، على ضرورة إعادة النظر في الرسوم التي تعتمد على القيمة الكرائية بهدف تقريبها من سعر السوق بناء على المعطيات المتوفرة خاصة على مستوى المحافظة العقارية والمديرية العامة للضرائب.

علاوة على ذلك ينبغي تحيين عمليات الإحصاء بهدف الإحاطة بشكل أفضل بالمادة الخاضعة للضريبة، وذلك بتعزيز دور وبنية اللجان المحلية المكونة لهذا الغرض بتعاون وثيق مع السلطات المحلية وباقي المؤسسات التي تتدخل في تحديد الأشخاص الخاضعين للضريبة أو يجب تزويد هذه اللجان أيضا بالموارد البشرية والمادية لضمان التسيير المنتظم والدائم للعمليات وكذا تتبعها([28]).

إضافة إلى ذلك، يستدعي تحسين مردودية الجبايات المحلة انخراطا حقيقيا للمنتخبين المحليين ومشاركتهم في تحديد السعر الضريبي أو في تحديد وإحصاء المادة الخاضعة للضريبة وكذا في التحصيل الذي أشارت الدراسة الواردة في الجزء الأول من التقرير إلى مكانته.

3-التدبير الفعال للموارد الجبائية

لتحقيق التدبير الفعال للموارد الجبائية المحلية أكد التقرير على أهمية ملاءمة الجبايات المحلية مع الجبايات الوطنية من خلال تقييم تكلفة الميزانية للنفقات الجبائية من أجل ضمان شفافية مالية على مستوى الميزانية بهدف تحقيق ترشيد أكبر لعملية رصد الموارد.

وفي هذا الإطار أكد التقرير على أنه منذ إصلاح الجبايات المحلية، التي ينظمها حاليا القانون رقم 47.06، لا يمكن تغيير هذا القانون إلا من خلال إدخال تعديل عليه و ليس عن طريق قانون المالية كما كان عليه الحال من قبل. وفي المقابل، يمكن تعديل القواعد المنظمة لجبايات الدولة سنويا على مستوى قانون المالية، في حين أن تعديل الجبايات المحلية يستدعي إدخال تعديلات على مستوى القانون الخاص بها، مما يؤثر سلبا على عملية الملاءمة بين الجبايات الوطنية والمحلية، وهذا ما يفسر مثلا العدد الهام للإعفاءات المطبقة على مستوى الجبايات المحلية، والذي لا يتماشى مع سياسة الإلغاء التي اعتمدتها الدولة على مستوى الجبايات الوطنية، فعلى سبيل المثال التخفيض البالغ 50% الذي تستفيد منه الأنشطة المستقرة بمدينة طنجة والنسب المنخفضة المطبقة على المقاولات المستقرة في الأقاليم ذات المستوى التنموي المتدني([29]).

إضافة إلى ما سلف، وفي إطار التدبير الفعال للموارد الجبائية، أكد التقرير على ضرورة مواكبة الدولة للجماعات في مجال تدبير الجبايات المحلية. فالتدبير الإداري للجبايات يتطلب خبرة عالية نظرا لتعقد الجوانب المتعلقة بالتحكم في الوعاء الضريبي، ومراقبة التصريحات والإحصاء، والتحصيل، وتتبع النزاعات. لهذا يجب نهج أحد المسلكين التاليين:

-توفير الوسائل البشرية والمادية اللازمة للإدارة الضريبية المحلية من أجل تمكينها من تدبير ضرائبها المحلية.

-أو الاعتماد على مصالح الدولة من خلال وضع إطار تشاركي.

بالرغم من أهمية المقتضيات التي تضمنها تقرير اللجنة الاستشارية، فإن ذلك لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات ذات الأهمية ذكرها من أجل بناء نظام جبائي محلي متكامل قادر على الدفع بعجلة التنمية المحلية.

فقد لاحظنا، اتسام التقرير في بعض جوانبه بصفة العمومية وعدم قدرته على تقديم اقتراحات قادرة على تحقيق موارد جبائية تمكن من تجاوز كافة الإكراهات المالية التي تعرفها الوحدات اللامركزية، لهذا فإن  إصلاح النظام الجبائي المحلي يتطلب إصلاح عميق للمنظومة الجبائية المحلية، من خلال إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم للجبايات المحلية، نظرا لضعف الموارد الذاتية للجماعات المحلية وسوء معالجة القانون رقم 47.06 للعديد من الرسوم، فكيف يمكن الحديث عن إسهامات الجماعات المحلية في مجال التنمية في ظل استحواذ نفقات التسيير على أغلب موارد الجماعات المحلية، وضعف مردودية هذه الرسوم.

إضافة إلى ذلك نلاحظ أن التقرير لم يتحدث عن جبائية عقارية تدخلية في مجال العقار، قصد محاربة ظاهرة المضاربة العقارية وتجميد الأراضي.خصوصا بمراكز المدن التي تتحول فيها هذه الأراضي إلى عبء، فالجباية العقارية تعتبر أداة تدخلية للحد من ظاهرة تجميد العقارات، وبالتالي محاربة المضارب التي تهم العقار المبني وغير المبني. فمن خلال جباية تدخلية سيدفع بالمضاربين إلى محاولة استغلال ممتلكاتهم عوض تجميدها.

 

ثانيا: مشروع القانون التنظيمي الجهة وتنزيل دستور2011

يتضمن مشروع القانون التنظيمي للجهات مجموعة من المستجدات المهمة، والتي أتت كتنزيل لدستور 2011 و لمقتضيات تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية. ومن خلال قراءة مشروع  القانون التنظيمي المتعلق بالجهات يمكن القول أن المشرع له الرغبة في تنبني تصور جديد للجهة، وذلك عن طريق الانتقال من الجهة كوحدة إدارية باختصاصات كثيرة وغامضة و متداخلة، و بموارد جبائية جد محدودة، إلى الجهة كفاعلة أساسية في التنمية، متضامنة،تتوفر على موارد مالية مهمة، و لتحقيق ذلك عمل المشروع على الرفع من عائد  الموارد الجبائية المحولة من طرف الدولة لفائدة الجهات و أكد على ضرورة تعديل النظام الجبائي الحالي.

  • الرفع من عائد الضرائب المحولة

عمل مشروع القانون التنظيمي للجهات على تنزيل مقتضيات تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية و القاضي برفع نسبة الجهات من الرسوم المحولة، حيث جاء في المادة 188 من المشروع، أنه تطبيقا لأحكام الفقرة الأولى من الفصل 141 من الدستور، ترصد الدولة للجهات، بموجب قوانين المالية، نسبة لاتقل عن:

  • 5% من حصيلة الضريبة على الشركات.
  • 5% من حصيلة الضريبة على الدخل.
  • 4% من الضريبة على القيمة المضافة.
  • 50% من حصيلة الضريبة على عقود التأمين.
  • 50% من حصيلة واجبات التسجيل و التنبر.
  • 50% من حصيلة الضريبة الخصوصية السنوية على السيارات.

ونعتبر أن الرفع من نسبة الضرائب المحولة، مسألة جد مهمة، لكون هذه العملية ستمكن الجهات من التوفر على موارد مالية، توازي الاختصاصات العديدة الموكولة لها في ظل الإصلاح الجهوي الجديد، و تغضي الضعف الحاصل على مستوى الموارد الذاتية للجهاتوهل سيتم استخلصها ؟

2 – ضرورة تعديل القانون رقم 06-47

إن قراءة القانون رقم 06-47 يبين أنه خص الجهات بموارد جبائية جد محدودة، بالإضافة إلى عدم استخلاص كل الجهات للرسوم المقررة بموجبه، فكيف ستستخلص جهة تافيلالت مثلا الرسم           على الخدمات المقدمة بالموانئ، و المدن التابعة للجهة لا تتوفر على موانئ؟ وهل كل الجهات تتوفر على مناجم؟

لذلك فتعديل القانون رقم 06-47 ، أمرا ضروريا، لكي يواكب الأدوار الجديدة للجهة ، فتوسيع الوعاء الجبائي من خلال تمكين الجهات من رسوم جديدة، سيساعد في الرفع من الموارد الجبائية للجهات، و بالتالي تمكينها من تمويل مشاريعها التنموية.

فإصلاح النظام الجبائي المحلي، من العناصر الأساسية للإصلاح الشامل للمنظومة الجبائية الوطنية، لهذا يجب أن لا يكون محطة مزايدات سياسية، أو موضوعا لحماية امتيازات فئة معينة. فالجباية المحلية في الدول المتقدمة تعتبر ركيزة أساسية لدعم المشاريع التنموية. في حين في المغرب، وبالرغم من أهمية الإصلاحات التي عرفها النظام الجبائي المحلي، فإن نظامنا الجبائي المحلي يحتاج إلى بناء جديد، متكامل، محايد( سياسيا)، يقوي مكانة الموارد الجبائية ضمن موارد الجماعات الترابية.

و في نفس السياق، لتحسين مردودية جبايات الجهة، ونجاح الإصلاح المرتقب، لابد من اعتماد مقاربة جديدة لتحصيل الرسوم المحلية. فالقانون رقم 06-47 بالرغم من كونه حاول أن يلائم عملية التحصيل على الصعيد المحلي مع ماهو معمول به على المستوى الوطني، فإن تحصيل الجباية المحلية لازالـت تـعتريه مجموعـة من المشـاكل، و يتـجلى أهمهـا في استفحـال أزمة البـاقي  استخـلاصه [30] (Reste à Recouvrer).

كما يجب أيضا تسهيل عملية الجماعات الترابية على القروض، فاقتراض الجماعات المحلية يتسم بالضعف[31]، لأن التمويل العمومي  لوحده غير كافي لتمويل المشاريع التنموية للجهات، فالجماعات الترابية ستراهن مستقبلا على انفتاح سوق التمويل البنكي عليها و عدم اكتفائها بخدمات صندوق تجهيز الجماعات المحلية[32]

وختاما نؤكد على أن نجاح كل إصلاح جبائي محلي يقتضي الاهتمام بعنصرين، أولهما الإدارة الجبائية وأعني مواردها البشرية، فلابد من تكوينها في الميدان الجبائي وذلك بشكل مستمر من أجل مواكبتها للتطورات الحاصلة في هذا المجال، إضافة إلى ضرورة دعمها. فالواقع الحالي للإدارة الجبائية المحلية وأقصد هنا التابعة للجماعات الترابية يبين أنها غير قادرة على توفير أرضية مناسبة لنجاح الإصلاح في ظل استمرار الوضع الراهن، من ضعف للموارد البشرية وغياب التحفيز وضعف استعمال الوسائل الحديثة للتدبير. لهذا نأمل أن يواكب أي إصلاح للنظام الجبائي المحلي بإصلاحات عميقة على مستوى الإدارة الجبائية.

أما العنصر الثاني فهو الملزم أي موضوع الجبائية فلابد من تقوية قنوات الاتصال بينه وبين الإدارة الجبائية، نظرا لضعفها في الوقت الراهن واستمرار أزمة الثقة بين طرفي المعادلة الجبائية (الإدارة/ الملزم) لهذا ننتظر أن يحظى الملزمون بالجباية بمكانة خاصة ضمن الإصلاح الجبائي المحلي في اتجاه تكريس الثقة بينه وبين الإدارة الجبائية المحلية.

 

 

[1] -المادة 100 من الدستور المراجع في 16 شتنبر 1996.

[2] – الظهير الشريف رقم 46.97 الصادر في 23 ذي القعدة 1417 (12 أبريل 1997) بتنفيذ القانون رقم 46.97 المتعلق بالجهات.

[3] – للتوسع أكثر حول التنظيم الجهوي بالمغرب، انظر:

– ذ. مهدي بنمير: التنظيم الجهوي بالمغرب، دراسة تحليلية للقانون رقم 47.96 المتعلق بتنظيم الجهات، سلسلة اللامركزية والجماعات المحلية، العدد 6، 1997.

[4] – تستفيد كذلك الجهات من الرسميين الإضافيين اللذان ثم إدماجهما في الرسوم الأصلية التالية:

– الرسم المقروض على عقود التأمين.

-1 %من عائد الضريبة على الدخل.

-%1 من عائد الضريبة مع الشركات.

-%10 من الرسم المفروض على استخراج المقالع.

[5] – الخطاب الملكي 3 يناير 2010 بمراكش بمناسبة إحداث اللجنة الأستشارية للجهوية.

[6] مرسوم رقم 2.15.40 صادر في فاتج جمادى الأولى 1436( 20 فبراير 2015) بتحديد عدد الجهات و تسميتها و مراكزها و العمالات و الاقاليم المكونة لها.

[7] – اللجنة الاستشارية الجهوية رأسها السيد عمر عزيمان وضمت 22 عضوا.

[8] للإضلاع على مشروع  القانون التنظيمي المتعلق بالجهات أنظر: http://www.sgg.gov.ma/arabe/projetsdetextesl%C3%A9gislatifsetr%C3%A9glementaires.aspx

[9]  – ظهير شريف رقم 1.07.195 الصادر في 30 نونبر 2007 بتنفيذ القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية، الجريدة الرسمية عدد 5583 بتاريخ 3 ديسمبر 2007.

[10]   تستفيد الجهات أيضا من:

–  % 5  من رسم الخدمات الجماعية.

–  % 10 من الرسم على استخراج مواد المقالع.

[11] – المادة الرابعة من القانون رقم 47.06.

[12] – جواب السيد وزير الداخلية خلال المناقشة العامة لمشروع القانون رقم 47.06، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 184، 2008، ص 188.

[13] – المادة 116 من القانون رقم 47.06.

[14] -المادة 210 مكررة من القانون رقم 47.96 المتعلق بتنظيم الجهات.

[15] – المادة 118 من القانون رقم 47.06.

 المادة 119 من القانون رقم 47.06.[16]

 الفقرة الأولى من المادة 120 من القانون رقم47.06.[17]

 الفقرة الثانية من المادة 120 من القانون رقم 47.06.[18]

[19] – المادة 121 من القانون رقم 47.06.

[20] – هذه الرسوم هي: الرسم على استغلال المناجم والرسم على الخدمات المقدمة بالموانئ والرسم الإضافي إلى الرسم الجماعي المفروض على استخراج مواد المقالع.

[21] – المادة 124 من القانون رقم 47.06

[22] – المادة 125 من نفس القانون.

[23] EL HILALI cherif , la régionalisation avancée et la problématique des ressources financières , actes des IX emes journées maghrébines de droit) organisées par le réseau des juristes maghrébins sous le thème ” la régionalisation dans les Etats du Maghreb : quelles perspectives” en date du 26-27 avril 2013, Imprimerie El Maarif Al Jadida , Rabat,2013,p74.

[24] – انظر الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011.

[25] – الظهير الشريف رقم 1.11.91، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011.

[26] – انظر الكتاب الثالث من التقرير ص 152.

[27] – تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية الكتاب الثالث، ص 153.

[28] – تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية الكتاب الثالث، ص 154.

[29] – تقرير اللجنة الاستشارية، مرجع سابق، ص 155.

[30]  يعبر الباقي استخلاصه عن مجموع المبالغ المستحقة للجماعات  المحلية و هيآتها، لم يتم استيفاؤها في و قتها المحدد، لسبب من الاسباب، وتدرج في حسابات فصوص الميزانية و الحساب الإداري سنة بعد أخرى، كديون عالقة في دمة الملزم.

أنظر:

د. أحمد حضراني،النظام الجبائي المحلي على ضوء التشريع المغربي و المقارن، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، سلسلة مؤلفات و أعمال جامعية، العدد 22، 2002، ص403.

[31]  EL HILALI cherif, op .cit,p79.

[32]  د. محمد حيمود، تمويل الجهوية المتقدمة بالمغرب: المرتكزات المالية و التدبيرية، أشغال الأيام المغاربية التاسعة للقانون المنظمة من طرف شبكة الحقوقيين المغاربيين تحت عنوان” الجهوية في الدول المغاربية أية آفاق”،مطبعة المعارف الجديدة،الرباط،2013،ص 151.