تقنية المحاكمة عن بعد: أية ضمانة لمبادئ محاكمة العادلة

حنان المنيعي طالبة باحثة في سلك الدكتوراه القانون الدولي- كلية الحقوق ظهر مهراز- فاس

893

تقدبم :
إن موضوع المحاكمة العادلة يعتبر من أهم مواضيع حقوق الإنسان، وهي مؤشر على مدى احترام الدولة لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، ومقياس أصيل في بناء دولة الحق و القانون.
وفي ظل ما تعيشه جل دول العالم من ظروف خاصة واستثنائية بسبب وباء كورونا المستجد، جعل المغرب يتعبأ لاتخاذ عدد من الإجراءات، التي من شأنها محاصرة هذا الوباء والحد من انتشاره وتفشيه وضمان الأمن الصحي للمواطنين. حيث بادرت وزارة العدل إلى الاتخاذ مجموعة من التدابير الاحترازية مستحضرة الصحة والسلامة لكل مكونات أسرة العدالة من قضاة، محامين، كتاب الضبط وسجناء ضمانا لحمايتهم من هذه الجائحة التي وصلت إلى بعض السجون المغربية.
و بتاريخ 20أبريل 2020، أصدرت وزارة العدل قرار بإطلاق مبادرة التقاضي عن بعد، بتنسيق مابين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، يقضي بتطبيق مسطرة المحاكمة عن بعد في القضايا الجنحية باستعمال الوسائل السمعية البصرية في الاستماع إلى المتهمين المعتقلين. وعملت السلطة القضائية على تنزيل تجربة التقاضي عن بعد رسميا بجميع المحاكم المملكة في 27أبريل 2020، باستخدام تكنولوجيا التواصل بين المتهمين نزلاء المؤسسات السجنية من جهة والقضاة من جهة ثانية، وبتنظيم جلسات المحاكمة عن بعد، وهذا ما يجسد لنا التطبيق الفعلي لمبدأ الفصل المرن للسلط خصوصا الشق المتعلق بالتعاون فيما بينها.
إن مبادرة التقاضي عن بعد تعتبر محطة لتدبير مرحلة استثنائية تتعلق بانتشار وباء كورونا في المغرب، شأنه شأن باقي دول العالم. فما مدى ملاءمة مبادئ هذا النوع من المحاكمات مع مبادئ العدالة التي تشكل صمام الضامن لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية في مجال المحاكمة العادلة؟ ومدى نجاعة هذه التقنية في إرساء أسس المحاكمة العادلة.
للإجابة عن هذه التساؤلات سنتناول الموضوع في محورين رئيسيين على الشكل التالي:
• المحور الأول: المحاكمة العادلة على ضوء المواثيق الدولية والقوانين الوطنية
• المحور الثاني: المحاكمة عن بعد كإجراء احترازي
المحور الأول: المحاكمة العادلة على ضوء المواثيق الدولية والقوانين الوطنية
إن الحق في محاكمة عادلة هو من الحقوق الأساسية للفرد، والتي تحتل مكانة متميزة في الاتفاقيات الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان سواء ذات الطبيعة العالمية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، الذي أكد في المادة 10 على أن : ” لكل إنسان على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة نظرا منصفا وعلنيا للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أي تهمة جزائية توجه إليه”. كما جاء في المادة 11 على أن لكل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت ارتكابه لها قانونا في محاكمة علنية تكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه.
و العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، الذي تضمن مختلف الحقوق الأساسية للإنسان وعلى رأسها الحق في محاكمة عادلة وفق ما جاء في المادة 14 و التي نصت على أن : ” من حق كل فرد أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة وحيادية منشأة بحكم القانون” .
وكذلك القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء لسنة 1955 ، التي أكدت على مجموعة من المبادئ، المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن تهدف إلى وضع القواعد الضابطة والتي تحمي حق الإنسان في محاكمة عادلة وخاصة أثناء فترة اعتقاله أو حجزه. واتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989، التي تضمنت في الفقرة الثانية من المادة 40 حق الطفل في محاكمة عادلة وافتراض براءته إلى أن تثبت إدانته وفقا للقانون .
أو ذات الطبيعة الإقليمية كالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب لسنة 1981، الذي كفل حق التقاضي للجميع دون قيد (المادة 07 ). ونفس الشيء ذهب إليه إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام الذي نص في المادة 19 على أن :” الناس سواسية أمام الشرع، يستوي في ذلك الحاكم والمحكوم ، وأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته بمحاكمة عادلة تؤمن له فيها كل الضمانات الكفيلة بالدفاع عنه. كذلك هو الشأن بالنسبة للاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لسنة 1969 ، التي أقرت في المادة 8 مجموعة من ضمانات المحاكمة العادلة والتي لا تقوم لها قائمة إلا في ظلال المساواة أمام القانون والمحاكم.
كما لعب القضاء الدولي دورا رياديا في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان على مستوى ضمانات المحاكمة العادلة، حيث نص النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، في المادة 67 على عدة ضمانات تكفل حق المتهم في محاكمة عادلة ومنصفة كما نصت على حق المتهم بالعلم وبصورة مفصلة بطبيعة التهمة الموجهة إليه وسببها ومضمونها وذلك بلغة يفهمها ويتكلمها.
ومن الطبيعي أن تتأثر القوانين الوطنية بما ورد في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بموضوع المحاكمة العادلة؛ والتي أصبحت تستمد مرجعيتها من الدستور الذي عمل على تكريسها في الباب الثاني منه، المتعلق بالحريات والحقوق الأساسية، حيث نص الفصل 23 على أن: ” قرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة مضمونان” ، كما أكد الدستور السالف الذكر في الفصل 119 على أن: ” كل شخص بريء حتى تثبت إدانته، وكذلك ثم ترسيخها في الفصل 120 من الدستور الذي نص على مقتضى في غاية الأهميـة بخصـوص المحاكمـة الجـنائيـة العـادلة :”لـكل شخـص الحـق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخـل أجـل معقول وأن حقوق الدفاع مضمونة أمام جميـع المحاكـم”. كما نص الدستور في الفصل 123 على علنية الجلسات إلا في الحالات التي يقرر فيها القانون خلاف ذلك. وجميع الأحكام تصدر معللة وفي جلسة علنية طبقا للفصل 125.
وفي في نفس السياق عملت القوانين الوطنية على وضع مجموعة من المبادئ ولعل أهمها ما نصت عليه المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية: ” كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بحكم حائز لقوة الشيء المقضى به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية. كما نصت المادة 287 من ق.ج على ما يلي: “لا يمكن للمحكمة أن تبني مقررها إلا على حجج عرضت أثناء الجلسة ونوقشت شفهيا وحضوريا أمامها”.
وتجدر الإشارة كذلك أن المواد 300 و311 و 312 و 314 من قانون المسطرة الجنائية، جاءت بأهم الضمانات المخولة للمتهم حيث نصت على طابع الفعالية في مناقشة الحجج والأدلة أثناء الجلسة و الإجراءات المتبعة وكذا المناقشات الني يجب أن تكون شفوية وعلنية وإلا يترتب البطلان عنهما، وما هو ما أكدت عليه المادة 337 من ق.م.ج في فقرتها الأولى: “يؤدي الشاهد شهادته شفهيا…..”.
كما أقرت المواد 423-424-427-433-434-435 من ق .م ج في هذا الإطار على مبدأ المواجهة بين أطراف الخصومة الجنائية وأطراف الدعوى العمومية والمطالب الحق المدني والمسؤول عن الحقوق المدنية وكذا المواجهة مع الشهود، وعرض وسائل الاقتناع على المتهم.
المحور الثاني : تقنيات المحاكمة عن بعد كإجراء احترازي
إن المحاكمة العادلة تقوم و تنبني على مقومات ومعايير أساسية اتفق الكل عليها، وهي : العلنية والحضورية وضمان حقوق الدفاع ومؤازرة المحامي، والحق في الصمت، والتساوي أمام القضاء، والمحاكمة في أجل معقول.
وبما أن المغرب أعلن حالة الطوارئ بفعل جائحة كوفيد 19 التي هددت صحة الأمة والعالم كله، فقد تم اعتماد تقنية المحاكمات عن بعد عوض المحاكمات التي كانت تجري بحضور كل الأطراف وتجري في جلسة علنية.
إن مسألة التقاضي عن بعد، تستمد مرجعتها وأساسها القانوني من المادة 3 من المرسوم رقم 2 -20-292 المتعلق بسن مقتضيات حالة الطوارئ الصحية التي يعرفها المغرب، والتي جاء فيها ما يلي: “على الرغم من جميع الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، تقوم الحكومة، خلال فترة إعلان حالة الطوارئ، باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة التي تقتضيها هذه الحالة، وذلك بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية، من أجل التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوطنية للمرض، وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص وضمان سلامتهم”. كما نصت الفقرة الثانية من المادة الثالثة مرسوم رقم 292-20- 2 بتاريخ 23-3-2020، على ما يلي: “لا تحول التدابير المتخذة المذكورة في المرسوم دون ضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية، وتأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين ” .
وإذا ما عدنا إلى دستور 2011، نجده أولى حقوق الدفاع بأهمية كبيرة نظرا لاعتبارها ضمانة أساسية للمحاكمة العادلة، نص في تصديره على جعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية، كما نص الدستور في الفصل 118 على : ” أن التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون”. كما أن المادة 21 من دستور 2011 أكدت على أنه لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقربائه. والمادة 22 من الدستور بدورها منعت بشكل لا لبس فيه المس بالحق في الحياة حين أكدت على ما يلي : ” لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة ” . ونص الفصل 23 في الفقرة 3 على حق من حقوق الدفاع بالغ الأهمية وهو إلزامية إخبار كل شخص تم اعتقاله على لفور وبطريقة يستوعبها، بدواعي اعتقاله وبحقوقه ومن بينها التزام الصمت.
ويتضح من هذا أن الحق في الحياة يعتبر من أبرز الحقوق التي تلازم كل إنسان، لذا أكدت عليه كل المواثيق و القوانين الدولية والوطنية، ومبادرة المحاكمة عن بعد تعتبر إجراء وقائي يتوخى الحفاظ على حق الحياة وصحة المتهمين والقضاة والمحامين وكتاب الضبط والشهود وكل الحاضرين بالجلسة وكذا رجال الشرطة أو الدرك الذين يرافقون السجناء من السجن إلى المحكمة.
و باستقرائنا للمادة 4 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية نجدها أقرت قواعد أساسية تتعلق بالخصوصية والعدالة حيث نصت على أنه يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.
ويتضح من هذا أن 4 تسمح للدول في حالة الطوارئ التي تهدد الأمة وبعد إعلام الأمم المتحدة بعدم احترام الحقوق التي يمكن أن يحرم منها المتهمون في حالة الطوارئ. فالمادة 4 أعطت الحق الكامل لعدم التقيد بمواد هذا العهد وهذا ما يجعل العهد الدولي الذي صادق عليه المغرب يسمو فوق القوانين المغربية، ويجعل تطبيق المادة 4 من العهد الدولي بخصوص حالة الطوارئ التي تم إعلانها و البدأ في اعتماد التقاضي عن بعد مشروعة وهي مادة ليست مخالفة للدستور المغربي.
وعليه فالمحاكمة عن بعد لا تتناقض مع قيم المحاكمة العادلة، لا في القانون الدولي ولا في القانون الوطني، فهذه القواعد المعيارية يمكن ضمانها في المادة الزجرية في المحاكمة بالوسائط الالكترونية. إلا أن الإشكال التي تطرحه هذه التقنية هو غياب نص قانون يؤطر هذه العملية، و في ظل هذه الظروف الاستثنائية كان من لازم اعتماد تقنية التقاضي عن بعد حماية لحياة المعتقلين وكذلك المخالطين لهم .
إذن يتضح لنا أن اعتماد تقنية التقاضي عن بعد كإجراء احترازي مؤقت مع حالة الطوارئ المعلن عنها تتيح إمكانية اتخاذ كل القرارات الهادفة إلى حماية الصحة العامة، باعتبارها من مشمولات النظام العام المغربي، فهذه التقنية بعد مرور 4 أسابيع فقط من اعتمادها حققت نتائج واعدة حيث وصلت عدد الجلسات التي عقدتها محاكم المملكة عن بعد 1209 جلسة، كما بلغت عدد القضايا التي تم إدراجها خلال هذه الجلسات 18.535 قضية، فيما وصل عدد الأحكام القضائية التي صدرت خلال هذه الجلسات 7472 حكما قضائيا، أيضا بلغ عدد المعتقلين الذين تمت محاكمتهم بهذه التقنية 20.544 معتقلا، كما تم الإفراج عن عدد من المعتقلين بعد محاكمتهم بهذه التقنية الذي بلغ حوالي 650 معتقلا إما بسبب تمتيعهم بالسراح المؤقت أو التصريح ببراءتهم أو تخفيض العقوبة الحبسية الصادرة في حقهم أو تأييدها .
إن “اعتماد تقنية التقاضي الإلكتروني إن كان في الظرفية الراهنة يبقى محكوما بشرط استثنائية القوة القاهرة، فإنه مستقبلا يتطلب تدخلا تشريعيا، لتأكيد مبدأ الشرعية الذي يشمل حتى الإجراءات المسطرية، ثم لوضع ضوابط التقاضي الإلكتروني وإرساء قواعد خاصة به “.
استنتاج:
وبالتالي نستنتج مما سبق أن المحاكمة العادلة تكون بتطبيق شروطها في المضمون بغض النظر عن شكلها، هل هي عن بعد أو عن قرب ذلك المحاكمة العادلة ليست لها علاقة بالوسيلة ولكن بتطبيق مبادئها. ومع ذلك تبقى المحاكمة عن بعد، تجربة ضرورية تبررها حالة الطوارئ الصحية ومقاربة الأمن الصحي في إطار حماية منظومة النظام العام لأن السلامة الصحية جزء لا يتجزأ من النظام العام. فالتقاضي عن بعد أصبح مطلبا أساسيا لتحقيق العدالة أثناء وبعد جائحة كورونا.