تقادم ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الــبشــير وبــلا

79

تقادم ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
الــبشــير وبــلا
باحث بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق سلا
–جامعة محمد الخامس بالرباط-
يكتسي موضوع تقادم الديون العمومية أهمية بالغة، لكونه يتعلق بانتفاء حق الدولة والهيئات التابعة لها في تحصيل أموال عمومية كان من المفروض أن توجه إلى خدمة المصلحة العامة، في حين يؤدي تواني الإدارة في اتخاذ التدابير اللازمة لتحصيلها داخل الآجال القانونية المحددة إلى ضياع الفرصة عليها في تحصيل هذه الأموال.
يعرف التقادم فقها بأنه انقضاء للحقوق المتعلقة بالذمة المالية ولا سيما الالتزامات إذا توانى صاحبها عن ممارستها أو أهمل المطالبة بها خلال مدة معينة يحددها القانون، كون الأساس الذي ترتكز عليه فكرة التقادم هو توفير الاستقرار في المجتمع وإشاعة الاطمئنان والثقة بين أفراده.
ومن خلال هذا التعريف يمكن القول بأن التقادم مرتبط بثلاث خصائص أساسية، يتعلق الأمر من جهة بالزمن، أي أن التقادم مرتبط بمرور مدة معينة، ومن جهة ثانية، فهو متعلق بالحقوق، ذلك أن أثار التقادم تنسحب مباشرة على الحقوق سواء الشخصية منها أو العينية لترتب عليها نتائج معينة، أما من جهة ثالثة، فإن التقادم لا يجد مصدره إلا في القواعد القانونية المكتوبة وذات الطابع الآمر.
هذا ويخضع نظام الضمان الاجتماعي بالمغرب لظهير 27 يوليوز 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي، وبموجبه أعطى المشرع صلاحية تسيير هذا النظام وبالتالي تنفيذ قانون الضمان الاجتماعي إلى مؤسسة عمومية تمارس اختصاصها تحت وصاية وزارة التشغيل، حسب ما أشار إليه الفصل الأول من الظهير، الذي جاء فيه “يبقى معهودا بتسيير الضمان الاجتماعـي إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي يعتبر بمثابة مؤسسة عمومية موضوعة تحت الوصاية الإدارية للوزير المكلف بالتشغيل”.
بموجب مقتضيات هذا الظهير يقوم المشغل المنخرط بمؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بتسديد الاشتراكات المهنية بناء على عدد الأجراء المسجلين وبناء كذلك على قيمة مبلغ الأجور، إذ تشكل هذه الاشتراكات أهم مورد مالي للصندوق الذي لا يمكن أن يقوم بمهامه وأداء التعويضات التي يمنحها بدون هذه الاشتراكات.
غير أن عدم أداء المشغل لهذه الاشتراكات إضافة لضريبة التكوين المهني، في الآجال القانونية المحددة يؤدي إلى تراكمها، وتضاف إليها غرامات التأخير والذعائر، فتتحول بذلك إلى ديون عمومية، لأن صفة المؤسسة العمومية التي أضفاها المشرع على مؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، جعل من ديون هذه المؤسسة ديونا عمومية بنص المادة الثانية من مدونة تحصيل الديون العمومية، التي جاء فيها “تعتبر ديونا عمومية بمقتضى هذا القانون : سائر الديون الأخرى لفائدة الدولة والجماعات المحلية وهيئاتها والمؤسسات العمومية التي يعهد بقبضها للمحاسبين المكلفين بالتحصيل، باستثناء الديون ذات الطابع التجاري المستحقة لفائدة المؤسسات العمومية”.
أي أن موضوع هذه الدراسة يقتصر على الديون العمومية المستحقة لفائدة الصندوق تجاه أرباب العمل المنخرطين بنظام الضمان الاجتماعي، دون الديون ذات الطابع التجاري التي تحكمها مقتضيات خاصة بها فيما يتعلق بالتقادم أو التحصيل.
فإذا كان تقادم الديون العمومية خاصة الضريبية منها يخضع للمقتضيات العامة للتقادم، فإن تقادم الديون العمومية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، يتميز بنوع من الخصوصية خاصة فيما يتعلق بالنصوص القانونية المنظمة له من جهة، والعمل القضائي وتأويله لهذه النصوص من جهة أخرى.

المبحث الأول: الإطار القانوني المنظم لتقادم ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
إن أول ما يثير الانتباه في مسألة تقادم الديون العمومية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، هو تعدد النصوص القانونية المنظمة له، فنجد بعض المقتضيات منصوص عليها في ظهير الضمان الاجتماعي لسنة 1972، وبعضها منصوص عليه في مدونة تحصيل الديون العمومية، وهو ما خلق نوعا من اللبس والتضارب بين النصوص، الشيء الذي انعكس بالدرجة الأولى على العمل القضائي واجتهاداته في مسألة التقادم.
المطلب الأول : التقادم في إطار ظهير 27 يوليوز 1972
بالرجوع إلى ظهير 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي، نجده ينظم تقادم ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من خلال فصلين فريدين، الفصل 28 والفصل 76، إضافة إلى الفصل السابع من القانون رقم 47.90 المتقادمة بموجبه قبل الأوان الديون المستحقة على أرباب العمل للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ينص الفصل 28 من ظهير1972، على أنه “يضع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في حالـة تأخير أداء واجبات الاشتراك وفي الحالات المشار إليها في الفصـل 27 قائمـة بالمداخيل ليتأتى استخلاص جميـع أو بعـض واجبـات الاشتراك والزيادات فيها والغرامات المفروضة عليهـا وكذا التعويضـات التي تقاضاها الشغال بصفة غير قانونية أو التي احتفظ بها من غير موجب المشغل بعد أن وجهها إليه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي طبقا للفصل 42.
ويباشر الاستخلاص وتجري المتابعات عنـد الاقتضاء كما هو الشأن في الضرائب المباشرة خلال أجل أربع سنوات يبتدئ من تاريخ تبليغ قائمة المداخيل القابلة للتنفيذ إلى الملزم بالأداء”.
يستشف من خلال الفقرة الثانية من هذا الفصل أن مدة تقادم تحصيل ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، محددة في أربع سنوات تبتدئ من تاريخ تبليغ قائمة المداخيل القابلة للتنفيذ إلى المدين، أي إلى المشغل المنخرط.
بينما ينص الفصل 76 من ظهير 1972 على أنه “تتقادم دعوى التحصيل المقامة منفصلة عن الدعوى العمومية بمضي أربع سنوات تبتدئ من اليوم الأول من الشهر الذي يلي شهر صدور البيان الحسابي السنوي الذي يوجهه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى المدين وفقا للشروط المحددة في النظام الداخلي.
ومن أجل تطبيق أحكام الفقرة السابقة يجب على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أن يوجه إلى المدين قبل 31 دجنبر من كل سنة وإلا سقط حقه بيانا حسابيا يتضمن العمليات المتعلقة بما له وما عليه فيما يخص السنة المالية السابقة”.
يلاحظ أن هذا الفصل حدد أجل تقادم المطالبة بديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في أربع سنوات تبتدئ من يوم صدور البيان الحسابي السنوي، إلا أن الفقرة الثانية فرضت على الصندوق توجيه البيان الحسابي سنويا ولكل سنة مالية على حدة من أجل تطبيق الفقرة الأولى من الفصل المذكور.
مما يعني أن عدم توجيه الصندوق للبيان الحسابي في كل سنة يسقط حقه في المطالبة بالدين المتعلق بتلك السنة و بالتالي فيكون الأجل هنا أجل سقوط وليس أجل تقادم، يحدد هذا الأجل في مدة سنة وليس أربع سنوات وهو ما أكدته عبارة “وإلا سقط حقه”، فعدم توجيه البيان الحسابي سنويا يسقط حق الصندوق في المطالبة بديونه.
وبما أن الفصل 76 لا يتعلق بإجراءات وإنما بمستحقات فإن الأمر يدخل في إطار التقادم، ويكون محله الوعاء و ليس التحصيل، خاصة و أن مرحلة توجيه البيان الحسابي هي مرحلة تأسيس للدين ولا تدخل في مرحلة التحصيل كما هو الشأن بخصوص المادة 5 من مدونة التحصيل التي تنص على أنه “يجب بمبادرة من الإدارة إخبار الملزمين بتواريخ الشروع في تحصيل جداول الضرائب والرسوم واستحقاقها بكل وسائل الإخبار بما فيها تعليق الملصقات”.
بالتالي فباستقراء الفصل 76 يلاحظ جليا تعارض مقتضياته مع الفصل 28 من نفس الظهير، الذي حدد أجل التقادم في أربع سنوات تبتدئ من تبليغ قائمة المداخيل إلى المدين، أما بالنسبة للفصل 76 فالأجل يبتدئ بتوجيه البيان الحسابي السنوي، ومعلوم أن بيان الحساب السنوي كوثيقة مختلف عن قائمة المداخيل، هذا لكون البيان الحسابي السنوي يوضح فقط الوضعية المالية للمنخرط تجاه الصندوق أي ما له وما عليه، أما قائمة المداخيل فهي السند التنفيذي الذي تستخلص بموجبه ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمنصوص عليها في المادتين 7 و 9 من مدونة تحصيل الديون العمومية.
بالرجوع إلى الفصل 76 نجده مدرجا ضمن الجزء السادس من ظهير الضمان الاجتماعي، المعنون بالنزاعات والعقوبات والتقادم، وبربط هذا الفصل بالفصل 72 قبله وداخل نفس الجزء، يتبين أن الفصل 76 هو نتيجة وتطبيق للفصل 72 الذي ينص على ما يلي “إن المشغل الذي لم يمتثل لمقتضيات ظهيـرنا الشريف هذا يتعرض لغرامة يتراوح قدرها بين 50 درهما و600 درهم بصرف النظر عن الحكم بأداء واجبات الاشتراك المستحقة والزيادات عن التأخير والغرامات إذا طلب هذا الأداء الطرف مقيم الدعوى.
وتطبق الغرامة تبعا لعدد المأجورين الذين لم يراع المشغل هذه المقتضيات بالنسبة إليهم من غيـر أن يتجاوز مجموع الغرامات 2.000 درهم. وتقيم الدعوى النيابة العامة بطلب من المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو من الأجراء المسجلين في هذا الصندوق”.
وبالتالي فالمشغل المخالف لمقتضيات ظهير الضمان الاجتماعي قد تقام ضده دعوى عمومية من طرف النيابة العامة، وهي الدعوى التي قصدها المشرع في الفصل 76، بنصه على أنه “تتقادم دعوى التحصيل المقامة منفصلة عن الدعوى العمومية”، أي أن دعوى التحصيل في هذه الحالة عبارة عن دعوى مدنية يرفعها الصندوق وتكون تابعة للدعوى العمومية التي تقيمها النيابة العامة، وحق الصندوق في إقامة هذه الدعوى مشروط بتوجيه البيان الحسابي سنويا للمشغل المعني بالدين.
تماشيا أيضا مع مقتضيات الفصل 28 من ظهير 1972، نجد أن القانون رقم 47.90 المتقادمة بموجبه قبل الأوان الديون المستحقة على أرباب العمل للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، نص في مادته السابعة على أنه “وللصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أن يصدر أوامر بتحصيل المبالغ المستحقة إلى انقضاء السنة الرابعة التي تلي السنة المستحقة خلالها المساهمة عليها في المادة الأولى أعلاه”.
ومن خلال ما سبق يتبين أن أجل تقادم تحصيل الديون العمومية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، يستمر لمدة أربع سنوات تبتدئ من تبليغ قائمة المداخيل، كما هو الشأن بالنسبة للمشرع التونسي والمشرع الجزائري وأيضا المشرع الفرنسي، أما الفصل 76 فيتحدث عن تحصيل من نوع أخر يكون بموجب دعوى يرفعها الصندوق من أجل ضمان الحصول على ديونه في الحالة التي يكون فيها المشغل مواجها بدعوى عمومية رفعتها ضده النيابة العامة.
كما أن المشرع المغربي قد أكد نفس الأمر بموجب أول ظهير للضمان الاجتماعي الصادر في 31 دجنبر 1959 والذي جاء في الفقرة الثالثة من المادة 27 منه أنه “ويباشر هذا الاستخلاص وتجرى المتابعات مثلما هو الشأن في قضايا الضرائب المباشرة وطيلة مدة سنتين تبتدئ من التاريخ الذي تصبح فيه قائمة المداخيل نافذة المفعول”.
وما يزيد تأكيد هذا الطرح ما نص عليه المشرع في الفصل 28 بأنه “ويباشر الاستخلاص وتجري المتابعات عنـد الاقتضاء كما هو الشأن في الضرائب المباشرة”، ومعلوم أن تقادم تحصيل الضرائب المباشرة هو أربع سنوات حسب ما هو منصوص عليه في مدونة تحصيل الديون العمومية.
وهذا ما يجرنا للحديث عن تقادم تحصيل ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كديون عمومية، في إطار مقتضيات مدونة تحصيل الديون العمومية.
المطلب الثاني : التقادم في إطار مدونة تحصيل الديون العمومية
نظم المشرع تقادم الديون العمومية في إطار الباب التاسع من مدونة تحصيل الديون العمومية، كما حدد من خلال المادة 123 مدة التقادم ثم الإجراءات القاطعة للتقادم.
أولا : مدة التقادم
نصت المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية على أنه “تتقادم إجراءات تحصيل الضرائب و الرسوم و الحقوق الجمركية وحقوق التسجيل والتمبر بمضي أربع سنوات (4) من تاريخ الشروع في تحصيلها.
تتقادم الديون الأخرى المعهود باستخلاصها للمحاسبين المكلفين بالتحصيل، وفق القواعد المقررة في النصوص المتعلقة بها، وعند انعدامها، وفق القواعد المنصوص عليها في الظهير الشريف المؤرخ في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود”.
وبالنسبة لديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي باعتباره مؤسسة عمومية، فإن تقادم ديونه سيكون خاضعا للفقرة الثانية من المادة 123 أي وفق القواعد المقررة في النصوص المتعلقة بهذه المؤسسة، أي ظهير 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي.
بالتالي فيكون الفصل 28 من ظهير 1972، محالا عليه بموجب المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية، كما أن الفصل 28 يتماشى تماما مع المادة 123 من المدونة سواء من حيث أجل التقادم المحدد في أربع سنوات، أو تاريخ بداية احتسابه وهو الشروع في التحصيل حسب المدونة وتبليغ قائمة المداخيل القابلة للتنفيذ حسب الفصل 28، والتي تعد بمثابة شروع للصندوق في التحصيل.
ثانيا : انقطاع مدة التقادم
نصت المادة 123 في فقرتها الأخيرة أنه “ينقطع التقادم المشار إليه في الفقرتين السابقتين بكل إجراء من إجراءات التحصيل الجبري يتم بمسعى من المحاسب المكلف بالتحصيل، أو بإحدى الإجراءات المنصوص عليها في الفصلين 381 و 382 من الظهير الشريف بمثابة قانون الالتزامات و العقود السالف الذكر”.
إن حصول أسباب قطع التقادم يقضي على المدة السابقة ويجعلها كأن لم تكن، بحيث إذا ما بدأ سريان تقادم جديد بعد انقطاعه وجب أن يستمر للمدة الكاملة لتترتب عليه أثاره، وأسباب قطع التقادم يمكن أن تصدر إما عن الدائن وإما عن المدين.
1 ـ أسباب تصدر عن قابض الصندوق المكلف بالتحصيل:
 تبليغ الإنذار للمدينين حسب الكيفية الواردة بالمادة 43 من مدونة التحصيل.
 الحجز التنفيذي حسب المادة 123 والمادة 39 من مدونة التحصيل.
 البيع الذي يقوم به المحاسب المكلف بالتحصيل أو مأمور التبليغ والتنفيذ.
 الإكراه البدني الذي يجب أن يتم وفق المقتضيات الواردة في المادة 76 وما بعدها.
 بكل مطالبة قضائية أو غير قضائية يكون لها تاريخ ثابت ومن شأنها أن تجعل المدين في حالة مَطْـل لتنفيذ التزامه، ولو رفعت أمام قاض غير مختص، أو قضي ببطلانها لعيب في الشكل.
 التصريح بالدين في إطار صعوبات المقاولة.
 بكل إجراء تحفظي أو تنفيذي يباشر على أموال المدين أو بكل طلب يقدم للحصول على الإذن في مباشرة هذه الإجراءات.
2 ـ أسباب القطع الصادرة عن المنخرط المدين:
 كل تعبير صريح يصدر عن المدين يفيد اعترافه بالدين المترتب بذمته، كطلب تسهيلات في الأداء أو اتفاق بين الطرفين.
 الإقرار الضمني بالدين، من خلال كل عمل يفيد معنى الإقرار كأن يدفع قسطا من الدين، أو أن يقدم رهنا أو كفالة لضمان أداء الدين.
وفي تطبيق هذه المقتضيات على مستوى العمل القضائي، نورد حكما للمحكمة الإدارية بالرباط جاء فيه “وحيث تمسكت الجهة المدعى عليها (الصندوق) بانتفاء واقعة التقادم لتوجيهها عدة إنذارات قانونية وإدراج ديونه ضمن قوائم وسندات تنفيذية تعتبر كلها إجراءات قاطعة للتقادم. لكن حيث إنه باطلاع المحكمة على وثائق الملف ومستنداته اتضح لها جليا غياب أي دليل بمقبول على قيام الصندوق المدعى عليه بأي إجراء من الإجراءات القانونية القاطعة للتقادم، الشيء الذي يجعل الواجبات المتعلقة باشتراكات الصندوق عن السنوات من 1969 إلى 2007 قد طالها التقادم الرباعي المنصوص عليه في المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية”.
إلا أن محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ألغت جزئيا هذا الحكم لعلة تحقق قطع التقادم، وجاء في قرارها أنه “وفيما يخص الواجبات المفروضة عن السنوات من 2003 إلى 2005 فإن أمد تقادمها قد تم قطعه بالحكم رقم 110 الصادر عن المحكمة التجارية بالرباط بتاريخ 10/01/2007 في الملف رقم 929/12/2006 الذي لا تنازع فيه المستأنف عليها، كما تم قطع أمد التقادم سنة 2011 و 2013 من خلال الإنذار المرفق بالمقال الافتتاحي والذي شمل كذلك تحصيل الواجبات عن سنة 2009 وباعتبار الدعوى قدمت بتاريخ 27/01/2014 فإن تلك الواجبات عن السنوات المذكورة تضحى غير متقادمة والحكم المستأنف عندما قضى خلاف ذلك يكون معرضا جزئيا للإلغاء”.
وقد صدر قرار لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط لخص أغلب إجراءات قطع التقادم سواء تلك التي تصدر من جانب قابض الصندوق أو من جانب المنخرط، وجاء في هذا القرار ما يلي: “وحيث أن الإجراءات التي سلكها محاسب الصندوق لتحصيل ديونه على المستأنف عليها فضلا على عمليات المراقبة و التفتيش كانت كالأتي: إشعار بدون صائر بتاريخ … ، كما قام بتوجيه كشف حساب يتعلق بواجبات الاشتراك برسم سنة …، و أن المستأنف عليها تقدمت بشكاية بشأن ديون …، كما أنه قامت بأداءات جزئية حسب وصل الأداء بتاريخ ….، كما أنه باشر في مواجهتها الإشعار للغير الحائز بتاريخ ….، وكلها إجراءات قاطعة لأمد التقادم بالنظر لتاريخ الدعوى، فإنه لا أساس للحكم بسقوط حق قابض الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في استخلاص ديونه”.
المبحث الثاني: تقادم ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على ضوء العمل القضائي الإداري
عرف تطبيق النصوص القانونية المنظمة لتقادم الديون العمومية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، خاصة الفصلين 28 و 76 من ظهير الضمان الاجتماعي والمادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية، تضاربا وتغييرا في التوجهات، سواء على مستوى محكمة النقض أو مختلف محاكم الموضوع.
ويمكن تلخيص وتجميع مختلف آراء المحاكم حول تقادم الديون العمومية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في ثلاث توجهات أساسية، ذهب التوجه الأول إلى تطبيق الفصل 76 من ظهير 1972، وذهب التوجه الثاني إلى الجمع بين الفصلين 76 و 28 من الظهير إضافة إلى المادة 123 من مدونة التحصيل، أما التوجه الثالث فقد استبعد الفصل 76 وعمل على تطبيق الفصل 28 المحال عليه بموجب المادة 123 من مدونة التحصيل.
المطلب الأول : التطبيق القضائي للفصل 76 من ظهير 1972
لقد درج العمل القضائي منذ البداية على تطبيق الفصل 76 من ظهير الضمان الاجتماعي للقول بسقوط ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في حالة عدم توجيهه للبيان الحسابي السنوي للمشغل المنخرط قبل 31 دجنبر من كل سنة، أي أن القضاء الإداري لم يميز خلال هذه الفترة بين مرحلتي الوعاء والتحصيل، واعتبر إرسال البيان الحسابي بمثابة مرحلة للتحصيل وقال بسقوط الحق.
وهو التوجه الذي تبنته محكمة النقض في العديد من قراراتها، وقد جاء في أحدها “حيث إنه لا يوجد بالملف ما يفيد تبليغ المستأنف (الصندوق) البيان الحسابي إلى المستأنف عليه يتضمن العمليات قبل 31/12/1998، 1999، 2000، 2001 موضوع المنازعة داخل الأجل المنصوص عليه في الفصل 76 من الظهير المذكور مما يجعل حقه في استيفاء المستحقات المترتبة عن تلك السنوات قد سقط بالتقادم و أن المحكمة لما سارت على هذا النحو كان حكمها صائبا وواجب التأييد”.
كما محاكم الاستئناف الإدارية بعد إحداثها سارت في هذا الاتجاه، ونورد في هذا الصدد قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط عدد 760 الذي جاء فيه ما يلي “وحيث صح ما تمسكت به الجهة المستأنفة ذلك أن المادة 76 من ظهير 1972 المتعلقة بنظام الضمان الاجتماعي جاءت صريحة في شأن إلزام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بتوجيه البيان الحسابي السنوي إلى الملزم قبل 31 دجنبر من كل سنة تحت طائلة سقوط حقه في المطالبة بالدين، وأنه بعد اطلاع المحكمة على وثائق الملف الابتدائي لم تجد من بينها ما يفيد توصل الشركة ببيانات الحسابات في 31 دجنبر من كل سنة بخصوص واجبات الاشتراك المستحقة عن السنة المعنية، مما يرتب عن ذلك سقوط حقه في المطالبة بجميع الديون المنازع فيها”.
وجاء في قرار أخر لنفس المحكمة “وحيث أنه بالرجوع إلى المقال الافتتاحي للدعوى، يتضح أن المستأنف عليها بنت طعنها على أساس سقوط حق المستأنف بسبب عدم تبليغها بالبيانات الحسابية داخل الأجل القانوني استنادا إلى مقتضيات الفصل 76 من الظهير المؤرخ في 27/07/1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي. وحيث في نازلة الحال وبخصوص الواجبات المطالب بها عن سنتي 2008 و 2009، فإنه بتاريخ رفع الدعوى من طرف المستأنف عليها بتاريخ 11/6/2009 لم يكن قد انصرم بعد الأجل القانوني المخول للصندوق من أجل تبليغها بالبيان الحسابي السنوي والذي ينتهي في 31/12/2009 بالنسبة للواجبات المتعلقة بسنة 2008، الأمر الذي يكون معه الحكم المستأنف لما قضى بسقوط حق الصندوق في استيفاء الدين المتعلق بسنة 2008 لم يرتكز على أساس سليم من القانون”.
وفي هذا الاتجاه قضت المحاكم الإدارية بإلغاء ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تجاه المنخرطين لعلة التقادم المنصوص عليه في الفصل 76 من ظهير الضمان الاجتماعي.
فقد جاء في حكم للمحكمة الإدارية بأكادير “وحيث إنه لكي تصبح مستحقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مشروعة ويمكن استخلاصها وفقا لمقتضيات إجراءات الجبري المنصوص عليها في مدونة التحصيل، يجب على الصندوق أن يوجه للمدين (المدعي) قبل 31 دجنبر من كل سنة وإلا سقط حقه بيانا حسابيا يتضمن العمليات المتعلقة بما له وما عليه فيما يخص السنة المالية السابقة. وحيث أن عدم إدلاء الصندوق بما يثبت أنه احترم مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 76 أعلاه وذلك بتوجيه بيانات حسابية قبل 31 دجنبر من كل سنة وذلك فيما يخص السنة السابقة وإثبات توصل المدعي بها يجعل جميع المبالغ التي تم فرضها من طرف الصندوق قد سقط حقه في المطالبة بها”.
وبالتالي فتوجه القضاء الإداري سواء الغرفة الإدارية بمحكمة النقض أو المحاكم الإدارية والاستئناف الإدارية، هو أن عدم توجيه البيان الحسابي السنوي من طرف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يسقط حقه في المطالبة بديونه و أن أجل التقادم يبتدئ من تاريخ تبليغ هذا البيان الحسابي، أي أن القضاء ذهب على التطبيق الحرفي للفصل 76 من ظهير 1972، إلا أن هذا الرأي يوضح بشكل جلي الفهم الغير موفق للفصل 76 الذي يتحدث عن تقادم الدعوى التي يقيمها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في مواجهة المدين، كدعوى مدنية تابعة للدعوى العمومية المقامة ضد المدين من طرف النيابة العامة.
المطلب الثاني : توجه القضاء نحو الربط بين النصوص
في ظل التعارض الذي تعرفه النصوص المنظمة لتقادم تحصيل ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خاصة الفصل 28 والفصل 76 من ظهير 1972 والمادة 123 من مدونة التحصيل، ذهب اجتهاد قضائي لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط للقول بالجمع بين النصوص في إطار قراءة تركيبية.
إن أصل هذا التوجه انطلق من التمييز بين الديون التلقائية والديون الناتجة عن عمليات المراقبة و التفتيش، كمعيار مزدوج، أي أنه حينما يتعلق الأمر بديون تلقائية فيجب تطبيق الفصل 76 وإلزام الصندوق بإرسال البيانات الحسابية السنوية للمدين وإلا سقط حقه، أما بالنسبة للديون الناتجة عن المراقبة والتفتيش فلا يتقيد فيها الصندوق بإرسال البيان الحسابي السنوي.
من هذا المنطلق جاء في قرار لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط ما يلي “وحيث لما كان أجل تقادم إجراءات تحصيل الديون العمومية بصفة عامة هو أربع سنوات من تاريخ الشروع في التحصيل ولما كان تاريخ الشروع في تحصيل ديون الصندوق يبتدئ من تاريخ تبليغ قائمة المداخيل القابلة للتنفيذ إلى الملزم طبقا للمادة 28 المشار إليها أعلاه، فإن الإشكال يثار حول تعذر معرفة تاريخ وضع قائمة المداخيل القابلة للاستخلاص وكذا معرفة التاريخ الذي وقع فيه تبليغها إلى الملزم في غياب أي مقتضى يحدد أجل تقادم فرض الواجبات المستحقة لفائدة الصندوق مما يتيح لإدارة الصندوق إمكانية فرض واجبات تعود لعدة سنوات خلت وتقوم إثر ذلك بتبليغ قائمة المداخيل المتعلقة بها إلى الملزم لينطلق بعد ذلك أمد التقادم الرباعي مما يجعل العملية برمتها تتوقف على رغبة وإرادة الصندوق سيما بالنسبة إلى الديون التي اكتشفها أو التي كان بوسعه أن يكتشفها قبل مرور أمد التقادم بخلاف تلك التي كان فيها في وضع يستحيل معه اكتشافها كما هو الحال بالنسبة للديون التي يتم اكتشافها في سنوات لاحقة نتيجة عملية المراقبة والتفتيش التي يخضع لها المدين.
وحيث إنه من هذا المنطلق وفي إطار البحث عن نقطة التوازن بين متطلبات المصلحة العامة التي تقتضي الحفاظ على حقوق الصندوق وبين ما تقتضيه المصلحة الخاصة من الحفاظ على المراكز القانونية والمالية للملزمين والحيلولة دون تهديدهم بإجراءات التحصيل في كل وقت وحين طالما أن قائمة المداخيل القابلة للتنفيذ لا يتم تبليغها إلى الملزم إلا لماما وحتى في حال تبليغها إليه فإنها قد تنصرف إلى سنوات متقادمة لذلك وجب التمييز في تحديد سريان أمد التقادم بالنسبة لديون الصندوق بين الحالة التي يرسل فيها هذا الأخير إلى الملزم البيان الحسابي السنوي بما له وما عليه من مستحقات وبالتالي فإن هذا البيان يعتبر بمثابة قائمة بالمداخيل يتعين على إثرها احتساب أمد التقادم الرباعي ابتداء من تاريخ تبليغه إلى الملزم وبين الحالة التي لا يتأتى فيها معرفة تاريخ هذا التبليغ لعدم الإدلاء به من طرف مصالح الصندوق أو لعدم تحقق الإجراء أصلا فإنه يتعين احتساب أمد التقادم بخصوص كل سنة استحقاق ابتداء من فاتح يناير من السنة التي تلي السنة التي يتعين فيها على الصندوق أن يوجه فيها إلى الملزم البيان الحسابي السنوي …، ماعدا المستحقات التي تعذر اكتشافها في هذا التاريخ لوجوده في وضعية يستحيل معها اكتشاف هذا الدين و معرفته كما هو الحال بالنسبة للديون التي يتم اكتشافها لاحقا نتيجة عملية المراقبة والتفتيش التي يخضع لها المدين، ففي هذه الحال ينطلق أمد التقادم من تاريخ تبليغ محضر نتيجة التفتيش والمراقبة باعتباره يشكل قائمة المداخيل القابلة للتنفيذ. ومن تم فليس هناك أي تعارض بين مقتضيات الفصلين 28 و76 من ظهير27/02/1972 المنظم للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وبين مقتضيات المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية بل يوجد تكامل بين النصوص المذكورة باستعمال القراءة التركيبية للنصوص المذكورة”.
إن هذا التوجه يعتبر منطقيا في مستنتجاته، لكون الديون التلقائية التي يعلم الصندوق بوجودها و تخلف عن المطالبة بها لا يمكن أن تتم مقارنتها بالديون الناتجة عن عمليات المراقبة والتفتيش التي ليس للصندوق علم مسبق بها، لذلك ذهبت بعض المحاكم الإدارية إلى القول بهذا الرأي و اعتبار وجود تكامل وانسجام بين النصوص فيما يتعلق بتقادم ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
فقد جاء في حكم للمحكمة الإدارية بالدار البيضاء “فإنه و بموجب المادتين 28 و 76 من ظهير 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي، فإن منطق أمد التقادم بالنسبة لديون الصندوق المذكور هو اليوم الأول من الشهر الذي يلي شهر دجنبر من كل سنة والذي يجب تحت طائلة سقوط حق الصندوق في الاستخلاص، أن يوجه إلى المدين قبل 31 دجنبر من كل سنة، وهو ما يقتضي من الصندوق إثبات تبليغ ذلك البيان الحسابي السنوي إلى المدين لبدء احتساب أمد التقادم وبالتالي اعتماد الوثائق المثبتة لقطع التقادم وفقا لما تنص عليه مقتضيات المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية.
ومن تم فليس هناك أي تعارض بين الفصل 76 وبين المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية بل يكمل بعضهما البعض فلا يلجأ إلى تطبيق المادة 123 إلا إذا ثبت أن الصندوق وجه البيان الحسابي السنوي للمدين قبل 31 دجنبر من كل سنة وأن توجيه ذلك البيان يستتبع بالضرورة تبليغ المدين به لترتيب الآثار القانونية”.
كما أنه وفي إطار هذا المعيار المزدوج والتمييز بين الديون التلقائية والناتجة عن المراقبة والتفتيش، جاء في حكم للمحكمة الإدارية بأكادير “وحيث إنه بخصوص تمسك المدعية بمقتضيات الفصل 76 من نظام الضمان الاجتماعي بسقوط حق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في استخلاص الدين المطالب به في مواجهتها لعدم توجيه إليها البيانات السنوية، فإنه وعلى عكس ما ذهبت إليه فإن الدين المطالب به هو نتيجة عملية المراقبة والتفتيش المتصلة بموضوع الالتزام الموقع بين الطرفين المشار إليه أعلاه، وليس نتيجة التصاريح النظامية أمام المدعى عليه، مما يجعل مقتضيات الفصل 76 المذكور غير منطبق على الدين موضوع الدعوى الحالية”.
المطلب الثالث : تكريس تطبيق الفصل 28 من ظهير 1972
بعد التضارب الحاصل في مواقف الغرفة الإدارية والمحاكم الإدارية والاستئناف الإدارية حول تقادم الديون العمومية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، استقر القضاء الإداري على أن التقادم يبقى خاضعا لمقتضيات الفصل 28 من ظهير الضمان الاجتماعي لسنة 1972 المحال عليه بموجب المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية، مستبعدا بشكل تام الفصل 76 من الظهير، وهو الرأي الذي تواتر عليه العمل القضائي في العديد من الأحكام والقرارات القضائية.
جاء في قرار حديث للغرفة الإدارية بمحكمة النقض أنه “حيث صح ما عاب به الطالب القرار المطعون فيه، ذلك أن المحكمة لما عللت قرارها بسقوط حق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في استخلاص الديون موضوع الإشعار المدلى به من طرف المطلوبة لإثبات دعواها، على كون الطالب لم يدل بما يفيد تبليغ البيانات المحاسبية إلى المطلوبة في الأجل المحدد، لذلك تكون قد خرقت مقتضيات الفصل 76 من ظهير 27/07/1972 التي لا تنطبق إلا على الحالة التي يكون فيها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي طرفا مدعيا في دعوى يقيمها منفصلة على الدعوى العمومية، لاستخلاص ديونه في مواجهة المدينين بها، ولما كان الأمر في نازلة الحال يتعلق بدعوى مقامة من طرف المطلوبة (المدعية) وعلى غير النحو الوارد في الفصل 76 من الظهير المذكور، داخل الآجال المضروبة للقول بسقوط حق الصندوق في استخلاص واجبات الاشتراك موضوع النزاع، يجعل قرارها منعدم الأساس القانوني وفاسد التعليل يتوجب نقضه”.
كما أن القرار ألاستئنافي عدد 760 السالف ذكره في الفرع الأول أعلاه الصادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط والذي قضى بسقوط حق الصندوق في المطالبة بدينه، قد تم نقضه لعلة سوء تطبيق الفصل 76 من ظهير 1972، فقد جاء في قرار محكمة النقض أنه “حيث صح ما عاب به الطاعن القرار المطعون فيه، ذلك أن مقتضيات الفصل 76 من ظهير 27/07/1972 المنظم للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المحتج بها في القرار لسقوط حق الصندوق في استخلاص الاشتراكات عن السنوات من 1989 إلى غاية 2004، تتصل بدعوى التحصيل التي يرفعها الصندوق لاستخلاص ديونه بحسب ما نصت عليه الفقرة الأولى، وبسقوط حقه في استخلاص الدين بحسب ما نصت عليه الفقرة الثانية، وفي الحالة المعروضة على المحكمة، فإن الصندوق ليس طرفا في هذه الدعوى و إنما مدعى عليه، ولما قضت المحكمة مصدرة القرار في قرارها المطعون فيه بسقوط حق القابض في استخلاص الواجبات موضوع النزاع باعتماد مقتضيات الفصل 76 المذكور تكون قد عللت قرارها تعليلا فاسدا مستوجبا للنقض”.
كما ذهبت محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش إلى عدم الأخذ بالفصل 76 للقول بسقوط حق الصندوق في استخلاص ديونه، غير أن لها تأويلا أخر للفصل المذكور، فقد جاء في حيثيات قرار لها “وحيث إنه بخصوص سبب الاستئناف المستمد من عدم إمكانية التمسك بمقتضيات الفصل 76 من ظهير 27 يوليوز 1972 لأنه يتعلق بدعوى تحصيل الديون العمومية التي لا يباشرها الصندوق إلا في حالات معينة، فإن عدم توجيه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي البيان الحسابي السنوي إلى المدين إنما يرتب سقوط حقه في إطار دعوى التحصيل التي كان يقيمها لاستخلاص ديونه العمومية في مواجهة المدينين بها قبل صدور مدونة تحصيل الديون العمومية، ولا يرتب سقوط حقه في تحصيل تلك الديون التي تبقى خاضعة للتقادم الرباعي المنصوص عليه في المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية”.
تم الطعن بالنقض في هذا القرار من قبل الشركة المدعية، وقضت محكمة النقض بنقض القرار وإحالة القضية على نفس المحكمة للبت فيها من جديد لعلة أن محكمة الاستئناف الإدارية عللت قرارها تعليلا ناقصا، لكنها أيدت رأي محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش في الجانب المتعلق بعدم إمكانية تطبيق الفصل 76 للقول بتقادم الديون العمومية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
إن تغير موقف الغرفة الإدارية بمحكمة النقض أدى بمحكمتي الاستئناف الإداريتين إلى إلغاء العديد من أحكام المحاكم الإدارية التي قضت بسقوط حق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في المطالبة بديونه بسبب عدم توجيهه للبيان الحسابي السنوي للمدين في 31 دجنبر من كل سنة تطبيقا للفصل 76 من ظهير الضمان الاجتماعي.
فقد قضت المحكمة الإدارية بأكادير بسقوط حق الصندوق في المطالبة بالدين بسبب عدم توجيه البيان الحسابي إلى المدين، إلا أن محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش، ألغت هذا الحكم لعلة سوء تطبيق الفصل 76، وجاء في قرارها “وحيث إن المنازعة في النازلة لا تتعلق بدعوى التحصيل المقامة من قبل الصندوق ليمكن التمسك بمقتضيات المادة 76 فيما أقرته من وجوب توجيه الصندوق إلى المدين البيان الحسابي في الأجل المذكور، وإنما تتعلق بإجراءات تحصيل دين عمومي والتي تخضع لأحكام المادة 28 من نفس القانون التي تنص على أن يباشر الصندوق استخلاص ديونه وإجراءات المتابعة عند الاقتضاء كما هو الشأن في الضرائب المباشرة خلال أربع سنوات تبتدئ من تاريخ تبليغ قائمة المداخيل القابلة للتنفيذ إلى الملزم بالأداء وهي إحالة على مقتضيات مدونة تحصيل الديون العمومية الواجبة التطبيقي النازلة، وبالتالي لا مجال لتطبيق المادة 76 المبينة أعلاه وما يترتب عنها، ويبقى بالتالي الصندوق محقا في المطالبة بالديون المترتبة على المستأنف عليها”.
وقد أيدت محكمة النقض قرار محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش أعلاه، واعتبرت أن التعليل الذي أعطته والتفسير الذي فسرت به الفصل 76 كان صائبا، وجاء في قرار محكمة النقض “لكن حيث وخلافا لما تمسكت به الطالبة، فإن محكمة الاستئناف لما عللت قضاءها قائلة ‘‘وحيث إنه باستقراء مقتضيات المادة 76 من ظهير 1972 ….‘‘ تكون قد بنت قضاءها على أساس صحيح من القانون، وما ورد بالوسيلة على غير أساس”.
وقد تواتر العمل القضائي بعد ذلك على مستوى المحاكم الإدارية على الأخذ بهذا الرأي والقول بأن تقادم ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يبقى خاضعا للفصل 28 ولا مجال لتطبيق الفصل 76 إلا في حالة الدعوى التي يرفعها الصندوق منفصلة عن الدعوى العمومية.
في هذا الإطار قضت المحكمة الإدارية بالرباط بأنه “وحيث إنه وبحسب المادة 76 المومأ إليها أعلاه …..، لكن حيث إن المادة المذكورة لا تتعلق بدعوى تقادم الديون المستحقة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التي يتم رفعها من طرف المنخرطين في هذا الصندوق والتي تسري عليها أحكام المادة 123 من مدونة تحصيل الديون العمومية، وإنما تتعلق بدعاوى التحصيل المنفصلة عن الدعاوى العمومية التي يتم رفعها من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في مواجهة المدينين له”. وقد تم تأييد هذا الحكم من طرف محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط.
وبالتالي فالمحاكم الإدارية التي كانت تقضي بتقادم ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي استنادا إلى عدم توجيهه للبيان الحسابي في 31 دجنبر من كل سنة، تطبيقا للفصل 76 من ظهير 1972، غيرت هذا التوجه خاصة بعد استمرار إلغاء أحكامها على مستوى محاكم الاستئناف الإدارية ومحكمة النقض.
خاتمة:
حاول المشرع من خلال ظهير الضمان الاجتماعي لسنة 1972، أن يوفق بين المصالح المتعارضة لكل من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمدين، من خلال تمكين الصندوق من إعمال آليات التنفيذ المباشر ضد المدين المتماطل عن أداء ما بذمته من ديون، كما فرض عليه بالمقابل أن يقوم بالاستخلاص داخل أجل أربع سنوات، وإلا تقادمت ديونه في مواجهة المدين.
وقد تعرض القضاء الإداري إلى هذه الحالات وقضى بسقوط ديون الصندوق للتقادم في حالة عدم إثبات هذا الأخير قيامه بالإجراءات القاطعة للتقادم، رغم التضارب الذي كان حاصلا في مواقف القضاء الإداري حول تحديد الأساس القانوني المحدد لأجل ابتداء وانتهاء مدة التقادم بسبب الغموض التشريعي في هذا المجال.
إلا أنه وبالرغم من سن المشرع لهذه المقتضيات حماية للطرف الضعيف في علاقة المديونية، وهو المشغل المدين، فإن ذلك يحرم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من مبالغ مالية هامة، تعود في أصلها إلى أجور العمال باعتبارها مقتطعة منها، كما تصرف أيضا لهؤلاء العمال في إطار التعويضات والمعاشات.
وبالتالي فسقوط ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالتقادم، يكون في حقيقته حرمان للأجير من مستحقات تعود إليه في أصلها وترجع إليه أيضا بعد تحويلها إلى تعويضات ومعاشات، لكن هذا لا يمنع من فرض الرقابة القضائية على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خلال ممارسته لإجراءات التحصيل ضد المدين، لضمان عدم تعسفه في ممارسة هذه الإجراءات واحترام التطبيق السليم للقانون.