تعليق على القرار عدد406/5 الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 17/06/ 2014

725
السليماني كلتوم

محررة قضائية الدرجة الرابعة بمحكمة الاستئناف بالرشيدية

طالبة باحثة في سلك الدكتوراه بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة

 

 

 

 

تعليق على القرار عدد406/5  الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 17/06/[1]2014

في القضية موضوع هذا القرار  نجد أن المطلوب في النقض تعرض لحادثة سير بتاريخ 04/04/2004 وأنه مرتبط بعقد تأمين فردي تعاقدي على الأشخاص المنقولين محدد الرأسمال في مبلغ 32000,00 درهم عند إصابته بعجز كلي مستمر وبناء على ذلك تقدم بدعوى تعويض أمام المحكمة الابتدائية بالرشيدية ملتمسا إحالته على خبرة طبية لتحديد العجز اللاحق به ، وبعد إجراءها صدر الحكم الابتدائي عدد 03 وتاريخ 15/01/2009 ملف عدد 23/07/06  قضى بتعويض إجمالي قدره 7500,00 استأنفه المطلوب فصدر القرار المطعون فيه عدد 124 الصادر بتاريخ 19/06/2013 في الملف رقم 85/1202/13 قضى بالتأييد مع التعديل برفع التعويض المحكوم به إلى 32000,00 درهم .

وبتاريخ 17/06/2014 صدر القرار عدد 406/5 في الملف عدد 5581/1/5/2013 قضت فيه محكمة النقض بنقض القرار المطعون فيه وقد عللت قرارها بكون الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها استنادا إلى الفصل 30 من قانون الالتزامات والعقود ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا، وفي الحالات المنصوص عليهما في القانون، والعقد الرابط بين الطرفين المدلى به للمحكمة  يفيد استحقاق الرأسمال المتفق عليه عند الإصابة بالعجز الدائم الكامل، وعندما قضت المحكمة للمطلوب بكامل التعويض عن إصابته بعجز جزئي فقط دون مراعاة نسبته وفق المتفق عليه تكون قد خرقت القانون وعرضت قرارها للنقض .

وهذا  التعليل هو موضوع تعليقنا، فإلى أي حد يمكن اعتبار العقد شريعة المتعاقدين في ظل عقود الإذعان التي أقرها واقعنا الحالي و من بينها وعلى رأسها عقود التأمين؟[2] والتي يربط واحد من بينها العلاقة بين الطالب والمطلوب في هذا القرار، وما هي وجهة نظر كل من  التشريع والقضاء  في ذلك؟ .

 

المحور الأول:  مبدأ العقد شريعة المتعاقدين و حماية الطرف الضعيف في عقد التأمين.

نعلم أن العقد إذا توافر على جميع أركانه وشروط انعقاده لزم أطرافه فلا يمكن لأي منهما استبعاد أي شرط من شروط العقد، تطبيقا لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين الذي نص عليه الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود ، كما أن هذا الأخير يلزم كذلك القاضي بتطبيقه كما لو كان يطبق القانون ، وعدم تفسيره أو تأويله إلا من باب البحث عن حقيقة إرادة عاقديه ، ولا يستطيع كذلك تعديل أو إلغاء شرط العقد بحجة تحقيق العدالة. “وبذلك يكون القاضي مضطرا لتطبيق العقد حتى ولو خالف قاعدة قانونية إذا كانت من نوع القواعد القانونية المكملة التي يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفتها ، كما تمتد هذه القوة الملزمة للعقد إلى المشرع الذي لا يمكنه بنص جديد أن يعدل من اتفاق سابق على صدور هذا النص ، خاصة وأن المشرع قد وضع العقد في مرتبة واحدة مع القانون حيث الأفراد هم المشرعون في نطاق عقدهم “[3]. لكن يجب أن نعلم أن هذا إن كان في ظل افتراض المساواة القانونية التي نتحدث فيها عن سلطان الإرادة، وليس في زمن التطور الحاصل في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والذي تطورت فيه العلاقات القانونية ما أدى إلى سيطرة أحد أطراف العقد في إملاء شروطه مسبقا وبالتالي يكون من السهل عليه تضمين العقد شروطا تحقق له مصالح خاصة على حساب الطرف الضعيف عن طريق استعمال العقود النموذجية ذات الشروط المماثلة الجاهزة والنهائية، ما جعل النصوص القانونية العامة أي القانون المدني عاجزة عن ضبط هذا الواقع الجديد، فأصبح السبيل والمخرج هو التدخل التشريعي والاجتهاد القضائي.

*المحور الثاني: التدخل التشريعي والاجتهاد القضائي في حماية الطرف الضعيف .

إن واضعي ق ل ع تأثروا بمبدأ الحرية التعاقدية إلا أنهم قيدوا مقتضياته ببعض القيود المتمثلة أساسا في النظام العام وحسن الآداب. بالإضافة إلى مبدأ العدالة والإنصاف ، لذلك فإن مجموعة من المواد تصدت للشروط المخالفة لما سبق ذكره وجعلتها إما باطلة مبطلة للعقد كما هو الشأن بالنسبة للالتزامات المبنية على محل غير مشروع ، أو باطلة دون أن يكون لها تأثير على مصير العقد ذاته ، كما هو الأمر مثلا بالنسبة للشرط الذي تنعدم فيه كل فائدة ذات بال، سواء إلى من وضعه أو إلى شخص أخر غيره أو بالنسبة إلى مادة الالتزام المادة 111 من ق ل ع [4]، وقد لعب القضاء دورا مهما في تقويم تسلط مبدأ سلطان الإرادة وذلك من خلال استعمال سلطته التقديرية في تأويل العقود الغامضة لصالح الطرف الضعيف بل إن المشرع يصر في مناسبات متكررة على منح سلطات واسعة للقضاء للتدخل لتلطيف الشروط المجحفة في العقد لاسيما بعدما انتشرت عقود الإذعان بشتى أنواعها إذ بإمكانه وهو يفسر هذه العقود أن يبحث عند الشك عما يبدو مطابقا للعدالة بحسب المفاهيم السائدة في الوقت الذي يعرض عليه النزاع[5] ، كما أن تقدير التعويض أصبح موكول للقاضي الذي يمكنه تخفيض التعويض المتفق عليه إذا كان مبالغا فيه أو الرفع من قيمته إذا  كان زهيدا، وله أيضا أن  يخفض من التعويض المتفق عليه بنسبة النفع الذي عاد على الدائن من جراء التنفيذ الجزئي،  وهذا ما يمكن أن نستشفه من الفصل 264 من قانون الالتزامات والعقود خصوصا بعد تعديله بموجب القانون 27.95 الذي دخل حيز التنفيذ بمقتضى ظهير 11 غشت 1995، وفي ظل غياب نص صريح،  فهذه المادة تفسح المجال للقضاء للتدخل بشكل يضمن حماية الطرف الضعيف في العقد، بدراسة كل حالة على حدة مستندا في ذلك معايير موضوعية بموجب ما يتوفر عليه من سلطة تقديرية .ل مباشر وبالتالي نتيجة لذلك شهد المغرب إصلاح تشريعي في السنوات الاخيرة من بينها بعض فصول قانون الالتزامات والعقود، ومن ضمن هذه الفصول الفصل 264 الذي شمله التعديل بموجب قانون 95. 27 الذي دخل حيز التنفيذ بمقتضى ظهير 11 غشت 1995 الذي كرس ما استقر عليه القضاء من مشروعية التعويض الاتفاقي مما كسب هذا الموضوع اهمية في النقاش كنوع من التلطيف من مبدأ سلطات الإدارة الذي كرسه الفصل 230.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 غير منشور. [1]

 لتوسع أنظر أشركي أفقير عبد الله الموجز في قانون التأمين طبعة 2011 .[2]

   [3]  محمد الشرقاني، القانون المدني، العقد ،الإرادة المنفردة، المسؤولية التقطيرية ، الطبعة الأولى 2004، ص.42

محاضرات في عقود الإذعان للأستاد أشركي أفقير عبد الله ص 65.   [4]

[5]  محمد الشرقاني، المرجع السابق، ص 45.