تأصيل مفهوم الحق في المدينة

212

بسم الله الرحمان الرحيم

عبد الحق مستور                                            باحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس، كلية الحقوق سلا

 

تأصيل مفهوم الحق في المدينة

تشكل مفهوم الحق في المدينة في سياق زمني مختلف، وتبعا لظروف وملابسات صعبة، عاشتها فرنسا فيما عرف ب”أحداث ماي 1968″، التي أطلق شرارتها الطلاب، وحمل لوائها كافة الشرائح المضطهدة في المجتمع الفرنسي وقتئذ، وسرعان ما عمت جميع المدن الأوربية. وبهذا المعنى، لم تكن ولادة المفهوم على يد مبدعه الفيلسوف الفرنسي هنري ليفيبفر ولادة طبيعية؛ بل دفعته الأحداث من حوله دفعا إلى ابتكار المفهوم وصياغته بالطريقة التي توائم تلك الفترة، وهي أحداث كانت نتيجة طبيعية لاكتساح النيوليبرالية لمعالم المدن وإعادة تشكيلها وفق الرؤية الرأسمالية الصرفة ذات البعد الأحادي في نمذجة الأشياء وخلقها حسب قيمتها في السوق وليس قيمتها الإنسانية.

وإذا كانت المدينة في جوهرها تتعدى أن تكون مجرد مجموعة من الأفراد المتناثرين فوق حيز جغرافي معين، وتتجاوز أن تكون كتلة بنايات، وشوارع وأزقة، وطرق وسيارات؛ بل وأكثر من أن تكون تجمعات مؤسساتية (برلمانات، ومحاكم، ومستشفيات ..وغيرها)؛ إنها حالة ذهنية a state of mind، كيان حي من التقاليد، والأعراف، والمشاعر، والمواقف؛ بعبارة أخرى، المدينة ليست آلة مادية أو بناء اصطناعي؛ إنها مسلسل حيوي من الناس الذين يكونونه؛ إنها كل ذلك، وأكثر من ذلك، إنها بعبارة مختصرة منتوج إنساني[1].

وقد أدرك هنري ليفيبفر مبكرا هذا الحقيقة المستلبة للمدينة، فأطلق صرخته الشهيرة “الحق في المدينة”، كإنذار عن استلاب الإنسان في المدينة وسلبها منه؛ وبالتالي تحويلها إلى آلة ووسيلة من وسائل الإنتاج في يد الرأسمالية لخدمة أهدافها التسليعية. لذلك عبر عن هذه الحقيقة الجلية بقوله” الحق في المدينة الشرعي هو رفض الإقصاء عن الحقيقة التمدنية أو الحضرية من طرف القوى الرأسمالية (المنظمات المهيمنة الإقصائية والعنصرية..)، ضد الطبقات التي لا تتمتع بالحظوة السياسية، حيث يراد إقصاءها عن محيط المدينة، ومن المشاركة في تدبير شؤون المدينة[2]“.

لقد رأى هنري لفيبفر في المدينة معطى إنساني أكثر منه مادي، وجسد ينبض بالحياة، لذلك كانت تشتد فيها حدة الاستقطاب بين مختلف الطبقات، طبقة تسعى إلى السيطرة على مقاليد السلطة في المدينة بكل مداخلها ومخارجها؛ لأنها المكان المفضل لتصريف فوائض الإنتاج وتدوير رأس المال، بينما الطبقة الأخرى تسعى جاهدة لتمكين نفسها من سلطة القرار والمشاركة في إنتاجه؛ والتحكم في تسيير المدينة، بجعلها مكان للسكن الملائم والعيش المشترك، بدل مكان للصراع لمراكمة الثروة ورأس المال بدون قيود؛ وهذا ما دفع بهنري ليفيبفر إلى أن يعتبر المدينة بهذا المعنى “رهان سياسي [3]l’urbain est un enjeux politique” إذ لا يمكن النظر إليها إلا من الوجهة السياسية، حيث هناك مسافة للأخذ والرد، بدل النظرة القانونية الصرفة التي لا تتيح إمكانية التعاطي معها بشكل مرن.

ومن هذا المنطلق سوف نحاول التعرف على مفهوم الحق في المدينة من خلال مقاربة لمفهومه ولأهم أبعاده وكيف تطور هذا المفهوم ليصبح أكثر المفاهيم تداولا في عدة حقول متداخلة، وأخيرا كيف ساهم هذا المفهوم في الحد من تراجع دور المدينة الحقوقي والعمراني والتنموي؟

 

 

 

 

 

المحور الأول: إرهاصات الحق في المدينة.

الحق في المدينة كمفهوم ومبدأ أبدعه الفيلسوف الفرنسي هنري ليفيبفر في كتابه “الحق في المدينة” سنة 1968، في جزئين (الحق في المدينة 1 Le Droit à la ville، ثم الحق في المدينة 2، المجال والسياسة Le Droit à la ville, II- Espace et politique)، سيتلقفه مجموعة من المثقفين والمهتمين بالشأن الحضري وغيرهم، وسرعان ما سينتشر في أرجاء المعمورة؛ حيث لم يحظى مثل هذا المفهوم بكل هذا الاهتمام إلا النزر اليسير من المفاهيم المتداولة، وذلك لعمقه وجرأته وأجرأته على أرض الواقع. وقد تعرض المفهوم لعدة تفسيرات وتحويرات من مختلف الفاعلين الذين اهتموا به؛ لأنه سينتقل من التفسير الماركسي الراديكالي الذي مثله هنري ليفيبفر، إلى تفسيرات ليبرالية عدة، سعيا لاحتوائه، وإدراجه في الميثاق العالمي للحق في المدينة، بعد أن يكون منزوع الدلالة الليفيبرية.

وسنعرج على بعض التفسيرات التي همت المفهوم وحاولت ضبطه وتفعيله، بدءً من التوصيف الذي حاول هنري ليفيبفر إعطاءه لمفهوم الحق في المدينة، والفكرة الأساسية الذي أراد توصيلها من خلال نحته لهذا المفهوم.

جوهر مفهوم الحق في المدينة عند هنري ليفيبفر.      

ابتكر هنري ليفيبفر مفهوم الحق في المدينة، بعد اشتغاله على حقل السوسيولوجيا الحضرية، ومعاينته للتحولات التي شهدتها المدينة في مختلف جوانبها المعمارية والسكنية ومعالمها الأثرية..والتحول الذي طرأ على وظائفها (الثقافية، والترفيهية، والاقتصادية..). وهي تحولات من سيء إلى أسوء، ولم تكن أحداث ماي إلا فرصة سانحة استغلها ليفيبفر لتمرير مفهومه بعد أن اكتمل اختماره في الذهن، ولم يعد ينقصه إلا الحامل الذي يجعله شعاره ونبراسه؛ وهو ما تمثل في الحركات الاحتجاجية التي كانت تعمل ضد تغول الرأسمالية، والتي وجدت فيه خير معبر عن طموحاتها وعن حقها في المشاركة في تدبير مدنها، وتسييرها كما تشاء دون إقصاء أو تهميش.

وهكذا نشأ الحق في المدينة في بداياته كردة فعل عن اكتساح الرأسمالية للمدينة، دون مراعاة قيم الإنسان؛ إذ أنها تضربه في صميم هويته الحضرية، وتهدد كل أشكال المواطنة، وتعيد تشكيل انتماءه للمدينة بعزله عن محيطه الحضري؛ بعد أن كان يعيش في ضل سياسة حضرية منسجمة، بات مهدد من طرف قيم وأخلاق الليبرالية الجديدة[4]؛ قيم الفردانية وقيم السوق. ولأن هوية الإنسان هي وجوده، فإنها عندما تعرض للتهديد من جذورها قد ينتج عنها ردة فعل عنيفة، فيما يسمى ب”مقاومة الهوية “resistance identity”[5]. وهذا ما حدث، ويحدث فعلا، عبر الاحتجاجات التي تهز العالم بين الفينة والأخرى، كحركة احتجاجات “احتلوا وول ستريت occupy wall street “، وما يحدث في العالم العربي، الذي يشهد حراكا جماهيريا، لعل من أبز أسبابه بعد هيمنة عربة الدولة على فرس الجماعة؛ الأزمة الحقيقية التي تعيشها المدينة العربية، والعشوائية التي تتخبط فيها.

ومن جانب أخر، فقد اعتبر هنري ليفيبفر أن كل المفاهيم المرتبطة ارتباطا عضويا بالمدينة من قبيل: (مجال، تمدن، معمار..) كلها ترتبط بواقع عام؛ فإن الحق في المدينة يعد مرجعية كلية؛ أي مرجع كل الحقوق، وأساسها الذي تتفرع عنه باقي الحقوق الأخرى، وإذا كان الحق في المدينة مصدر كل الحقوق؛ فإنه يهم كل من يسكنه ويعيش فيه؛ إذ لا وجود لواقع تمدني في غياب أو إقصاء مكونات التمركز (المواطنين citoyennes، والمدينيين citadins)، بما يشمل كل الفاعلين في المجال الحضري دون إقصاء لأحد، مهما يكن موقعه أو لونه أو جنسه[6]. وذلك تماشيا مع موقفه الرافض لكل أشكال الإقصاء التي تمارسه الرأسمالية تارة باسم الحرية وتارة أخرى باسم التقدم.

والمدينة بما هي منتوج إنساني، وفعل جماعي؛ فقد حددها هنري ليفيبفر في كونها شيء معيوش vécu [7]، تعاش كل دقيقة وكل لحظة، تمارس فيها الحياة بشكل يومي؛ وبشكل جماعي، إلا أن الرأسمالية سلبت الإنسان حياته بسلبه المدينة التي يمارس فيها حياته الطبيعية، وجعلته غريبا ومغتربا في مجاله اليومي. وإن كان ماركس قد طور مفهوم الاغتراب alienation the من منظور اقتصادي؛ حينما يغترب العامل عن منتجات عمله التي لا تعود له ملكيتها بل للرأسمالي؛ فقد جعل هنري ليفيبفر هذا الاغتراب يشمل كل ما هو اقتصادي، واجتماعي، وسياسي، وإيديولوجي، وفلسفي؛ أي كل ما يعاش في الحياة اليومية[8]، وقد طوره في أحد أشهر كتبه، التي تعتبر إضافة في المدرسة الماركسية [9]، لما له من إسهامات عميقة في نقد الحياة اليوميةthe critique of everyday life .

وإذا كان الإنسان قد صار غريبا ومغتربا في مدينته ومجاله، فإنه لا محيد من إعادة تأسيس المجال على قواعد وأسس أخرى؛ وذلك بمعرفة استراتيجيات الرأسمالية في تفكيك المدينة، وضرب وحدتها وتضامن ساكنتها؛ فالطبقة المهيمنة تستخدم المجال كوسيلة لعدة غايات: تشتيت الطبقة العاملة، وفصلها عن بعضها البعض حتى لا تكون قوة، وتوزيعهم حسب المناطق؛ خصوصا المناطق المحيطة بالمدينة، وتنظيم التدفقات، وإخضاعها لقواعد مؤسساتية؛ أي إخضاع المجال للسلطة، سواء لمراقبته والتحكم فيه تقنوقراطيا؛ وبالتالي التحكم في المجتمع برمته[10]. وفي نظر هنري ليفيبفر، فإن كل هذا المفاهيم والمعاني من قبيل التقنوقراطية، والضغط التقني، والتقنوقراط، والابيستيمولوجيا..؛ كلها تؤدي إلى إرهاب فكري؛ فالبيروقراطية ترهب باسم المهارة، والابيستيمولوجيا ترهب باسم العلم ..[11].

وعليه، فإن المجال لم يكن شيء تقني، ولا شيء علمي ينظر إليه من الزاوية الرياضية، ويقاس بمعايير الأرقام والإحصاء، ويحتكره التقنوقراط؛ إن المجال سياسي بالدرجة الأولى[12]، وبهذا التدقيق، لا يكون إلا معيوشا بين الناس، وليس محتل ومعد سلفا، لأنه إنتاج اجتماعي، ولجميع ساكنته الحق الأول في المشاركة في جميع القرارات التي تهم المدينة؛ بما فيها الحق في السكن الملائم، والحق في الولوج إلى الخدمات الاجتماعية.

 

المحور الثاني: تطور مفهوم الحق في المدينة

المدينة التي دعا إليها هنري ليفيبفر ليست هي المدينة الفاضلة عند أفلاطون، ولا كما تصورها الفارابي؛ بل إنها مدينة الواقع، ومدينة الناس المعاشة من طرفهم؛ والتي اختطفتها الرأسمالية في غفلة أمر منهم؛ حتى أضحت مدينة بلا مدينيين، بل مدينة أشباح، حينما تحولت إلى مجرد أرقام رياضية فاغرة المبنى وفارغة المعنى، سكانها لا يعرفون بعضهم البعض إلا لماما أو مصادفة عند رأس هذا الشارع أو مدخل تلك البناية، والتحولات جارية على قدم وساق، ومن كل حدب وصوب، دون أن يكون لساكنتها أدنى مشاركة في قرار أو حتى مشورة في بناء. ومن هذا المنطلق، استدعى الموقف الجلل، في نظر ليفيبفر، وقفة حازمة من طرف مؤسسات المجتمع المدني، وجميع الحركات الاجتماعية، في صد هذا العدوان المديني، بدءا بالتعريف بمخاطره؛ بمداخله ومخارجه؛ ليتسنى مواجهته، والقضاء عليه، ليعيش الإنسان في ظل حياة كريمة كما يريد ويشاء.

وبعد وفاة هنري ليفيبفر، سيعرف المفهوم انتشارا واسعا، خصوصا في دول أمريكا اللاتينية، ذات النفس اليساري المعادي لكل ما يمت بصلة للرأسمالية؛ وقد وجدت فيه دفعة قوية في اتجاه تحرير بلدانها من التبعية؛ وتحقيق نوع من الاستقلال الفكري و الاقتصادي.

وعموما، هناك اتجاهين مختلفين يؤثثان الساحة الفكرية الداعية لتبني الحق في المدينة وأجرأته على أرض الواقع:

اتجاه راديكالي ينتمي إلى مدرسة هنري ليفيبر، أغلبهم جغرافيون وحقوقيون ينتمون إلى المنتديات الاجتماعية العالمية، يقفون ضد منطق الاقتصاد العولمي والليبرالي، ويدعون إلى التحرك من تحت « mobilisation d’en bas »؛ أي قاعدة التحرك تكون هي جموع الشعب، وليست الدولة، ولا سلطاتها ومؤسساتها.

والاتجاه الأخر، يتكون من المنظمات الدولية؛ يمثل بالنسبة إليه مبدأ الحق في المدينة مجموعة الحقوق المخولة لساكنة المدينة، وتركز على تفعيل ميكانزمات مؤسساتية وسياسية تكون قادرة على النهوض بهذا الحق، وضامنة لتنفيذه؛ وذلك كله في تفاعل مع السلطات العمومية، عكس الاتجاه السابق؛ فالنسبة لليونسكو الحق في المدينة يمر عبر التعاون مع الدولة[13]، ولا يمكن تحقيقه في قوانين ذات فعالية دون أن يمر عبر هيئاتها ومؤسساتها الرسمية.

الحق في المدينة لم يكن ليصل للعالمية لولا تبنيه من طرف مؤسسات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية، وبالتالي  قيامها بلفت أنظار الدول والمنظمات إليه؛ ففي نفس السنة التي عقدت فيه قمة الأرض في ريو دجينيرو في البرازيل 1992، سيتم التطرق لمفهوم الحق في المدينة، وعقد في هذا الصدد من طرف المنتدى البرازيلي الوطني للإصلاح الحضري (FNRU) ،والاتحاد العالمي للسكنى (HIC)، والجبهة القارية للمنظمات الجماعية     (FCOC) حيث قاموا بالدعوة لمسودة ولتوقيع عقد حول التمدن urbanization تحت عنوان: (“من أجل مدن ديمقراطية ومستدامة، البلدات والقريات،

“For Just, Democratic and Sustainable Cities, Towns and Villages”)

ولم تقتصر المبادرات عند هذا الحد، بل كانت فقط الانطلاقة الأولى؛ لتتوالى المبادرات والفعاليات الداعية لهذا الحق الجديد؛ حيث في تونس من نفس السنة، نظم الاتحاد العالمي للسكنى: المنتدى العالمي للبيئة والفقر والحق في المدينة[14]، والذي سلط الضوء على المشاكل التي تنخر جسد المدن، والسبل المتاحة لعلاجها، وكيفية إخراج مدن العالم الثالث من انحطاطها المستمر، لكي ترتقي لمستوى يضمن الشروط الدنيا لحياة كريمة.

وبعد مرور بعض السنوات على هذا المنتدى العالمي، وبالضبط في سنة 1995، ستنظم اليونسكو حدث هام يشمل المدن؛ وذلك بتأثير صدى الحق في المدينة، الذي لفت الانتباه للمشاكل التي تتخبط فيه المدن، من فقر وهشاشة وإقصاء، وتهميش لفئات عريضة التي لا تمتلك الحظوة الاجتماعية والسياسية . وكان الحدث بعنوان “نحو مدينة للتضامن والمواطنة،  “Toward the City of Solidarity and Citizenship”.

وفي أمريكا الجنوبية، احتضنت دولة المكسيك سنة 2000، مبادرة بعنوان “من أجل ميثاق عالمي للحق في المدينة”، من طرف الجمعية العالمية الأولى لسكان الحضر، شارك فيه أكثر من 300 مندوب عن المنظمات والحركات الاجتماعية، يمثلون أكثر من 35 دولة، ومن المواضيع الرئيسية التي نوقشت في أجندة هذا الحدث: “إعادة التفكير في المدينة من قبل الناس rethinking the city from the people”. [15]

وبعده، وفي أمريكا الجنوبية أيضا، سيفتح المنتدى الاجتماعي العالمي الأول، أبوابه لمناقشة قضية المدينة، وسيكون أول منتدى يتم عقده بشأن الحق في المدينة، في عاصمة الإكواتور كييتو؛ والذي عرف مشاركة مختلف الحركات الحقوقية، والمنظمات الاجتماعية المدافعة عن هذا الحق، وتم نقاش موضوع على قدر كبير من الأهمية؛ يتجلى في الحاجة إلى العمل بأداتين لتعزيز دور الحق في المدينة: تتمثل الأداة الأولى في إيجاد طريقة فعالة ورئيسية، يتم من خلالها العمل من أجل تعزيز حقوق الإنسان؛ والأداة الثانية، تأسيس إرادة سياسية واضحة ومميزة، من خلالها يتم توسيع نطاق تفعيل التعبئة الاجتماعية حول هذا الحق الجديد.

وانتقالا إلى القارة الأوربية، وخاصة في اسبانيا بالعاصمة الكتلونية برشلونة في سنة 2005، سيتم تناول بنية ومضمون الميثاق العالمي للحق في المدينة بالنقد والتحليل، وكل التناقضات التي يمكن أن يطرحها، وكيفية التعامل معها ومعالجتها، ليتسنى بعد ذلك تجاوزها، وعدم الوقوع فيها مستقبلا.

وبالموازاة مع هذه التحركات التي قادتها فعاليات المجتمع المدني، والحركات الاجتماعية، ستقوم بعض الحكومات المحلية والإقليمية بإحداث وسائل من شأنها تشريع حقوق الإنسان في السياق الحضري؛ كان على رأسها الميثاق الأوربي لحماية حقوق الإنسان في المدينة في سان دينيس بفرنسا في سنة 2000، وبعد  ذلك، في البرازيل 2001، وأخيرا بمونتريال بكندا 2006[16].

وعلى صعيد مواز، رافق هذه التحركات الدولية، العديد من الإعلانات، والمقترحات من طرف جمعيات ومنظمات المجتمع المدني؛ والتي منها ميثاق حق النساء في المدينة، في برشلونة 2004، والإعلان الوطني للإصلاح الحضري في الأرجنتين 2005 .

وتبعا لما سبق، وبالضبط في سنة 2009، سيتم عقد المنتدى الاجتماعي العالمي الرابع بالبرازيل؛ وكان موضوعه تطوير الإصلاح الحضري، والحق في المدينة كبديل لنموذج الليبرالية الجديدة. وفي 2010 بالإكوادور تم عقد ندوة عمل بعنوان: “نحو تطبيق الحق في المدينة في دول أمريكا اللاتينية”[17].

وصفوة القول في هذا الفصل، أن مفهوم الحق في المدينة، قد تعرض لعدة تفسيرات؛ بل إضافات تجاه، إما تحجيم دوره والتقليل من شأنه كما تفعل المنظمات الحكومية ذات التوجه الليبرالي، ربما لاحتوائه والالتفاف عليه؛ وصياغته في قالب عادي، كباقي الحقوق المتعارف عليها. أو في اتجاه تعزيزه، والعمل على تهييئ الظروف المناسبة لتنزيله، والدفع بالحكومات نحو تبنيه وتفعيله في دساتير وقوانين رسمية؛ هذا التيار يعرف بنقده للرأسمالية ومشروعها الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي.

رغم تعدد وجهات النظر المختلفة في تفسير مضمون الحق في المدينة؛ والتي حادت شيئا ما عن المضمون الذي أعطاه إياه هنري ليفيبفر ذو النزعة الماركسية الراديكالية، إلا أن الجميع متفق على جوهر المبدأ ومحتواه؛ والمتمثل في إشراك ساكنة المدينة في كل القرارات المتعلقة بتدبيرها، والولوج إلى خدماتها بكل حرية، والسكن في موئل آمن، وبيئة نظيفة، وحياة كريمة.

 

 

 

 

Les références bibliographiques

  1. Robert E.Park, Ernest W.Burgess, Roderick D.Mckenzie, the city, the university of Chicago, published 1925, reprint 1984.
  2. HENRI LEFEBVRE, espace et politique, le droit à la ville II,2éme édition, ANTHROPOS, diffusion: Economica 2000.
  3. David Harvey, rebel cities, From the Right to the City to the Urban Revolution,verso, First published by Verso 2012.
  4. WILLIAM J.V. NEILL, URBAN PLANNING AND CULTURAL IDENTITY, First published 2004 by Routledge.
  5. Stuart elden, understanding Henri lefebvre, theory and the possible, continuum, london, new york,2004.
  6. Laurence Costes, sociologue, Néolibéralisation et évolution du «Droit à la ville », Université Evry-Val-d’Essonne, Centre Pierre Naville, JS/SJ, 6/2014.
  7. Enrique Ortiz, The Construction Process towards the Right to the City: Progress made and challenges pending, in Proposals and Experiences towards the Right to the City, Edited by Ana Sugranyes, Charlotte Mathivet, Habitat International Coalition, HIC, First edition – Santiago, Chile, 2010.

 

[1] Robert E.Park, Ernest W.Burgess, Roderick D.Mckenzie, the city, the university of Chicago, published 1925, reprint 1984,p1.

[2] HENRI LEFEBVRE, espace et politique, le droit à la ville II,2éme édition, ANTHROPOS, diffusion: Economica 2000, p22.

[3] HENRI LEFEBVRE, op,cit,p5.

[4] David Harvey, rebel cities, From the Right to the City to the Urban Revolution,verso, First published by Verso 2012,p15.

[5] WILLIAM J.V. NEILL, URBAN PLANNING AND CULTURAL IDENTITY, First published 2004 by Routledge,p1.

[6] HENRI LEFEBVRE, op,cit,p21.

[7] HENRI LEFEBVRE, op,cit,p32.

[8] Stuart elden, understanding Henri lefebvre, theory and the possible, continuum, london, new york,2004, p111.

[9] (la vie quotidienne dans le monde moderne )

[10] HENRI LEFEBVRE, op,cit,5.

[11] HENRI LEFEBVRE, op,cit,p60.

[12] HENRI LEFEBVRE, op,cit,p53.

[13] Laurence Costes, sociologue, Néolibéralisation et évolution du «Droit à la ville », Université Evry-Val-d’Essonne, Centre Pierre Naville, JS/SJ, 6/2014,p7-8.

[14] Enrique Ortiz, The Construction Process towards the Right to the City: Progress made and challenges pending, in Proposals and Experiences towards the Right to the City, Edited by Ana Sugranyes, Charlotte Mathivet, Habitat International Coalition, HIC, First edition – Santiago, Chile, 2010,p113.

[15] Enrique Ortiz, ibid, p113.

[16] Enrique Ortiz, ibid, p114.

[17] Enrique Ortiz,ibid,p115.