بصمات المجلس الدستوري المغربي في مجال الحقوق والحريات الأساسية

635

بصمات المجلس الدستوري المغربي في مجال الحقوق والحريات الأساسية

 

حجاجي امحمد

باحث في القانون الدستوري

لقد أدى القضاء الدستوري أدوار طلائعية في مجال الحقوق والحريات، إن على مستوى تطوير معنى ونطاق الحقوق والحريات التي يجب أن تكفلها الدولة، أو على مستوى حماية وضمان ممارستها، حتى قيل أن تأكيد القضاء الدستوري لحقوق الإنسان ودعمها، جعلت منه أحد الظواهر الملحوظة في القانون الدستوري المعاصر،[1] وقيل في موضع أخر أن القضاء الدستوري جعل من الوثيقة الدستورية وثيقة حية ومفتوحة في وجه الخلق والدسترة المستمرة للحقوق والحريات.[2] ومن هذا المنطلق يمكن أن نتساءل من داخل الحصيلة الاجتهادية للمجلس الدستوري المغربي عن مظاهر الحماية التي استطاع أن يقدمها للحقوق والحريات الأساسية؟ بمعنى أخر هل غطت هذه الحماية كل أصناف الحقوق الحريات المدسترة؟ وهل استطاع كذلك أن يطور هذه الحقوق والحريات، ويخلق حقوق وحريات من غير تلك المنصوص عليها في الدستور؟ (المطلب الأول). غير أنه يجب التذكير بأن المجلس الدستوري المغربي يشتغل في نسق محاط بمجموعة من المساطر والاجراءات قد تجعل من دوره في هذا المجال محدودا (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الحقوق والحريات موضوع حماية القاضي الدستوري

مما لاشك فيه أن خير حماية وضمانة للحقوق والحريات هو التنصيص عليها صراحة في الدستور باعتباره أسمى تشريع في الدولة، وهذا هو التوجه الذي سلكته الدساتير المغربية، منذ إقرار أول دستور للملكة سنة 1962، بيد أن القارئ لهذه الدساتير يتبين له أن أغلب الحقوق والحريات المنصوص عليها دستوريا، يحال أمر تنظيمها وتقنينها إلى المشرع العادي،[3] وهو الشيء الذي قد يجعل من هذه الحقوق والحريات عرضة لتجاوزات محتملة من قبل المشرع أثناء بلورتها في شكل قواعد قانونية، وتحسبا لهذا الإشكالية نص المشرع الدستوري على إحداث مؤسسة القضاء الدستوري تتولى السهر على حماية وضمانة هذه الحقوق والحريات، وهو ما سنحاول التماسه والكشف عنه من خلال اجتهادات هذه المؤسسة في مجال حماية الحقوق والحريات، انطلاقا من مبدأ المساواة كإطار عام يضعه المجلس الدستوري للممارسة الحقوق والحريات (الفقرة الأولى)، و من ثم حماية وضمان بعض الحقوق والحريات الأساسية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: مبدأ المساواة كإطار عام في اجتهادات المجلس الدستوري

يعد مبدأ المساواة أصل الحريات وأساس الحقوق، فقد أضحى هذا المبدأ منذ فترة بعيدة من المبادئ العامة في القانون التي أصبحت قانونا للضمير الإنساني، حيث ضمته كل المواثيق والإعلانات الدولية والجهوية المتعلقة بحقوق الإنسان، وكذا كل دساتير دول العالم، وتأتي أهمية مبدأ المساواة باعتباره من المبادئ العامة للقانون التي تلتزم الدولة بتطبيقه حتى من دون أن يوجد نص في دستورها يقر ذلك، وترتكز هذه الأهمية وتتأسس على الديمقراطية والفلسفة السياسية باعتبار أن الحرية لا توجد ما لم تكن متاحة للجميع، فلا ديمقراطية بدون حرية، وقد استخدم مبدأ المساواة كمقياس لتطبيق جميع الحقوق والحريات، ولهذا يعد هذا المبدأ حجر الزاوية في اجتهادات القضاء الدستوري بوصفه إحدى الدعائم الرئيسة لدولة القانون،[4] وبالتالي، ما هي مظاهر الحماية التي قدمها المجلس الدستوري لهذا المبدأ؟

البند الأول: المساواة أمام القانون

يقصد به أن القانون يجب تطبيقه بنفس الطريقة على الجميع مهما كانت مستوياتهم، باعتبار أن القانون بقواعده العامة والمجردة ينطبق على الجميع بغير استثناء،[5] وقد تجلى ذلك في الحالات التالية:

أولا : المساواة بين النائب البرلماني المعتقل بصفة قانونية وغيره من المواطنين

في هذا الإطار صرح المجلس الدستوري بأن ما تضمنه المادة 162 من النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 1994، من أن للجنة العدل والتشريع بمجلس النواب أن تبعث عضوين من أعضائها للاستماع إلى نائب يكون في حالة اعتقال بصورة قانونية، غير مطابق للدستور الذي لا ينص في فصله 37 المتعلق بالحصانة النيابية على أي إجراء من هذا القبيل، الشيء الذي يكون معه النائب المعتقل في وضع مماثل قانونا لوضع غيره من المعتقلين دون تمييز له عنهم في شيء.[6]

ثانيا:  المساواة بين النائب البرلماني وغيره من المواطنين في حالة ارتكاب جريمة داخل مقر المجلس

قضى المجلس الدستوري بخصوص ما تضمنه المادة 90 من النظام الداخلي لمجلس النواب المحال عليه بتاريخ 13 يناير 2012، من أنه في حالة ارتكاب عضو جريمة داخل مقر المجلس يرفع الرئيس الجلسة في حالة انعقادها، ويجتمع المكتب ليقترح على المجلس الإجراءات التي يرى ضرورة تطبيقها في حق العضو المعني مخالف للدستور، لما فيه من إخلال بمبدإ مساواة الجميع، بمن فيهم أعضاء البرلمان، أمام القانون.[7]

يتضح من خلال هذه الحيثيات ما يلي:

أولا: أن واضعي النظام الداخلي حاولوا إقامة تمييز بين النائب البرلماني في حالتي اعتقاله بصورة قانوني وارتكابه جريمة داخل مقر المجلس الذي ينتمي إليه، بصيغة أخرى، تمتيع هذا النائب بامتيازات تفضيلية دون غيره من المواطنين الذي يوجدون في وضع مماثل.

ثانيا: اعتبر المجلس الدستوري أن هذه الامتيازات الممنوحة للنائب البرلماني غير دستورية، لأنها تخل بمبدأ مساواة الجميع أمام القانون، بمن فيهم أعضاء البرلمان، إعمالا للفصل 5 من دستور 1992 بالنسبة للحالة الأولى، الذي كان ينص على أن جميع المغاربة سواء أمام القانون، والفصل 6 من دستور 2011 الذي ينص على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع أشخاص ذاتيين واعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له.

ثالثا: المساواة بين المتهمين أمام قواعد الإجراءات القضائية

اعتبر المجلس الدستوري أن مبدأ المساواة بين المتهمين أمام قواعد الإجراءات القضائية، يعد من مظاهر المساواة أمام القانون، الذي يقتضي، مبدئيا، أن يتمتع محامو المتهمين وكذا محامو الطرف المدني، في كافة الجرائم، بنفس الشروط وبنفس الآجال لإعداد دفاعهم.[8]

وجاء هذا الاجتهاد ردا على ما جاء في القانون 129.01 القاضي بتغيير المادة 139 من القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية، من أنه يمكن « لكل من محامي المتهم ومحامي الطرف المدني الحصول على نفقتهما على نسخة من محضر الشرطة القضائية وباقي وثائق الملف. غير أنه يمكن لقاضي التحقيق تلقائيا أو بناء على ملتمسات النيابة العامة، أن يأمر بعدم تسليم نسخة من المحضر أو باقي وثائق الملف كليا أو جزئيا إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك، متى تعلق الأمر بالجرائم المنصوص عليها في المادة 108من هذا القانون أو بجرائم الرشوة أو استغلال النفوذ أو الاختلاس أو التبديد أو الغدر أو غسل الأموال،…،».

يتضح من هذه المقتضيات أن المشرع الجنائي أقام تمييز بين الجرائم التي يمكن من خلالها لقاضي التحقيق أن يسلم محضر الشرطة القضائية وباقي وثائق الملف إلى محامي المتهم ومحامي الطرف المدني، حيث خول للقاضي التحقيق من تلقاء نفسه أو بناء على ملتمسات النيابية العامة إمكانية عدم تسليم المحضر أو باقي وثائق الملف جزئيا أو كليا إلى محامي المتهم ومحامي الطرف المدني، متى تعلق الأمر بالجرائم المنصوص عليها في المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية أو بجرائم الرشوة أو استغلال النفوذ أو الاختلاس أو التبديد أو الغدر أو غسل الأموال، غير أن المجلس الدستوري اعتبر أن هذا الأمر فيه إخلال بمبدأ المساواة بين المتهمين أمام قواعد الاجراءات القضائية الذي يعد من مظاهر المساواة أمام القانون، لأن هذا المنع ينطوي على حرمان محامي المتهم من حق الإطلاع على تفاصيل التهمة الموجهة لموكليه، وكذلك حرمانه من إعداد دفاعه عن بينة وبصيرة، فضلا عن إخلاله بمبدأ المساواة بين المتهمين في الجرائم الأخرى التي يحق لمحامي المتهم  ومحامي الطرف المدني الإطلاع على محضر وباقي وثائق الملف.

البند الثاني: المساواة في الحقوق

وتجلى ذلك فيما يلي:

أولا: المساواة في تقلد الوظائف العمومية

صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية المادة 142 من القانون 97-15 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية المعروضة التي كانت تتضمن فقرتين: تنص الأولى على أنه «يعتبر في حالة التنافي لممارسة مهمة رسمية أو تمثيلية كل من لم يؤد ديونا عمومية مستحقة عليه بمقتضى سند تنفيذي، والتي ليست موضوع منازعة» والثانية على أنه «ترفع حالة التنافي بعد أداء المبالغ المستحقة».[9]

استند المجلس في تعليل عدم دستورية هذه المادة على الفصل 12 من الباب الأول من الدستور-1996-  الذي كان ينص على «أنه يمكن لجميع المواطنين أن يتقلدوا الوظائف والمناصب العمومية وهم سواء فيما يرجع للشروط المطلوبة لنيلها»، وعلى الفصل 46 من نفس الدستور الذي كان ينص في المقطع الأول من فقرته الأولى على أن القانون يختص بالتشريع في مجال «الحقوق الفردية والجماعية المنصوص عليها في الباب الأول».

استخلص المجلس الدستوري من هذه النصوص مجموعة من القواعد، يمكن بيانها على النحو التالي:

. إمكانية جميع المواطنين تقلد الوظائف والمناصب العمومية التي تعد من الحريات العامة التي يكرسها الدستور.

. أن كل استثناء لهذا الحق، كما هو الشأن عند إحداث حالة من التنافي بين وضعية معينة وتقلد الوظائف والمناصب العمومية، هو من اختصاص المشرع.

. يجب أن يكون هذا الاستثناء محدودا في مداه ومحددا في مجال تطبيقه ومدققا بالنسبة لشروط إعماله ومبررا بالمتطلبات القانونية والوظيفية الخاصة بمزاولة المهام الناتجة عن تقلد الوظائف والمناصب العمومية.

– يجب أن يكون متلائما مع المبادئ المنصوص عليها في الدستور أو التي لها قيمة دستـورية.

وبالتالي، اعتبر المجلس الدستوري أن المشرع في هذه النازلة لم يحترم مجموعة من الشروط والقيود، وهي:

– أن المشرع عندما أحدث أحوالا للتنافي بين وضعية الشخص الذي لم يؤد ديونا عمومية مستحقة ومزاولة مهمة رسمية أو تمثيلية وبررها بضرورة «تخليق الحياة العامة» فإنه لم يضمن هذا العمل القانوني القواعد الجوهرية التي كان عليه سنها بالنظر لطبيعة المادة وصفة الاختصاص الممنوحة له من لدن الدستور إذ لم يحدد ماهية كل من المهمة الرسمية والتمثيلية واكتفى بمقابلتهما ولم يذكر أصناف كل منهما التي تندرج ضمن أحوال التنافي.

– لم يحدد القواعد الإجرائية التي يتم التصريح بمقتضاها بحالة التنافي ولا الجهة أو الجهات المؤهلة لذلك والتي يجب أن تتوافر فيها شروط الحياد والنزاهة التي تجنب كل تعسف وتضمن استقلال المؤسسة التشريعية في إطار فصل السلط مع احترام الصلاحيات المخولة للمؤسسات الدستورية.

– لم يتعرض للجهات المخول لها المطالبة بالتصريح بالتنافي ولا الكيفية التي سيتم بها تزويد هذه الجهات من طرف السلطة التنفيذية بالمعلومات الضرورية لإعمال صلاحيتها بكل تجرد.

– لم تشر بدقة إلى الجزاء المترتب عن التصريح بالتنافي ، وأنه قد يفهم من الفقرة الثانية من المادة 142 المذكورة التي تنص على أنه «ترفع حالة التنافي بعد أداء المبالغ المستحقة» أن التصريح المذكور يترتب عليه مجرد تعليق لمزاولة المهمة الرسمية أو التمثيلية في انتظار تسديد الدين العمومي ، الأمر الذي يكون مخالفا لمبدأ استمرارية المرافق العمومية.

– أن المشرع لم يمارس في النازلة كل ما يخوله إياه اختصاصه إذ لم يشر إلى القيود اللازمة لحصر استثناء لحرية عامة في حدود معينة مضبوطة ، كما أنه لم يرفق إحداث حالة التنافي المذكورة بالضمانات القانونية التي من شأنها حماية المبادئ الدستورية.

في نفس السياق صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية المادة 20 من القانون التنظيمي رقم 06.02 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 31.37 المتعلق بمجلس النواب،[10] التي تضمنت مقتضيات تنص على أن لوائح المرشحين يجب أن تتضمن بيان الانتماء السياسي لأصحابها وأن تكون مرفقة بنسخة من بطاقة السوابق لكل مرشح مسلمة من طرف الإدارة العامة للأمن الوطني منذ أقل من ثلاثة أشهر، معتبرا أن اشتراط الانتماء السياسي للمرشح، يتعارض مع مقتضيات الفصل 9 من الدستور الذي يضمن للمواطنين حرية الانخراط في أي منظمة نقابية أو سياسية حسب اختيارهم، ومع أحكام الفصل 12 الذي ينص على أن جميع المواطنين يمكنهم أن يتقلدوا الوظائف والمناصب العمومية.[11]

يستفاد من مقتضيات هذه المادة أن المشرع التنظيمي ربط حق تولي الوظائف الانتخابية والتمثيلية بشرط الإنتماء السياسي، مما يعني أن غير المنتمي سياسيا لا يحق له تقلد هذه الوظائف والمناصب، وهو الشيء الذي اعتبره المجلس الدستوري أنه يتعارض، أولا، مع حرية الانخراط في أي منظمة نقابية أو سياسية (الفصل 9 من دستور 1996)، ثانيا، مع (الفصل 12 من نفس الدستور) الذي يخول لجميع المواطنين إمكانية تقلد الوظائف والمناصب العمومية على قدم المساواة، سواء كانوا منتميين سياسيا أو غير منتميين.

ثانيا: المساواة في الترشح للانتخابات

صرح المجلس الدستوري في قراره رقم 218.98 المتعلق بالمنازعات الانتخابية أنه بالرغم من كون الطاعن لم يدل بما يثبت ما ادعاه من أن رفض مأمور الخزينة الجهوية تسلم مبلغ الضمان كان مناورة تهدف إلى إزاحته من المنافسة الانتخابية لمصلحة المطعون في انتخابه، فإن الحيلولة بينه وبين الترشح لانتخابات مجلس النواب من شأنها، باعتبار ظروف النازلة، أن يكون قد ترتب عليها إخلال بما يتطلبه صدق العملية الانتخابية من إفساح المجال أمام جميع من يحق لهم الترشح لها ليتمكنوا من ممارسة حقهم في ذلك على قدم المساواة فيما بينهم، وإتاحة الفرصة كاملة للناخبين ليختاروا بمحض إرادتهم من يفضلونه من بين المرشحين.[12]

وفي قرار أخر صرح بأنه ليس في المادة 12 من القانون التنظيمي رقم 31.37 المتعلق بمجلس النواب ولا في المقتضيات الأخرى من القانون التنظيمي السابق الذكر، ما يجعل من الوزير الذي يتقدم لانتخاب أعضاء مجلس النواب مرشحا من نوع خاص لا يخضع لنفس الواجبات ولا يتمتع بنفس الحقوق المخولة للمرشحين الآخرين، وأن الوزير المرشح يمكنه، تبعا لذلك، أن يُضَمّن منشوراته الانتخابية كل المعلومات التي من شأنها أن تعرف به لدى الناخبين بما فيها تلك التي تتعلق بالمهام الوزارية التي يتقلدها، على أن ممارسة هذا الحق لا تعني أن للوزير المرشح أن يستعمل الإمكانيات المادية والبشرية للوزارة أثناء الحملة الانتخابية ويوم الاقتراع.[13]

دائما في إطار المساواة في الترشيح للانتخابات تبين للمجلس الدستوري من التحقيق الذي أجراه ومن اللوائح التي استحضرها، أن المطعون في انتخابه مسجل باللائحة الانتخابية لغرفة التجارة والصناعة والخدمات بمراكش لسنة 2009 صنف الخدمات تحت الرقم الترتيبي 362، وأنه ترشح لاقتراع 2 أكتوبر 2009 لتجديد ثلث أعضاء مجلس المستشارين ضمن لائحة الاتحاد العام الديمقراطي للشغالين بصفته مندوبا رسميا للأجراء، دون أن يقوم في الأجل القانوني، المحدد بموجب المرسوم الصادر بتاريخ 30 ديسمبر 2008، بما يأمر به القانون من طلب التشطيب على اسمه من اللائحة الانتخابية للغرفة المذكورة، مما يعني أنه كان، في تاريخ إيداع الترشيحات، مسجلا في لائحة هيئتين انتخابيتين لا يسمح القانون بالانتماء إليهما معا في ذات الوقت، الأمر الذي يجعل تقييده في اللائحة الانتخابية للهيئة التي ترشح عنها تقييدا مخالفا للقانون، وفيه، علاوة على ذلك، إخلال بمبدإ المساواة ما بين المرشحين، ما دام المستفيد من هذا التقييد المزدوج يمنح لنفسه، إلى حين حلول ميعاد إيداع الترشيحات، إمكانية اختيار الهيئة التي سيترشح في نطاقها، وهو ما لم يكن متاحا للمرشحين الآخرين الذين امتثلوا لأحكام القانون.[14]

وفي نفس السياق، اعتبر المجلس أن إظهار العلم الوطني في برنامج معد للحملة الانتخابية يشكل بدوره، مخالفة لمقتضيات المادة 118 من القانون رقم  57.11(المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية) التي تمنع استعمال الرموز الوطنية في البرامج المعدة للحملة الانتخابية، وهذه المخالفات المذكورة، بالنظر لطابعها المتعدد والمتكرر، والتي من شأنها التأثير على الناخبين، تنافي القانون وتخل بمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص بين المترشحين.[15]

وبالتالي، يستنتج من هذه الحالات أن المجلس الدستوري حريص على حماية مبدأ المساواة بين المترشحين للانتخابات، ونتيجة لذلك، يلغي الاقتراع والنتيجة التي أسفرت عنه، كلما تبين له أنها تنطوي على  إخلال بمبدإ المساواة ما بين المترشحين.

البند الثالث: المساواة بين الرجل والمرأة

إن تحقيق المساواة تهدف إلى عدم التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو المعتقد أو الثقافة (…)، كأصل عام ، غير أن الواقع العملي يكشف غير ذلك، بحيث أنه لا يمكن تطبيقه بشكل مطلق، ولأجل ذلك، قد يذهب المشرع إلى سن مقتضيات قانونية تمييزية لفائدة فئة معينة من المجتمع، لأسباب يقدرها، تروم تحقيق غاية أو هدف دستوري أخر. وبالتالي، كيف تعامل المجلس الدستوري مع هذه المقتضيات التمييزية؟

أولا: السعي إلى تحقيق المناصفة بين الرجال والنساء

يتمثل هذا المسعى في مجموعة من التدابير التحفيزية التي اتخذها المشرع لبلوغ هذا الهدف، ويمكن بيانها على النحو التالي:

. تخصيص ستين مقعدا  للنساء في الدائرة الوطنية دون اخضاعهن لحد السن[16] (بالنسبة لانتخابات مجلس النواب)

. إلزام الأحزاب السياسية في توسيع مشاركة النساء في التنمية السياسية للبلاد من خلال السعي إلى بلوغ نسبة الثلث لفائدة النساء داخل أجهزتها المسيرة وطنيا وجهويا في أفق تحقيق التدريجي لمبدأ المناصفة بين الرجال والنساء.[17]

. يجب ألا تتضمن كل لائحة من لوائح الترشيح اسمين متتابعين لمترشحين اثنين من نفس الجنس[18] (بالنسبة لانتخابات مجلس المستشارين)

. تخصيص إحدى الدائرتين المحدثتين على صعيد كل عمالة أو إقليم عمالة أو عمالة مقاطعات للنساء.[19]

. تخصيص ثلث المقاعد على الأقل للنساء في كل دائرة انتخابية فيما يخص انتخابات أعضاء مجالس الجهات، وعدد المقاعد محددة بصفة مسبقة في مجالس الجماعات والمقاطعات، واعتبار المترشحة الوارد اسمها في المرتبة الأولى بالنسبة للجزء المخصص للنساء بمثابة رأس لائحة ولها نفس الحقوق المخولة لرأس لائحة الترشيح المعنية.[20]

عند إحالة المقتضيات القانونية الحاملة لهذه التدابير التحفيزية لفائدة النساء على أنظار القاضي الدستوري من أجل بسط رقابته عليها، صرح بأن ليس فيها ما يخالف الدستور،[21] مستحضرا في ذلك، مجموعة من المقتضيات الدستورية التي تبرر اتخاذ مثل هذه التدابير، خاصة الفصل 19 من الدستور الذي ينص على أنه تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، والفصل 30 منه الذي يقر بصراحة أنه ينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء في ولوج الوظائف الانتخابية، غير أنه نبه المشرع إلى أن بعض من هذه التدابير التحفيزية تتسم بطابع مرحلي ومؤقت ومحدودة في الزمن يتوقف العمل بها بمجرد تحقيق الأهداف التي بررت اللجوء إليها.

ثانيا: تجنب التمييز والإخلال بمبدإ المساواة

صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية المادة 52 من النظام الداخلي لمجلس النواب المحال عليه بتاريخ 5 غشت 2013 التي نص على أن على أنْ تُخصَّص للنائبات حصة لا تقل عن نسبة الثلث في مناصب المسؤولية داخل المجلس.

معتبرا أن مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، الذي تسعى الدولة إلى تحقيقه، طبقا للفصل 19 من الدستور، إذا كان يجيز اتخاذ تدابير تحفيزية خاصة من شأنها تيسير الولوج الفعلي للنساء إلى مناصب المسؤولية، داخل هياكل مجلس النواب، فإن ذلك يجب أن لا يتم من خلال مقتضيات تمييزية من شأنها الإخلال بمبدإ المساواة بين الرجل والمرأة المقرر في الفقرة الأولى من نفس الفصل 19 المذكور.[22]

على نفس المنوال صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية الفقرة الرابعة من المادة الأولى من القانون التنظيمي رقم 066.13، المتعلق بالمحكمة الدستورية التي نصت على أن  يراعى ضمان تمثيلية النساء في كل فئة من هذه الفئات. (التي تتألف منها المحكمة الدستورية).

استنتج المجلس الدستوري من هذه الفقرة أن تمثيلية النساء في العضوية بالمحكمة الدستورية  تتم من خلال نسبة مضمونة سلفا، معتبرا من جهة، أنه لئن كان المشرع مدعوا إلى سن القواعد وتحديد السبل التي من شأنها تعزيز ولوج النساء إلى المهام العمومية، انتخابية كانت أو غير انتخابية، بما في ذلك العضوية بالمحكمة الدستورية، وذلك إعمالا للفصل 19 السالف الذكر، فإن ما نص عليه تصدير الدستور من حظر ومكافحة كل أشكال التمييز بسبب الجنس، وفي الفقرة الأولى من فصله 19 من كون الرجل والمرأة يتمتعان، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، لا يسمح للمشرع بتخصيص نسبة مضمونة مسبقا لأحد الجنسين في الوظائف العمومية، ومن جهة أخرى، إن العضوية بالمحكمة الدستورية ربطها الدستور بشروط ومعايير جوهرية، حددتها الفقرة الأخيرة من فصله 130، ومن جهة ثالثة، إن تخصيص نسبة مسبقة لأحد الجنسين في العضوية بالمحكمة الدستورية ينافي الشروط الجوهرية والمسطرية المنصوص عليها في الفصل 130، ومن جهة رابعة، إن إمكان تمثيلية النساء في العضوية بالمحكمة الدستورية، لا يتأتى ضمانه إلا على مستوى الاقتراح والترشيح، دون أن يفضي ذلك إلى تخصيص نسبة مسبقة لا للرجال ولا للنساء في هذه المحكمة التي يخضع اختيار أعضائها، تعيينا وانتخابا، لشروط دستورية لا يجوز الإخلال بها اعتمادا على أي معيار، بما في ذلك التمييز بين الجنسين المحظور دستوريا.[23]

في نفس السياق صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية المادتين 29 و46 من النظام الداخلي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المحال عليه بتاريخ 4 فبراير 2015، اللتان كانتا تنصان على تخصيص مقعدين في مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ومقعد رئيس لجنة ومقعد مقرر لجنة أخرى للنساء.

اعتبر المجلس الدستوري أن هذه المقتضيات فيها إخلال بمبدإ المساواة بين الرجل والمرأة المنصوص عليه في الفقرة الأولى من الفصل 19، ويتعارض مع ما جاء في تصدير الدستور الذي نص على مبدإ حظر ومكافحة كل أشكال التمييز بسبب الجنس، مشيرا في نفس الوقت إلى أنه من أجل بلوغ هدف المناصفة بين الرجال والنساء في الولوج إلى مناصب المسؤولية في هياكل المجلس، يتعين إلزام الفئات الممثلة داخل المجلس بترشيح النساء والرجال معا لهذه المناصب، انسجاما مع ما تقتضيه الفقرة الرابعة من المادة 11من القانون التنظيمي للمجلس من ضرورة مراعاة تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء في تعيين أعضاء أربعة من الفئات الخمس التي يتألف منها المجلس.[24]

يستفاد من هذه المقتضيات أن المشرع حاول نقل التدابير التحفيزية لفائدة النساء التي اتخذها بشأن ولوجها إلى الوظائف الانتخابية الوطنية أو المتعلقة بمجالس الجهات والجماعات الترابية، إلى بعض مناصب المسؤولية والوظائف العمومية، من خلال تخصيص نسب معينة مضمونة سلفا لفائدة النساء، غير أن المجلس الدستوري بصدد رقابته على هذه التدابير، اعتبر هذه الأخيرة مخلة بمبدإ المساواة بين الرجل والمرأة، وفيها تمييز قائم على الجنس، معتمدا في ذلك على الفقرة الأولى من الفصل 19، وتصدير الدستور، مصرحا أنه من أجل تحقيق المناصفة بين الرجال والنساء يتعين أن يكون على مستوى الاقتراح والترشيح لهذه المناصب والوظائف، مشيرا إلى الدستور، بموجب فصليه 30 و146، نص على ضرورة تضمين القوانين مقتضيات ترمي إلى تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال وتحسين تمثيليتهن فيما يخص الولوج إلى الوظائف الانتخابية الوطنية أو المتعلقة بمجالس الجهات والجماعات الترابية، دون سواها، مما يعني أن المجلس الدستوري حصر التدابير التحفيزية المقررة لفائدة النساء في الوظائف الانتخابية الوطنية أو المتعلقة بمجالس الجهات والجماعات الترابية.

الفقرة الثانية: حماية وضمان ممارسة الحقوق والحريات

رأينا أن المجلس الدستوري دأب على اشهار مبدإ المساواة كأساس لحماية بعض الحقوق والحريات الأساسية، ولكن هذا لم يمنعه من تكريس مبادئ أخرى تجسد سعيه إلى حماية الحقوق والحريات الأخرى، ويلاحظ من خلال اجتهاداته أنه كثيرا ما يطرق إلى حماية وضمان ممارسة الحقوق السياسية (البند الأول)، إضافة إلى حماية بعض الحقوق والحريات المنتمية إلى ميادين أخرى (البند الثاني).

البند الأول: الحقوق والحريات السياسية

لقد سعى المجلس الدستوري من خلال اجتهاداته المتعلق بالرقابة على الدستورية وكذا المنازعات الانتخابية إلى حماية بعض الحقوق والحريات السياسية، سواء تلك المرتبطة بحقوق وحريات المواطن بصفته الشخصية (أولا) أو تلك المتعلقة بالمشاركة السياسية (ثانيا)، وضماناتها (ثالثا).

أولا: الحقوق والحريات السياسية الشخصية

تتجسد هذه الحماية من خلال عدة قرارات للمجلس الدستوري، ومن بينها ما يلي:

أ. حرية المواطنين في الانخراط في أي منظمة سياسية ونقابية

اعتبر المجلس الدستوري أن المقتضيات القانونية التي تشترط الإنتماء السياسي للمرشح للانتخابات التشريعية تتعارض مع مقتضيات الفصل 9 من دستور 1996 الذي يضمن للمواطنين حرية الانخراط في أي منظمة نقابية أو سياسية حسب اختيارهم.[25]

غير أن الفصل 61 من دستور 2011 قنن هذه الحرية حينما نص على أن المحكمة الدستورية تجرد من صفة عضو في البرلمان كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات.

ب. حرية المواطنين في تغيير الانتماء الحزبي أو التخلي عنه

صرح المجلس الدستوري في إحدى قرارته أنه لئن كان من حق المواطنين، في نطاق ممارستهم لحقوقهم السياسية المكفولة دستوريا، تغيير انتماءاتهم الحزبية أو التخلي عنها في أي وقت شاؤوا، فإن مبادئ شفافية الانتخابات والمسؤولية والمواطنة الملتزمة المقررة على التوالي في الفصلين 11و 37  من الدستور، تستوجب أن يتم هذا التغيير أو التخلي بصورة صريحة وفق مقتضيات المادة 22 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية لا سيما حين يتعلق الأمر بالرغبة في الترشح للانتخابات.[26]

يستنج من هذه الحيثية أن المجلس الدستوري لئن كان يعترف بحرية المواطنين في تغيير انتمائهم الحزبي أو التخلي عنه، فإن هذا التغيير أو التخلي يجب أن يراعي مقتضيات المادة 22 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، التي تنص على امكانية كل عضو في حزب سياسي، و في أي وقت شاء، أن ينسحب منه، شريطة الالتزام بالإجراءات المنصوص عليها في النظام الأساسي للحزب في هذا الشأن، ومع مراعاة أحكام المادة 20 التي تنص على تجريد كل من تخلى على انتمائه الحزبي الذي ترشح باسمه للانتخابات سواء الوطنية أو الجهوية أو المحلية، وكذلك انتخابات الغرف المهنية.

ثانيا: الحقوق والحريات الخاصة بالمشاركة السياسية

تتجسد هذه الحماية من خلال عدة قرارات للمجلس الدستوري، ومن بينها ما يلي:

أ. حرية الناخبين في التعرف على مواقف ممثليهم في مجلسي البرلمان

صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية بعض مقتضيات النظام الداخلي لمجلس المستشارين المحال عليه بتاريخ 22 ماي 2014، التي كانت تنص على إمكانية إجراء تصويت سري على مشروع أو مقترح قانون، معتبرا، أنه وإن كان لأعضاء مجلسي البرلمان – الذين يستمدون نيابتهم من الأمة وحقهم في التصويت حق شخصي طبقا للفصل 60 من الدستور –حرية التصويت حسب قناعاتهم، فإن ذلك يجب أن لا يحول دون حق الناخبين في التعرف على مواقف ممثليهم في مجلسي البرلمان المعبر عنها بالتصويت العلني.[27]

ب. حق المغاربة المقيمين بالخارج في الترشح للانتخابات

اعتبر المجلس الدستوري أن ما اشترطه المادة 5 من القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية من أن المغاربة المقيمين بالخارج والذين يتولون مسؤولية حكومية أو انتدابية أو عمومية ببلد الإقامة يكونون غير مؤهلين للترشح، يجد مبرره فيما يترتب عن الجمع بين مسؤوليات عمومية في دولتين من التزامات قد تكون متباينة، وتأسيسا على ذلك، فليس في هذا الشرط ما ينتقص من حقوق المواطنة، بما فيها حق الترشيح المكفول بموجب الفصل 17 من الدستور للمغاربة المقيمين بالخارج.[28]

يتضح من خلال هذه المقتضيات أنه حق المغاربة المقيمين بالخارج في تقديم ترشيحاتهم لانتخابات أعضاء مجالس الجهات ومجالس العمالات والأقاليم ومجالس الجماعات والمقاطعات، مكفول لهم بموجب الدستور، شريطة أن لا يكونوا يتولون مسؤوليات حكومية أو عمومية في بلدان اقامتهم.

ودعما لمشاركة أوسع للمغاربة المقيمين بالخارج في الانتخابات، أجاز المجلس الدستوري المقتضيات القانونية التي تخول للمغاربة المقيمين بالخارج المقيدين في اللوائح الانتخابية العامة، التصويت في الاقتراع عن طريق الوكالة، وذلك باعتباره استثناء من مبدإ شخصية الانتخاب بالنسبة لهذه الفئة من المواطنين.[29]

ثالثا: ضمانات ممارسة الحقوق والحريات السياسية

تتجلى هذه الضمانات فيما يلي:

أ. ضمان ممارسة حق الترشح

يتعلق الأمر هنا بحالة امتناع أو رفض السلطة المختصة بتلقي الترشيحات المستوفية لشروط قبولها، المقدمة من طرف المواطنين والمواطنات الراغبين في خوض غمار الانتخابات الوطنية، ولأجل ذلك، نجد المجلس الدستوري لا يتردد في إلغاء نتائج الاقتراع الناجمة عن رفض هذه الترشيحات، على اعتبار أن حق ممارسة الترشيح مضمون بموجب الدستور والقوانين ذات الصلة لجميع المواطنات والمواطنين.

على هذا الأساس، اعتبر من جهة أن امتناع الوالي عن تسجيل ترشيح الطاعن ترشيح الطاعن لعضوية مجلس المستشارين، رغم صدور حكم قضى بإلغاء القرار الصادر عن الوالي برفض طلب ترشيح المعني بالأمر، يعد انتهاكاً لسلطة الأحكام القضائية وإخلالاً بأحكام المادة 50 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس المستشارين التي تنص في فقرتها الرابعة على أنه، يتعين على السلطة المختصة أن تسجل فورا الترشيحات المعلن قبولها من طرف المحكمة وتعمل على إشهارها، ومن جهة أخرى، أن هذه الممارسة المنافية للقانون التي تخللت، في النازلة، العملية الانتخابية قبل وبعد صدور حكم المحكمة الابتدائية، والتي ترتب عنها استبعاد إحدى اللوائح بطريقة غير قانونية عن المنافسة من أجل تمثيل الأمة، تعد إخلالاً صريحا بحق أساسي ضمنه الدستور والقوانين التنظيمية المكملة له لجميع المواطنين، المتمثل في حق الترشح.[30]

على نفس الأساس أبطل المجلس الدستوري العديد من العمليات الانتخابية التي تخللتها رفض أو امتناع السلطة المعنية بتلقي الترشيحات ( الوالي أو العامل) تسجيلها رغم استفاء شروطها القانونية، بحجة أن هذه الممارسة تنطوي على انتهاك صريح لحق أساسي ضمنه الدستور والقوانين المكملة له لجميع المواطنين.[31]

 

 

 

ب . ضمانات تحقيق التعددية والتنافسية

صرح المجلس الدستوري بمناسبة بسط رقابته على المادة 20 من القانون التنظيمي رقم 22.06 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 31.97 المتعلق بمجلس النواب، بعدم دستورية الإجراءات والشروط الجديدة التي تضمنتها هذه المادة بخصوص قبول الترشيح لانتخابات مجلس النواب.

واعتبر المجلس الدستوري أنه لئن كان للسلطة العمومية المختصة بمقتضى الدستور أن تقنن ممارسة الوظائف التمثيلية والترشح لها، وذلك في اتجاه تجميع وبلورة التيارات الحزبية المتقاربة في اختيارات كبرى قصد توضيح الرهانات الانتخابية وضمان مشاركة فاعلة للمواطنين، فإن هذا التقنين لا يمكن أن يتم إلا في حدود معينة وعبر أسلوب لا يترك مجال التدخل الحاسم لغير المشرع وفي إطار المبادئ الدستورية، أي حسب معايير مضبوطة ودالة ودائمة الوجود ولأسباب كافية وارتكازا على وقائع مؤكدة مع تغليب في كل الأحوال، الحلول الأكثر ضمانا للتعددية والتنافسية على الأخرى.[32]

ج.  ضمان المشاركة الفعلية في الحياة السياسية لفئات واسعة من المجتمع

إن اشتراط المشرع في اللائحة الوطنية المقدمة الدائرة الانتخابية الوطنية تضمين أسماء مترشحات أو مترشحين ينتمون إلى كافة جهات المملكة، وأنه لا يؤهل للترشيح للعضوية في مجلس النواب برسم الدائرة الوطنية كل شخص يبق انتخابه عضوا في المجلس المذكور برسم نفس الدائرة، وتحديد نسبة الأصوات  المطلوبة في اللوائح المترشحة للمشاركة في عملية توزيع الأصوات في عتبة 3 في المائة من الأصوات المعبر عنها على المستوى الوطني، خلافا لعتبة 6 في المائة المطلوبة في لوائح الترشيح المعبر عنها على مستوى الدوائر المحلية، تعد في نظر المجلس الدستوري أن المشرع من خلالها يسعى إلى إفساح أوسع مجال ممكن للمترشحين الشباب (الذكور) والمترشحات (النساء بغض النظر عن سنهن)، للولوج إلى الوظائف التمثيلية، وتمثيل كافة جهات المملكة في الدائرة الانتخابية الوطنية، وإقرار مبدإ التداول على المقاعد المخصصة لها، وعلى توسيع التمثيلية السياسية فيها.[33]

البند الثاني: حماية ممارسة بعض الحقوق والحريات الأساسية

أبانت اجتهادات المجلس الدستوري أن هذا الأخير يولي اهتمام كبيرا لحماية الحقوق الأساسية المرتبطة بالمجال القضائي على غرار حمايته للحقوق والحريات المرتبطة بالميدان السياسي، ويمكن تقديم أوجه هذه الحماية، على الشكل التالي: ضمان ممارسة حق التقاضي (أولا)، ضمانات المحاكمة العادلة (ثانيا)، حقوق والحريات القضاة (ثالثا).

أولا: ضمان ممارسة حق التقاضي

يعد حق التقاضي بموجب الفصل 118 من الدستور مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون، غير أن حق التقاضي يتطلب ممارسته توفر مجموعة من حقوق وضمانات أخرى، وبالتالي، ماهي هذه الحقوق والضمانات التي كرسها المجلس الدستوري لضمان ممارسة هذا الحق؟

أ . احترام حقوق الدفاع

يعتبر حق الدفاع الركيزة الجوهرية لحق التقاضي وللمحاكة العادلة، ولهذا فإن احترام حق الدفاع يتطلب توفير عدد من الضمانات التي تؤكده وتحافظ عليه، وفي هذا السياق صرح المجلس الدستوري بمناسبة فحصه مقتضيات القانون رقم 129.01  القاضي بتغيير المادة 139 من القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية بأن:

« حق الدفاع، المضمون أمام جميع المحاكم بموجب الفصل 120 من الدستور، يعد الحق الأساسي الذي من خلاله تمارس الحقوق الأخرى المتصلة بالمحاكمة العادلة، وهو حق ينشأ للمتهم منذ توجيه التهمة إليه إلى حين صدور الحكم النهائي في حقه، وأن حق الدفاع ينطوي على حقوق أخرى تتفرع عنه، من ضمنها حق الاطلاع والحصول على الوثائق المدرجة في ملف الاتهام المتوفرة لدى النيابة العامة، مراعاة لمبدأ التكافؤ بين سلطتي الاتهام والدفاع».[34]

ب . ضمان حق التقاضي يقتضي إعفاء الطاعن من وجوب تقديم عريضته من طرف محامي ومن تضمين الطعن في الانتخابات عنوان المنتخب المنازع في انتخابه 

صرح المجلس الدستوري بعدم دستورية المادة 35 من القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية التي نصت على أنه « من بين الشروط المطلوبة في العرائض التي تقدم إلى المحكمة الدستورية في مجال المنازعات في انتخاب أعضاء مجلس النواب ومجلس المستشارين، أن تقدم هذه العرائض من طرف محام مسجل في جدول إحدى هيئات المحامين بالمغرب وأن تتضمن عنوان  المنتخب أو المنتخبين المنازع في انتخابهم».[35]

فيما يخص اشتراط هذه المادة تقديم العرائض الرامية إلى المنازعة في انتخاب أعضاء مجلسي البرلمان وجوبا من قبل محام، اعتبر المجلس أن هذا الشرط من شأنه أن يثني بعض الناخبين، وحتى بعض المرشحين، عن اللجوء إلى المحكمة الدستورية للطعن في صحة الانتخاب، مما يعني أن اشتراط تقديم العرائض من طرف محام أن يحرم مجموعة من الناخبين من حقهم أو المترشحين في التقاضي، أي الطعن في صحة هذه الانتخابات أمام المحكمة الدستورية.

أما فيما يتعلق بوجوب تضمين عريضة الطعن عنوان المطعون في انتخابه، فقد اعتبر المجلس الدستوري أن هذا الشرط من شأنه أن يشكل صعوبة أمام الناخبين الراغبين في المنازعة في انتخاب أعضاء مجلسي البرلمان أمام المحكمة الدستورية مما قد يحول دون ممارسة حقهم في التقاضي.

ج . التوازن بين  مبدإ حق التقاضي ومبدإ عدم قابلية قضاة الأحكام للنقل إلا بمقتضى قانون

صرح المجلس الدستوري بمناسبة نظره في القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، أن ما تضمنته المادة 35 من أن «يقبل كل قاض تمت ترقيته في الدرجة المنصب القضائي الجديد المعين به وإلا ألغيت ترقيته، وفي هذه الحالة يسجل في لائحة الأهلية برسم السنة الموالية»، و ما جاء في المادة 72 من أنه « يمكن أن ينقل القاضي وفق المعايير المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية في الحالات التالية: بناء على طلبه، أو على إثر ترقية في الدرجة، أو إحداث محكمة أو حذفها، أو شغور منصب قضائي أو سد الخصاص»، بما يلي:[36]

لئن كان عـدم القـابلية للنقـل من الضمانات الأساسية المخولة لقضاة الأحكام، التي لا يجوز المساس بجوهرها، باعتبارها من مظاهر استقلال السلطة القضائية، فإنه يستفاد مما ينص عليه الفصل 108 من الدستور، من كون قضاة الأحكام لا ينقلون إلا بمقتضى القانون، أن المشرع يجوز له أن يحدد حالات معينة يمكن فيها، بصفة استثنائية، نقل هؤلاء القضاة.

أن حق التقاضي يعد من الحقوق الأساسية المخولة للمواطنين وضمانة رئيسية لإعمال مبدإ سيادة القانون، وأن مبدأ المساواة أمام القانون، الذي من مظاهره  المساواة بين المواطنين في الولوج إلى مرفق القضاء، يستلزمان أن توضع رهن إشارة المواطنين، المحاكم الضرورية والقضاة اللازمون لجعل حق التقاضي المخول دستوريا للمواطنين حقا مكفولا فعليا.

وبالتالي، يتعين ضمان التوازن بين المبدإ الدستوري القاضي بعدم قابلية قضاة الأحكام للنقل إلا بمقتضى القانون، والمبدإ الدستوري الذي يكفل للمواطنين حق التقاضي.

إذن يلاحظ أن المجلس الدستوري ربط عدم قابلية قضاة الأحكام – إلا بصفة استثنائية- بضمان حق التقاضي المكفول دستوريا للمواطنين.

ثانيا: ضمانات احترام شروط المحاكمة العادلة

وتتمثل هذه الضمانان فيما يلي:

أ . إحاطة مسطرة الجزاءات بأقصى الضمانات

صرح المجلس الدستوري بشأن المقتضيات القانونية التي تنص على أن عدم إدلاء عضو بمجلس النواب التصريح بممتلكاته، يفقد عضويته في المجلس الذي ينمي إليه، أنها تثير عدة إشكاليات قانونية ودستورية، تتمثل في أنها اختارت لمواجهة عدم إدلاء من طرف النائب بالتصريح بالممتلكات، أقصى الجزاءات بالنسبة إليه هو فقدانهم لعضويتهم، غير أن هذا الجزاء الذي تبرره ضرورة تخليق الحياة العامة، كان يجب، بالنظر إلى كونه يتعلق بشخص يستمد نيابيته من الأمة، ليصبح في عضوا في مؤسسة تمثيلية، أن يحاط من خلال المسطرة المتبعة والإجراءات المحددة وطبيعة المؤسسة المخول لها الحسم في مصير العضو بمجلس النواب بأقصى الضمانات.[37]

نفس التصريح أدلى به المجلس الدستوري بخصوص عضو بمجلس الدستوري وعضو بمجلس الدستوري، الذي أكد  فيه على إحاطتهم من خلال المسطرة المتبعة والإجراءات المحددة وطبيعة المؤسسة المخول لها الحسم في مصير العضو بمجلس النواب بأقصى الضمانات.[38]

ب. إحاطة قرار العزل من مسؤولية انتدابية بالضمانات القضائية

صرح المجلس الدستوري بدستورية المادة 2 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب التي نصت على أنه« لا يؤهل للترشح للعضوية في مجلس النواب، الأشخاص الذين صدر في حقهم قرار عزل من مسؤولية انتدابية أصبح نهائيا بمقتضى حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به، في حالة الطعن في القرار المذكور، أو بسبب انصرام أجل الطعن في قرار العزل دون الطعن فيه، على أن مانع الأهلية المشار إليه، يرفع بعد انصرام مدة انتدابية كاملة ابتداء من التاريخ الذي يصير فيه قرار العزل نهائيا ».[39]

علل المجلس هذا المانع، بكون أن الدستور في فصله الأول ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، مما يترتب عنه تحمل كل من يضطلع بمسؤولية عمومية انتخابية أو غيرها تبعات تصرفاته، كما أبرز في فصليه الثاني والحادي عشر مبدأ نزاهة الانتخابات باعتبارها أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، مما يفترض معه أن يكون جميع المعنيين بها متحلين بقيم النزاهة في سلوكهم وفي تدبيرهم للشؤون العامة التي أسندت إليهم، ويضيف أن قرار العزل من مسؤولية انتدابية محاط بالضمانات القضائية، ومانع الترشيح المؤقت المترتب عنه يتناسب فيه الجزاء مع قرار العزل، فإن ذلك لا يمس بحق الترشيح المضمون دستوريا.

ج. مراعاة التوازن بين حسن سير التحقيق وحسن ممارسة حقوق الدفاع

اعتبر المجلس الدستوري أن رفض قاضي التحقيق تسليم محضر الشرطة القضائية وباقي وثائق الملف كليا أو جزئيا، إلى محامي المنهم ومحامي الطرف المدني، وعدم انتهائه إلى عشرة أيام قبل بدء الاستنطاق التفصيلي، من شأنه أن يخل مبدإ التوازن بين حسن سير التحقيق وحسن ممارسة حقوق الدفاع، الذي يعد من ضمانات المحاكمة العادلة.[40]

ثالثا: ضمان حقوق وحريات القضاة

نصت المادة 97 من القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة على أنه: « يمكن توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ جسيما.

ويعد خطأ جسيما بصفة خاصة:

إخلال القاضي بواجب الاستقلال والتجرد والنزاهة والاستقامة؛

– الخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف؛

– الخرق الخطير لقانون الموضوع؛

– اتخاذ موقف سياسي أو الإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية؛

– …..»

وبمناسبة فحص دستورية هذه المادة، توقف المجلس الدستوري في قراره رقم 992.16 بخصوص هذه الحالات التي اعتبرها المشرع التنظيمي من قبيل الخطأ الجسيم الذي يؤدي إلى توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه ومتابعته، إلى ما يلي:[41]

أ . يتعين على المشرع أن يحدد الحالات التي يعتبرها مكونة للخطأ الجسيم، وأن يستعمل عبارات دقيقة وواضحة لا يعتريها لبس أو ابهام

اعتبر المجلس الدستوري أن استعمال المشرع عبارة « بصفة خاصة» لتحديد الحالات التي تدخل في إطار الخطأ الجسيم المؤدي إلى توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه، غير دستورية، بسبب أن هذه العبارة توحي بوجود حالات أخرى يمكن أن تعد خطأ جسيما غير تلك المذكورة صراحة، وذلك نظرا للعواقب الوخيمة المترتبة عن توقيف القاضي ومراعاة لجسامة مسؤولياته، فإن على المشرع أن يحدد الحالات التي يعتبرها مكونة للخطأ الجسيم، وأن يستعمل في ذلك عبارات دقيقة وواضحة لا يعتريها لبس أو إبهام.

ومن جهة أخرى، اعتبر أن عبارة «إخلال القاضي بواجب الاستقلال والتجرد والنزاهة والاستقامة»، أنها عبارة تتسم بالعمومية، وتفتقر إلى مضمون محدد، وبالتالي، لا يمكن أن تكون أساسا لتوقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه.

ب . مراعاة حرية القاضي في الاجتهاد

صرح المجلس الدستوري بخصوص الخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف، والخرق الخطير لقانون الموضوع، اللذان اعتبرهما المشرع مكونان للخطأ الجسيم المفضي إلى توقيف القاضي حالا ومتابعه، أنه لا يجوز الخلط بين الاجتهاد، المتمثل في المجهود الفكري الذي يبذله القاضي وفق الأصول المتعارف عليها في هذا الصدد، لتفسير وتطبيق مقتضيات القانون، بما يحتمله ذلك من الصواب والخطإ، وبين الخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف وكذا الخرق الخطير لقانون الموضوع، وهي أعمال تعتبر ـ سواء كانت عمدية أو ناتجة عن تهاون غير مستساغ ـ إخلالا من القاضي بواجباته المهنية، فإن هذا الخرق  الخطير لا يمكن اتخاذه أساسا لتوقيف القاضي ولا لمتابعته تأديبيا إلا بعد ثبوته بحكم قضائي نهائي.

ج. التمييز بين اتخاذ القاضي موقف سياسي والادلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية

أشار المجلس الدستوري فيما يخص حالة اتخاذ القاضي موقف سياسي والادلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية، إلى أنه يتعين التمييز بين حالة اتخاذ القاضي لموقف سياسي وحالة الإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية.

فالموقف السياسي يعني عند القاضي الدستوري هو الخوض الصريح والمباشر للقاضي في الشؤون السياسية، وهو ما يتنافى مع استقلاله وحياده، مما يتعين معه، توقيفه حالا عن مزاولة مهامه. أما إدلاء القاضي بتصريح يكتسي صبغة سياسية، لئن كان يستوجب اتخاذ إجراءات تأديبية في حقه، إذا كان هذا التصريح، في مضمونه ومداه، لا يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية الذي فرضه الدستور على القاضي بموجب الفقرة الأولى من فصله 111، فإن هذه المخالفة، بالنظر لعمومية العبارات التي صيغت بها، ليست من الأسباب التي تستدعي التوقيف الفوري للقاضي، مما يجعل اعتبار«  أو الإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية» موجبا لتوقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه، غير مطابق للدستور.

بناء على ما سبق، من دراسة لعينة من اجتهادات المجلس الدستوري المغربي في مجال الحقوق والحريات الأساسية، يمكن القول بأنه رغم حداثة العدالة الدستورية المغربية بالمقارنة مع التجارب المقارنة، إلا أننا يمكن أن نلامس من خلال اجتهاداته سعيه لتكريس حماية الحقوق والحريات الأساسية، ووقوفه في وجه كل تعسف تشريعي من شأنه أن يؤدي إلى الانتقاص من الحقوق والحريات الأساسية المكفولة دستوريا للمواطنين والمواطنات، أو عرقلة ممارستها، وبالتالي، ضمان عدم معارضتها للمبادئ الدستورية الأساسية.

الملاحظ أن الحقوق والحريات التي كانت موضوع حماية المجلس الدستوري يمكن تصنيفها إلى ثلاث فئات أساسية، الأولى ترتبط بشكل كبير بالحقوق والحريات السياسية، خاصة تلك المتعلقة بالعملية الانتخابية والمشاركة السياسية (حق الترشح، المساواة في الترشيح، حرية الانتماء السياسي، …،)، والثانية، تندرج في إطار الوظائف والمناصب العمومية (المساواة بين جميع المواطنين في تقلد الوظائف والمناصب العمومية)، والثالثة تلك المندرجة في المجال القضائي ( حقوق الدفاع، ضمانات المحاكة العادلة، حق التقاضي، الضمانات الممنوحة للقضاة، …،)، وبالتالي، تظهر هذه الحصيلة صعوبة الحديث عن دور فعال للمجلس الدستوري في حماية الحقوق والحريات، وذلك لاعتبارات التالية: أولا: أن هذه الحماية لم تطل جميع المقتضيات الدستورية المتضمنة لكل أجيال حقوق وحريات المواطنين، ثانية، أن المجلس الدستوري لم يذهب إلى حد ابتكار وخلق حقوق وحريات جديدة، ثالثا: أغلب الحقوق والحريات التي كانت موضوع الحماية، كانت مضمونة بموجب الدستور. وبناء على هذه الاعتبارات يصعب الحديث عن قانون اجتهادي دستوري في مجال الحقوق والحريات مصدره القضاء الدستوري، غير أن هذا الاستنتاج لا يتعين أخذه على اطلاقيته، إلا بعد البحث عن الأسباب التي أدت إلى الحكم عن محدودية المجلس الدستوري في مجال الحقوق والحريات، وهذا ما سيتم التطرق إليه في المطلب الموالي.

المطلب الثاني: محدودية الدور الحقوقي للمجلس الدستوري

إن الحكم على ضعف مردودية المجلس الدستوري في مجال الحقوق والحريات، انطلاقا من ما تم بلوغه في مجال فرض احترام المشرع القواعد الدستورية الحاملة للحقوق والحريات، هو حكم قاس، وذلك، بسبب أن الدور الحمائي الذي يوفره المجلس الدستوري للحقوق والحريات يمتاز بعدة خصائص تقف جميعها في وجه شمولية وظيفته الحمائية، وبوجودها تشكل عقبات تحد من الدور الذي يمكن أن يلعبه المجلس في هذا المجال، (الفقرة الأولى)، هذا في الوقت الذي ظلت فئة كبيرة من الحقوق والحريات الأساسية بمثابة « حقوق مظلمة» لم يطلها القضاء الدستوري ولم يبد بشأنها أي موقف واجتهاد، ومن هذه الزاوية نرى بأنه قد حان الوقت إلى الاهتمام بهذه المؤسسة الدستورية واشراكها في هذا المجال قصد تنوير هذه الحقوق والحريات (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الأسباب المؤدية إلى « ضعف» الدور الحقوقي للمجلس الدستوري

يمكن تقسيم الأسباب التي أدت إلى محدودية دور المجلس الدستوري المغربي في مجال الحقوق والحريات، إلى عدم فعالية نظام المراقبة المعمول بها في النظام الدستوري المغربي (البند الأول)، وإلى وجود ثغرات في نظام إحالة القوانين العادية على المجلس الدستوري (البند الثاني)، وبيان ذلك سيكون على النحو التالي:

البند الأول: عدم فعالية نظام المراقبة المعمول بها

يمتاز نظام الرقابة على الدستورية بالمغرب بنوعين من الإحالة، إحالة إلزامية بالنسبة للقوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان والنظام الداخلي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وإحالة اختيارية بالنسبة للقوانين العادية، وهذا كله قبل دخول هذه الأعمال القانونية حيز النفاذ والتطبيق (أولا)، وينضاف إلى هذا عدم اهتمام الفاعليين السياسيين باللجوء إلى المجلس الدستوري فيما يخص القوانين العادية كما تبين المعطيات الإحصائية (ثانيا).

أولا: إخضاع القوانين العادية لرقابة اختيارية

خلافا للقوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان والنظام الداخلي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التي نص المشرع الدستوري والتنظيمي على إخضاعها إلزاميا لرقابة القضاء الدستوري، قبل إصدار الأمر بتنفيذها بالنسبة للقوانين التنظيمية، وقبل الشروع في تطبيقها بالنسية للأنظمة الداخلية لهذه المجالس، وذلك من أجل البت في مطابقتها للدستور، فالقوانين العادية لئن أدرجها المشرع الدستوري ضمن اختصاص القضاء الدستوري منذ إقرار دستور 1992، بعدما كانت مستبعدة من اختصاص الغرفة الدستورية سابقا، فإنه أخضعها لنظام اختياريا للإحالة من طرف الجهات التي لها الحق في إحالتها على القضاء الدستوري.

صحيح أن بعض القوانين التنظيمية التي نصت عليها الدساتير المغربية لها علاقة بالحقوق والحريات الأساسية، مثل القوانين التنظيمية لمجلسي البرلمان، التي تلامس بعض الجوانب الحقوقية، خاصة منها ما يتعلق بالحقوق والحريات السياسية والانتخابية، فإن أغلبها لها ارتباط بالتوازنات الدستورية والسياسية أكثر مما هو مرتبط بالحقوق والحريات،[42] والملاحظ أن الدستور المغربي الجديد جاء بقوانين تنظيمية جديدة ترتبط بشكل كبير بمجال الحقوق والحريات الأساسية، من قبيل القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، والقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وهي قوانين لها علاقة مباشرة بالحقوق والحريات الثقافية والهوياتية للمواطنين، غير أنها لازلت لحد الآن لم تر النور، على غرار القانون التنظيمي المتعلق بحق الإضراب، وهي بالفعل ستساهم بشكل أو بأخر في تعزير دور القضاء الدستوري في مجال الحقوق والحريات، على اعتبار أن هذه القوانين تحال إلزاميا على أنظاره، ونفس الشيء بالنسبة للأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان التي لئن كانت تحال إلزاميا على القضاء الدستوري فإن موضوعها يرتبط بالسير الداخلي لهذه المجالس ولا تمت بصلة بحقوق وحريات المواطنين إلا فيما يتعلق بالفئة المكونة لهذه المجالس (أي حقوق وحريات النواب والمستشارين داخل هذه المجالس).

أما القوانين العادية التي أخضعها المشرع الدستوري للرقابة الاختيارية لها علاقة وطيدة بالحقوق والحريات الأساسية، فالمتأمل في النصوص الدستورية على امتداد الدساتير المغربية المتعاقبة، يجد أن القانون العادي هو أكثر القوانين لها علاقة بحقوق وحريات الأساسية، وإليه اسند اختصاص تقييدها، وتنظيمها ووضع شروط ممارستها،[43] وأضاف الدستور المغربي لسنة 2011، أن القانون يختص بالتشريع في ميدان الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في التصدير، باعتبارها جزء لا يتجزأ من الدستور.

وبالتالي، فإن إخضاع المشرع الدستوري لهذه الفئة من القوانين لنظام الإحالة الاختيارية ساهم بشكل كبير في ضعف الدور الحمائي للقضاء الدستوري في مجال الحقوق والحريات، لأنه لم تتاح الفرصة له ليقول كلمته في هذه القوانين التي كما رأينا أنها تتصل بشكل مباشر بحقوق وحريات المواطنين، وهذا الضعف طبعا لا يتحمل فيه المسؤولية المجلس الدستوري، وذلك لسبب بسيط هو أن تدخله يكون بناء على طعن مقدم من طرف أصحاب الحق في الإحالة.

ثانيا: ضعف اهتمام الفاعلين السياسيين بالقضاء الدستوري

تشير الإحصائية الرقمية إلى أنه خلال أكثر من عقدين من عمر اشتغال المجلس الدستوري بالمغرب (1994-2016) لم يتم اللجوء إليه في نطاق الإحالة الاختيارية للقوانين العادية سوى في 13 مناسبة، وهذا رقم ضئيل جدا بالمقارنة مع الكم الهائل من القوانين التي لها علاقة بحقوق وحريات المواطنين، والتي صدرت منذ تلك الفترة إلى حدود الآن، وهذا رقم أيضا مؤشر يدل على أن القضاء الدستوري المغربي لا يدخل في اهتمام الفاعليين السياسيين، لاسيما من جهة المعارضة البرلمانية، وعدم توظيف الآليات المؤسساتية في الصراع السياسي، بما في ذلك إحالة القوانين التي حظيت بتصويت الأغلبية البرلمانية على المجلس الدستوري، الشيء الذي يترك انطباع مفاده أن البرلمان المغربي ما زال ينظر إليه كمرحلة للمصادقة وإضفاء الشرعية على مشاريع المتوافق عليها، وليس كفضاء للممارسة الاختلاف والصراع السياسي، الأمر الذي انعكس على حماية حقوق وحريات المواطنين حيال القوانين التي تم التصويت عليها، الذي لا يمكن أن تطرح أمامه مسألة دستورية القوانين، في ظل غياب أي جهة تنوي إحالة الأمر على المجلس الدستوري، فالخلافات التي يمكن أن تثار بشأن نص يراد اصداره يحسم خارج البرلمان، ومن ثم فإن المرحلة البرلمانية هي مرحلة شكلية لا ينظر إليها كحلبة لاختلاف قادرة على دفع المعارضة أو الأقلية اللجوء إلى المجلس الدستوري.[44]

وبالتالي، فإن تكثيف إحالة القوانين العادية على المجلس الدستوري هو السبيل الوحيد للتأكد من دستورية ما يصدر عن البرلمان من قوانين، ولا يمكن أن ينتج هذا الأثر، خصوصا من الناحية الحقوقية، إلا إذا تم اعتبار المجلس الدستوري كأداة لممارسة مهام المعارضة.[45]

على سبيل المقارنة، نجد أن المجلس الدستوري الفرنسي منذ التعديل الدستوري لسنة 1974 الذي بموجبه تم منح المعارضة (60 نائبا و60 شيخا) حق اللجوء إلى المجلس الدستوري للطعن في دستورية القوانين العادية، تحول من مؤسسة كانت موجهة ضد البرلمان في إطار ما كان يسمى في الأدبيات الدستورية الفرنسية ” العقلنة البرلمانية” إلى مؤسسة تحتل مكانة هامة ضمن المؤسسات المهتمة بالحقوق والحريات الأساسية، وساعده في ذلك تنظيم الأحزاب السياسية الفرنسية في قطبين أساسيين، يتمايزان سياسيا وايديولوجيا، لا يترددان في استخدام القضاء الدستوري في الصراع السياسي، بحيث أن القطبين عندما يتواجد أحدهما في المعارضة، فإنه يستخدم كل أساليب المعارضة، بما في ذلك القوانين التي صوتت عليها الأغلبية البرلمانية على المجلس الدستوري، وخير دليل على ذلك، ما أثاره صعود اليسار مع مطلع الثمانينات من القرن الماضي، من إحالات عديدة من جانب نواب اليمين الفرنسي لقوانين التأميم التي حاولت الأغلبية اليسارية اقرارها،[46] ونفس الشيء عندما يتواجد اليمين في الحكم، فاليسار لا يتوان في اللجوء إلى المجلس الدستوري ضد قوانين اليمين

البند الثاني: وجود ثغرات في نظام إحالة القوانين

 تتمثل هذه الثغرات في استبعاد الأفراد من إمكانية اللجوء إلى القضاء الدستوري للطعن في القوانين التي تنتهك حقوقهم وحرياتهم المكفولة بموجب الدستور (أولا)، وكذلك اقصاء القضاء (العادي والإداري) من هذه الإمكانية (ثانيا)، فضلا عن ذلك أن الرقابة التي يقوم بها المجلس الدستوري على القوانين العادية كونها سابقة على صدور القانون( ثالثا).

أولا: استبعاد الأفراد من اللجوء إلى القضاء الدستوري

تميزت الدساتير المغربية السابقة عن دستور 2011 باستبعاد الأفراد من ضمن الجهات التي لها حق الطعن في دستورية القوانين أمام المجلس الدستوري،[47] وبناء على ذلك لم يكن للأفراد حق الطعن في القوانين التي تمس أو تنتهك حقوقهم وحرياتهم الأساسية المنصوصة عليها في الدستور، كما هو جاري به العمل في العديد من الدول الأجنبية.[48]

وهو الأمر الذي ساهم بشكل كبير في إضعاف الدور الحقوقي للمجلس الدستوري، لأن الأفراد هم المعنيون المباشرون بهذه الحقوق والحريات، وهم المحتكون بشكل يومي مع القوانين، وبالتالي حتى وإن تبين لهم أن هذه القوانين تمس حقوقهم وحرياتهم الدستورية، فليس باستطاعتهم اللجوء إلى القضاء الدستوري باعتباره الجهة الوحيدة المخول لها النظر في دستورية القوانين.

بالرغم من إقرار دستور 2011 في فصله 133 للأفراد حق الدفع بعدم دستورية قانون أثير أثناء النظر في قضية، بسبب أن هذا القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، والذي أحال على قانون تنظيمي تحديد شروط وإجراءات تطبيق هذا الحق،[49] فإنه إلى حد الآن لم يصدر هذا القانون التنظيمي.

ثانيا: استبعاد القضاء العادي من اللجوء إلى القضاء الدستوري

نقصد في هذا المجال قيام المشرع الدستوري المغربي بحرمان القضاة العاديين من امكانية إحالة القوانين على المجلس الدستوري عندما يتبين لهم أنها تمس بحق أو حرية من الحقوق والحريات المكفولة دستوريا، فهذه الإمكانية الفعالة يتم العمل بها في كثير من التجارب الدستورية المقارنة، ومن أبرزها التجربة الإسبانية التي تخول للقاضي حق إحالة القانون الذي يكون بصدد تطبيقه على نزاع معروض أمامه، عندما ينتابه شك في دستوريته، بعرضه على المحكمة الدستورية،[50] وتكمن أهمية هذا الإجراء بكون أن القاضي يجسد المحك الذي يظهر كافة عيوب وثغرات القانون، والمختبر الذي تتوضح فيه كل أنواع المساس بالحقوق والحريات المحمية من قبل الدستور، وبالتالي، فإن غياب هذه العلاقة في النظام الدستوري المغربي، يشكل ثغرة أخرى في النظام الرقابي والحمائي الذي يقوم به المجلس الدستوري.[51]

وجدير بالإشارة في هذا الصدد، أن مشروع القانون التنظيمي المتعلق بتطبيق الفصل 133 من الدستور، استبعد امكانية المحاكم العادية من إثارة الدفع بعدم دستورية القانون من تلقاء نفسها،[52] مما يعني استمرار استبعاد القضاء العادي من إثارة عدم دستورية القوانين التي تمس الحقوق والحريات الأساسية للأفراد.

ثالثا: حماية سابقة على صدور القانون

إن الحماية التي يوفرها المجلس الدستوري للحقوق والحريات تتم قبل دخول القانون حيز النفاذ، وهذا يفترض أن هذه الحماية تكون ناقصة، طالما أن القانون لا تبدو ثغراته وعيوبه، ولا تتضح مساسه بحقوق والحريات إلا بعد دخوله حيز النفاذ.[53]

غير أن المشرع الدستوري لسنة 2011 تدارك هذه الثغرة، لما نص في الفصل 133 السالف الذكر على حق الأفراد الدفع بعدم دستورية قانون بعد صدوره، وبالتالي، من شأنه هذه الإمكانية أنها ستعزز تدخل القضاء الدستوري في مجال الحقوق والحريات.

الفقرة الثانية: الحاجة الملحة لاجتهاد قضائي دستوري في مجال الحقوق والحريات

بالرغم من توصل المجلس الدستوري إلى توضيح بعض المقتضيات الدستورية التي تلف بموضوع الحقوق والحريات الأساسية،  سواء من حيث حمايتها أو ضمان ممارستها، فإنه لم يتمكن من توضيحها جميعا، -وذلك للاعتبارات التي أوردناها أعلاه- فثمة مقتضيات دستورية تعبر عن مجموعة من الحقوق والحريات بقيت خارجة عن تناول القضاء الدستوري المغربي، الشيء الذي يلح على ضرورة إشراكه من أجل توضيح هذه المقتضيات الدستورية.

إن القارئ للدساتير المغربية السابقة ودستور 2011، يلاحظ أنها تحتوي على كم هائل من الحقوق والحريات سواء منها الفردية أو الجماعية، ولا نجازف إن قلنا أنها تغطي كل أجيال حقوق الإنسان، خاصة في دستور 2011 (المدنية والسياسية، الاقتصادية والاجتماعية، الثقافية والبيئية،…،)، وبوردها في الوثيقة الدستورية تجسد في حد ذاتها حماية وضمانة، غير أن تنصيص المشرع الدستوري على صلاحية القانون في تنظيمها وتقيد ممارستها، قد ينطوي على تجاوزات وتعسفات من قبل المشرع، لأن الإشكال الحقيقي ليس في تحديد حق أو حرية بحد ذاته وإنما يكمن في تحديد القيود الواردة عليها.[54]

من ناحية أخرى، الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 من خلال تصديره وبابه الثاني وفصول أخرى تتضمن حقوق وحريات ذات أهمية بالغة، ولكن أغلبها ترك للمشرع العادي تقنينها وتنظيمها، وبالتالي، يتعين إتاحة الفرصة لتدخل القضاء الدستوري لتبيان إرادة المشرع الدستوري وتأويلها، لأنه من دون إشراك القضاء الدستوري سيترك المجال واسعا للبرلمان وبطريقة غير مباشرة للحكومة، لكي تحدد بنفسها مضمون هذه الحقوق والحريات.

هناك نماذج من الحقوق والحريات لم يطلها القضاء الدستوري سواء بالحماية أو التوضيح، مثلا الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، فموجب الفصل 31 من الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 ستفيد المواطنين على قدم المساواة من حق الحماية الاجتماعية التغطية الصحية والسكن اللائق والتعليم، إلخ، وكذلك، وفقا للفصل 29 من الدستور حق الاضراب مضمون، نجد أن هذه الحقوق لم تحظ بالتوضيح وتحديد مدها من قبل القضاء الدستوري المغربي.

وطبقا للفصل 29 من الدستور حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي مضمون، فهذه الحريات تستدعي تدخل القاضي الدستوري لتوضيح كيفية إعمالها، وتحديد القيود الواردة عليها، ومن جهة أخرى، هناك حقوق وحريات دستورية وازنة شكلت مواضيع عريضة لسجالات ونقاشات متعددة عرفتها الساحة السياسية والاجتماعية المغربية، ولم تفض بعد إلى رؤية واضحة، رغم المجهودات التي تبدلها المؤسسات المهتمة، منها ما نص عليه الفصل الثالث من الدستور من حرية ممارسة الشؤون الدينية، والفصل 20 الحق في الحياة ( إشكالية عقوبة الإعدام)، والفصل 24 الحق في حماية الحياة الخاصة ( إشكالية الإجهاض)، الفصل 32 حقوق الطفل ( إشكال تشغيل الأطفال) إلى غير ذلك من الحقوق والحريات التي مازالت مثار نقاش داخل المجتمع المغربي، فهذه الحقوق والحريات تقتضي ضرورة تدخل القضاء الدستوري ليقول كلمته فيها، حتى تتضح إرادة المشرع الدستوري.

إضافة إلى ذلك، نجد أن المشرع الدستوري بمقتضى الفصل 71 أحال على القانون التشريع في العديد من الميادين، وبإلقاء نظرة عليها يتضح مما لا يدع مجال للشك أنها مرتبطة بشكل كبير بالحقوق والحريات الأساسية للمواطنات والمواطنين، منها على سبيل المثال لا الحصر، القانون يختص بالتشريع في ميدان علاقات الشغل والضمان الاجتماعي وحوادث الشغل،…، فهذه الحقوق والحريات يمكن أن تتعرض لانتهاك وتجاوز أثناء التطبيق، خاصة إذا استحضرنا ما ينص عليه الفصل 89 من الدستور من أنه تعمل الحكومة على تنفيذ القوانين، وهو ما يقتضي أن تتدخل الحكومة بإصدار تدابير تطبيقية للقوانين الصادرة في هذا المجال، ولأن تدخلها قد يمس بالحدود الواجبة احترامها، ومن هنا أهمية تدخل القضاء الدستوري.

وبالتالي، يتضح أن ثمة مجالات كثيرة تتعلق بالحقوق والحريات الأساسية لم يطلها القضاء الدستوري، وبالنتيجة لم يبلور فيها اجتهاد قضائي دستوري واضحا، وقائما بذاته قادر على تشكيل لبنة أساسية لكتلة دستورية حقوقية، والسبيل الوحيد للخروج من هذا القصور هو تكثيف احالة القوانين والمقتضيات القانونية المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية على القضاء الدستوري.

بالإضافة إلى ما أشارنا إليه أعلاه، يجب التأكيد على أن القضاء الدستوري المغربي يشتغل الآن في سياق دستوري تختلف أبعاده وطبيعته عما كان في السابق، إذا أصبح القضاء الدستوري ملزم بتكريس القواعد الدستورية المنبثقة عن التصدير وكذا عن المواثيق والاتفاقيات الدولية التي أقرتها الدولة المغربية، والمتعلقة على وجه الخصوص بالحقوق والحريات الأساسية، ومطالب بترجمة إرادة المشرع الدستوري في هذا الصدد، زد على ذلك، أن القاضي الدستوري المغربي مقبل على مرحلة جديدة، تتعلق بالنظر في دفوعات المواطنين والمواطنات في مواجهة المقتضيات القانونية التي تمس حقوقهم وحرياتهم المنصوصة عليها في الدستوري، مما يعني أن الترسانة القانونية المتعلقة بالحقوق والحريات سوف تخضع لمحك المراقبة الدستورية، وهذه الإمكانية سوف تطلب من القضاء الدستوري العمل وفق منهجية ومساطر مغايرة لتلك المعمول بها في إطار الرقابة السابقة.

 

[1] – أحمد فتحي سرور: التنظيم الدستوري للحقوق والحريات، ، دار الشروق،  الطبعة الثانية، 2000، ص.59

[2]– Dominique Rousseau : Dominique Rousseau, droit du contentieux constitutionnel, coll. Damant droit public, delta Montchrestien, 7 éd., 2006. p 409

[3] – دأبت معظم الدساتير في تعاملها مع تنظيم الحقوق والحريات تقسيمها إلى ثلاث فئات أساسية، الفئة الأولى: فهي الحقوق والحريات غير القابلة للتنظيم التشريعي، أو ما يصطلح عليه الحقوق والحريات المطلقة، وهي الحقوق والحريات التي نظنها الدستور ذاته تنظيما نهائيا يمتنع عندها المشرع العادي أن يصدر بشأنها أي تنظيم، وتعرف هذه الحقوق والحريات عند إيرادها في النصوص الدستورية، دون اقترانها بعبارة ” في حدود القانون” أو “وفق القانون” أو ” طبقا للقانون”، ومن أمثلة على ذلك، ما نص عليه الفصل 22 من الدستور المغربي لسنة 2011 من أنه ” لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت خاصة أو عامة”. أما الفئة الثانية: فهي الحقوق والحريات القابلة للتنظيم التشريعي، بعد إحالة الدستور لها إلى المشرع العادي، ولكن مع وضع ضوابط وقيود دستورية واضحة تكون قيدا على المشرع يتعين مراعاتها عند تنظيمه لها، وهذه الفئة من الحقوق وإن لم يحسم الدستور تنظيمها نهائيا، وأفسح المجال للمشرع للتدخل فيها، إلا أنه آثر عدم تركها لسلطة المشرع التقديرية الكاملة فأرفقها بقيود وشروط محددة، ومن أمثلتها، ما نص عليه الفصل 35 من الدستور المغربي من أنه لا يمكن نوع حق الملكية إلا إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. أما الفئة الثالثة: فهي الحقوق والحريات القابلة للتنظيم التشريعي، والتي أحالها الدستور دون قيود صريحة إلى المشرع العادي، فالمشرع هنا حصل على تفويض دستوري إزاء هذه الحقوق والحريات، ومن ثم لا ضير في تنظيم لها، وجل الحقوق والحريات تقع ضمن هذه الفئة، فالحرية أو الحق يقترن في النص الدستوري بعبارات تعرف بالنصوص المقيدة وأبرزها، ” بواسطة القانون” أو ” بنص قانوني” أو “وفقا للقانون” أو ” بموجب القانون” زمن أمثلة على ذلك، ما نص عليه الفصل 28 من الدستور المغربي من أن: للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، ماعدا ما ينص عليه القانون صراحة، والأمثلة على هذه الفئة من الحقوق والحريات كثيرة في الدستور المغربي لسنة 2011.

[4] – أحمد فتحي سرور: التنظيم الدستوري للحقوق والحريات، مرجع سابق، ص. 113

[5] – المرجع نفسه، ص. 116

[6] – قرار رقم 95.52، صادر بتاريخ 3 يناير 1995، ج.ر. عدد 4291، بتاريخ 25 يناير 1995

[7] – قرار رقم 829.12، صادر بتاريخ 04 فبراير 2012، ج.ر.، عدد 6021، بتاريخ 13 فبراير 2012.

[8] – قرار رقم 921.13، الصادر بتاريخ.13 غشت 2013، ج.ر. عدد 6185، بتاريخ 9 سبتمبر 2013

[9] – قرار رقم 382.00، الصادر بتاريخ 15 مارس 2000، ج.ر.، عدد 4786، بتاريخ 13 أبريل 2000.

[10] – القانون التنظيمي رقم 06.02 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 31.73 المتعلق بمجلس النواب.

[11] – قرار رقم 2002/475، الصادر بتاريخ 25 يونيو 2002، ج.ر. عدد 5017 ، بتاريخ فاتح يوليوز 2002.

[12] – قرار رقم 218.98، الصادر بتاريخ 9 يونيو 1998، ج.ر.، عدد 4601، بتاريخ 6 يوليو 1998.

[13] – قرار رقم 517.03، الصادر بتاريخ 10 يونيو 2003، ج.ر. عدد 5123، بتاريخ 7 يوليو 2003.

[14] – قرار رقم 802.10، الصادر بتاريخ 30 يويو 2010، ج.ر.، عدد 5860، بتاريخ 29 يوليو 2010.

[15] – قرار رقم 946.14، الصادر بتاريخ 30 أكتوبر 2014، ج.ر.، عدد 6308، بتاريخ 13 نوفمبر 2014.

[16]– المادة 23 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف، رقم 1.11.165الصادر بتاريخ 14 أكتوبر 2011، ج.ر.، عدد 5987، بتاريخ 27 نوفمبر 2011.

[17] – المادة 26 من القانون التنظيمي رقم 29.11، المتعلق بالأحزاب السياسية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.166، الصادر بتاريخ 22 أكتوبر 2011، ج.ر.، عدد 5989، بتاريخ 24 أكتوبر 2011.

[18] – المادة 24 من القانون التنظيمي رقم 28.11 المتعلق بمجلس المستشارين، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف، رقم 1.11.172 الصادر بتاريخ 21 نوفمبر 2011، ج.ر.، عدد 5997، بتاريخ 27 نوفمبر 2011.

[19] – المادة 76 من القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.173، بتاريخ 21 نوفمبر 2011، ج.ر.، عدد  5997 مكرر، بتاريخ 22 نوفمبر 2011.

[20] – انظر القانون التنظيمي رقم 34.15 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، الصادر بشأن تنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.90، الصادر بتاريخ 16 يوليو 2015، الجريدة الرسمية، عدد، 6380، الصادرة بتاريخ 23 يوليو 2015.

[21] – انظر كل من قرار رقم 817.11 الصادر بتاريخ 13 أكتوبر 2011، ج.ر.، عدد 5687، بتاريخ 17 أكتوبر 2011، قرار رقم 818.2011، الصادر بتاريخ 20 أكتوبر 2011، ج.ر.، عدد 5989، بتاريخ 24 أكتوبر 2011، قرار رقم 820.11، الصادر بتاريخ 18 نوفمبر 2011، ج.ر.، عدد 5997 مكرر، بتاريخ 22 نوفمبر 2011، قرار رقم 821.11، الصادر بتاريخ 19 نوفمبر 2011، ج.ر.، عدد 5997 مكرر، بتاريخ 22 نوفمبر 2011،  قرار رقم 970.15، الصادر بتاريخ 12 يوليو 2015، ج.ر.، عدد 6380، بتاريخ 23 يوليو 2015.

[22] – قرار رقم 924. 13، الصادر بتاريخ 22 غشت 2013، ج.ر.، عدد.6185، بتاريخ 9 سبتمبر 2013.

[23] – قرار رقم 943.14، ، الصادر بتاريخ 25 يوليوز 2014، ج.ر.، عدد 6580، بتاريخ 07 غشت 2014.

[24] – قرار رقم 954.15، الصادر بتاريخ 02 مارس 2015، ج.ر.، عدد 6342، بتاريخ 12 مارس 2015.

[25] – قرار رقم 475.02، مرجع سابق.

[26] – قرار رقم 867.12، الصادر بتاريخ 6 غشت 2012، ج.ر.، عدد 6079، بتاريخ 3 شتنبر 2012، ص. 4668

[27] – قرار رقم 938.14، الصادر في 14 يونيو 2014، ج.ر.، عدد 6267، بتاريخ 23 يونيو 2014.

[28] – قرار رقم 821.11، مرجع سابق

[29] – انظر قرار رقم 817.11، مرجع سابق، وقرار رقم 821.11، مرجع سابق

[30] – قرار رقم 795.10، الصادر بتاريخ 28 أبريل 2010، ج.ر.، عدد 5841، بتاريخ 24 ماي 2010.

[31] – انظر على سبيل المثال لا الحصر، القرار رقم 401.00، الصادر بتاريخ 13 يونيو 2001، ج.ر.، عدد.4810، بتاريخ 6 يوليو 2000. وقرار رقم 800.10، الصادر بتاريخ 27 ماي 2010، ج.ر.، عدد 5848، بتاريخ 17 يونيو 2010.

[32] – قرار رقم 630.07، الصادر بتاريخ 23 يناير 2007، عدد 5498، بتاريخ 08 فبراير 2007.

[33] – قرار رقم 817.11، مرجع سابق.

[34] – قرار رقم 921.13، مرجع سابق

[35] – قرار رقم 943.14، مرجع سابق

[36] – قرار رقم 992.16، الصادر بتاريخ 15 مارس 2016، ج.ر.، عدد 6452، بتاريخ 31 مارس 2016.

[37] – قرار رقم 660.07، الصادر بتاريخ 23 شتنبر 2007، ج.ر.، 5571، بتاريخ 22 اكتوبر 2007.

[38] – انظر قرار رقم 659.07، الصادر بتاريخ 23 سبتمبر 2007، ج.ر.، عدد 5571، بتاريخ 22 أكتوبر 2007،  قرار رقم 661.07، الصادر بتاريخ 23 شتنبر 2007، ج.ر.، 5571، بتاريخ 22 اكتوبر 2007.

[39] – انظر قرار رقم 817.11، مرجع سابق، وكذلك قرار رقم 820.11، مرجع سابق.

[40] – قرار رقم 921.13، مرجع سابق

[41] – قرار رقم 992.16، مرجع سابق

[42] – نور الدين أشحشاح: « المجلس الدستوري المغربي: أهمية الدور الحقوقي ومعوقاته»، منشورات المجلية المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 74، ماي-يونيو 2007. ص. 39 وما بعدها

[43] – نفس المرجع.

[44] – نور الدين أشحشاح: « المجلس الدستوري المغربي: أهمية الدور الحقوقي ومعوقاته»، مرجع سابق.

[45] – نفس المرجع..

[46] – نفس المرجع.

[47] – كانت الدساتير المغربية السابقة (1992 و1996) تحصر الجهات التي لها حق الطعن في دستورية القوانين العادية في : الملك، الوزير الأول، رئيسا مجلسي البرلمان، ربع أعضاء مجلس النواب (وربع أعضاء مجلس المستشارين في إطار دستور 1996).

[48] – من ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 53 من الدستور الإسباني لسنة 1978 من أن ” يمكن لأي مواطن أن يطالب بالوصاية على الحقوق والحريات المحددة في الفصل 14 وفي الفرع الأول من الفصل الثاني أمام المحاكم العادية بواسطة مسطرة قائمة على مبدأي الأفضلية والاستعجال، وعند الاقتضاء عن طريق الطعن بالإلغاء أمام المحكمة الدستورية”.

[49] – تطبيقا للفصل 133 من الدستور أعدت الحكومة مشروع القانون التنظيمي رقم 86.15 الذي يحدد شروط تطبيقه، وهو مشروع يوجد قيد المناقشة البرلمانية ولم يصدر بعد في الجريدة الرسمية.

[50] – ينص الفصل 163 من الدستور الإسباني لسنة 1978 على أن ” عندما يعتبر جهاز قضائي في بعض الدعاوي بأن قاعدة ذات قوة القانون المطبقة على حالة تتعارض مع الدستور يتوقف صحتها على حكم المحكمة الدستورية، يمكن أن يطرح المسألة أمامها، وذلك في الحالات وبالشكل والنتائج التي ينص عليها القانون….،”

[51] – نور الدين أشحشاح: « المجلس الدستوري المغربي: أهمية الدور الحقوقي ومعوقاته»، مرجع سابق.

[52] – انظر مشروع القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات تطبيق الفصل 133 من الدستور.

[53] – نور الدين أشحشاح: « المجلس الدستوري المغربي: أهمية الدور الحقوقي ومعوقاته»، مرجع سابق.

[54] – نورالدين أشحشاح: الرقابة على دستورية القوانين في المغرب – دراسة مقارنة- أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس أكدال، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، السنة الجامعية 2000- 2001، ص. 485.