اي دور للقضاء المالي في ترسيخ حكامة محلية؟

234

 

 

اي دور للقضاء المالي في ترسيخ حكامة محلية؟

 

إعداد:

حنان القادري

باحثة في مجال الرقابة القضائية على المال العام

سلك الدكتوراه

جامعة محمد الخامس السويسي

كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية – سلا-

 

 

 

 

 

 

 

 

أصبح أداء الجماعات الترابية حاليا من أهم المواضيع المطروحة للنقاش نظرا من جهة، للمسؤوليات الجسيمة التي تتحملها هذه الجماعات والأدوار الجديدة التي أضحت تضطلع بها على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. ومن جهة أخرى،  بالنظر إلى الاختلالات العميقة والإشكالات التي يعرفها تدبير الشأن  العام المحلي بشكل عام إن على مستوى الطريقة التي يدار بها ، أو في السلوكات السائدة.

حيث أصبح يطرح بحدة سؤال الحكامة أو بالأحرى كيف نصل إلى حكامة محلية، خاصة و أن المواطن لازال ينتظر و بكل إلحاح تحقيق تنمية محلية شاملة و متوازنة.

في هذا الصدد، يعد القضاء المالي من أهم الآليات المعول عليها لإعادة التوازن للتدبير المحلي بالنظر لكونه أعلى مؤسسة دستورية مستقلة ومتخصصة في الرقابة على المال العام. و بالنظر كذلك، لاتساع مجال الرقابة الذي يشمل مختلف تدخلات الأجهزة العمومية.

فإلى أي حد يمكن اعتبار القضاء المالي(و نخص بالذكر هنا المجالس الجهوية للحسابات )دعامة لحكامة جيدة(المطلب الأول)، و كيف يسهم في إعادة التوازن لتدبير الشأن العام المحلي (المطلب الثاني( .

المطلب الأول: القضاء المالي دعامة  للحكامة  الجيدة

بداية إن الحديث عن الحكامة يرتبط من الناحية المفاهيمية بمصطلح له روافد ودلالات متعددة، يصعب معها ضبطه أو إعطاؤه تعريفا موحدا أو نهائيا ،خاصة وأنه يكتسح مجالات متعددة و بصيغ مختلفة( الحكم الراشد،الحكم الجيد، الحوكمة…).

و قد تم تداوله في مجال تدبير الشأن العام أساسا من خلال تقارير بعض المؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولي الذي استعمل المصطلح لأول مرة سنة 1989 و اعتبر الحكامة بشكل عام  الحكم القائم على المشاركة و الشفافية و المساءلة و دعم سيادة القانون .

ليصبح بعد ذلك فلسفة جديدة للتعامل مع التدبير العمومي في مختلف المجالات الإدارية، المالية، و الاقتصادية…، و ليصبح موضوع الحكامة يفرض نفسه لاسيما في ظل سوء التدبير السائد، و في ظل الرغبة في البحث عن الاحترافية في التدبير العمومي وبالتحديد البحث عن النجاعة والفعالية / المردودية / تعميق اللامركزية/ الرؤية الاستراتيجية / الشفافية / التقييم / المساءلة…، وهذا ما دعا إلى الالتفات بكل قوة حول المصطلح لقوة المبادئ و القيم التي يستند إليها.

و موضوع الحكامة في المغرب يشكل ركنا أساسيا في دينامية تحديث التدبير العمومي التي يراهن عليها كدعامة أساسية لربح رهانات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية ، و مواجهة مشكل ندرة الموارد، بالإضافة إلى  التحديات المرتبطة بالتنافسية العالمية.

في هذا السياق، تحتل الوظيفة الرقابية مكانة استراتيجية مزدوجة ضمن منظومة مبادئ و قيم  الحكامة.

فمن جهة تعتبر الرقابة مبدأ جوهريا لا يكتمل بدونه نظام الحكامة الجيدة، و من جهة أخرى تتجسد معظم مبادئ هذا النظام عبر عنصر الرقابة و خاصة عندما تمارس من قبل أعلى جهاز للرقابة على المال العام ، الممثل في المغرب بالمجلس الأعلى للحسابات على المستوى المركزي، و بالمجالس الجهوية للحسابات على المستوى الترابي ليكونا معا ما يعرف بالقضاء المالي والمناط إليه دستوريا مهمة الحفاظ على المال العام والوقاية من مخاطر سوء التدبير العمومي. و ينظم القانون[1] رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية مختلف مجالات تدخلاته.

و تكتسي الرقابة العليا على المال العام أهمية فريدة كونها تنصب  و ترتبط بموضوع حساس هو المال العام، الذي يشكل جوهر الدولة بكل مكوناتها، و العمود الفقري لكل سياساتها و مخططاتها. و أي خلل على هذا المستوى يشكل خطرا على استقرارها، و يعيق جهودها نحو التقدم و التنمية.

ومن تم، فكل فساد أو سوء تدبير يمر أساسا عبر هذا المنفذ أي المال العام.

لذلك، لا يمكن تحقيق تدبير جيد بدون تحصين المال العام بالرقابة، و لا يمكن الحديث عن حكامة محلية دون استحضار دور القضاء المالي فيها، و الممثل بالمجالس الجهوية للحسابات التي تشكل مكسبا تاريخيا للامركزية و الديمقراطية المحلية، بعدما قام المشرع المغربي بلامركزية الرقابة العليا على الأموال العمومية، و قرب القضاء المالي جغرافيا من الأجهزة العمومية المحلية بعد تجربة محدودة للمجلس الأعلى للحسابات على المستوى المحلي، مقتديا بذلك ببعض التشريعات المقارنة من ضمنها التشريع الفرنسي الذي أنشأ غرفا جهوية للحسابات بموجب القانون 2 مارس 1982 المتعلق بحقوق و حريات الجماعات المحلية ، الذي أسند لهذه الغرف اختصاصات تتوزع بين مراقبة تدبير الجماعات المحلية و هيئاتها و مراقبة الميزانية، فضلا عن مراقبة الحسابات.

علما أنه بالموازاة مع ذلك تم حذف الوصاية القبلية – في فرنسا- على الجماعات المحلية وفقا لمبدأ الإدارة الحرة، و تم تعزيز هذه الاستقلالية بالرقابة اللاحقة للغرف الجهوية للحسابات. هذا في الوقت الذي يعمل المشرع الفرنسي اليوم على إصلاح القضاء المالي الفرنسي لمواكبة التحولات الراهنة لاسيما في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت بوادرها منذ سنة 2008 .

و قراءة متأنية وموضوعية لواقع التدبير المحلي بالمغرب كما تكشفه التقارير الرقابية، يؤكد وجود اختلالات عميقة على مستوى التدبير الإداري و المالي للجماعات الترابية تحد من المنافع المالية و الاقتصادية و الاجتماعية المنتظرة.

فمجال تحصيل وإنفاق الأموال العمومية – بالرغم من ندرة هذه الأموال- ، يعرف مظاهر سلوكية خطيرة، حيث شهدت السنوات الأخيرة تحريك العديد من الملفات المرتبطة بالفساد المالي على مستوى مرافق ومؤسسات عمومية مختلفة.

مما أصبح يهدد استقرار النظام العام المالي للقطاع العام، و سلامة ما يرتبط به من قواعد قانونية وضوابط تنظيمية و إدارية. و يمنع المالية العامة من أن تلعب دورها كاملا في التطور الاقتصادي و الاجتماعي.

و هذا دليل كاف على أن بناء حكامة جيدة ينطلق من مكافحة الفساد و سوء التدبير الذي يبطل مفعول البرامج و المبادرات المحلية. 

في هذا الجانب،  تندرج اختصاصات المجالس الجهوية للحسابات التي تشمل جميع أوجه التدبير المحلي، و تتوزع بين اختصاصات قضائية( لها طابع زجري) و أخرى  إدارية (لها طابع توجيهي و إرشادي) يتم ممارستهما بمساطر مختلفة، لكن بمقاربة مندمجة و وفق نظرة شمولية للتدبير العمومي تؤدي إلى تحديد المسؤولية بالنسبة لكل المتدخلين سواء تعلق الأمر بالآمر بالصرف، المحاسب العمومي، والمراقب، أو أي موظف أو عون يعمل تحت إمرتهم .

فبالنسبة للاختصاصات القضائية،  يتعلق الأمر ب :

  • التدقيـق و البـت في حسابـات الجماعات المحليـة و هيئاتـها، و كذا حسابـات

المؤسسات العمومية و المقاولات التي تملك رأسمالها كليا جماعات محلية و هيئاتها ومؤسسات عمومية تخضع لوصاية الجماعات المحلية و هيئاتها، و التي تتوفر على محاسب عمومي.[2]

و من خلال الفحص و التدقيق في الحساب ( حسب المسطرة المنصوص عليها في المواد 27 إلى 40 من القانون 62.99 ) إذا لم  يثبت للمجلس الجهوي للحسابات  وجود أية مخالفة على المحاسب العمومي بت في الحساب أو الوضعية المحاسبية بقرار نهائي. و تثبت القرارات النهائية عموما ما إذا كان المحاسب العمومي بريء الذمة، أو في حسابه فائض، أو في حسابه عجز و في هذه الحالة الأخيرة يحدد القرار مبلغ العجز الواجب دفعه بمجرد تبليغ القرار، و يتم تحصيل العجز طبقا للمقتضيات التشريعية و التنظيمية المعمول بها لفائدة الخزينة العامة، أو عند الاقتضاء، لفائدة المقاولة أو المؤسسة العمومية المعنية.

  • البـت فـي حسابـات المحاسبيـن بحكـم الواقـع، حيث يتولى المجلـس الجهـوي

للحسابات في حدود دائرة اختصاصه التصريح بالتسيير بحكم الواقع.[3]

و يعتبر محاسبا بحكم الواقع ( حسب المادة 41 من مدونة المحاكم المالية) كل شخص يباشر من غير أن يؤهل لذلك  من لدن السلطة المختصة عمليات قبض الموارد ودفع النفقات و حيازة و استعمال أموال أو قيم في ملك أحد الأجهزة العمومية الخاضعة لرقابة

المجلس. أو يقوم دون أن تكون له صفة محاسب عمومي بعمليات تتعلق بأموال أو قيم ليست في ملك الأجهزة المذكورة….و بالإضافة إلى ذلك يمكن بوجه خاص أن يعتبر مسؤولا عن التسيير بحكم الواقع، كل موظف أو عون و كذا كل من هو حاصل على طلبات عمومية ، والذي يكون بموافقته أو تشجيعه إما على المبالغة في بيانات الأثمان أو الفاتورات أو على تحريف البيانات الواردة بهذه الوثائق، قد عمد عن علم إلى تحرير أوامر بالأداء أو حوالات أو تبريرات أو أصول صورية .

و من هنا لا يفرق القانون في الواجبات و الالتزامات و المسؤوليات بين المحاسب العمومي و المحاسب أو المسير بحكم الواقع، تأسيسا على قاعدة أصولية فقهية تستهدف حماية المال العام مفادها ” إن الأموال العامة تحرق الأيدي التي تمتد إليها “.[4]

و على أي، إذا برر المسير بحكم الواقع جميع العمليات التي قام بها، ثم أثبت إرجاع الباقي إلى الصندوق العمومي  فإن ذمته تبرأ، و في حالة العكس فإن المحكمة تصرح بوجود عجز في حسابه.[5]

  • التأديب المتعلـق بالميزانيـة و الشـؤون الماليـة، وهذا خلافا للنظـام الفرنسـي،

حيث لا تتوفر الغرف الجهوية للحسابات على هذا الاختصاص المخول أصلا لجهاز مركزي هو محكمة التأديب المتعلق بالميزانية و الشؤون المالية(la cour de dicipline budgétaire et financier C.D.B.F).

يخضع للمجلس الجهوي للحسابات في هذا المجال ، حسب الفقرة الرابعة من المادة 118 من مدونة المحاكم المالية كل موظف أو مستخدم  يعمل في : الجماعات المحلية و هيئاتها ، المؤسسات العمومية الخاضعة لوصاية هذه الجماعات  و الهيئات، و كل الشركات التي تملك فيها الجماعات المحلية أو الهيئات على انفراد أو بصفة مشتركة بشكل مباشر أو غير مباشر أغلبية الأسهم في الرأسمال أو سلطة مرجحة في اتخاذ القرار.

كما لم يستثن المشرع المغربي من الخضوع لاختصاص المجالس الجهوية للحسابات في مجال التأديب المالي الآمرين بالصرف للجماعات الترابية ومجموعاتها، وذلك عكس القانون الفرنسي حيث لا يخضع لاختصاص محكمة التأديب  العمداء و رؤساء المجالس العامة والمجالس الجهوية.[6]

و تحدد المواد 54 و 55 و 56 من مدونة المحاكم المالية،  المخالفات التي تؤدي إلى تحريك المتابعة في مجال التأديب المالي.

أما بالنسبة للاختصاصات الإدارية، فالأمر يتعلق ب:

  • مراقبـة التسيـيـر، و تشمـل جميع أوجـه تسييـر الأجهـزة العموميـة الخاضعـة

لرقابة المجالس الجهوية للحسابات[7] ( الصفقات العمومية، مجـال التعمير، تدبير الأملاك العمومية، تدبير الموارد البشرية، تتبع عقود التدبير المفوض…)، بما في ذلك تقييم مدى تحقيق الأهداف المحددة و النتائج المحققة و كذا تكاليف و شروط اقتناء و استخدام الوسائل المستعملة.

و هذا التدخل من قبل المجالس الجهوية للحسابات يسمح بتفادي تفاقم الصعوبات المالية للأجهزة العمومية المحلية، كما يمكن من اكتشاف المخالفات في الوقت المناسب و قبل أن يلحقها التقادم، سواء تعلق الأمر بالأفعال المعاقب عليها في إطار التأديب المالي أو تلك التي تدخل في نطاق القانون الجنائي[8].

  • مراقبـة الإجراءات المتعلقـة بتنفيذ الميزانية، و  بخلاف باقي الاختصاصات

الأخرى – حيث يكون تدخل المجلس الجهوي للحسابات تلقائيا –  ترتبط ممارسة هذه الرقابة بطلب استشارة المجلس الجهوي للحسابات من طرف وزير الداخلية أو الوالي أو العامل حسب الحالات بشأن كل قضية تخص الإجراءات المتعلقة بتنفيذ ميزانية جماعة ترابية أو مجموعة.

و إن كان المشرع لم يحدد بدقة هذه الإجراءات باستثناء حالة رفض الحساب الإداري المنصوص عليها في المادة 143 من القانون 62.99 . لكن هذا لا يمنع من القول – حتى ولو لم يفصل المشرع في ذلك- أن هناك إجراءات متعددة تتعلق بتنفيذ الميزانية من ضمنها فتح حسابات خصوصية، فتح اعتمادات جديدة، التحويل من فصل إلى فصل…، و أيضا  الصفقات العمومية باعتبارها من أهم الوسائل التي يتم بواسطتها تنفيذ الميزانية.

  • مراقبة استخـدام الأمـوال العمـوميـة، و تهـدف إلى التأكـد مـن أن الإعانات و

المساعدات التي تقدمها جماعة محلية أو هيئة أو أي جهاز آخر خاضع لرقابة المجلس الجهوي إلى الجمعيات و المقاولات(باستثناء تلك الخاضعة لمراقبة التسيير) و كل الأجهزة الأخرى التي تستفيد من مساعدة كيفما كان شكلها،  يطابق الأهداف المتوخاة من هذه المساهمة أو المساعدة.

  • تلقي وتتبع ومراقبة التصريح الإجباري بالممتلكات، ويعتبر من المهام

الجديدة المسندة إلى المجالس الجهوية للحسابات ابتداء من سنة 2008 بموجب مجموعة من النصوص القانونية التي صدرت بالجريدة الرسمية عدد 5679 بتاريخ 04 ذي القعدة الموافق ل 03 شتنبر 2008.

و هكذا، للقضاء المالي اختصاصات واسعة ومميزات متعددة تمكنه من احتلال مكانة متميزة ضمن آليات الحكامة الجيدة. و سيتم التعرف فيما يلي إلى الكيفية التي يستثمر بها القضاء المالي هذه المميزات و الاختصاصات لإعادة التوازن لتدبير الشأن العام المحلي.

 

المطلب الثاني: مساهمة القضاء المالي في إعادة التوازن لتدبير الشأن العام المحلي     

 

إذا كان تدبير الشأن العام المحلي يتميز بما يمكن تسميته بظاهرة “عدم التوازن” التي تضيع فرص التنمية. فإن القضاء المالي من موقعه كأعلى جهاز للرقابة على المال العام يحرص على” إعادة التوازن” للتدبير المحلي و الرفع من كفاءته  و إعادة الاعتبار للأخلاقيات عبر تعميم مبادئ و قيم الحكامة و جعلها قيما عادية في التدبير، وذلك من خلال :

  • تكريس قواعد المساءلة و المحاسبة، التي ترتـبط أساسـا بالمسؤولية. و

المسؤولية تقترن بمفهوم “الواجب”، الذي يفرض من جهة الابتعاد عن السلطوية ( إساءة استعمال السلطة) و عن التحكم والتلاعب بمصالح المواطن.ومن جهة أخرى،  ضرورة تقديم الحساب الذي يحصَن و ينمَي حسَ المسؤولية.

و يعتبر تقديم الحساب من الخصائص الفريدة التي يتميز بها القضاء المالي دونا عن غيره من الأجهزة الأخرى. و يشكل جزءا من النظام العام  بحيث يتم تقديمه إلى المحكمة المالية سنويا بشكل تلقائي. و يتمكن المستشار المقرر بالمحكمة المالية من خلاله من القيام  بتدقيق و فحص شامل لجميع العمليات التي تتعلق بتنفيذ النفقات والمداخيل. و من خلاله تتمكن المجالس الجهوية من بسط رقابتها على كل الجوانب المتعلقة بتسيير الأجهزة المراقبة بالإضافة إلى اكتشاف المخالفات و التجاوزات التي تؤدي إلى تحريك المتابعة التأديبية المالية.

ولا تفوت الإشارة في هذا الصدد، أن مبالغ العجز التي يحكم بها قاضي الحسابات نادرا ما يتم تحصيلها، و عادة ما يتم إبراء ذمم المحاسبين منها على وجه الإحسان من طرف وزير المالية[9]. و هذا ما يثير الجدل لأنه من المفروض أن أحكام المحاكم المالية حائزة على قوة الشيء المقضي به، و هذه ثغرة من الثغرات التشريعية التي وجب تداركها بتدخل المشرع.

من ناحية أخرى، لازالت فكرة رفض المحاسبة و المساءلة موجودة، فقد لوحظ عدم تقيد بعض الآمرين بالصرف والمحاسبين العموميين المكلفين بتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية ومجموعاتها بهذا المبدأ، إذ لا يقدمون حساباتهم بكيفية منتظمة، بل إن بعض الجماعات الترابية وكذا بعض الأجهزة العمومية المحلية لم يسبق لها أن قدمت الحسابات الخاصة بها منذ أن شرعت المجالس الجهوية للحسابات في ممارسة اختصاصاتها منذ سنة 2004.

و يعمل القضاء المالي بكل الإمكانات القانونية المتاحة له على مواجهة هذا الإشكال و جعل قواعد المساءلة و المحاسبة قيما عادية و لو باستعمال وسائل زجرية و ردعية.

و هذا ما تشير إليه المادة 29 من القانون 62.99 و التي تؤكد أنه إذا لم يقدم الحساب أو البيانات المحاسبية أو المستندات المثبتة في الآجال المقررة، جاز للرئيس الأول بالتماس من الوكيل العام للملك أن يوجه إلى  المحاسب العمومي أوامر بتقديم هذه الوثائق. و إما يحكم عليه في حالة عدم تقديمها بغرامة قد تصل كحد أقصى إلى ألف (1000) درهم، و قد يحكم عليه كذلك بغرامة تهديدية أقصاها خمسمائة(500 ) درهم عن كل شهر من التأخير.

و في الواقع، ليس هناك ما يبرر رفض المساءلة و المحاسبة لأنها من جهة تتم من قبل هيئة قضائية مستقلة و محايدة تعمل بشكل جماعي بحيث أن كل حكم أو قرار أو رأي إلا و يصدر بعد تشاور ونقاش عن طريق التداول délibération و ينسب إلى المجلس الجهوي برمته و ليس إلى قاض مالي[10] بذاته . و من جهة أخرى تتم المحاسبة بناءا على مساطر وقواعد مقننة، تضمن حقوق الدفاع[11].

وتبعا لمبدأ المحاسبة، أخضع( القانون62.99 ) الولاة و العمال لولاية المجالس الجهوية للحسابات في ميدان التأديب المالي، و لم يعف رؤساء المجالس الجماعية من إمكانيات المتابعة أمامها، حتى و لو كانوا وزراء أو برلمانيين.[12]

و هكذا، تتجسد المساءلة و المحاسبة في أسمى تجلياتها، و يتم تسليط الضوء على مسؤولية كل المتدخلين في تدبير الشأن العام المحلي، باعتبارهم مسؤولين عن تدبير الأموال العمومية، و مؤتمنين على المصلحة العامة بل و الصالح العام. الأمر الذي يؤدي إلى تقوية شفافية التدبير المحلي.

  • تقويـة شفافيـة التدبيـر المحلـي، فإضافة إلى مبدأ تقديـم الحساب – وقد تم

التفصيل في هذه النقطة سالفا -.  تتجسد مساهمة المحاكم المالية في إشاعة الشفافية من خلال تلقي و تتبع و مراقبة التصريح الإجباري بالممتلكات. هذا الاختصاص الجسيم و الجديد الذي أسنده المشرع إلى هذه المحاكم ابتداءا من سنة 2008.

و ينعقد اختصاص المجالس الجهوية للحسابات في مجال التصريح الإجباري بالممتلكات إزاء بعض منتخبي المجالس المحلية(رؤساء مجالس الجهة؛ رؤساء مجالس العمالات أو الأقاليم؛ رؤساء المجالس الجماعية ورؤساء مجالس المقاطعات ؛ رؤساء مجموعات الجماعات الحضرية والقروية ورؤساء مجموعات الجماعات المحلية؛ رؤساء الغرف المهنية؛ المنتخبين الأعضاء في أحد المجالس أو الغرف المذكورة الحاصلين على تفويض إمضاء أو تفويض سلطة)، الموظفون والأعوان العموميون التابعين للدولة أو الجماعات الترابية والمنشآت العامة والهيآت الأخرى الذين يزاولون مهامهم التمثيلية أو الإدارية على صعيد دائرة النفوذ الترابي لمجلس الحسابات الجهوي المختص.

من ناحية أخرى، يشكل نشر التقارير المتعلقة بأنشطة المحاكم المالية ( بالرغم مما يمكن أن يقال حول كون هذا النشر جزئيا و يستثني الآراء المتعلقة بإجراءات تنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية، إلا أنه حقيقة يكفي أن نعرف أنه سابقا لم يكن النشر من الأساس ممكنا فالمسألة إذن مسألة وقت فقط) من  أحد الضمانات الأساسية للشفافية، التي تمكن هذه المحاكم بشكل عام و المجالس الجهوية  بشكل خاص من القيام بوظيفة إخبارية للرأي العام المحلي عن الطريقة التي تدار بها شؤون ومصالح المواطن.

كما أنها الوسيلة التي تبعث بواسطتها هذه المحاكم إشارات تنبيهية بهدف الحد من المخاطر المرتبطة بكل تدبير[13]. و ذلك بالرغم مما قد يخلفه نشر هذه التقارير من تخوف و عدم ارتياح لدى بعض المنتخبين المحليين، و خاصة اتجاه نشر الملاحظات التي توجه للجماعة التي يوجدون على رأسها لما يعتبرون في ذلك من تشكيك في نزاهتهم أو مصداقيتهم و سمعتهم الانتخابية.

و هذا التخوف أو الظاهرة موجودة حتى في الدول المتقدمة، فبالرغم من مرور ما يقارب تسعة و عشرين سنة من وجود الغرف الجهوية للحسابـات بالنسبة للتجربـة الفرنسيـة،

إلا أن هناك كما عبر عنه أحد الباحثين بعلاقات صراع relations conflictuelles   بين الغرف الجهوية و المنتخبين.[14] الذين يعملون بشكل أو بآخر على الحد من عمل هذه الغرف.[15]

في حين أن هذا النوع من الرقابة يتطابق و منطق اللامركزية، و لا يشكل أي عرقلة على حرية عمل الجماعات المحلية.[16]

في هذا الصدد، ما ينبغي التأكيد عليه أن الهدف من نشر التقارير ليس هو العقاب بقدر ما هو تكريس لقيم الشفافية و توخي المزيد من الحيطة و الحذر، والتعامل بمسؤولية و فعالية مع تدبير الشأن العام المحلي في كل جوانبه الإدارية و المالية. و الدليل على ذلك،  سيجد المنتخبون (وكل مدبري الأجهزة العمومية المحلية) في القضاء المالي دور الموجه والناصح و المرشد للجماعات الترابية.

  • تقديم الاستشارة و الدعم للجماعات الترابية، و هي إحدى الخصوصيات

التي تميز القضاء المالي عموما، الذي و إن كان قضاء زجريا في العديد من جوانبه، فهو أيضا قضاء يقوم على أسس الاستشارة و تقديم النصح و معالجة المشاكل و النزاعات. ففضلا عن الملاحظات المتعلقة بالتسيير، تظهر هذه الخصوصية أساسا في إمكانية سلطة الوصاية-  وزير الداخلية، الوالي، أو العامل حسب الحالات – طلب رأي المجلس الجهوي بشأن كل إشكال أو نزاع* يتعلق بإجراءات تنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية و مجموعاتها. و إن كان هذا الرأي غير ملزم إلا أنه مشروط بضرورة التعليل في حالة عدم الالتزام به، و يصعب منطقيا تجاوز رأي المجلس الجهوي للحسابات لأنه لم تلجأ سلطة الوصاية إليه إلا بعد أن استعصى عليها الأمر.

و عموما، تستفيد الجماعة الترابية من آراء و ملاحظات متخصصين يمدونها بحلول موضوعية ومحايدة، تؤسس لنوع من الحوار و الشفافية، و تكشف في الوقت نفسه عن الدور التحكيمي لقضاة المجالس الجهوية للحسابات في المساهمة في  الوقاية من النزاعات التي لا تؤدي إلا إلى المزيد من التأخر، و التأخر اليوم أصبح باهض الثمن في ظل ندرة الموارد، وتزايد التحديات التي تتطلب التركيز على الجودة و تدبير التنمية باقتصاد و فعالية. و هذا جانب آخر يحرص القضاء المالي على تحقيقه عبر تقييم الجودة و المردودية في تدبير المشاريع المحلية.

  • تقييــم الجـودة و المـردودية فـي تدبيـر المشاريـع المحليـة، فالتقيـيـم

l’évaluation هو من المناهج المعتمدة في المحاكم المالية و أساسا في مراقبة التسيير، والتي تمكن المجالس الجهوية للحسابات من مقاربة أداء الجماعات الترابية بشكل عام والتدبير الاقتصادي بشكل خاص بعدما أصبحت الجماعات الترابية اليوم تتحمل مسؤولية التأسيس لاقتصاد محلي و تلبية طلبات اقتصادية و اجتماعية مختلفة.

و تلعب مراقبة التسيير – كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين-  دور الربط بين الإدارة العامة و باقي المستويات الترابية للبحث عن التنسيق و التجانس بين الاستراتيجية الموضوعة و بين المخططات الاستراتيجية المحلية.[17]

من هذا المنطلق، ينبغي تطوير الرقابة من حيث تنمية الخبرة المالية و تكييفها و تنوع الجماعات الترابية و الأجهزة التي يتم فحصها، ليس فقط من الوجهة القانونية، و إنما أيضا من الناحية الفنية و التقنية و هذا أكثر ما تحتاجه و تنتظره الجماعات الترابية.[18]

فالجماعة الترابية في حاجة إلى التتبع و التقييم من أجل اكتشاف النقائص و العوائق التي تحول دون تحقيق النتائج المنتظرة من مخططاتها و برامجها و مشاريعها و حتى سياساتها العمومية إن توفرت فيها مقومات السياسة العمومية. و العمل على تجاوز و تفادي هذه العوائق مستقبلا.

فاستنادا إلى التقارير المتعلقة بأنشطة المحاكم المالية تعرف العديد من الجماعات الترابية  مجموعة من الاختلالات  في تدبير مشاريعها و مخططاتها التنموية من ضمنها:

– وجود ضعف في و ظيفة البرمجة و التخطيط

– عدم القدرة على التحكم في كلفة المخاطر و آجال التنفيذ

– بطء في إنجاز المشاريع المبرمجة

– إنفاق موارد ضخمة دون تحقيق المنافع و الأهداف الاقتصادية و الاجتماعية

-عدم احترام القواعد المنظمة للصفقات العمومية

– ضعف نظام المراقبة الداخلية

– ضعف مراقبة الجماعة الترابية للمرافق المسيرة في إطار التدبير المفوض…

و من هنا، تتجلى أهمية المجالس الجهوية للحسابات التي تعمل في هذا الصدد (رغم صعوبة عملية التقييم في ظل غياب أهداف واضحة)، على تحديث و تطوير أساليب و مناهج التدبير، و الرفع من إنتاجية القطاع العمومي المحلي عبر تزويد الجماعة الترابية بكل الملاحظات التي من شأنها تقوية وظيفة البرمجة و التخطيط و الاستعمال الأمثل للموارد المتاحة.  و من تم توسيع نسب مساهمة الجماعة الترابية في إنعاش الاقتصاد المحلي.

و عموما، لا يسع القول إلا أن القضاء المالي لبنة أساسية لبناء حكامة محلية ومكسبا وجب دعمه- ماديا و بشريا- و مساندته و تثمينه من أجل ترميم و تقويم التدبير المحلي، والحفاظ على الحظوظ في التنمية المحلية.

 

 

 1 القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.124 صادر في فاتح ربيع الآخر 1423 (الموافق ل 13 يونيو2002) ، الجريدة الرسمية عدد 5030 بتاريخ 15/08/2002 ، ص 2294 .

 المادة 126 من القانون 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية. [2]

 المادة 131 من نفس القانون.[3]

 1 ذ. محمد براو ، “الوجيز في شرح قانون المحاكم المالية:مساهمة في التأصيل الفقهي للرقابة القضائية على المال العام”، مطبعة طوب بريس، الطبعة الأولى، 2004، ص 140 .

 ذ. محمد براو، نفس المرجع، ص 146.[5]

3  ذ. محمد مجيدي، ” دور المجالس الجهوية للحسابات في تطوير أداء الجماعات المحلية”، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، كلية الحقوق أكدال 2006/ 2007، ص 53 .

 

 للمزيد من التوضيح انظر المادة 147 و المادة 148 من القانون 62.99 .[7]

ذ. محمد مجيدي، المرجع السابق، ص 79- 80  .[8]

 ذ. محمد مجيدي، المرجع السابق، ص 53 .[9]

* علاوة على أن قضاة المحاكم المالية أنفسهم يخضعون لمجموعة من الواجبات التي تضمن حيادهم، و يمكن الرجوع في هذا الصدد إلى  الكتاب الثالث من مدونة المحاكم المالية.

 انظر المادة 61 من مدونة المحاكم المالية[11]

 ذ. محمد براو، المرجع السابق، ص 240 .[12]

 التقرير المتعلق بأنشطة المحاكم المالية لسنة 2008 ،نفس المرجع، ص7 – 8 .[13]

 

[14]  M. Olivier Benoit, « LES CHAMBRES RÉGIONALES DES COMPTES FACE AUX

ÉLUS LOCAUX Les effets inattendus d’une institution », Revue française de science politique , vol. 53, n° 4, août 2003, p. 537.

[15] Idem, p548.

 

[16] M.Michel Bouvier et autres, « finances publiques », L.G.D.J , 9 e édition, Paris, 2008, p. 867.

 *و غالبا ما يتعلق الأمر  بمشكل رفض الحسابات الإدارية، و قد عزز المشرع من خلال القانون 17.08 المغير و المتمم للميثاق الجماعي مجهودات المجالس الجهوية للحسابات من خلال اعتماد مسطرة جديدة في التصويت على الحساب الإداري ،حيث لم يعد التصويت بالرفض على الحساب الإداري يوقف برمجة فائض الميزانية.

[17] M.Abdellatif Amrani et Saîd Zergout, « Le contrôle de gestion communal : Analyse de cas etrangers », Remld, N° 47 novembre/ december 2002, p 57.

 

[18] Mme.Laure Ortiz : Intervention au colloque du 23 october 2007 sur : « Place et  rôle de la Chambre Régionale  des Comptes  de  MIDI-PYRENEES dans la gouvernance locale », la revue du trésor, n° 1 – Janvier 2008 . p 25.  www.ccomptes.fr/archive