انعكاسات تحرير تجارة الخدمات على التعليم العالي في الدول النامية

244

الأستاذ : د. أحمد طويل ،

دكتوراه في القانون العام ــ كلية الحقوق وجدة ،

باحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية ،

عنوان المقالة : انعكاسات تحرير تجارة الخدمات على التعليم العالي في الدول النامية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

 

يظل الحق في التعليم أحد الحقوق الأساسية للإنسان ، كما يعتبر المفتاح الرئيسي لممارسة باقي الحقوق المتعلقة به ، إنه حق يساهم بطريقة حاسمة للغاية في تمكين الفرد ، خاصة بالنسبة للأشخاص المهمشين اقتصاديا واجتماعيا وتخليصهم من البؤس والفقر . وبهذا أصبح التعليم العالي اليوم ذا أهمية كبرى ومحورية في اقتصاديات الدول ، وهذا ما جعله يحظى في العقود الأخيرة باهتمام متزايد سواء من قبل الأفراد أو الجماعات أو الدول ، بل وحتى المنظمات الحكومية وغير الحكومية ، ويرجع ذلك جزئيا إلى دوره الرائد في تحسين الإنتاجية وتطوير النمو الاقتصادي وتعزيز الابتكار والقدرات التكنولوجية . ويعتبر تطوير هذا القطاع شرطا ضروريا لنمو الاقتصاد العالمي واتساعه ، كما تظهر أهميته في التأثير على فلسفة مؤسسات التعليم العالي ودورها في تحقيق التنمية المجتمعية ، والدور الذي يلعبه في الاقتصاد الوطني وفي تنافسية هذا الاقتصاد على المستوى الدولي [1] .

 

وفي هذا السياق فإن الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات تعتبر التعليم سلعة قابلة للتسويق مثلها مثل البضائع والسلع الأخرى وليست حقا أساسيا من حقوق الإنسان ، وتعطى الأولوية لقانون المنافسة التجارية على جميع حقوق الإنسان الأساسية بما فيها الحق في التعليم ، مما جعل لهذه الاتفاقية انعكاسات سلبية على الدول النامية ، بل وأصبحت تشكل تهديدا خطيرا للحق في التعليم ، من خلال عمليات تحرير وخوصصة الخدمات التعليمية . وهذا ما يدفعنا إلى تحميل الدول والحكومات مسؤولية توفير التعليم لمواطنيها مع أخذ الحيطة والحذر من الانعكاسات السلبية للاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات التي تعمل على تسليع التعليم ، وذلك برسم سياسات عمومية تخدم المصلحة العامة ومختلف جوانب التنمية، وليس فقط خدمة أهداف وأولويات الشركات والمؤسسات الخاصة سواء كانت دولية أو وطنية .

 

ولكن يبدو من المهم التأكيد على أن الإنسان هو كائن ثقافي وليس كائنا اقتصاديا ومستهلكا فقط . ومن هنا فإن وجهة النظر النفعية التي ترى في التعليم مفيد من الناحية الاقتصادية فقط ، ليست سوى رؤية محدودة للغاية ، ويجب أن يتم تجاوزها من خلال رؤية متعددة التخصصات وأكثر شمولا ، ومن خلال تتبع آثار وانعكاسات الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات والوعي بمخاطرها .

 

وتأسيسا على ما سبق سنعمل على دراسة ربط تحرير تجارة الخدمات بقطاع التعليم من خلال الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات واستعراض أهم المقاربات والمواقف المؤيدة والمعارضة لتحرير تجارة الخدمات التعليمية من خلال المبحث الأول ، فيما سنخصص المبحث الثاني إلى رصد آثار وانعكاسات تحرير التجارة على مختلف جوانب الخدمات

التعليمية في الدول النامية .

المبحث الأول : تحرير تجارة الخدمات التعليمية والمقاربات المؤطرة لها

 

إذا كانت التجارة العالمية هي عبارة عن تبادل تجاري للبضائع والخدمات خارج الحدود المحلية ، فإن إدراج التعليم ضمن هذا التعريف ليس أمرا محسوما . ففي حين يعتبر البعض أن التعليم حق أو مصلحة عامة ، وبالتالي لا يجب اعتباره سلعة أو إخضاعه لاتفاقات تجارية ، فإن مواقف أخرى تعتبره خدمة أو بضاعة مثل أية خدمة قابلة للتسويق، وهو المنطق الذي تبنته منظمة التجارة العالمية من خلال الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات (AGCS) .

 

المطلب الأول : إدراج التعليم ضمن الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات

 

لقد جرت العادة على أن الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتعليم العالي كان يتم تأطيرها من خلال المحادثات والاتفاقيات الثنائية بين الدول ، أو من خلال منظمة الأمم المتحدة للتعليم والعلوم والثقافة (اليونسكو)، لكن الأمر عرف تطورا سريعا من جانب بعض الدول المتقدمة التي بدأت تدرج التعليم العالي ضمن قطاع الخدمات ، مثل الخدمات الصحية والاجتماعية والمالية والسياحية ، وخدمات الاتصالات ، وخدمات النقل … بعدما تحول التعليم تدريجيا إلى تجارة ربحية ، حيث اندثرت معالم التعليم العام المجاني لتحل محله مؤسسات ربحية تتاجر في العملية التعليمية . وبالتالي فإن النظرة الجديدة للتعليم العالي جعلت منه جانبا من أنشطة الخدمات التجارية ، التي تدر عائدات وأرباح للاستثمارات الخاصة ، وفي هذا الصدد أصبح قطاع التعليم العالي ـــ إسوة بالخدمات الصحية سواء الخاصة أو العامة التي تم تحويلها إلى تجارة ربحية ـــ قضية من اختصاص الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات ، وأصبحت منظمة التجارة العالمية بمثابة الإطار الذي تتم في ظله الاتفاقيات المتعلقة بشؤون التعليم العالي [2] . ومن هنا بدأ الحديث عن “تبضيع” أو “تسليع”

التعليم واعتباره سلعة قابلة للتبادل [3] ، وتم إدراجه في إطار الخدمات الخاضعة لقواعد التجارة الدولية ، وهو ما دفع العديد من الحكومات إلى اعتماد إصلاحات ملائمة للسوق لدعم نمو هذا القطاع الآخذ في الاتساع .

 

إن هذه الاتفاقية تعكس إضفاء الطابع الرسمي على الإجراءات وعمليات السوق المنطبقة على التجارة الدولية في الخدمات . وتشمل هذه الاتفاقية جميع الخدمات التي تدخل في إطار التجارة الدولية، بما في ذلك الخدمات التعليمية. ويمكن تقسيم هذه الخدمات إلى خمس فئات : التعليم الابتدائي والثانوي والتعليم العالي ، وتعليم الكبار، وأصناف أخرى . وبالإضافة إلى ذلك فإن الاتفاقية ، تحدد أربعة “أساليب” أو أنماط للتسويق [4] (المادة الأولى والثانية) :

  1. توريد الخدمات عبر الحدود (بقاء المستهلكين (الطلاب) في بلدهم، التعليم عن بعد مثلا) ،
  2. الاستهلاك في الخارج (عبور المستهلكين حدود بلدهم من أجل الدراسة( ،
  3. الحضور التجاري للموردين إلى بلد آخر (التنقل المؤسسي أو الشراكة بين موردي خدمات التعليم أجانب ومحليين) ،
  4. وجود الأشخاص الطبيعيين في بلد آخر (تنقل الموظفين) .

ومن الناحية التاريخية  ، تقدمت أمانة منظمة التجارة العالمية في شتنبر 1998 ، في مذكرة تركيبية ، بمقترح مفاده أنه ما دامت الحكومات تعترف بوجود مقدمي خدمات خواص في مجال التعليم ، فإنه يمكن اعتبارها خدمة تجارية، وبالتالي رهنها بالنظم المعمول بها في منظمة التجارة العالمية ، وحددت لأول مرة قائمة العقبات التي تحول دون التبادل الحر “للخدمات التعليمية” في جميع أنحاء العالم ، بما في ذلك احتكارات الدولة ، والقيود المفروضة على الهجرة أو رفض تقديم المساعدات المالية للمؤسسات الخاصة . وقد تمت الموافقة على الاقتراح في عام 1999 ، وأدرجت الخدمات التعليمية في المفاوضات التي بدأت في يناير 2000 بشأن مسألة الخدمات الجديدة . وقد أعاد إعلان الدوحة 2001 تأكيد هذا الموقف وتم تحديد التواريخ الرئيسية في الجدول الزمني للتفاوض [5] . وبهذا تم اعتبار سوق التعليم أكثر فأكثر كسوق للخدمات مثل الأسواق الأخرى ، وقد تم إدراجها في الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات التي وقعت في مراكش عام 2004 من قبل أكثر من 130 دولة [6] .

ويتم تعريف خدمات الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات عموما على نطاق واسع ، وتنقسم حاليا إلى 12 منطقة تجارية دولية رئيسية، تنقسم كذلك إلى نحو 160 صنفا من الخدمات أو القطاعات الفرعية. وتشمل القطاعات الـ 12 : الأعمال التجارية والاتصالات والبناء والهندسة والتوزيع والتعليم والبيئة والصحة والسياحة والسفر والترفيه (الأنشطة الثقافية والرياضية) والنقل ، والتمويل، والخدمات “الأخرى” [7] . ويتعلق أحدهما بخدمات التعليم في جميع الدول الأعضاء التي لا تعتمد نظمها التعليمية حصرا على القطاع العام .

والجدير بالذكر أن هذا الخلاف الناشئ حول حاضر التعليم ومستقبله جاء في أعقاب ازدهار تجارة الخدمات التعليمية خلال العقد الأخير من القرن الماضي . والواقع أن الهيئات الاقتصادية تمارس اليوم ضغوطا هائلة على الجامعات ، لا سيما تلك التي تشهد تراجعا في إقبال الطلاب عليها وتدنيا ملحوظا في مستواها الأكاديمي وعجزا متناميا في موازناتها السنوية ، لتقليل الأموال العامة التي تتدفق عليها ، الأمر الذي يضع تلك الجامعات أمام احتمالين :

  • الاستمرار في تدهورها الأكاديمي والمالي ، مع ما يترتب على ذلك من نتائج اجتماعية خطيرة.
  • تعويمها وإنقاذها باللجوء إلى خوصصتها كليا أو جزئيا ، بما يتماشى مع مفهوم “تسويق التعليم” أو “تسليع التعليم” الذي تتوخاه منظمة التجارة العالمية بترويجها لتجارة الخدمات .

وتكشف هذه الاتفاقية تصميم المنظمة على زيادة تحرير التجارة على الصعيد الدولي، والتي تشمل “التعليم”  كقطاع خدمات . ومن الأمثلة على “الحواجز” المتصورة في التجارة في خدمات التعليم العالي نذكر القيود المفروضة على التأشيرات والضرائب التي تضر بالمؤسسات الأجنبية وترتيبات الاعتماد والقبول التي تتمتع بها المؤسسات المحلية . وعلى العموم فإن العديد من الدارسين والباحثين ينظر إلى الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات كقوة إيجابية ، مما يسرع تهافت مقدمي خدمات التعليم العالي من القطاعين الخاص والأجنبي على البلدان التي تكون فيها القدرات المحلية غير كافية. في حين يتخذ آخرون وجهة نظر سلبية أكثر ، وذلك بإظهار القلق تجاه تحرير التعليم الذي قد يعرض العناصر الهامة لضمان الجودة للخطر ويسمح لمقدمي الخدمات من القطاعين الخاص والأجنبي باحتكار أفضل الطلاب والبرامج الأكثر ربحا [8] .

المطلب الثاني : تعدد المقاربات حول سياسات تحرير التجارة في الخدمات التعليمية

على الرغم من إخضاع التعليم العالي إلى قواعد منظمة التجارة العالمية لم يحْظَ باهتمام كبير من العالم الأكاديمي القانوني ، إلا أن المجتمع المدني قد تأثر بشدة بهذا “التحول” وكان أكثر نشاطا في مواجهة عمليات خوصصة التعليم وإخضاعه للمنطق التجاري الربحي ، وحاول تسليط الضوء على مخاطر وعواقب إزالة الضوابط والحواجز وتبني سياسة الخوصصة التي تفرضها الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات ،  وأقر على أن التعليم خدمة عامة تبقى من اختصاص الدول ، فيما حاولت مقاربات أخرى على استجلاء إيجابيات تحرير التعليم على الدول النامية بالخصوص ، والإقرار بأنها خدمة يمكن أن يقدمها أي مورد وتخضع إلى قواعد التجارة العالمية [9] . ويعود هذا التضارب الصارخ بين هذه المقاربات إلى الاختلاف في فهم وتفسير المادة (I/3/ب،ج) .

الفرع الأول : مقاربة مؤيدي تحرير التعليم

لقد ساهمت العديد من العوامل في تطور التجارة الدولية في الخدمات التعليمية . ويعد هذا التطور في الخدمات التعليمية جزءاً من سياق تكنولوجي واقتصادي ، يتسم بتطور تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الجديدة والحماسة للاقتصاد الإلكتروني وتطور اقتصاد المعرفة والتوجه إلى التعلم على مدى الحياة والتغيرات الديموغرافية. لقد أدى هذا السياق العام إلى تدويل خدمات التعليم العالي في لعب دور هام في تطوير وتعزيز حركة الطلاب ، وكذلك في انخراط الجامعات العمومية في السوق العالمية لخدمات التعليم ما بعد الثانوي . إن المنطق التجاري يعتبر أن الدخل الكبير المستمد من الرسوم الدراسية للطلاب الدوليين يساهم في منح المؤسسات التعليمية حوافز قوية لتوظيف وتوفير خدمات تعليمية متطورة وبنية تحتية ملائمة . هذه الجهود المبذولة لا تمر فقط من خلال استراتيجيات التسويق ، ولكن أيضا من خلال التكيف التدريجي لعروضها مع مطالب أو احتياجات الطلاب الدوليين [10] .

إن الطلب على التعليم العالي وتعليم البالغين ، خاصة فيما يتعلق بالفصول الدراسية المهنية وطرق التعليم غير التقليدية ، في تزايد مطرد في غالبية الدول . وبالموازاة مع هذا التزايد في الطلب ، فإن قدرة القطاع العام على تلبية ذلك الطلب المتصاعد معرض للتحديات في كل أنحاء العالم ، نتيجة لمحدودية الميزانية والتغير في دور الحكومات والتركيز المتزايد على اقتصاديات السوق والخوصصة ، الشيء الذي جعل العملية التعليمية تخرج عن دائرتها التقليدية، فأصبحت المعارف والعلوم متوفرة للجميع بمجرد بعض النقرات على أزرار الفأرة ولوحة المفاتيح ، أو بإدخال تقنيات المعلومات والاتصال .

إن هذا الوضع سيؤدي إلى إنهاء احتكار المدرسة للعملية التعليمية : حيث لم تعد المكان الوحيد لتلقي العلم، حيث برزت العديد من الأشكال الأخرى التي لها طابع تجاري كالمدارس الافتراضية ومؤسسات التعليم عن بعد … ، ودخلت العملية التعليمية مجموعات ومنظمات كانت إلى وقت قريب لا تمت بأية صلة إلى القطاع . علاوة على ذلك فهذا التطور سينتج عنه ضمان التشغيل والإنتاج للموارد البشرية ، وسرعة تأقلمه مع ظروف عدم الاستقرار التي يتميز بها سوق العمل في عصر العولمة ، وذلك من خلال تعميم تعلم الاستعمال البسيط للحاسوب والإنترنت للفرد ، وبذلك تزيد مقدرته على التعلم مدى الحياة على حسابه الخاص ، وفي أوقات فراغه ، وهي خدمة تقدمها المدرسة للمواطنين ، مما يفيد في توفير وربح الموارد الضخمة التي كانت تصرف على إعادة التأهيل [11] .

 

وفي نفس الوقت لقد وفَّر الابتكار في تقنيات المعلومات والاتصالات بدائل وطرق افتراضية للتعليم العالي . وبناء على هذا ، فقد ظهرت أنواع جديدة من الجامعات والشركات الجامعية والمؤسسات الربحية وشركات الوسائل المتعددة، لتوريد التعليم العالي عبر الحدود الدولية ولتلبية الحاجيات إلى البلدان الأخرى . وبسرعة مذهلة تم وضع برامج مختلفة ومتنوعة لتوصيل التعليم العالي ، مثل فروع الجامعات ، إلى جانب ترتيبات الوكالات والتوأمة ، وبالتالي أطلت على العالم صورة مثيرة  لسبل توصيل التعليم العالي [12] ، حيث لم يعد الطلبة هم وحدهم من يتحركون ، بل إن البرامج الأكاديمية وموردي التعليم أو متعهديه هم الآخرون يتحركون عبر الحدود . هذا الدافع التجاري أو الربحي أصبح اليوم واقعا ، وينطبق على كل من موردي الخدمات الخاصة وفي بعض الحالات يشمل حتى المؤسسات العمومية . وباختصار ، فإن الجانب التجاري من التعليم العابر للحدود يعرف نموا كبيرا ، وهذا هو الهدف الرئيسي من الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات . لذلك من المهم أن يعرف المختصون في مجال التعليم تأثير تحرير التجارة على التعليم العالي ، وأن يتخذوا خطوات لتحقيق أقصى قدر من المنافع ولتقليل الأخطار التي تهدد نظام التعليم العالي القوي والجيد . وتلك جهود كلها يجب أن تكون غايتها ضمان نظام تعليم عالٍ متماسك وعلى قدر كبير من الجودة [13].

ومن ناحية أخرى ، يمكن أن يكون استخدام الخدمات الأجنبية وسيلة للإسراع من تطوير نظام جامعي وطني عن طريق تدريب بعض المدرسين في المستقبل ومن خلال تبادل المعارف التي يتم الحصول عليها في شراكات بين المؤسسات الوطنية ونظيرتها الأجنبية . ففي الدول النامية ، يمكن أن تسهم التجارة الدولية في الخدمات التعليمية أيضا في التنمية الاقتصادية من خلال التوسع السريع في المشاركة في التعليم ما بعد الثانوي ، وهو توسع لا يعتمد حاليا على أنظمتها الوطنية وحدها . ففي إطار اقتصاد المعرفة ، من المتوقع أن يكون لهذا التوسع في الوصول إلى التعليم العالي تأثير اقتصادي إيجابي على هذه البلدان [14] . كما أن حركية الطلاب له انعكاسات سلبية ، إذ أنها عملية مكلفة وهذا من شأنه أن يزيد من احتمال هجرة الأدمغة ، مما يجعل من تحرير التجارة الدولية في الخدمات التعليمية خصوصا النمطين 1 و 3 وسيلة مهمة للتخفيف أو وقف هذا النزيف ، بما أن استثمار المؤسسات الأجنبية يجعل الخدمات التعليمية أقل تكلفة للطلاب ، وكذا بالنسبة للحكومات التي من المفروض أن يقع على عاتقها تمويل هذه الخدمات .

 

إضافة إلى ما سبق ذكره فإن مناصري تحرير التعليم يتكئون على حجج أخرى ، حيث يقرون على أن التزويد الخارجي يمكن أن يؤدي إلى التخلي عن النظام التعليمي المحلي والتوجه نحو تبني منهاج مختلف وأساليب أخرى في

طرائق التدريس وأنظمة إدارية مغايرة وأساليب جديدة للبحث . وقد لعب التعليم العابر للحدود أحيانا دورا مهما في تطور أنظمة ضمان الجودة التي تكون قد تطورت في البداية على أنها “ميكانيزمات تصفية” بهدف التعامل مع المزودين الأجانب ، ثم تم تطبيقها فيما بعد لمراقبة المزودين المحليين وتحسين مستوياتهم . إضافة إلى ذلك فإنه من شأن منح المزودين الأجانب التراخيص أن يحفز الحكومة المضيفة على تشجيع المزودين الخواص المحليين على منح شهادات عليا [15] .

جانب آخر لا يقل أهمية عن الجوانب السابقة ذكرها وهو المتعلق بالجانب المالي ، حيث يؤكد مناصرو التعليم المتحرر على أن الدولة لم يعد يقع على عاتقها وحدها مسؤولية تمويل التعليم وتحمل الأعباء المالية لهذا القطاع ، بل أصبحت المؤسسات الأجنبية أو المحلية المستثمرة في هذا القطاع تتقاسم مع الدولة هذه المهمة ، الشيء الذي أدى إلى تخفيف العبء والضغط على الميزانية العامة ، واستثمار هذه الأموال التي تم توفيرها في تطوير قطاعات أخرى .

الفرع الثاني : مقاربة معارضي تسويق وتسليع التعليم

في الواقع إن السماح للجامعات والمؤسسات الأجنبية باستغلال أسواق التعليم في البلدان النامية والسيطرة عليها من المرجح أن يضعف نظام التعليم العالي في هذه البلدان [16] ، مما جعل العديد من الأصوات تعتبر أنه ليس مألوفا أن يكون للربح التجاري والمالي الأسبقية على الاعتبارات التعليمية والإنسانية [17].

إضافة إلى ذلك يعتبر أصحاب هذه المقاربة أن تعزيز التجارة الدولية سيشجع على تحرير قطاع التعليم ، ولا سيما إزالة كل رقابة قانونية وسياسية ومالية للجودة في القطاع ، وسيؤدي ذلك إلى تخلي الحكومات عن مسؤولياتها الاجتماعية ، ويسفر عن تعميق اللامساواة الاجتماعية وعرقلة نشر القيم الأخلاقية والثقافية ، ويؤدي إلى توحيد التعليم وإقصاء الثقافات المحلية والوطنية ويكون له تأثير سلبي على سيادة الشعوب .

ويؤكد معارضي سياسة تحرير قطاع التعليم على ضرورة تجميد المفاوضات التجارية بشأن الخدمات التعليمية في منظمة التجارة العالمية بالاستناد إلى مبدأ الحيطة (التحوُّط) [18] . وفي رأيهم فإن تطور التجارة الدولية يمكن أن يتم دون الحاجة إلى أية اتفاقيات تجارية ، ومنه فإن المفاوضات التجارية تكون عديمة الفائدة لأنها قد تؤثر بشكل سلبي على جودة التعليم العالي وعلى تكافؤ الفرص ومبدأ المساواة في الولوج إليه ، إضافة إلى أن هذه المفاوضات لها انعكاسات سلبية على حق السلطات الوطنية في تدبير نظم التعليم العالي العمومي ودعمها . من جهة أخرى فإن هذه المقاربة التي ترى في التعليم العالي خدمة عامة تعتبر أن المنافسة التجارية وهيمنة مبادئ اقتصاد السوق على قطاع التعليم تشكل تهديدا للتمويل العام والاستقلال الفكري لقطاع التعليم العالي [19] .

 

وعموما فإن التوجهات السائدة بين الأكاديميين في البلدان النامية تسير في اتجاه انتقاد الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات [20] . وتدور الحجج المناهضة لتدويل وعولمة التعليم حول نفس الأبعاد الأربعة العريضة التي تدافع عن تحرير التجارة في الخدمات التعليمية ، وهي الأبعاد السياسية ، والاقتصادية ، والأكاديمية ، والثقافية الاجتماعية .

 

 

بداية فالتعليم بالنسبة إليهم يعتبر “مِلكا” أو خدمة عمومية وكذلك “حاجة اجتماعية فخرية” ، ينتج عنه عدد كبير من الآثار الخارجية ـــ الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية ، إضافة إلى أنه مفيد للفرد . إن معظم المجتمعات المتحضرة تتحمل فيها جميع الحكومات تقريبا مسؤولية توفير خدمات التعليم لمواطنيها ، كما يتم الاعتراف بالتعليم كخدمة عامة أساسية . لكن من الناحية المبدئية فإن الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات لا تعترف بهذه الجوانب الأساسية ، باعتبار التعليم ليس سلعة أو خدمة عامة ، ولكن تعد سلعة قابلة للتسويق أو هو عبارة عن نشاط تجاري . فالاتفاقية لا تقيم تمييزا بين التجارة في الخدمات مثل التعليم والتجارة في السلع مثل السيارات وأجهزة الحاسوب وغيرها . فبموجب هذه الاتفاقية فإن السلع العامة هي سلع قابلة للتسويق يتم تداولها لغرض البيع وتحقيق الأرباح . في الواقع ، فإن هذه الاتفاقية ترتكز على التجارة وليس على التعليم . لذلك فمن المشروع أن يسيطر علينا هاجس اختفاء مفهوم التعليم على أنه “مصلحة عامة” [21] ، لأن الكثير يشعرون بأن مصطلح “التجارة في التعليم” يعد وسيلة لمناهضة للتعليم. ونتيجة لذلك، يجادل الكثيرون في عدم اعتبار التعليم سلعة أو خدمة قابلة للتبادل ، وبالتالي لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يدخل في نطاق الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات [22] .

 

ثانيا ، يرتبط التعليم ارتباطا وثيقا بثقافة وفلسفة المجتمع ، وهو يغرس القيم التي تثري تراث المجتمع وتعزز النسيج الاجتماعي من خلال تعزيز الوئام الاجتماعي والديني وترسيخ قيم الديمقراطية . وهذا هو السبب الذي جعل الهند مثلا ترفض مباشرة بعد استقلالها مساعدة من الولايات المتحدة لبناء نظام التعليم العالي فيها ، باستثناء عدد قليل من المؤسسات مثل المعاهد الهندية للتكنولوجيا ، التي يتم تمويلها من خلال المساعدات الخارجية [23] . وبهذا يتم اعتبار تجارة التعليم العالي عاملا يحتمل أن يعود بالضرر على التراث الثقافي والوئام الاجتماعي والديني والقيم الوطنية والتربوية والخدمات العمومية الأخرى التي تسعى الحكومات الوطنية إلى ترسيخها . ويصبح التعليم إذن منعزلا عن النسيج والأصول الاجتماعية والثقافية للبلد الأم ، وتسود بالتالي مجموعة واحدة فقط من القيم وعالما واحدا من الثقافة قد يقوض التمايزات المحلية ، وهو ما يمكن أن يطلق عليه “التجانس” أو “الإمبريالية الثقافية” [24] .

 

وتكمن المشكلة الرئيسية في هذا الصدد في أنه على الرغم من حسن نية مزودو الخدمات التعليمية الأجانب ​​، فإنهم قد لا يتمكنوا بشكل كافٍ من فهم فلسفة البلاد وقيمها ومشاكلها ولغة التدريس وما إلى ذلك ، لتزويد الطلاب المحليين بالتعليم المناسب . كما قد لا تعكس البرامج والخطط الدراسية التي تقدمها المؤسسات الأجنبية الثقافة والفلسفة المحليتيْن ، والخطر الكبير هو الاختفاء التدريجي للبرامج المحلية لصالح البرامج الأجنبية ، وعلى المستوى البعيد توحيد برامج التعليم العالي في جميع أنحاء العالم ، كما هو الحال بالفعل في بعض التخصصات مثل الإدارة والهندسة وتكنولوجيا المعلومات . وهذا من شأنه أن يؤدي إلى هيمنة اللغة الإنجليزية ، وبالمقابل سوف يكون مصير جميع اللغات الأخرى النسيان والانقراض بشكل تدريجي [25] . إضافة إلى ما سبق ذكره فإن التوسع الأيديولوجي يمكن أيضا أن يكون الدافع وراء التجارة في التعليم من خلال برامج الدراسة [26] . والنتيجة المحتملة هي : أن التعليم العالي ــ باعتباره خاصية أساسية للدولة الأمة ــ سيتحول إلى خدمة تشبه إلى حد بعيد عملية تقديم الوجبات السريعة (McDonaldization) [27] ، التي من خلالها يتم نقل قيم ومعايير إلى الطلاب متعارضة مع القيم والمعايير المحلية ، وهذا ما يترتب عنه نوع من التركيز الثقافي المحدود والضيق [28] .

 

وعلى المستوى السياسي، تصبح الدولة الأمة مقيدة بمحاولة تحقيق التوازن بين أربعة ضرورات : 1- الاستجابة لرأس المال العابر للحدود ، 2- الاستجابة للهياكل السياسية العالمية والمنظمات غير الحكومية ، 3- الاستجابة للضغوط والمطالب المحلية للحفاظ على شرعيتها السياسية الخاصة، و4-الاستجابة لاحتياجاتها الداخلية ومصالحها الذاتية[29].

ولمواجهة مثل هذه الضغوطات ، هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات حول الاستجابة إلى المطالب المحلية للدفاع عن التعليم العام ضد إدخال آليات السوق الخالصة في العملية التعليمية وغيرها من السياسات التي تسعى إلى الحد

من رعاية الدولة وتمويلها ، وفرض نماذج الإدارة والكفاءة المقتبسة من قطاع الأعمال الذي أصبح كإطار لصناعة القرار التربوي [30] . وتأسيسا على ما سبق فإن مهمة حماية المجتمع من الغزو الثقافي والإيديولوجي تقع على عاتق أنظمة التعليم العالي العمومية ، فضلا عن الحفاظ على الثقافة والتراث الوطنييْن وتعزيزهما . وعلى العكس من ذلك فإن الممارسات التجارية تدعم فروع المعرفة الصالحة تجاريا ، وهذا ما يضر بالاختصاصات الضرورية للحفاظ على ثقافة الدولة وتراثها [31] .

إن إضعاف أنظمة التعليم العالي الذي تهدف إليه الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات من شأنه أن يرسخ هشاشة الدولة على المستوى الدولي ، الشيء الذي يحتم على المؤسسات العمومية أن يكون هدفها الأساسي هو توفير التعليم لأغراض ثقافية ، وتعمل على تحقيق أهداف تتجاوز التجارة . وهذا ما جعل العديد من الأكاديميين يحذرون من التهديد الذي تشكله الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات[32] .

وعلاوة على ذلك فإذا كان من المتعارف عليه أن دور الدولة حاسم في توفير التعليم لمواطنيها ، فإن هذه الاتفاقية ستعمل على تقويض سيادتها ودورها في هذا المجال بشكل عميق ، إذ في أحسن الأحوال ستقوم الدولة بتوفير الإطار التنظيمي مع القضاء على الحواجز التي تحول دون العولمة . ومع ذلك ، فإن ما يُنظر إليه على أنه حاجز أمام التجارة من جانب كبير من موردي خدمات التعليم يمكن أن يكون أداة أساسية لضمان “الدفاع عن الهوية الوطنية أو الرقابة المحلية على تمويل التعليم والمعايير المحددة من قبل الدولة ” [33] . وبهذا ستعمل هذه الاتفاقية على تغيير العلاقات بين الحكومات وأنظمة التعليم العالي بشكل جذري . وستصبح تقريبا جميع جوانب التعليم العالي ـــ اللغة المستخدمة والمناهج الدراسية وعمليات وطرق التقييم وآليات ضمان الجودة … ـــ متحكَّم فيها من طرف منظمة التجارة العالمية وستدخل مرحلة التدويل التي تتجاوز المستويات الوطنية والقطاعية والمؤسساتية في عملية صنع القرار ، بل يمكن أن ينعكس تدخلها على الاستقلال الأكاديمي ، مما قد ينتج عنه عواقب غير متوقعة [34] . ونتيجة لزيادة حجم التجارة وخاصة واردات الخدمات التعليمية وتقليص دور الدولة ، فإنه لم يعد اعتبار تكريس الموارد العامة للتعليم ضرورة ملحة ، وساد التفكير في إمكانية الانسحاب من التعليم وترك الكثير من جوانب هذا القطاع لموردي الخدمات الخواص الوطنيين والدوليين . ونتيجة لذلك ، فإن​​ التمويل العمومي للتعليم سيعرف انخفاضا حادا ، بل سيكون الوضع أكثر سوءاً بسبب ضرورة معاملة مقدمي الخدمات التعليمية الأجانب على قدم المساواة مع نظرائهم الوطنيين، لأن الخواص الأجانب يشعرون أنهم يستحقون المطالبة بالأموال العامة ونفس المكاسب التي يتم منحها للجامعات الوطنية . بمعنى آخر فبقدر ما تملصت الحكومات من التزاماتها ، فسوف يتعين عليها دفع تعويضات بموجب الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات [35] .

 

بما أن الدولة الأمة قد خسرت بعضا من اختصاصاتها المتعلقة بتدبير قطاع التعليم العالي ، فلن يكون لديها القدرة على رسم السياسات العمومية لهذا القطاع وفقا للاحتياجات الوطنية ، مما يعني أن السوق هي التي ستتحكم في التعليم وفقا لاحتياجاتها الخاصة . وهكذا ، يمكن أن تكون الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات سببا في فقدان القدرة على تطوير التعليم العالي بها [36] .

 

وعلى المستوى الاقتصادي فإن تدويل التعليم يشجع على هجرة الأدمغة ويزيد من تفاقم النقص في العمالة الماهرة في البلدان النامية ، إذ يقدر عدد الأدمغة التي غادرت القارة الإفريقية بما يزيد عن مائة ألف إفريقي وهم ويقومون بوظائف ذات مهارات عالية في البلدان المتقدمة ، ووصلت وتيرة المغادرة حاليا إلى أكثر من 23 ألف سنويا [37] . إن تفاقم نزيف الأدمغة في الدول النامية يخلف عدة نتائج سلبية تؤدي ثمنها الدول النامية المصدرة لهذه الأدمغة ، نذكر منها انخفاض رأس المال البشري ، الذي سيؤدي إلى البطالة وفقدان العوامل الخارجية الإيجابية المرتبطة بوجود النخب، وأخيرا إلى نقص في المهنيين في القطاعات الأساسية للاقتصاد الوطني [38] .

 

أما على المستوى السوسيو اقتصادي ، بما أن التعليم العالي العابر للحدود يهتم بشكل أكثر تحديدا بالمجموعات الاجتماعية الاقتصادية الأغنى، نظرا لتكلفته العالية من حيث الرسوم والتكاليف ، فإن الولوج إليه سيصبح محدودا في صفوف العموم ، بل يصبح مخصصا لنخب المجتمع ، وهذا ما سيفاقم اللامساواة في الوصول إلى التعليم العالي.

إن الرأي السائد هو أن الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات وتدويل التعليم العالي سيشجعان المؤسسات الأجنبية على الاستقرار في البلدان النامية ، ليس لأهداف نبيلة مثل تطوير التعليم أو تحسين المساواة للولوج إلى المؤسسات التعليمية أو تدويل التعليم العالي في العالم أو تسويق منتجات المعرفة عبر الحدود، أو تبادل الأفكار والتعاون العلمي طويل المدى وتبادل الطلاب الموهوبين أو الأساتذة الباحثين ذوي الجودة ، أو توفير تعليم جيد للفقراء  [39]، وما إلى ذلك . كما أنها لن تسعى إلى استثمار رأس المال في التعليم [40]، بل الدافع لإنشاء مؤسسات تعليم عالٍ متعددة الجنسيات يكاد يكون دائما هو جني أرباح ومكاسب مالية فقط [41] .

ثمة مشاكل واقعية تواجه البلدان النامية ، إذ أن إنشاء المؤسسات الأجنبية الخاصة بعدد كبير في بلد ما لا يمكن إلا أن يضر المؤسسات الوطنية ، لأنه في هذه البلدان ليست المؤسسات العامة بالضرورة قادرة على المنافسة ومتكيفة مع احتياجات ومتطلبات السوق . وعلاوة على ذلك ، فإن قدرة البلدان النامية على المشاركة بفعالية في التجارة العالمية في قطاع التعليم العالي ضعيفة للغاية . لذلك ، وبما أن المنافسة بين الطرفين غير متساوية وغير عادلة في الأساس ، فإن المؤسسات العمومية الوطنية ستكون في وضع غير مريح ولا تتمتع بالتنافسية اللازمة .

المبحث الثاني : انعكاسات تحرير تجارة الخدمات على التعليم العالي في الدول النامية

 

على الصعيد الدولي تم إدراج التعليم في إطار الخدمات وهذا ما ترجمته الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات ، وهي إحدى اتفاقيات منظمة التجارة العالمية التي دخلت حيز التنفيذ منذ 1995 . هذا الوضع التجاري العالمي سيخلف انعكاسات مختلفة على الدول الأعضاء في المنظمة ، وذلك راجع إلى قيمة ومرتبة كل دولة داخل المنظمة ، ولكن ما يمكن التأكيد عليه هو أن الدول النامية من أكبر الأطراف المتضررة من انعكاسات تحرير التعليم واعتباره سلعة قابلة للتسويق . وهذه الانعكاسات والآثار مست العديد من الجوانب والمجالات ، سواء السياسية أو الأكاديمية العلمية أو الاقتصادية المالية أو التنموية أو تلك المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية .

 

لقد غدا إذن من الأهمية بمكان القيام برصد وفحص التحديات والانعكاسات التي تثيرها الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات على قطاع التعليم العالي في الدول النامية ، حتى يمكن لهذ الدول وضع سياسات واقعية وحكيمة [42] .

المطلب الأول : انعكاسات تحرير التعليم على الجوانب السياسية والأكاديمية في الدول النامية

 

سنعمل على تتبع الآثار السياسية والعلمية المترتبة على تطبيق الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات على التعليم العالي. هذا الوضع ستكون من نتائجه تقييد مجال مناورة الدولة في تحقيق البعد التدخلي في الحق في التعليم وبشكل أكثر تحديدا في إعمال الحق في المساواة في الحصول على التعليم العالي الجيد ، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى الاعتداء على مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في الحق في التعليم بل والتخلي عنه نهائيا .

 

الفرع الأول : الانعكاسات السياسية : تحرير التعليم تهديد وانتهاك لسيادة الدولة

 

باعتبار التعليم حق إنساني ومصلحة عامة ، فإنه من مسؤولية جميع الحكومات توفيره مجانا وبجودة عالية. وهذا ما دفع العديد من المنظمات الدولية والإقليمية والدول خصوصا النامية ـــ ومنذ بدء مفاوضات الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات ـــ إلى الإعراب عن قلقها إزاء خطر توسيع نطاق تحرير التجارة في الخدمات وإدراج التعليم ضمن الاتفاقات التجارية لمنظمة التجارة العالمية ، وهو ما تم فعلا ، وقد ضغطت على استبعاد التعليم من نطاق هذه الاتفاقية ، لأنها تحدد قيودا على مجموعة كبيرة من التدابير الحكومية التي تؤثر على التجارة في الخدمات ، وتشكل تهديدا خطيرا للجوانب المتعلقة بالمصلحة العامة الحيوية . ومن هذه القيود يمكن أن نشير إلى احتمال تدخل هذه الاتفاقية في اختصاص وحق الدول لتقديم الإعانات المالية للمزودين المحليين العموميين دون الاضطرار إلى منح المزودين الخواص أو الخارجيين نفس المعونات [43] .  هذا يعني أن الاتفاقية قد تجبر الحكومة إما على دعم طلاب الجامعات الخاصة بنفس الطريقة ، أو القضاء نهائيا على المساعدات المالية العامة للطلاب [44] .

 

إضافة إلى ما سبق ذكره تخلو هذه الاتفاقية من أي إشارة إلى وجود أي التزام للدولة بتوفير الخدمات التعليمية العامة،  وبالمقابل تحظر الاتفاقية وضع تدابير ملزمة ومقيِّدة لرأس المال ، وتحظر الإجراءات التي تتخذها الدول التي من شأنها أن تؤدي إلى إنشاء حواجز أمام المنافسة الدولية . بالإضافة إلى ذلك ، يمكن اعتبار الإعانات الممنوحة للخدمات العامة على أنها منافسة غير عادلة [45] .

 

ومع ذلك ، وفي السنوات الأخيرة ، ظهر عدد متزايد من اتفاقات التجارة والاستثمار الثنائية والإقليمية ومتعددة

الأطراف خارج إطار منظمة التجارة العالمية . إن هذه الاتفاقيات تعمل على تعريض قطاع التعليم لخطر الخوصصة والقابلية للتسليع أو ما يمكن نعته بــ “التهريب التجاري” . وتعمل هذه الاتفاقات بتخفيض معدلات التعريفة الجمركية

والحصص والقضاء على ما يسمى بالحواجز “غير الجمركية” في وجه التجارة والاستثمار . ونتيجة لذلك ، تفرض هذه الاتفاقيات الجديدة مخاطر كبيرة محتملة على سياسات التعليم والمؤسسات التعليمية العمومية ، وكذلك على الأساتذة الباحثين والطلاب ومجتمعاتهم ، كما يؤدي تسويق الخدمات التعليمية إلى مخاطر عدم الإنصاف والتمييز وتعميق الفجوة الرقمية بين الدول .

 

إن الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات بما أنها اتفاقية تجارية استثمارية لها آثار عميقة وتحد من قدرات الدول في صنع القرار ، ويدفعها إلى فقدان نفوذ الحكومات المحلية على تنظيم التعليم العالي وفقا للحاجيات والأولويات الوطنية  . وهذا ما دفع جمعية الجامعات الإفريقية إلى التحذير من تحول التعليم العالي في ظل هذه الاتفاقية إلى سلعة تجارية خاضعة ، في المقام الأول ، لقواعد التجارة العالمية ومفاوضاتها ، والتأكيد على أن التجارة في خدمات التعليم ينبغي “أن تفيد حاجات التطور وأولوياته في القارة الإفريقية” ، ودعت إلى التعامل بحذر مع هذه الاتفاقية ريثما يتم إجراء المزيد من البحوث حول آثارها المحتملة [46] . كما تلزم هذه الاتفاقية أعضاء منظمة التجارة العالمية تحرير قطاع التعليم ، ليس فقط عن طريق إزالة الحواجز أمام التجارة والاستثمار في الخدمات ، ولكن أيضا من خلال تشجيع الدول على تعزيز سياسات التحرير باتخاذ إجراءات في مجال الخدمات التعليمية موافقة لالتزاماتها في إطار هذه الاتفاقية . كما أن الآثار السلبية والقيود الكبيرة على قدرات الحكومات الوطنية على صنع القرار قد تفاقمت وتكرست بسبب الاتفاقات التجارية والاستثمارية الثنائية أو الإقليمية أو المتعددة الأطراف الجديدة ، مثل اتفاقية التجارة في الخدمات (ACS) ، واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ (PTP) ، والشراكة التجارية والاستثمارية عبر المحيط الأطلسي (PTCI) ، والاتفاق الاقتصادي والتجاري الشامل (AECG) . وعلى وجه الخصوص ، أُدرجت قواعد وإجراءات جديدة ، مثل التعاون التنظيمي وآلية تسوية المنازعات بين المستثمر والدولة .

 

لقد شجع هذا المناخ الداعم لتسويق التعليم إلى الحديث عن الجامعة المقاولة المرتكزة على ثلاث أبعاد رئيسية [47] :

 

  • الصلة بين الابتكار ومنطق المقاولة وإدارة الأعمال ،
  • أهمية كسب المال ،
  • العلاقة بين المقاولة الداخلية والخارجية .

 

انطلاقا من هذا التعريف يتبين غياب دور الدول في رسم السياسات العمومية في مجال التعليم العالي ، وفي المقابل تم التأكيد على أبعاد الربح والمال وتكريس منطق السوق والمقاولة ، مما ساهم في إضعاف وتهديد سيادة الدولة وفقدانها السيطرة على مجال حيوي ومصلحة عامة مثل التعليم وترك شأن تنظيمه وتدبيره للسوق ، وهو ما ستكون

له انعكاسات خطيرة قد تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدولة برمتها .

إن المشكلة الأكبر إذن هي الاحتمال الواضح أن يعمل تحرير التجارة على إلغاء امتيازات الحكومة في تنظيم وتدبير النظام التعليمي المحلي ( الدراسات الجامعية والدراسات العليا ) إذا ما تداخل مع الأهداف النفعية لمصدري التعليم المستقلين [48] . هذا الوضع يدعونا إلى التأكيد على ضرورة استبعاد التعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة الأخرى من أي اتفاق تجاري واستثماري ثنائي وإقليمي ومتعدد الأطراف .

الفرع الثاني : الانعكاسات الأكاديمية والعلمية

لقد أفرز تحرير التجارة الدولية في الخدمات التعليمية انعكاسات مست الجوانب الأكاديمية والعلمية من قبيل المنافسة والاستقلالية والحرية الأكاديمية وجودة الخدمات التعليمية .

الفقرة الأولى : التجارة الدولية والمنافسة والحرية الأكاديمية

إن تطور التجارة الدولية وقوة التنافسية في قطاع التعليم العالي من شأنه أن يهدد الحرية الأكاديمية . ففي سوق تنافسي ، يتعين على مؤسسات التعليم أن تتكيف مع رغبات عملائها للبقاء في السوق وعدم استبدالها من قبل شركات أخرى [49] ، إذ تشير بعض الدراسات أن المنظمات التبادلية والتعاضدية وغير الربحية تكون فعالة عندما ينطوي هدفها على استقلالية معينة عن السوق ، أو على الأقل التكيف البطيء مع تطوراته . لكن تحت ضغط السوق ، قد تحتاج مؤسسات التعليم العالي الخاصة الهادفة للربح إلى تعليم أو تكريس نظريات أو قرارات خاطئة لأن هناك طلب على هذا النوع من التعليم . ولذلك ينبغي أن تصبح مشكلة ضمان جودة خدمات التعليم أكثر عرضة للانتقاد والتصحيح . وقد يؤدي كذلك الحرص على تحقيق الأهداف الاقتصادية إلى توحيد المضامين الدراسية التي تضر بالحرية الأكاديمية ، فضلا عن توظيف هيئة تدريس أقل كفاءة .

يمكن أن يؤثر ضغط السوق أيضا على البحث العلمي ، فقد يتم ببساطة حذف البحوث والدراسات من بعض المؤسسات لأسباب تتعلق بالربحية ، أو يتم تحديد أو تقزيم الأنشطة غير الإبداعية المهددة بهامش قليل من الفشل. وفي الواقع فإن المؤسسات الجامعية الربحية الخاصة تهدف إلى التجارة أكثر من تركيزها على البحث العلمي . ومع ذلك ، فإن الحرية الأكاديمية لها حدود ، حيث أن التعليم العالي الذي يتم غالبا تمويله من المال العام يهدف

إلى تحقيق غايات خارجية اقتصادية واجتماعية ، كما يهدف إلى تلبية حاجات الطلاب والحكومات وجعل خدمات التعليم تستجيب لحاجيات سوق الشغل .

 

إن مؤيدي تكيف الجامعة مع سوق الشغل يرون بشكل إيجابي إدخال جرعة أكبر من تدخل السوق في النظام التعليمي ، وأن التحرير قد يؤدي إلى حل وسط مقبول بين الحرية الأكاديمية والتكيف مع السوق ، ولكن بالمقابل كلما تم إقحام المنطق التجاري في قطاع التعليم العالي فإن هذا الوضع يمكن أن يهدد التعددية في عرض الخدمات التعليمية ، كما يمكن أن يؤثر سلبا على الحفاظ على المعرفة واستمرارية التعليم والبحث في التخصصات منخفضة القيمة في سوق الشغل ، ونخص بالذكر هنا أغلب تخصصات وفروع العلوم الإنسانية . وبهذا فإن الجامعات العمومية ستتفرغ أكثر للتخصصات ذات “قيمة سوقية” أقل ، أي التخصصات التي تخلى عنها نظام السوق . وهذا ما يجعل هذه الجامعات تفقد فوائد وفرة الحجم والتعددية ، ولكن بالمقابل فإن التخصصات الأكثر جاذبية لا يمكنها تخفيض تكلفة التخصصات الأقل جاذبية ، بل قد تصبح أكثر تكلفة [50] .

 

إن النظام التعليم المتحرر في ظل الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات يضر بالحرية الأكاديمية للجامعات واستقلاليتها، وهو الأمر الذي تم التأكيد عليه من قبل الجمعية الكندية لمدرسي الجامعات ، إذ اعتبرت أن الالتزام التام بهذه الاتفاقية يمكن أن يؤدي إلى ” وقوع المجالس العليا للجامعات والاتفاقات التعاونية والحرية العلمية جميعها ضحية السعي الحثيث إلى بيع خدمات التعليم ، لأن هذا الالتزام في نهاية المطاف يقف في طريق تجارة رائجة . وفي النهاية سوف تتأثر استقلالية الجامعة ، هذا إن لم نقل أنها ستتعرض للخطر على نحو كامل … وسيتم تآكل أو إبطال عبارات ومبادئ مثل الالتزام البعيد المدى والمسؤولية الاجتماعية والمعرفة من أجل المصلحة العامة ” [51] .

 

الفقرة الثانية : التجارة الدولية والمنافسة وجودة الخدمات التعليمية

 

اعتمادا على المنطق التنافسي فإن تحرير قطاع التعليم سيؤدي إلى الزيادة في جودة الخدمات التعليمية المقدمة. وبما أن جودة الخدمات هي بالتأكيد إحدى المزايا النسبية للمؤسسات التعليمية ، فستكون لها مصلحة في تقديم خدمات عالية الجودة لزيادة نسبة أرباحها . علاوة على ذلك ، فإن الموارد المالية المرصودة من قبل التجارة الدولية ستمنح الجامعات الوسائل والدوافع لتحسين جودة بنياتها الأساسية ، ومكتباتها ، وحسن تدبيرها للموارد البشرية ، وإشرافها على الطلاب ، وهي كلها وسائل وعوامل مهمة لتحسين جودة خدماتها التعليمية . ومع ذلك ، يخشى الكثيرون من أنه بزيادة وتكريس دور السوق في تنظيم التعليم العالي ، فإن هذا الوضع سيؤدي إلى توحيد المعايير ، وانخفاض جودة خدمات التعليم والبحث الجامعي ، وهي واحدة من أقوى الحجج ضد تحرير قطاع التعليم . وبذلك يمكن أن يكون لمنطق السوق آثار سلبية على جودة خدمات التعليم .

إن الحصول على معلومات دقيقة على جودة الخدمات التعليمية تعد مشكلة كبيرة ، وتتفاوت هذه الخطورة وفقا لطريقة تقديم هذه الخدمات . ففيما يخص الأسلوب الثاني المتعلق بالاستهلاك في الخارج (أي عبور المستهلكين حدود بلدهم من أجل الدراسة) ، فإنه يتم حل مسألة ضمان الجودة جزئيا من خلال أنظمة المعادلة الوطنية عندما ينتقل الطلاب الدوليون إلى المؤسسات التعليمية التقليدية المعترف بها محليا .

إن المشاكل الحقيقية تكمن أكثر في اختيار طلاب المهجر في الجامعات الأجنبية الذي غالبا ما يكون مبنيا على عدم كفاية المعلومات وغياب الاعتراف بالشواهد والديبلومات الدولية بمجرد وصولهم إلى البلد المضيف أو العودة إلى بلدانهم الأصلية . أما فيما يرتبط بالأسلوبين الأول المتعلق بتوريد الخدمات عبر الحدود (بقاء المستهلكين (الطلاب) في بلدانهم ، مثل التعليم عن بعد) والثالث الذي يعتمد على الحضور التجاري للموردين إلى بلد آخر (التنقل المؤسسي أو الشراكة بين موردي خدمات التعليم الأجانب والمحليين) ، هذان الأسلوبان ينطويان على مخاطر نوعية أكثر ، لأنهما أسلوبان جديدان وأقل استقرارا ، إذ يمكن للجامعات الأجنبية تقديم خدمات تعليمية ذات جودة متدنية مقارنة بخدمات مؤسساتها في البلد الأصل .

من جهة أخرى تعترض أسلوب التعليم عن بعد مشكلات حقيقية، خاصة حالة المؤسسات الافتراضية عبر الإنترنت: أولا ، لأن أنظمة ضمان الجودة والمعادلة تواجهها صعوبات أكبر للتكيف مع هذا الشكل من أشكال التعليم ، وثانيا لأن الحيل والتلاعبات أسهل مع هذا الأسلوب ، لإن المؤسسات الافتراضية قادرة على التملص من مسؤولياتها بسهولة أكبر من غيرها من السلطات العمومية . وهذا يعني أن أهم البرامج الافتراضية اليوم يجب ربطها بالمؤسسات أو الشركات الواقعية [52] .

وبما أن جودة الخدمات التعليمية غالبا ما يتم ربطها بمسألة حماية المستهلك ، فإنها يمكن أن تخلف مشكلات اقتصادية واجتماعية . فعلى سبيل المثال يمكن لمدير أو محاسب تلقى تدريبا سيئا من قبل مؤسسة تعليمية دولية أن يلحق الضرر في البلد الذي يشتغل فيه ، كما أن الافتقار إلى المعلومات حول جودة الدورات التكوينية الدولية وعدم وجود إجماع حول طبيعة جودتها يجعل الاعتراف بها في الخارج أمرا صعبا ، كما أن مشاكل الاعتراف الدولي بجودة الخدمات التعليمية تمثل بالتأكيد عقبة رئيسية أمام تجارة الخدمات التعليمية .

ومن مظاهر ضعف جودة الخدمات التعليمية التي تقدمها المؤسسات الأجنبية نجد لجوء هذه الأخيرة إلى ضم الطلاب غير القادرين على ولوج المؤسسات المحلية المتميزة ، وثمة احتمال أن يتم تصنيف هؤلاء على أنهم “روافد الطبقة الدنيا” أي المؤسسات التي ترعى الشريحة الفقيرة من الطلاب . إن المزودين الأجانب للخدمات التعليمية الذين يحصلون على التمويل من رسوم التسجيل يتكئون على حالة الطلاب الذين تسعى هذه المؤسسات إلى احتوائهم أكثر من اتكائهم على أية ميزة من مزايا البرامج التعليمية التي يتم تقديمها ، في حين أن الطلاب الأفضل يتم استقطابهم إما من قبل المؤسسات المحلية المتميزة أو من قبل المؤسسات الخارجية النخبوية [53] .

وتأسيسا على ما سبق قد يكون لتحرير قطاع التعليم انعكاسات سلبية على نظام التعليم العالي : أولا وقبل كل شيء ، فإن خوصصة التعليم قد تزيد من مخاطر تدني جودة الخدمات التعليمية ، كما يمكن أن تساهم في الحد من تنوع العروض التعليمية والحرية الأكاديمية ، وتقييد البحث الجامعي ، إضافة إلى أن هيمنة الموردين الأجانب على سوق التعليم قد يطرح مشكلة استمرارية تقديم الخدمات ، وهذا من شأنه الحد من تطوير قطاع التعليم العمومي وخفض المستوى الحقيقي للمساعدات التنموية في بعض البلدان . إن هذه الأوضاع كلها قد تساهم في هجرة الأدمغة كما تطرح مشكلات التوحيد الثقافي .

 

إضافة إلى ما سبق ذكره فإن مشكلة معادلة الشواهد الأجنبية تبرز كواحدة من القضايا الرئيسية التي أثارتها عملية تحرير التجارة الدولية في الخدمات التعليمية ، وذلك راجع إلى نوعية التعليم الدولي . وتنشأ المشكلة بنفس القدر في حالة تنقل الطلاب كما هو الحال بالنسبة للاستثمار في الخارج أو التعليم الإلكتروني . في مواجهة أكبر عدد من الموردين الدوليين في بلدانهم ، يتعين على الحكومات والجامعات حل مشاكل ضمان الجودة ، وشكل تمويل الدراسات ما بعد الثانوية ، والاستمرارية ومجموعة متنوعة من الخدمات التعليمية المقدمة [54] .

 

المطلب الثاني : الانعكاسات الاقتصادية والمالية

 

إن الاتجاه نحو اقتصاد السوق وما تلاه من تحرير لتجارة الخدمات التعليمية بموجب الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات ينطوي على أخطار كبيرة تمس ـــ بالإضافة إلى الجوانب السياسية والأكاديمية العلمية كما سبق إيضاحه وتحليله ـــ المجالات الاقتصادية والمالية ، ويجعل الدول النامية تكبد خسائر  كبيرة وجب الانتباه إليها وتلافيها .

 

الفرع الأول : الآثار الاقتصادية : التجارة الدولية في خدمات التعليم والتنمية الاقتصادية

 

يعتبر بعض المعارضين أن تحرير الخدمات التعليمية يمكن أن تكون له انعكاسات سلبية على البلدان النامية ، إذ أن التمويل الجزئي لتعليم طلاب البلدان النامية الذي يمثل شكلا من أشكال المساعدة الإنمائية يتم التخلي عنه في المنطق التجاري. وقد يكون هذا التغيير في السياسات العمومية مدمرا للبلدان الأقل نموا، حيث تعد فيها الثروة غير الكافية هي المشكل الرئيسي للولوج إلى التعليم العالي . علاوة على ذلك فإن الأنماط الجديدة لتجارة الخدمات التعليمية يمكن أن تكون عائقا أمام بناء نظم التعليم العالي الوطنية للبلدان النامية. وتنشأ هذه المشكلة بشكل خاص بالنسبة للبلدان الناشئة ، حيث أن انخفاض فرص الالتحاق بالتعليم ما بعد الثانوي يكون أقل ارتباطا بعجز التمويل العمومي للتعليم العالي منه بزيادة الطلب على خدمات التعليم بشكل يفوق العرض الوطني .

 

من جهة أخرى قد يكون لفتح سوق ما بعد المرحلة الثانوية للمؤسسات الأجنبية تأثيرات متناقضة على نظام التعليم العالي الوطني في البلدان النامية . فمن ناحية ، وبما أن المؤسسات التعليمية في الدول المتقدمة غالبا ما تتمتع بميزة نسبية كبيرة في مجال الجودة مقارنة بمؤسسات التعليم في البلدان النامية ، فإن هذا الوضع يمكن أن يضعف تطوير نظام التعليم العالي بها على المدى القصير والمتوسط .

 

جانب آخر لا يقل أهمية عن باقي الجوانب السابقة الذكر وهو المتعلق بالاستقرار والاستمرارية ، إذ أن استثمار المؤسسات الأجنبية في قطاع الخدمات التعليمية قد يؤدي إلى مشكلة الاستقرار والاستمرارية في توفير الخدمات التعليمية في البلدان النامية . حيث في حالة حدوث أزمة اقتصادية ، قد تسارع المؤسسات التعليمية الأجنبية إلى مغادرة البلاد وهو ما يمكن أن يكون عامل تهديد لاستقرار واستمرارية نظام التعليم العالي بهذه الدول ، كما يعد واحدا من أوجه الاختلاف الهامة بين الاستثمار الخاص والاستثمار العام على المدى الطويل [55] .

الفرع الثاني : الانعكاسات المالية :

سيتم التركيز في تحليل الانعكاسات المالية من جراء تحرير التعليم على جانبين مهمين وهما المتعلقين بكلفة التعليم العالي ثم التمويل العمومي للتعليم .

الفقرة الأولى : كلفة التعليم العالي

يمكن أن يكون للتجارة الدولية في الخدمات التعليمية تأثير كبير على تكلفة التعليم العالي العمومي والخصوصي . ويمكن تفسير ذلك بتصاعد وتيرة المنافسة في قطاع التعليم ، إذ وبوجود مصادر جديدة للربح ، فإنه من المتوقع أن يدخل مزودو خدمات التعليم الخواص إلى السوق ويكثفون المنافسة. من الناحية النظرية ، ينبغي أن يؤدي المزيد من المنافسة إلى انخفاض التكاليف، من خلال استخدام أكثر كفاءة للموارد وخروج المؤسسات الأقل كفاءة من المنافسة.

من جهة أخرى يعتبر مؤيدو تحرير قطاع التعليم العالي أن المنافسة في أسواق الخدمات التعليمية في البلدان النامية سترتفع باعتماد النمطين 1 و 3 ، لا سيما في شمال آسيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية . وحتى إذا تجاوز الطلب العرض الوطني ، فإن المؤسسات الأجنبية ستمارس ضغطا شديدا أيضا على المؤسسات التعليمية الوطنية. ويمكن أن تؤدي هذه المنافسة الشديدة إلى انخفاض التكاليف بالنسبة للطلاب الأجانب وعائلاتهم أو من يمولهم . كما يؤكدون على أن النمط 3 سيساهم في تخفيض تكلفة خدمات التعليم ، إذ غالبا ما يكون من الأرخص للأسر أو للدولة أن يدرس الطلاب في جامعات أجنبية تم إنشاؤها في بلدانهم بدلا من الهجرة إلى الخارج . فيما يتعلق بميزان المدفوعات ، فإن طريقة العرض هذه تساهم في الحد أيضا من قيمة الواردات مقارنة بحركة الطلاب أنفسهم[56].

الفقرة الثانية : التمويل العمومي للتعليم

إن مؤيدي تحرير التعليم يدحضون الحجة القائلة بأن اعتماد منطق تجاري في التعليم العالي سيؤدي تلقائيا إلى التخلي عن التمويل العام لهذه الخدمات ، فهو ادعاء ليس له أساس من الصحة . إذ يعتقد البعض في إمكانية انتشار المنطق التجاري على نطاق واسع في التجارة الوطنية. ووفقا لهم ، فإن تحرير الخدمات التعليمية في إطار الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات قد يجبر الحكومات على وقف دعم مؤسسات التعليم العالي الوطنية أو الطلاب الوطنيين حتى لا يضطروا إلى تمويل جميع الطلاب الأجانب أو جميع مؤسسات التعليم العالي الأجنبية بالتساوي . وفي سياق آخر فإن هذه الاتفاقية لا يمكنها إجبار الحكومات على تمويل المؤسسات الأجنبية التي تقوم بالتجارة الدولية بحجة أنها تمول أيضا المؤسسات الوطنية ، كما أن هذه الاتفاقية لا يمكنها أن تفرض على الحكومات الوطنية دعم الطلاب الأجانب في التجارة الدولية بحجة أنها تدعم الطلاب الوطنيين ، بل على العكس من ذلك فهي تسمح للحكومات منح المؤسسات التعليمية العمومية والطلاب المحليين معاملة تفضيلية إذا رغبت في ذلك [57] .

السبب الثاني الذي يجعل الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات لا تهدد التمويل العام للتعليم العالي ، إذ يمكن للدول إصدار العديد من القيود في وجه تحرير أحد قطاعات الخدمات ، وبالتالي فإنه لا وجود لأية مادة أو بند أو اتفاق من شأنه أن يجبر أي بلد على تمويل الطلاب أو المؤسسات الوطنية أو الدولية دون تمييز إذا لم ترغب في ذلك هذه الدولة ولم تختر الالتزام بذلك [58] . بالإضافة إلى ذلك ، فإن تحرير قطاع التعليم العالي لا يعني بالضرورة التخلي عن التمويل العام لخدمات التعليم .

لكن في المقابل فإن معارضي نظام التجارة المتحرر يعتبرون أن ولوج المزودين الأجانب الساعين إلى تحقيق المنفعة سيقود إلى ضغوط تنافسية تعمل في ما بعد على تراجع ظروف العمل ومستويات التمويل العمومي للمؤسسات التعليمية ، وهذا من شأنه أن يلحق ضررا بالنظام التعليمي برمته [59] .

الفرع الثالث : انعكاسات حقوق الملكية الفكرية على خدمات التعليم العالي

إن المنافسة المتزايدة بين مؤسسات التعليم العالي وطنيا ودوليا تقود إلى حماية معارفها وموادها التعليمية وسمعتها من

خلال المطالبة بحقوق الملكية الفكرية عن طريق حق المؤلف ، وهذا ما يجعل الخدمات التعليمية سلعة معروضة للبيع داخل السوق المؤسس على منطق الربح . وبناء على هذا المنطق فإن برامج تصميم وتطوير أدوات الكمبيوتر المستخدمة للتدريس مثلا يؤدي في بعض الحالات إلى طلبات براءات الاختراع خصوصا في ما يرتبط بالوسائل المتعلقة بالبرمجيات ، بالإضافة إلى الأعمال الفنية أو الموسيقية أو الدرامية (بما في ذلك التلفزيون والأفلام والفيديو)[60]، ووسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة التي تتيح فرصة التعليم عن بعد والتعليم عبر الإنترنت ، وكذا استعمال وثائق من أنواع مختلفة من تصميم وصنع الأساتذة الباحثين مثل المحاضرات والكتب وأعمال ومطبوعات التدريس والمقالات العلمية والدراسات الأكاديمية التي يتم نشرها عبر المواقع الإليكترونية أو حق الولوج إلى المكتبات الإليكترونية ، ووسائل الدعم داخل الفصول الدراسية أو خارجها ، كالبريد والهاتف والتلفزيون والبريد الإلكتروني والمؤتمرات والحواسيب ، مما جعل العديد من المؤسسات الجامعية ترى في هذه الوسائل الجديدة مصدرا محتملا للربح ، وهو ما يدفعها إلى إحاطة هذه الوسائل والوثائق ببراءة الاختراع وحقوق المؤلف .

 

وقد بدأت الأوساط الأكاديمية تتعرف على مفهوم حماية حقوق الملكية الفكرية ، وكانت تنظر إلى إمكانية إدخال إطار تشريعي محدد لحماية الاكتشافات العلمية ، وهو ما أدى إلى نشوء تيار قوي يشجع على تسويق التعليم العالي في الدول الصناعية وتصديره إلى الدول النامية . وقد صدرت عدة قوانين في هذا الصدد كان أهمها قانون تعديل أنظمة براءات الاختراع والعلامات التجارية أو ما يعرف بـــ “بايه ـــ دُول” (“Bayh-Dole) في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1980 ، الذي سمح للدول بل شجعها على تسجيل براءات الاختراع والابتكارات المتقدمة التي تعتمد على التمويل العمومي ، كما يهدف هذا القانون إلى حماية الممتلكات الفكرية والاختراعات وما شابهها من الحقوق [61] . هذا القانون وغيره من القوانين التي تلته سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبي أو كندا أو أستراليا أو نيوزلندا … جعل البعض يعتبرها رمزا لظهور “الرأسمالية الأكاديمية” [62] .

 

إن الحق في استعمال مثل هذه الابتكارات مثل الوثائق والوسائل والبرامج والولوج إلى مثل هذه المواقع والمكتبات الإليكترونية التي تحتوي على هذه الابتكارات تبقى تكلفته باهظة للطلاب في الدول النامية، مما يكرس عدم تكافؤ الفرص واللامساواة في الولوج إلى المعلومة ، بل قد يدفعهم إلى التخلي عن هذه الوسائل الحديثة ، وهذا من شأنه أن يؤثر سلبا على جودة وسرعة البحث العلمي في الدول النامية .

خاتمة

إن منظمة التجارة العالمية وفي ظل الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات قد قزمت التعليم وحولته إلى سلعة قابلة للتداول والطالب إلى مستهلك . إن هذا الوضع لم يؤدِّ فقط إلى حرمان الفقراء والمهمشين من حقهم في التعليم كأحد الحقوق الأساسية ، بل أيضا أولئك الذين قد يتحملون شراءه في السوق ، وهو ما سيسفر عن تفاقم عدم التكافؤ الطبقي والاجتماعي .

وعلاوة على ذلك ، فإن عولمة التعليم في ظل قواعد التجارة العالمية ستؤدي إلى إخفاق الدول خصوصا النامية منها في تحقيق أهدافها وغاياتها من التعليم العالي ، وهو ما سينتج عنه تدهور التعليم وتراجع مستوى وجودة البحوث والدراسات الأكاديمية العلمية ، بل ستكون له آثار وانعكاسات سلبية على الاستقلالية الأكاديمية ، إضافة إلى أنه سيتم العمل على عولمة نماذج ثقافية محددة ، وإلغاء الخصوصيات الثقافية المحلية أو الوطنية .

إن عملية التسويق الشامل للخدمات التعليمية ستجعل أولوياتها تلائم احتياجات عالم الشركات والأعمال . إنها بهذا تعمل على إعادة تعريف التعليم من موقعه كعملية تنويرية وتمكينية وتحويلية مطلوبة لبناء المواطنة المتأسسة على قيم من قبيل الكرامة الإنسانية والديمقراطية والتعددية والعدالة الاجتماعية ، إلى آلية لتكريس قيم السوق وعالم الأعمال من مثل المنفعة والربح .

جانب آخر لا يقل خطورة عن الانعكاسات التي مست الجوانب الاجتماعية والأكاديمية وهو المتعلق بالأبعاد السياسية لعملية تحرير الخدمات التعليمية ، أي أن البلدان النامية ستكون تحت رحمة قرارات وضغوط منظمة التجارة العالمية من أجل تغيير سياساتها العمومية في التعليم وستخضع لنظام مراقبة من قبل أجهزتها ، وهو ما يعد انتهاكا صارخا لحرية وسيادة الدول .

وبعد استعراض أهم نتائج وانعكاسات الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات على الدول النامية في مجال التعليم والمشاكل التي تطرحها هذه الاتفاقية ، سواء المتعلقة بالجوانب القانونية أو السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية ، من قبيل التمويل والحق في الولوج إلى التعليم ومعادلة الشواهد ومشكل الجودة والتنافسية والحسم في مشكل اعتبار التعليم خدمة عامة أو سلعة قابلة للتسويق ، ثم الموضوع المتعلق بقيم وثقافة المجتمع ، فإن هذه الدراسة قد توصلت في نهايتها إلى عدة توصيات يمكن بلورتها كما يلي :

  • ضرورة توفير التعليم وضمانه وإدارته من قبل السلطات العمومية بطريقة ديمقراطية ووفقا لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، واعتباره حقا أساسيا من حقوق الإنسان ، ورافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلدان، وليس سلعة قابلة للتداول وخاضعة للمفاوضات التجارية وقواعد اقتصاد السوق .
  • إن تعميم التعليم العام في جميع بلدان العالم وتعزيز التثقيف في مجال حقوق الإنسان تبدو أدوات لا غنى عنها لإقامة علاقات مستقرة ومتناغمة بين مختلف الثقافات والهويات ، إنها تسهم في تعزيز ثقافة التسامح والسلام في العالم .
  • تعزيز جهود التعاون الدولي للحفاظ على الخدمات العامة ، بما في ذلك الخدمات التعليمية وتعزيز حقوق الإنسان الأساسية مثل الحق في التعليم من أجل تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للبلدان النامية ، وجعل التعليم العام المجاني وسيلة أساسية لتحقيق الأهداف التي حددها المجتمع الدولي ، ألا وهي القضاء على المجاعة والفقر وجميع أشكال البؤس في العالم .
  • عدم فصل التعليم العالي عن ثقافة وهوية المجتمع وجعله مكونا أساسيا لصيقا بباقي العناصر والمكونات

الأساسية لبناء شخصية الفرد والجماعات والدولة الأمة ، واستبعاد ثقافة وهوية المجتمع من كل المساومات التجارية والاستثمارية .

  • وأخيرا ضرورة تعزيز جهود المجتمع المدني في اتجاه اعتبار التعليم خدمة عامة وحق من حقوق الإنسان على الدولة تقع مسؤولية ضمانه وحمايته واستبعاده من كل أهداف تجارية أو استثمارية .

من المهم الإشارة أخيرا إلى أن تجارة خدمات التعليمية كانت موجودة قبل الاتفاقيات التجارية نفسها ، ولا شك في أنها ستتطور تحت رعاية الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات ، ولكن ما يجب التنبيه إليه هو أن قضايا السياسات العمومية مثل التمويل والولوج إلى التعليم وضمان الجودة يجب أن تعالج وتدار من قبل قطاع التعليم ، ولا يترك تسييرها وتدبيرها للاتفاقيات التجارية .

[1] عثمان بن عبد الله الصالح : تنافسية مؤسسات التعليم العالي ـــ إطار مقترح ، مجلة الباحث ،  كلية الحقوق والعلوم السياسية ، جامعة قاصدي مرباح ، ورقلة ، عدد 10 ، 2012 ، ص : 297 .

[2] مركز الدراسات الاستراتيجية : منظمة التجارة العالمية وتأثيرها على التعليم العالي ، سلسلة نحو مجتمع المعرفة ، دراسات يصدرها مركز الدراسات الاستراتيجية ، جامعة الملك عبد العزيز ، الإصدار 23 ، 2010  ، ص : 5 .

[3] Jandhyala B.G. Tilak : Marchandisation de l’enseignement supérieur : l’impact de l’Accord general sur le commerce des services (AGCS) , UNESCO : Institut international de planification de l’éducation (IIPE) , Paris , 2012 , p : 11 .

[4] Angel J. Calderon & Jim Tangas : Libéralisation des échanges, accords régionaux et implications pour l’enseignement supérieur, in: Politiques et gestion de l’enseignement supérieur , 2006/1 (no 18), pp : 97-126 , OCDE , p : 101 .

[5] Rafael Guarga : Higher education in the World Trade Organisation (WTO) : A threat to the future of higher education in the world , in : Sjur Bergan, Rafael Guarga, Eva Egron-Polak, José Dias Sobrinho, Rajesh Tandon,  Jandhyala B. G. Tilak : “Public responsibility for higher education” , (pp : 81-98) , UNESCO, Conférence mondiale sur l’enseignement supérieur ,  Paris  , 2009 .

[6] Michèle Leclerc-Olive , Grazia Scarfò Ghellab & Anne-Catherine Wagner : Les mondes universitaires face au marché : circulation des savoirs et pratiques des acteurs , Karthala Editions , Paris , 2011 , p : 11 .

[7] تنطبق الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات من حيث المبدأ على جميع الخدمات ، والاستثناءات الوحيدة هي “الخدمات المقدمة تحت سلطة الحكومة”، أي خدمات النقل الجوي التي تؤثر على حقوق الحركة الجوية والخدمات المرتبطة مباشرة بممارسة تلك الحقوق. بمقتضى أحكام الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات ، فإن الخدمات المقدمة في إدارة وممارسة اختصاصات وسلطة الحكومة “لا تخضع لأي قواعد في الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات ولا تخضع للتفاوض ، ولا تنطبق عليها الالتزامات المتعلقة بالوصول إلى الأسواق والمعاملة الوطنية (معاملة الشركات الوطنية والأجنبية على قدم المساواة “، (المادة/3 / ب ، ج ) .

[8]  Jane Knight : Trade in higher education services : the implications of GATS ? , in “The general agreement on trade in services and South Africa – higher education : what should South Africa do ?” , the Council on Higher Education (CHE) , Kagisano , Issue No 3 , (Autumn 2003) , Pretoria  , pp : 6-7 .  

[9] Eva Hartmann & Christoph Scherrer : Negotiations on trade in services – the position of the trade unions on GATS , (pp : 4-29) , Occasional papers , N° 6 / May 2003 , Friedrich Ebert Stiftung , Geneva , p : 12-14 . 

[10] Kurt Larsen et Stéphan Vincent-Lancrin : Le commerce international de services d’éducation : est-il bon ? est-il méchant ? , Politiques et gestion de l’enseignement supérieur 2002/3 (no 14), pp : 9-50 , Editions de l’OCDE , pp : 24-25 .

[11] عبد الوهاب عمري : تأثيرات العولمة الليبرالية في إصلاح التعليم في تونس ، مجلة أقلام ، العدد العاشر ، السنة الثالثة ، فبراير 2004 .

[12] مركز الدراسات الاستراتيجية : منظمة التجارة العالمية وتأثيرها على التعليم العالي … ، مرجع سابق ، ص : 8 .

[13]  Jane Knight ,  op. cit , p : 5 .   

[14] Kurt Larsen et Stéphan Vincent-Lancrin , op. cit. , p : 37 .

[15] ميتشل والاس ، لي دون : التعليم في مجال التعليم العالي العابر للحدود ـــ تعزيز تعلم الطلاب العالميين العابرين للحدود ، ترجمة رفيدة فوزي الخباز ، العبيكان للنشر ، الرياض ، الطبعة العربية الأولى ،  2012، ص : 36 .

[16] Jandhyala B.G. Tilak  , op. cit. , p : 9 .

[17] Ibid , p : 7 .

[18] لمزيد من التفاصيل انظر :

أحمد طويل : إشكالية التوازن بين تحرير التجارة وحماية البيئة في ظل منظمة التجارة العالمية ـ دراسة قانونية وقضائية ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ وجدة ، الموسم الجامعي ، 2015/2016 ، ص : 394ـ396 .

وانظر كذلك : براكني بن عبد الله ، مبدأ الحيطة في القانون الدولي للبيئة ، يحث لنيل الماستر في القانون العام ، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة الطاهر مولاي ، سعيدة ، ص : 10 ، 12 و 15 .

[19] Kurt Larsen et Stéphan Vincent-Lancrin  , op.cit. , p : 28 .

[20]  Jandhyala B.G. Tilak , op. cit. , p : 65 .

[21] Philip G. Altbach & Knight, J. ‘Internationalization of higher education: Motivations and realities’ , in : Journal of Studies in International Education, 11(3-4), p. 290-305, 2007.

[22] Rafael Guarga , op. cit. , (pp : 81-98) .

[23]  Jandhyala B.G. Tilak , op. cit. , p : 67 .

[24] ميتشل والاس ، لي دون ، مرجع سابق ، ص : 122ـــ123 .

[25] Lex Borghans & Frank Cörvers : The americanization of european higher education and research , in : American universities in a global market, university of Chicago Press, May 2010 , (231 – 267) pp : 232 & 250-258 .

[26] Jandhyala B.G. Tilak , op. cit. , p : 67 .

[27] Noel Carroll: Elearning – the McDonaldization of education, European Journal of Higher Education, Routledge, London,  Volume 3, 2013 – Issue 4, pp : 342-356 .

[28] ميتشل والاس ، لي دون : التعليم في مجال التعليم العالي … ، مرجع سابق ، ص : 37 .

[29] Nicholas C. Burbules, Carlos Alberto Torres : Globalization and Education: Critical Perspectives , Routledge , New York , 2000 , p : 10 .

[30] Nicholas C. Burbules, Carlos Alberto Torres , op. cit. , p : 15 .

[31]  Jandhyala B.G. Tilak , op. cit. , p : 68 .

[32] Philip G. Altbach : International higher education : Reflections on policy and practice , Boston College Center for International Higher Education , Chestnut Hill, MA , Boston , 2006, p : 31 .

[33] Anthony Welch : Higher education in Southeast Asia ـــ Blurring Borders, Changing Balance , Routledge , London , 2011 , p : 6 .

[34] Madeleine F. Green ‘GATS update’. in : International Higher Education , The Boston College Center for  International Higher Education , n° 37 (automne), 2004 , pp : 3-5.

[35] Rafael Guarga: Higher education in the World Trade … , op. cit. (pp : 81-98).

[36] Panchamukhi, P.R : Globalisation and higher education: Economic perspectives , in: Footprints of development and change , (pp : 493-518)  , Academic Foundation , Ed. N. Jayaram & R.S. Deshpande , New Delhi , 2008 , p : 505-506 .

[37] Véronique Brouillette & Nicole Fortin : La mondialisation néolibérale et l’enseignement supérieur , Janvier 2004 , Volume 51 , Ed. la Centrale des Syndicats du Québec (CSQ) , p : 35 , 

[38] Abokor Abdi Mahmoud : La migration internationale des citoyens qualifiés : La problématique de la fuite des cerveaux , mémoire pour l’obtention du diplôme de master en affaires publiques et internationales , 19/07/2017 , École Supérieure d’Affaires Publiques et Internationales , Université d’Ottawa , p : 51 .

[39] في التصنيف ثلاثي الأبعاد للجامعات الأمريكية ، فالجامعات العامة أو الخاصة التي تقدم برامج في الخارج والمصنفة في الفئة الدنيا أكثر بكثير من غيرها (جامعات “النخبة” ذات المستوى الجيد) . وهكذا وفي المجموع فالجامعات التي تقدم مثل هذه البرامج في الخارج توجد 210 جامعة 30 متوسطة المستوى ، في مقابل 30 جامعة عمومية عالية المستوى ، و34 جامعة نخبة وجيدة خاصة

انظر :

Kim, E.H. & Zhu, M. : Universities as firms – The case of US overseas programs , in : American universities in a global market , pp : 163-201 , National Bureau of Economic Research , ed. Charles T. Clotfelter , New York , 2010 , p : 186 .

[40]  Jandhyala B.G. Tilak , op. cit. , p : 72 .

[41] Philip G. Altbach , op. cit., p : 32 .

[42] Saleem Badat : “Introduction” , In : “The general agreement on trade in services and South Africa – higher education : what should South Africa do ?” , the Council on Higher Education (CHE) , Kagisano , Issue No 3, (Autumn 2003) , Pretoria , p : 2 .  

[43] ميتشل والاس ، لي دون : التعليم في مجال التعليم العالي … ، مرجع سابق ، ص : 123 .

[44] Pierre Sauvé : Commerce, éducation et AGCS : les tenants et les aboutissants  , politiques et gestion de l’enseignement supérieur , 2002/3 (No 14) , (pp : 51-85) , Editions de l’OCDE , Paris , p : 64 .

[45] Thomas Lamarche : L’OMC et l’éducation : normalisation de l’éducation pour en faire une marchandise échangeable internationalement ? , In : Politiques et management public , vol. 21, n° 1 , 2003, (pp : 109-130) , p : 127.

[46] ميتشل والاس ، لي دون : التعليم في مجال التعليم العالي … ، مرجع سابق ، ص : 39 .

[47] Allan N. Gjerding, Celeste P.M. Wilderom, Shona Cameron, Adam Taylor & Klaus-Joachim Scheunert : “L’université entrepreneuriale : vingt pratiques distinctives” , 2006/3 (n° 18) , Politiques et gestion de l’enseignement supérieur , Editions de l’OCDE, (pp : 95-124) , p : 106 .

[48] ميتشل والاس ، لي دون : التعليم في مجال التعليم العالي … ، مرجع سابق ، ص : 37 .

[49] Abderrahmane Lahlou : Un redimensionnement à taille humaine de l’éducation , l’économiste , édition N°: 4275 , 14/05/2014 , voir le lien suivant :

http://www.leconomiste.com/article/947801-abderrahmane-lahlou-un-redimen-sionnement-taille-humaine-de-l-education

[50] Kurt Larsen et Stéphan Vincent-Lancrin , op. cit. , p : 36 .  

[51] ميتشل والاس ، لي دون : التعليم في مجال التعليم العالي … ، مرجع سابق ، ص : 37 .

[52]  Kurt Larsen et Stéphan Vincent-Lancrin , op. cit. , p : 34 .  

[53] ميتشل والاس ، لي دون : التعليم في مجال التعليم العالي … ، مرجع سابق ، ص : 38 .

[54] Kurt Larsen et Stéphan Vincent-Lancrin  , op.cit. , p : 47 .

[55] Kurt Larsen et Stéphan Vincent-Lancrin , op. cit. , p : 37 .  

[56] Kurt Larsen et Stéphan Vincent-Lancrin , op. cit. , p : 32 .  

[57] Kurt Larsen et Stéphan Vincent-Lancrin , op. cit . , p : 29 .

[58] Jane Knight ,  op. cit , p : 28 .  

[59] ميتشل والاس ، لي دون : التعليم في مجال التعليم العالي … ، مرجع سابق ، ص : 38 .

[60] Marc Couture : L’enseignement médiatisé et le droit d’auteur , in : Propriété intellectuelle et université ـــ Entre la privatisation et la libre circulation des saviors, Collection Enseignement Supérieur , N° 15 , Presses de l’Univesité du Quebec , Montréal , 2010 , p : 201 .

[61] ياتشيا بنكلر : ثروة الشبكات ـــ كيف يغير الإنتاج الاجتماعي الأسواق والحرية ، العبيكان للنشر ، الرياض ، 2012 ، ص : 461 .

[62] Pierrick Malissard : L’université et la commercialisation des innovations techniques, in : Propriété intellectuelle et université entre la privatisation des idées et la libre circulation des savoirs  , Collection Enseignement Supérieur , N° 15 , Presses de l’Univesité du Quebec , Montréal , 2010 , p : 149 .