انعكاسات تحرير التجارة الزراعية على القطاع الزراعي في الدول النامية

480

انعكاسات تحرير التجارة الزراعية على القطاع الزراعي في الدول النامية

د. أحمد طويل

دكتوراه في القانون العام ــ كلية الحقوق وجدة

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

لقد أفرز النظام التجاري العالمي ــ سواء من خلال اتفاقية الجات أو في ظل منظمة التجارة العالمية ــ واقعا عالميا جديدا شديد الاختلاف عما كان عليه الوضع من قبل . وإذا كان هذا الواقع الجديد يشمل كافة القطاعات والأنشطة الاقتصادية للدول ، فإن قطاع الزراعة يظل أهم القطاعات التي تستأثر بحصة الأسد داخل هذا الوضع الجديد . والواقع أن الدراسات والأبحاث قد انقسمت حول موضوع انعكاسات وآثار تحرير تجارة المنتجات الزراعية خصوصا في الدول النامية [1] ، خصوصا وأن تجارة في المنتجات الزراعية تعد مصدرا مهما لتحسين مستوى المعيشة لكثير من الدول النامية ، ولا سيما الأكثر فقرا منها. في حين أن التأثير الذي سيخلفه تحرير تجارة المنتجات الزراعية على الدول الغنية سيكون ضئيلا نسبيا ومتفاوتا إلى حد بعيد ، حيث أكدت بعض الدراسات والأبحاث الصادرة عن الأمانة العامة لمنظمة التجارة العالمية أن هناك خسائر مؤكدة تتكبدها الدول النامية خاصة على المدى القصير والمدى المتوسط، بينما ستحصد الدول المتقدمة مكاسب وامتيازات جمة على حساب الدول النامية [2] .

ومع ارتفاع وتيرة سياسات تحرير التجارة العالمية وفي ظل تضارب أوضاع ومصالح الدول المتقدمة والبلدان النامية أصبحت عملية توفير الغذاء في العالم النامي تشكل تحديا مهما تلعب فيه العولمة والانفتاح دورا إيجابيا تارة وسلبيا تارة أخرى في إنتاج ظاهرة نقص الغذاء وتفشي الجوع . وقد أثار هذا الوضع قلقا واسعا ارتبط بمدى انعكاس تحرير التجارة الزراعية على الأمن الغذائي في البلدان النامية وتعريضه للخطر، والسبب راجع إلى عدم استقرار الامدادات الغذائية وأسعارها ، مما يؤدي إلى عدم استقرار الأسواق وإضعاف حوافز الإنتاج المحلي بالنسبة للدول النامية والأقل نموا باعتبارها دولا مستوردة صافية للغذاء.

وتأسيسا على ما سبق سنعمل على دراسة انعكاسات تحرير تجارة المنتجات الزراعية على الإنتاج الغذائي والسياسات الغذائية ( المبحث الأول ) ، محاولين رصد آثار تحرير التجارة الزراعية على حركية سوق المنتجات الزراعية تصديرا واستيرادا ( المبحث الثاني ) .

المبحث الأول : انعكاسات حرية التجارة على الإنتاج الغذائي والسياسات الغذائية

تتدخل عناصر عدة في إنتاج وتسويق واستهلاك الغذاء ، منها ما يتعلق بالجوانب المالية والبشرية ، ومنها ما يرتبط بالعوامل التكنولوجية ، ومنها ما يرجع إلى السياسات العامة للدولة ، ومنها ما يتعلق بمناخ الاستثمار العالمي وبالنظام التجاري العالمي ، وهذا ما يدفعنا إلى مناقشة آثار ونتائج تحرير التجارة على أسعار المنتجات الزراعية والسياسات الزراعية والتنمية الزراعية ، وارتفاع أسعار التكنولوجيا الحديثة وانعكاساتها كذلك على الدخل والعمالة والأجور .

المطلب الأول : الآثار السلبية لتحرير التجارة الزراعية على الإنتاج الغذائي والسياسات الغذائية

نظرا للفرق الشاسع والتفاوت الكبير بين الدول الصناعية الكبرى التي يتميز قطاعها الإنتاجي الزراعي والغذائي بقدرات هائلة وبين الدول النامية التي يعاني جهازها الإنتاجي من الهشاشة والعجز عن امتصاص الهزات الخارجية وارتداداته المحلية [3] ، فإن القطاع الزراعي والإنتاج الغذائي للدول النامية قد تلحقه آثار سلبية كبيرة ستكون محط نقاش تواليا .

الفرع الأول : نتائج تحرير التجارة على أسعار وتنافسية المنتجات الزراعية والتكنولوجيا الزراعية

إن تحرير التجارة العالمية في المنتجات الزراعية تنطوي على آثار سلبية مست كل من أسعار المنتجات الزراعية وتنافسية المنتجات الزراعية للدول النامية ، وهذا كان له انعكاس على التكنولوجيا الزراعية التي أصبحت بعيدة المنال على هذه الدول نظرا لتكاليفها الباهظة من جراء استيرادها من الأسواق العالمية.

الفقرة الأولى : انعكاسات الانفتاح التجاري على أسعار المنتجات الزراعية

تنص المادة 8 من اتفاقية الزراعة على ضرورة تخفيض الدعم المقدم للمزارعين وتقليص دعم الصادرات الزراعية ، لأن ذلك يؤدي إلى الإخلال بشروط المنافسة التي يتأسس عليها النظام التجاري متعدد الأطراف . إن تقليص الإعانات يعني زيادة كلفة الإنتاج ، الشيء الذي سينتج عنه حتما ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية والغذائية على وجه الخصوص في الأسواق العالمية ، إضافة إلى النتائج السلبية على

الإنتاج الحيواني نظرا للارتفاع المتوقع لأسعار الأعلاف [4] .

إن معظم الدراسات تشير إلى أن تحرير التجارة الدولية يؤدي في الغالب إلى ارتفاع الأسعار العالمية للمنتجات الغذائية ، وتتراوح الزيادة خلال السنوات العشر الأولى من التحرير التجاري بين 1% و8%، مع التركيز على الزيادات على المدى المتوسط بين 3% و8% ، وهذه الزيادة المتوقعة في أسعار السلع الغذائية يأتي من ناحيتين [5] :

  • أولهما : إن انخفاض الدعم الزراعي ، ومن ثم حصول المزارعين على أسعار أقل ، يؤدي إلى انخفاض كمية السلع المعروضة من منتجات زراعية وغذائية وبالتالي ارتفاع أسعارها .
  • ثانيهما : إن انخفاض التعريفات الجمركية على المنتجات الزراعية الذي قد يخفض من أسعارها المحلية ، وخصوصا في دول المجموعة الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية ، يؤدي إلى زيادة الطلب على المنتجات الزراعية والغذائية ويرفع من أسعارها العالمية .

إن ثقل الزيادة في الأسعار العالمية للمنتجات الزراعية تقع على كاهل الدول النامية ، خصوصا الدول الإفريقية والأسيوية الأقل نموا في العالم ، وهذا من شأنه أن تكون له آثار سلبية على قدرتها على ضمان استقرار توفير احتياجاتها الغذائية نتيجة ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية المستوردة . وبالتالي فإن أسعار السلع الغذائية وتقلباتها تؤثر تأثيرا مباشرا على إمكانية الدول لإتاحة هذه السلع لمواطنيها ، وكذلك على قدرة مواطنيها على الحصول عليها بالكمية والجودة المطلوبتين وبخاصة الأسعار العالمية للسلع الأساسية [6].

الفقرة الثانية : فقدان بعض المنتجات الزراعية ميزتها النسبية وتنافسيتها

إن الميزة النسبية التي تتمتع بها بعض الدول النامية في إنتاج بعض المنتجات الزراعية بدأت تعرف تراجعا وضعفا في مجال التنافس الدولي ، لأن هذه الدول تعتمد على عوامل ثابتة مثل المناخ وتوفر المياه والتمتع بالخبرة التاريخية في الزراعية ، إلا أن القدرة الإنتاجية في مجال الزراعة بدأت تتميز بالضعف ، نظرا لتراجع قيمة الدعم الذي يتلقاه القطاع الزراعي طبقا لاتفاقية الزراعة ، وبالتالي فإن رفع الدعم قد يلغي الميزة

النسبية التي كانت تتمتع بعض المحاصيل الزراعية في ظل الدعم ، مما قد يؤدي إلى التراجع في إنتاجها.

من جهة أخرى فإن التفاوت الكبير في إنتاج المحاصيل الزراعية بين الدول النامية والدول المتقدمة أدى إلى بقاء أسعارها منخفضة بسبب الدعم المقدم من قبل الدول للمتقدمة للمنتجين الزراعيين الذي بلغ عام 2012  في بلدان منظمة التعاون والتنمية 259 مليار دولار [7] مقارنة بسنة 2007 الذي وصل إلى 364 مليار دولار و376 مليار دولار سنة 2008 [8] . إن هذا الدعم الكبير سيسمح للمنتجين الزراعيين في دول منظمة التعاون والتنمية تسويق منتجاتهم بأسعار أقل من أسعار الإنتاج وإكسابه ميزة نسبية غير حقيقية . هذا الوضع سوف لن يسمح للمنتجات الزراعية في الدول النامية من منافسة منتجات الدول الصناعية في الأسواق العالمية ، كما أن بعض الدول المتقدمة تقدم إعانات كبيرة جدا للمزارعين الذين يتركون أراضيهم بورا ، لمحاربة فائض الإنتاج على عكس الدول النامية التي ما زالت لم تحقق الاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء .

ومنه يمكن التأكيد أن الدعم المقدم للقطاع الزراعي في الدول المتقدمة يعتبر سلاحا ذو حدين ، فقد نتج عن هذا الدعم بقاء أسعار المنتجات الزراعية منخفضة من جهة ، وتمتع المنتجات الزراعية للدول المتقدمة بميزة نسبية غير حقيقية ، وهو في صالح الدول النامية المستوردة للمنتجات الزراعية وليس في صالح الدول النامية المصدرة للمنتجات الزراعية . وإذا تم إلغاء هذا الدعم فسيؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية في الأسواق العالمية ، وهو ليس في صالح الدول النامية المستوردة للمنتجات الزراعية . لذلك فإن تحرير التجارة العالمية للمنتجات الزراعية في ظل النظام التجاري متعدد الأطراف لا يزيد إلا في غياب التكافؤ في التبادل التجاري بين دول استطاعت بناء قطاعها الزراعي خلال زمن طويل بتطبيق الدعم والحماية ، ودول فتية لا زال قطاعها الزراعي في حاجة إلى دعم كبير [9] .

الفقرة الثالثة : ارتفاع أسعار التكنولوجيا الحيوية الحديثة

في ظل تآكل الموارد الطبيعية الزراعية العربية فإن الدول العربية ستصبح مضطرة على الاعتماد وبالأساس على قدرات العلم والتكنولوجيا التي ستشكل فيه التكنولوجيا الحيوية الحديثة من هندسة وراثية وزراعة

الأنسجة وتكنولوجيا المعلومات الدور الأساسي في الارتقاء بإنتاج الغذاء . وتشمل التكنولوجيا الحيوية مدى واسعا من التكنولوجيات الحيوية التقليدية والمستخدمة على نطاق واسع والقائمة على الاستخدام التجاري للميكروبات والكائنات الحبيبية الأخرى ، والطور الثاني ويشمل زراعة الأنسجة والطور الثالث الهندسة الوراثية . وتفسح التكنولوجيا الحيوية الحديثة مدخلا بعيد الأثر لتحسين المحاصيل الزراعية النباتية وتحسين الإنتاج الحيواني.

إلا أنه في ظل اتفاقيات منظمة التجارة العالمية فإن حقوق الملكية الفكرية سوف يكون لها آثار بعيدة المدى خاصة في مجال التكنولوجيا الحيوية الحديثة وعلى وجه الخصوص هندسة الوراثة والتكنولوجيات المتقدمة لزراعة الخلايا والأنسجة ، سواء للحاصلات النباتية أو الثروة الحيوانية. هذه التكنولوجيا الحيوية الحديثة سترتفع أسعارها وتكلفتها وبصفة خاصة تربية الأصناف النباتية والسلالات الحيوانية والصناعات الغذائية والبيطرية وغيرها [10] ، كما ستتأثر برامج التنمية الزراعية بتنفيذ اتفاقية الملكية الفكرية التي ستحد من إمكانية الحصول على البذور والشتلات المحسنة والهندسة الوراثية وغيرها من الأساليب التكنولوجية الجديدة بسبب ارتفاع تكلفتها [11] .

إن عملية نقل التكنولوجيا في المجال الزراعي سينعكس سلبا على إنتاج الغذاء وتنافسيته في الدول النامية ويضيف أعباء مالية كبيرة على عاتقها ، وسيتسبب في استنزاف المزيد من العملة الصعبة في سبيل الحصول على التكنولوجيا الحديثة ، خاصة الدول النامية الزراعية التي يشكل فيها القطاع الزراعي نسبة مهمة من الناتج المحلي الإجمالي . وبالتالي فإن هذه الدول ستكون حاجتها ملحة لاستخدام هذه التكنولوجيا لتطوير وتحسين أداء وتنافسية قطاعها الزراعي ، مما سيجعلها تتحمل مزيدا من الأعباء للحصول عليها أكثر من غيرها من الدول [12] .

الفقرة الرابعة : آثار سياسة تحرير التجارة الزراعية العالمية على العمالة والأجور

يشكل تحرير التجارة الدولية رافعة أساسية لتحقيق التنمية وخلق فرص الشغل والتخفيف من حدة الفقر

وانعدام الأمن الغذائي ، بيد أن الصلة بين تحرير التجارة والعمالة تتسم بالتعقيد ، إذ غالبا ما يكون تحرير التجارة مصحوبا بإصلاحات واسعة وتغيرات اقتصادية عامة ، مما يصعب في ظل هذا الوضع فصل التجارة على العمالة والأجور واقعيا . وتشير معظم الأدلة إلى أن سياسة الانفتاح التجاري ليست لها آثار على مستوى العمالة الإجمالي ، ولكنه يؤثر على المستوييْن القطاعي والمهني ، ليُسهم بذلك في زيادة تفاوت دخل الدول [13] . وفي هذا الصدد يؤكد كل من هوكمان Hoekman و وينترز Winters أن “الآثار المباشرة للإصلاح التجاري على مجموع العمالة غير ملموسة” [14] .

وتقدر بعض الدراسات أن ما بين 1 % إلى 2 % من حجم اليد العاملة على الصعيد العالمي ستحتاج إلى تغيير أنشطتها الاقتصادية نتيجة تحرير التجارة الدولية وعدم قدرة بعض المنتجات على منافسة السلع المستوردة مما يتطلب تصفيتها . ومن الأسباب المهمة لذلك عدم سهولة استيعاب القطاعات التصديرية العمال المسرحين من الأنشطة المنافسة للواردات ، وهذا من شأنه أن تكون له آثار سلبية على نسبة الفقر وتناقص القدرة الشرائية للأشخاص وبالتالي تراجع قدرتهم على الحصول على الغذاء[15].

وفيما يخص حالة الدول النامية ، فإن أغلب الدراسات تشير إلى أن تحرير التجارة الدولية يؤدي في الغالب إلى ارتفاع معدل الطلب على العمالة غير الماهرة نسبيا في مجال الزراعة ، على اعتبار أن هذه الدول تتميز بارتفاع نسبة العمالة الماهرة ، وبالتالي فإن ارتفاع صادرات المنتجات وكثافة العمالة غير الماهرة نتيجة تحرير التجارة الدولية سينتج عنه رفع معدلات الطلب على العمالة غير الماهرة نسبيا [16] ، إضافة إلى كون الدول النامية دولا مستقبلة للأنشطة المنقولة إليها من الخارج في إطار الاستثمار الأجنبي، وهذا ما سيؤدي بدوره إلى زيادة الطلب على العمالة غير الماهرة ، مما سيكون له أثر إيجابي على زيادة التوظيف والعمالة غير الماهرة ، وبالتالي تخفيض الفقر ورفع القدرة على الحصول على الاحتياجات الغذائية .

الفرع الثاني : الآثار السلبية المتعلقة بالسياسات الزراعية والتنمية الزراعية

إن الانعكاسات السلبية لحقت كذلك السياسات الزراعية للدول النامية والتنمية الزراعية بسبب إلغاء الدعم المحلي ودعم الصادرات ، ومن هنا تظهر خطورة اختراق السيادة الوطنية للدول النامية عبر التدخل في رسم السياسات الزراعية والتنموية عموما .   

الفقرة الأولى : التدخل في رسم السياسات الزراعية

تعتبر السياسات الاقتصادية بشكل عام الإطار الذي يوجه مختلف الأنشطة الإنتاجية لتحقيق أهداف الدول والتجمعات الإقليمية في تعزيز النمو وبناء النهضة الشاملة [17] . من هنا تبدو أهمية السياسات الزراعية كعنصر أساسي من السياسات الاقتصادية خصوصا في الدول النامية التي يعد القطاع الزراعي فيها هو الحجر الأساس لاقتصادياتها ، إذ تلعب الزراعة دورا مهما في تنمية الاقتصاد . وقد كان ينظر في الماضي إلى هذا الدور بشكل مبسط وغير صحيح يتمثل في تزويد قوة العمل الزائدة أو رأس المال إلى الصناعة ، وهذا م كان يجعلهـا المحرك الحقيقي للتنمية الاقتصادية . هذه النظرة كانت تدعمها ملاحظة أن العملية الإنتاجيـة الزراعيـة لا تتأثر بترك العمال العمل . بالإضافة إلى أن المنتجات الزراعية في المراحل المبكرة للتنمية الاقتصادية كانت هي المنتجات الوحيدة التي يمكن أن تخصص للتصدير لكسب العملة الصعبة الضرورية للاستثمار في قطاع الصناعة [18] . كما أن قطاع الزراعة له دور بارز في توفير السلع والمنتجات الزراعية اللازمة لتلبية الحاجيات الاستهلاكية الغذائية ، ومساهمته في توفير المواد الأولية التي تستخدم كمدخلات في العديد من الصناعات التحويلية ، ومساهمته في توفير نسبة مهمة من فرص الشغل من إجمالي القوى العاملة في الدول النامية [19] ، علاوة على مساهمته في تكوين الناتج المحلي الإجمالي .

إذا كان القطاع الزراعي عموما والسياسات الزراعية على وجه الخصوص يمتلكان هذه الأهمية القصوى بالنسبة لاقتصاديات الدول خصوصا النامية منها ، فإن تحرير تجارة المنتجات الزراعية سيجرد هذه الدول من استقلالية وحرية رسم سياساتها الزراعية بفعل الضغوط التي تتعرض لها من قبل الدول المتقدمة عبر شركاتها العملاقة أو من قبل المنظمات الدولية التي تقع تحت سيطرة الدول الصناعية الكبرى مثل منظمة التجارة العالمية أو البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي واليونسكو ومنظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وغيرها [20] .

إن انضمام الدول النامية إلى منظمة التجارة العالمية تقلص قدرتها على تصميم سياساتها التنموية ، ونخص بالذكر هنا سياسة تنمية القطاع الزراعي بما يتماشى مع ظروفها الواقعية ودرجة وطبيعة استقرارها ونموها بما يتلاءم مع مصالحها وأهدافها وأولوياتها الوطنية . فاتفاقات تحرير التجارة ومنها اتفاق الزراعة تنطوي على تحويل جزء من صلاحيات اتخاذ القرارات الاقتصادية الوطنية في كثير من المجالات والقطاعات إلى منظمة التجارة العالمية بشكل غير مباشر ، أو على الأقل تستوجب التشاور معها قبل اتخاذ العديد من القرارات المتعلقة بالتجارة ، والأدلة على ذلك كثيرة منها تحديد أنواع الدعم المسموح به والدعم المحظور [21] .

عقب انتهاء جولة أورغواي خرجت معظم الدول النامية ونسبة كبيرة من تعريفاتها الجمركية مثبتة أو مربوطة في جداول التزاماتها ، وهو ما يعني أنه من الصعب جدا عليها إعادة النظر في هذه التعريفات وفق مصالحها الوطنية وتقييد حركتها في رسم سياستها التنموية الوطنية . واختيار الأدوات المختلفة اللازمة لتطبيقها كتلك التي استخدمتها الدول الصناعية في الماضي [22] .

كل هذه الظروف والأوضاع ستؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وضعف إنتاجيته وتنافسيته في أغلب الدول النامية لاعتماد قطاعها الزراعي اعتمادا كبيرا على الدعم المقدم له من قبل الدولة بسبب ضعفه وهشاشة بنيته القاعدية واعتماده بشكل كبير على الظروف المناخية المواتية ، هذه الظروف لم تعد مساعدة ولا تمثل عنصر قوة للقطاع الزراعي للدول النامية بسبب التدهور البيئي المستمر والتغيرات المناخية الكبيرة لاعتماد القطاع على الأمطار التي تتسم بمحدوديتها وعدم انتظام توزيعها [23] .

الفقرة الثانية : إلغاء الدعم على القطاع الزراعي

لقد نصت اتفاقية الزراعة على إلغاء الدعم المقدم على المزارعين وإعانات التصدير التي تمنحها الدول

لقطاعها الزراعي ، مما يؤثر سلبا على الإنتاج الزراعي للدول النامية بنوعيه النباتي والحيواني الذي مازال يحتاج في الكثير من هذه الدول إلى دعم كبير للتأقلم مع الظروف الاقتصادية العالمية الجديدة ، وجعله قادرا على المنافسة العالمية . إن هذا الوضع قد يؤدي إلى حالة من الضعف والانهيار بسبب التحولات المفاجئة والأزمات الخانقة التي ميزت ومازالت تميز الأوضاع الاقتصادية العالمية . ونظرا لتفاوت الدول النامية في درجة تأثرها بهذه الأوضاع بالنظر إلى درجة نموها واستقرارها ومدى توفرها على الموارد والإمكانات . إن ثقل هذه الآثار تكون أشد على الدول الأقل نموا  وذلك لعدم توفرها على الموارد المالية والبشرية والتقنية اللازمة لمواجهة هذه الأوضاع الاقتصادية والتجارية الصعبة ، إضافة إلى تخفيض الالتزامات التنموية الحكومية وبرامج الإنماء الزراعي ، في الوقت الذي تعاني منه الزراعة في هذه الدول من عدة ظواهر مثل الجفاف وقصور الأساليب الإنتاجية والتقنية ، فضلا عن انخفاض مستوى المعيشة في الأرياف وتخلف المناطق الريفية [24] .

إن إلغاء الدعم على القطاع الزراعي من شأنه كذلك أن يؤدي إلى ضعف الإنتاج من خلال مغادرة العديد من المزارعين لضيعاتهم ومزارعهم وتغيير أنشطتهم الاقتصادية ، بسبب ضعف إمكانياتهم وعدم قدرتهم على مسايرة وتحمل تكلف الإنتاج ، من آلات إنتاج ومزارعين مساعدين وموارد مالية تسمح لهم بتوفير وتطوير البنى التحتية والخدمات المساندة للقطاع الزراعي ، وعدم توفرهم على إمكانات تسمح لهم باقتناء الأعلاف والبذور والأسمدة والمبيدات وبناء الإصطبلات وتجهيزها وتوفير وسائل النقل والاتصالات وخدمات الماء والكهرباء [25] … إضافة إلى أن إلغاء الدعم على القطاع الزراعي سينتج عنه سيطرة واحتكار كبريات الشركات الزراعية والغذائية العالمية سوق المنتوجات الغذائية ، وبالتالي التحكم في الأسعار والمضاربة فيها .

الفقرة الثالثة : الاهتمام بالتجارة على حساب التنمية الزراعية   

إن سياسات التحرير التجاري للمنتجات الزراعية تركز اهتمامها على جانب التجارة كهدف أساسي دون النظر إلى التنمية الزراعية ، إذ يتم التغاضي عن الإصلاحات الهيكلية في مقابل التركيز على المصالح التجارية ، ويظهر هذا جليا من خلال نصوص اتفاقية الزراعة والتي أكدت في مجملها على تخفيض الرسوم الجمركية بمختلف أشكالها ، وأقرت على إزالة التشوهات المتعلقة بتجارة المنتجات الزراعية وتخفيض جميع أنواع الدعم المقدم للقطاع الزراعي ، وهو ما سيؤدي إلى فتح أسواق الدول النامية أمام المنتجات الزراعية للدول المتقدمة نظرا لقوة شركاتها وقدرة تنافسيتها العالية نتيجة للدعم الذي يحظى به قطاعها الزراعي منذ عقود ، الشيء الذي سيكرس مكاسبها التجارية على حساب التنمية الزراعية في البلدان النامية .

إن اتفاقية الزراعة جاءت خالية من أية إشارة أو اهتمام لتنمية القطاع الزراعي في الدول النامية وجعله قادرا على منافسة القطاع الزراعي في الدول المتقدمة ، وإنما نصت فقط على معاملة تفضيلية للدول النامية التي تعد مستوردة صافية للمنتجات الغذائية ، كما أقرت الاتفاقية على منح الدول النامية فترات سماح لإصلاح قطاعها الزراعي . من ناحية أخرى سيؤدي تحرير تجارة المنتجات الزراعية إلى تناقص المنح والمساعدات التي كانت تقدمها الدول المتقدمة لعدد إلى عدد من الدول النامية ، وربط هذه المساعدات باستخدامات تحددها الدول المانحة بما يحقق لها منافع خاصة بصرف النظر عما تمليه أولويات التنمية الزراعية المستدامة في الدول النامية [26] .

المطلب الثاني : الآثار الإيجابية لتحرير التجارة الزراعية على الإنتاج الغذائي والسياسة الزراعية

بالرغم من الآثار السلبية التي تخلفها عملية تحرير التجارة في المنتجات الزراعية في الدول النامية ، إلا أنه من زاوية أخرى قد يستفيد القطاع الزراعي في هذه الدول من مزايا ومكاسب توفرها التحولات الاقتصادية العالمية ، وخصوصا المتعلقة بتحرير التبادل التجاري العالمي . ولكن ما يجب التنبيه إليه هو أن استفادة الدول النامية من عملية التحرير رهين بمجموعة من العناصر والمعطيات أهمها طبيعة بنية صادراتها ووارداتها ، حيث أن الدول التي تعتمد على صادراتها الزراعية ستستفيد من فتح الأسواق العالمية في وجهها نظرا لتخفيض أو إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية ، وهذا ما سيؤدي بالدول النامية إلى مضاعفة وتطوير إنتاجها الزراعي وتحسين درجة تنافسيته ، كما ستستفيد الدول النامية من ضبط قواعد السلوك ومن نظام تسوية المنازعات التجارية اعتمادا على القواعد العامة الواردة في الاتفاقيات الدولية عموما واتفاقات منظمة التجارة العالمية خصوصا . وتأسيسا على ما سبق فإننا سنحاول رصد بعض إيجابيات تحرير التجارة في القطاع الزراعي على تجارة السلع الغذائية في الدول النامية . من هنا سينصب تركيزنا في هذا الصدد على انعكاسات حرية التجارة على المجال الزراعي سواء من خلال تشجيع الإنتاج الزراعي وانخفاض أسعار وسائل وأدوات الانتاج الزراعي وأوجه استفادة الدول

النامية من التفضيلات المتاحة في إطار اتفاقية الزراعة وكذا تشجيع الاستثمار في قطاع الزراعة .

الفرع الأول : تشجيع الإنتاج والاستثمار في القطاع الزراعي وتحسين تنافسيته

مما لا شك فيه أن تحرير التجارة العالمية في القطاع الزراعي ستكون له آثار إيجابية ستهم بالخصوص تشجيع الإنتاج في القطاع الزراعي من خلال إتاحة الفرص للفلاحين المحليين ، وذلك بتزويد السوق الوطنية بحاجياتها الأساسية ومحاولة تأهيل المزارعين المحليين لمنافسة الفلاحين الأجانب على مستوى تسهيل وتشجيع ولوج منتجاتهم إلى الأسواق العالمية من خلال إزالة الحواجز الجمركية ، كما أنه من شأن تحرير التجارة الزراعية تشجيع القطاع الخاص الوطني أو الأجنبي على الاستثمار في القطاع الزراعي وإعادة الاعتبار إليه .

الفقرة الأولى : تشجيع الإنتاج الزراعي وتحسين تنافسيته

إن تخفيض الحواجز الجمركية وإزالة الدعم عن القطاع الزراعي في الدول المتقدمة سوف يؤدي إلى تشجيع المنتجين الزراعيين في الدول النامية على رفع إنتاجيتهم ، وهو ما سيؤدي إلى تشجيع الصادرات الزراعية للدول النامية ، وإمكانية زيادة نفاذها إلى الأسواق العالمية ، كما سيساعد فتح أسواق الدول المتقدمة أمام المنتجات الزراعية للدول النامية على تحسين الإنتاج وفق المواصفات التي تفرضها السوق العالمية ، وهو ما سيشكل آلية تنشيط عامة لتطوير وتحسين أساليب الإنتاج وكفاءته ، كم سيساعد على تنمية القطاع الزراعي في الدول النامية خاصة ذات الموارد الزراعية .

إلا أن تطور الإنتاج الزراعي قد يسير في اتجاه تشجيع المنتجات الزراعية المخصصة للتصدير وليس للاستهلاك المحلي مما قد تكون له آثار سلبية على الأمن الغذائي للدول النامية . كما أن الأثر الإيجابي على الإنتاج الزراعي لا يتوقف على تحرير التجارة الدولية وحده ، بل يتطلب حضور عوامل أخرى متعددة من أهمها الاعتماد على سياسة زراعية تأهيلية مدعمة من قبل الدولة لنقل الارتفاع في الأسعار العالمية إلى المزارعين المحليين ، والقيام بالاستثمارات اللازمة لتحسين الإنتاجية الزراعية وتطوير الصناعات الغذائية وتأهيلها [27] .

 

وبشكل عام فإن تطبيق اتفاقية الزراعة سيكون عاملا مهما لزيادة فرص التوسع في إنتاج المحاصيل

الزراعية والتي كان إنتاجها غير اقتصادي لانخفاض أسعار استيرادها [28] . وهذا الوضع من شأنه أن يساهم في توسع المساحات الزراعية من الأراضي الزراعية غير المستغلة لاستزراعها والتي كانت تكلفة إصلاحها جد مرتفعة [29] .

الفقرة الثانية : تشجيع الاستثمار في القطاع الزراعي وإعادة الاعتبار إليه

إن رفع الدول المتقدمة الدعم الممنوح لمنتوجاتها الزراعية أدى إلى آثار سلبية على الدول النامية المستوردة للمنتجات الزراعية نتيجة لتأثير هذه المنتجات الرخيصة السعر على التنمية الزراعية ، ولو أنه من جهة  أخرى يساهم في توفير قيمة فاتورة الغذاء الذي تقوم هذه الدول بدفعها [30] . وفي ظل التحولات الاقتصادية العالمية المصاحبة لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية سيتم رفع الدعم عن المنتجات الزراعية بموجب اتفاق الزراعة ، وسيؤدي ذلك إلى رفع فاتورة الغذاء بالنسبة للبلدان النامية خاصة تلك المستوردة للغذاء ، مما ينتج عنه خلل في الميزان التجاري لهذه الدول وهو ما سيسبب عجزا في ميزان مدفوعاتها[31]. إلا أن رفع هذا الدعم سيؤدي من جهة أخرى إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية والعالمية وسينتج عنه تشجيع الاستثمار في الزراعة ومن ثم الزيادة في الإنتاجية والإنتاج الغذائي الكلي ، وبالتالي درجة الاكتفاء الذاتي وانخفاض الواردات من المنتجات الزراعية . إلا أن هذا الوضع لا يضمن الاكتفاء الذاتي دائما خصوصا إذا كانت حصة الأسد من الاستثمار في الإنتاج الزراعي من نصيب شركات أجنبية كبرى أو حتى وطنية وموجهة نحو التصدير خصيصا ، وهذا ما يزيد من تبعية قطاع الزراعة في الدول النامية لشركات ودول أجنبية. ففي هذه الحالة فإن هاجس هذه الاستثمارات سيكون هو الربح والمردودية وسيطغى على أهداف أخرى من قبيل تحقيق الاكتفاء الذاتي أو الأمن الغذائي .

من جانب آخر فإن الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات واتفاقية إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة، بما يتضمناه من إلغاء الكثير من القيود والاشتراطات على الاستثمارات الأجنبية سوف يؤديان إلى تشجيع تدفق الاستثمارات إلى الدول النامية التي اعتادت على وضع الكثير من الحواجز على حرية التجارة في وجه المستثمرين الأجانب ، هذا التدفق الكبير في الاستثمارات الأجنبية سوف تكون له آثار إيجابية على الإنتاج الغذائي في الدول النامية من خلال تشجيع الاستثمارات خصوصا في قطاع الزراعة وقطاع الصناعة الغذائية، مما سيؤدي مثلا إلى زيادة المساحات المزروعة بالمحاصيل الاستراتيجية كالحبوب.

كما أن تطبيق اتفاقية الزراعة قد يؤدي إلى إعادة الاعتبار إلى القطاع الزراعي وتنمية قدرته التنافسية نتيجة تدفق الاستثمارات الخاصة في هذا القطاع في الدول النامية ذات الموارد الزراعية ، نظرا لارتفاع معدلات عائد المشروعات الزراعية فيها ، وبالتالي زيادة الإنتاجية والإنتاج الكلي وانخفاض الواردات الزراعية وتقليص الاعتماد على الواردات الأجنبية .

كما أنه ومن جهة أخرى فإن اتفاقية الزراعة ستفرض على الدول النامية ضرورة إعادة النظر ورد الاعتبار للقطاع الزراعي وإعطائه أهمية كبيرة ضمن استراتيجيات التنمية الاقتصادية ، خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التحولات الاقتصادية العالمية وما نتجت عنها من ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية في الأسواق العالمية والتقلص المحتمل في المساعدات الغذائية . إن هذه التطورات العالمية ستحتم على الدول النامية تعديل سياستها الاقتصادية عموما والسياسات الزراعية على وجه الخصوص ، وإدخال تغييرات بنيوية على منظومتها الإنتاجية ، الشيء الذي سيؤدي إلى زيادة دخل المزارعين ، والسماح لمزارعي الدول النامية بالمشاركة في سوق الصادرات الزراعية العالمية ، كما سيدفعهم إلى مزيد من الإنتاج الزراعي وإمداد الأسواق المحلية بحاجياتها من المنتجات الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي .

إضافة إلى ما سبق فإن تخفيض الدعم المخصص للقطاع الزراعي سيؤدي إلى إنتاج كميات أقل من المنتجات الزراعية الرخيصة الثمن ، مما ينتج عنه ارتفاع أسعارها في الأسواق العالمية للمنتجات الزراعية، إن هذا الوضع سوف يشجع مزارعي الدول النامية الذين توقفوا أو قللوا من إنتاجهم الزراعي أو غيروا نشاطهم الاقتصادي نظرا لعجزهم منافسة المنتجات الرخيصة على العودة إلى السوق مرة أخرى [32] ، كما سيعمل على تشجيع المنتجين الأكثر كفاءة في إنتاج السلع الزراعية على مضاعفة إنتاجهم وبالتالي زيادة كمية المعروض من هذه المنتجات [33] .

والواقع أن هذه الآثار الإيجابية لا تتوقف على تحرير التجارة وحدها ، بل تتطلب توفر عوامل أخرى ، من أهمها الاعتماد على سياسة زراعية تأهيلية مدعمة من قبل الدولة وتحمل الارتفاع في الأسعار العالمية عن المزارعين المحليين ، والقيام بالاستثمارات اللازمة لتحسين البنية التحتية للقطاع الزراعي والاستثمار في التعليم والبحث العلمي ومجال التقنيات الزراعية والنقل واللوجستيك وطرق التوزيع والتخزين وغيرها من المجالات الحيوية للقطاع الزراعي [34] .

الفرع الثاني : انخفاض أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي واستفادة الدول النامية من تفضيلات اتفاقية الزراعة

إن الانفتاح التجاري انعكس بشكل إيجابي على أسعار الآلات والوسائل المستعملة في القطاع الزراعي إذ عرفت تراجعا استفادت منه الدول النامية من أجل تأهيل قطاعها الزراعي  ، كما أن اتفاقية الزراعة ساهمت في استفادة الدول النامية من تفضيلات اتفاقية الزراعة .

الفقرة الأولى : انخفاض أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي

إن تخفيض أو إلغاء الحواجز الجمركية كما نصت على ذلك اتفاقية الزراعة وبالتالي تحرير تجارة المنتجات الزراعية من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي ، وهذا ما يمكن أن يكون في صالح الدول النامية وخاصة ذات الموارد الزراعية منها ، وذلك من خلال استفادتها من أحدث التقنيات المستعملة في قطاع الزراعة [35] وبأسعار منخفضة ، وبالتالي سيكون هذا عاملا مهما في عصرنة وتحديث قطاع الزراعة في هذه الدول ، وسيشجع المزارعين المحليين على استعمال أحدث الوسائل وأحسن التقنيات ، مما سيوفر الوقت والجهد للمنتجين ، وهذا ما يؤدي إلى رفع الإنتاج وتحسين المردودية للقطاع الزراعي في هذه الدول .

الفقرة الثانية : استفادة الدول النامية من تفضيلات اتفاقية الزراعة

يمكن للدول النامية أن تستفيد من المزايا والتفضيلات والاستثناءات المقدمة من منظمة التجارة العالمية إلى الدول النامية المستوردة للغذاء لمواجهة الآثار السلبية التي قد تترتب على تخفيض الدعم من الدول المتقدمة لقطاعها الزراعي في حالة الانضمام مضافا إليها فترات السماح ( 10 سنوات ) ، الشيء الذي يمنحها مرونة كافية لتسوية أوضاعها وإعادة بناء هياكلها الاقتصادية والمالية والخدماتية والقانونية بما يحقق لها موقعا في المستقبل ، ولو على حساب خسارتها على المستوييْن القصير والمتوسط خاصة إذا ركزت الدول النامية جهودها في تنمية وتعزيز المبادلات البينية وإنشاء تكتلات اقتصادية ومناطق تبادل تجاري حرة خاصة بها تكون الركيزة الأساسية لمواجهة تحديات العولمة في شخص منظمة التجارة العالمية. ولكن غالبية هذه الاستثناءات أصبحت مقيدة بفترات زمنية محددة بشروط ومتطلبات فنية وإجراءات ومشاورات كثيرة ، وهو ما يمكن أن يشكل عائقا أمام الدول النامية ، مما يحول دون انتفاعها من هذه الاستثناءات [36].

من جهة أخرى قد تكتسب الدول النامية قدرة تنافسية في المجال الزراعي على المدى الطويل ، بسبب استفادتها من المعاملة التفضيلية خصوصا فيما يتعلق بحجم تخفيض التعريفة الجمركية وكذلك الدعم المقدم إلى الصادرات الزراعية والدعم المحلي ، كما قد تتحسن فرص نفاذ منتجاتها الزراعية إلى أسواق الدول المتقدمة ، وذلك بالنظر إلى تخفيض التعريفات الجمركية على هذه المنتجات من جهة وخفض الدعم المقدم للإنتاج الزراعي من قبل الدول المتقدمة خاصة دعم الصادرات من جهة ثانية . كل هذا مرتبط بمدى احترام وتنفيذ التزاماتها كما نصت عليها اتفاقيات منظمة التجارة العالمية وعدم التحايل أو التنصل منها [37].

المبحث الثاني : آثار حرية التجارة الزراعية على الميزان التجاري الزراعي في الدول النامية

يعد القطاع الزراعي من أكثر القطاعات تأثرا باتفاقات منظمة التجارة العالمية في الدول النامية ، إذ يعرف الميزان التجاري الزراعي لهذه الدول عجزا مستمرا بسبب ضعف الصادرات الزراعية لهذه الدول من جهة ، وارتفاع الواردات من جهة أخرى . ويعد هذا الوضع طبيعيا بالنظر إلى ضعف الإنتاج الزراعي وانخفاض مستوى تنافسيته ، وبالتالي فإن تحرير تجارة المنتجات الزراعية سوف تكون له آثار مباشرة على الميزان التجاري الزراعي نظرا لاعتماد معظم الدول النامية في تغطية حاجاتها من المنتجات الزراعية على الاستيراد .

 

لقد تأثرت صادرات الدول النامية سواء من ناحية حجمها أو انخفاض الأسعار ، وهذا ما أثر على إيراداتها ، إذ أنه في عام 2015 ، سجلت الاقتصادات النامية انخفاضا بنسبة 14٪ من صادراتها السلعية وانخفاضا في وارداتها بنسبة 13 ٪ ، ونتيجة لذلك ، عرفت مشاركة الاقتصادات النامية في التجارة السلعية العالمية تغيرات في عام 2015 ، إذ انخفضت حصتها في الصادرات إلى 43٪ ، في حين سجلت حصتها في الواردات العالمية نسبة 41٪ ، وهذا ما تبينه معطيات الجدول التالي .

الجدول رقم 1  : تجارة السلع للاقتصادات النامية 2015 [38]

 

 

الاقتصادات النامية

الصادرات الواردات
 

 قيمة 2015

المساهمة في الاقتصاد العالمي التقلبات  السنوية   بــ %  

  قيمة 2015

 

المساهمة في  الاقتصاد العالمي

التقلبات السنوية بــ %
2014 2015 2014 2015 2014 2015 2014 2015
6934 43.6 43.4 1 -14 6664 41.0 40.9 0 -13

 

المطلب الأول : انعكاسات تحرير التجارة على الصادرات الزراعية

تواجه صادرات الدول النامية العديد من المشاكل والعراقيل من أجل للوصول إلى الأسواق العالمية من جراء رفع الدعم المحلي ورفع دعم الصادرات وخفض التعريفات الجمركية وتحديد الحصص الكمية والموسمية وكذا أثر المعايير البيئية .

كما يبين الجدول رقم 1 فإن الاقتصادات النامية عرفت انخفاضا على مستوى صادراتها السلعية بنسبة 14 ٪ في عام 2015 [39]. ولعل العامل الأساسي الذي ساهم في هذا الوضع هو تخفيض الدعم للمنتجات الزراعية ، لأن هذا التخفيض قد لا يؤدي إلى زيادة صادرات الدول العربية بنسبة كبيرة ، وذلك لأن التزام الدول المتقدمة بتخفيض الدعم المحلي للمنتجات الزراعية قد يكون في السلع التي ليست لها أهمية بالنسبة لها ، وفي نفس الوقت يبقى الدعم المقدم للسلع الهامة الأخرى والتي ترغب في حمايتها من المنافسة الأجنبية خصوصا ، وذلك لأن الاتفاق لم يلزم بتخفيض الدعم في كل منتج وإنما ألزم تخفيض الدعم بنسبة إجمالية [40] .

الفرع الأول : الآثار السلبية على الصادرات الزراعية  

إن نمو السكان وتطور الطبقة الوسطى في أفريقيا قد ولدا زيادة في الطلب على المنتجات الزراعية ، مما تسبب في ارتفاع حاد في الواردات الغذائية . بالإضافة إلى ذلك فإن معظم المنتجات الغذائية من المزارعين الأفارقة يتم استهلاكها على المستوى الوطني ، بحيث عرفت الصادرات الزراعية نموا بطيئا . وهكذا ، فإن صافي الواردات الزراعية قد تضاعفت مرتين مقارنة بالصادرات الزراعية ، إذ تمثل فاتورة الواردات عبئا ثقيلا على البلدان ذات الدخل المنخفض . وعموما ، فقد انخفضت حصة أفريقيا في الصادرات الزراعية العالمية بنسبة 2٪ في عام 2009 ، مقابل 7.6٪ في أوائل سنة 1970 [41] .

إن انتقال المنتجات الزراعية وحركتها بتصديرها من الدول المتقدمة إلى الدول النامية قد توسع في ظل العولمة الاقتصادية بتحرير التجارة الخارجية وإزالة كافة ما يقيد التصدير ، مما يعني تمتع السلع المنتجة في الدول المتقدمة بميزة تنافسية في أسواق الدول النامية نتيجة عولمة الأسواق ، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تفوق السلع المنتجة في الدول المتقدمة على السلع المنتجة في الدول النامية ، وبالتالي منافستها في أسواق هذه الدول الأقل تقدما ، بحكم امتلاك منتجات الدول المتقدمة للسعر الأدنى والنوعية الأفضل بسبب الأحجام الكبيرة لإنتاجها والكفاءة التي ترافق إنتاجها .

وبالمقابل فإن ضعف القدرة التنافسية للمنتجات الزراعية للدول النامية وأسعارها المرتفعة ونوعيتها الأدنى بسبب ارتفاع تكاليف إنتاجها الناجمة عن الأحجام الصغيرة الإنتاج وانخفاض كفاءة هذا الإنتاج لا يقضي فقط على ما هو قائم من إنتاج محلي ، وإنما يقضي حتى على مجرد التفكير في إقامة إنتاج محلي بسبب ضعف القدرات والإمكانات التي لا تتيح لإنتاجها قدرة على المنافسة مع منتجات الدول المتقدمة، ليس في الأسواق العالمية فحسب بل في أسواقها المحلية أيضا [42] .

الفقرة الأولى : أثر رفع الدعم المحلي

 

إن إلغاء الدعم الزراعي كما نصت عليه اتفاقية الزراعة ستكون له انعكاسات سلبية مباشرة على الدول

النامية ، إذ سيؤدي انخفاض الدعم الزراعي أو إلغائه إلى ترك الأراضي الزراعية من قبل المزارعين في هذه البلدان ، الأمر الذي سينتج عنه تراجع الإنتاج العالمي ، وهذا الوضع سيكون سببا رئيسيا في تدني حجم الصادرات الزراعية للدول النامية إلى الأسواق العالمية ، وهو عامل مباشر في ارتفاع أسعار الواردات الزراعية وخصوصا المواد الغذائية ، وبالتالي سيجعل هذه الدول تعاني من عجز كبير في ميزانها التجاري ، مما سيؤثر سلبا على ميزانها التجاري ككل [43] . وبهذا تصبح أسواق الدول النامية محل اهتمام العديد من المزارعين الأجانب بسبب عدم قدرة المنتجين المحليين على تغطية الطلب المحلي من المنتجات الزراعية وهو ما يؤدي إلى إغراق الأسواق المحلية بمنتوجات فلاحية أجنبية ، فينجم عنه منافسة غير عادلة فيصبح بذلك المنتوج المحلي غير قادر على منافسة المنتوج الأجنبي الذي يتميز غالبا بتكلفة أقل وجودة أكبر [44] .

إن رفع الدعم الذي تقدمه الدول المتقدمة للقطاع الزراعي قد يكون عاملا مساعدا للدول النامية على الرفع من قدرتها التنافسية في المجال الزراعي ، لما يتيحه اتفاق الزراعة لها من ولوج الأسواق العالمية . لكن ما يجب التنبيه إليه هو أن هذا الاحتمال يبقى نسبيا بالنظر إلى تواصل الدعم الذي تقدمه الدول المتقدمة لمزارعيها رغم دخول اتفاق الزراعة حيز التنفيذ ، بل على العكس من ذلك فإن قيمة هذا الدعم زادت حدته ، وهذا ما يحرم الدول النامية من ظروف تنافسية عادلة [45] . وخير دليل على ذلك هو امتناع الاتحاد الأوربي عن رفع الدعم الممنوح لمزارعي السكر ، بحجة أن هذا الدعم يسمح للدول النامية من استيراد السكر بالأسعار المدعمة والمنخفضة .

من جهة أخرى فإن الدول المتقدمة يمكن لها أن تتحايل في تطبيق بنود ومواد اتفاقية الزراعة ، إذ يمكنها أن تحتفظ بمعدلات دعم مرتفعة لبعض المنتجات الزراعية المهمة مع تخفيض كبير لدعم السلع غير المهمة، لأن نسبة التخفيض تسري على المقياس الكلي للدعم ، وبالتالي الوصول إلى الدعم المطلوب[46].

 

الفقرة الثانية : أثر رفع الدعم على الصادرات

على الرغم من أن دعم الصادرات شكل موضوعا حساسا ومهما في مفاوضات الزراعة ، إلا أنه لم يتم الحسم فيه رغم الاتفاق الذي تم في مؤتمر هونغ كونغ 2005 بإلغاء دعم الصادرات تدريجيا ، ولكن الأثر الإيجابي لهذا الاتفاق يبقى محدودا لأنه بإمكان الدول المتقدمة القيام بإزالة دعم الصادرات على بعض منتجاتها بشكل فوري ، ولكن المنتجات الأكثر أهمية ستأخذ وقتا أطول حتى يتم إزالة الدعم عنها [47] ، كما أن التمديد الذي تم منحه إلى غاية 2013 لم يكن إلا مناسبة للدول المتقدمة لربح الوقت لتقديم أكبر دعم ممكن لصادراتها من جهة والعمل على السيطرة على الأسواق الزراعية للدول النامية من جهة أخرى .

بالمقابل فإن منتجات الدول النامية تتعرض إلى العديد من المعوقات التي تضعها الدول المتقدمة والتي أصبح يطلق عليها ” الحمائية الجديدة ” ( nouveau protectionnisme ) والتي تتمثل في المعايير الفنية وتدابير الصحة والصحة النباتية والمتطلبات البيئية . هذه الحمائية تشكل تهديدا مباشرا لصادرات الدول [48] عموما والدول النامية على وجه الخصوص ، وكثيرا ما يتم اتهام الحمائية والتدخل الزراعي في دول الشمال بعرقلة التنمية في دول الجنوب [49] .  كما أن انتشار القمم التعريفية والتعريفات التصاعدية حيث ترتفع التعريفة المطبقة مع زيادة درجة التحويل والتصنيع في المنتج الزراعي[50] بات يمثل حاجزا أمام المنتجات الزراعية للدول النامية ، إذ أن أغلب الدول التي ما زالت تقدم دعما لصادراتها الزراعية هي من الدول المتقدمة ، وهذا يعني أن جل الدول النامية لن يكون المجال مفتوحا أمامها لمنافسة المنتجات الزراعية للدول المتقدمة نتيجة الدعم الكبير الذي تقدمه هذه الأخيرة لصادراتها الزراعية وامتلاكها قدرة تكنولوجية متطورة تفتقر إليها الدول النامية ، وهذا ما يعرقل قدرتها التنافسية في السواق

العالمية .

إن هاتين الظاهرتين في الهياكل التعريفية للدول المتقدمة تعدان من أهم المعوقات الجمركية أمام الصادرات الزراعية للدول النامية ، وتساهمان في تضاؤل فرصها في النفاذ إلى الأسواق . وإذا اقترنت ظاهرة ارتفاع التعريفات الجمركية بدعم الدول المتقدمة لمزارعيها ، فإن ذلك سيؤدي إلى تشويه هياكل الإنتاج والأسعار، مما يتسبب في إحداث اختلالات تجارية عميقة تعمل في غير صالح الصادرات الزراعية للدول النامية [51] . إضافة إلى ذلك فإن إلغاء الدعم على الصادرات سيعرض صادرات الدول النامية إلى التآكل وستواجه منافسة شرة وغير عادلة ، مما يضعف قدرتها على تصدير منتوجاتها إلى الأسواق العالمية، وهو الأمر الذي يمس بسيادة هذه الدول في تسيير المجالات الحساسة ومنها القطاع الزراعي ، وهذا ما دفع العديد من البلدان النامية إلى المطالبة بالحماية ، وهي الحجة ذاتها التي استغلتها الدول المتقدمة للقيام بحماية قطاعها الزراعي إلى غاية اليوم . إن هذا الوضع حتم على الدول النامية المطالبة بضرورة حماية أمنها الغذائي باعتباره جزء لا يتجزأ من أمنها الوطني وسيادتها السياسية [52] .

مشكل آخر يواجه الصادرات الزراعية للدول النامية وهو اشتمال اتفاقية حقوق الملكية الفكرية على شروط ومواصفات الجودة قد تعجز هذه الدول عن تلبيتها ، وهذه الاشتراطات تعد قيدا على صادراتها الزراعية [53] .

الفقرة الثالثة : انعكاسات تخفيض التعريفات الجمركية وتحديد الحصص الكمية والموسمية

إن ما نصت عليه اتفاقيات منظمة التجارة العالمية وما تم التوصل إليه في المؤتمرات الوزارية للمنظمة حول إزالة دعم الصادرات الزراعية تدريجيا وتخفيض الرسوم الجمركية وغير الجمركية [54] وتحرير أسواق البلدان المتقدمة المستوردة للسلع الزراعية قد تسفر على نتائج إيجابية للصادرات الزراعية للدول النامية وسيساهم في نموها نموا ملحوظا . فالدول النامية يمكنها الاستفادة من قواعد ضبط التعامل فيما بينها ، ومن وضع وتنفيذ قواعد جهاز تسوية المنازعات الناشئة عن العلاقات التجارية اعتمادا على القواعد العامة الواردة في الاتفاقية الدولية [55] . إلا أن هذا الأمر مشكوك فيه لأن تحويل القيود غير التعريفية إلى قيود تعريفية تحتفظ بمستوى الحماية نفسها ، بل وربما تؤدي إلى مستوى حماية أعلى [56] . من جهة أخرى فإن التخفيضات على التعريفات الجمركية والحواجز التجارية التي نصت عليها اتفاقية الزراعة على السلع الزراعية المصنعة ما تزال غير كافية ، بينما بقي مبدأ ممارسة التعريفة التصاعدية [57] معوقا رئيسيا يواجه صادرات الدول النامية ، ويتم فرض هذه المستويات المرتفعة على الصادرات من قبل الدول المتقدمة من أجل حماية المنتجين المحليين والحفاظ على مستوى الرفاهية في هذه الدول [58] ، مما ينعكس سلبا على مستوى وحجم صادرات هذه الدول .

إن الانخفاض في الرسوم الجمركية قد يؤدي إلى انخفاض إيرادات الدول النامية وزيادة العجز في الميزانية العامة لها ، وخصوصا الدول النامية التي تشكل هذه الرسوم نسبة كبيرة من مجموع إيراداتها ، مما يؤدي إلى زيادة الضرائب وهو ما ينعكس سلبا على تكلفة الإنتاج .

من ناحية أخرى فإن الفائض الزراعي القابل للتصدير في الدول النامية محدود جدا وفي معظمه ليس من المنتجات الغذائية الرئيسية طالما أن هذه الدول تعد من أكبر مستوردي الحبوب ، وهذا ما يجعل من إمكانية مضاعفة صادراتها أمرا مستحيلا . كما أن الدول النامية مدعوة إلى دفع ثمن أكبر من أجل الاستيراد لسد الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك المحلي على إثر رفع الدعم عوض أن يتم تخصيص هذه الأموال لتشجيع الصادرات . من ناحية أخرى فإنه بالرغم من الاعتقاد السائد بأن التخفيض التدريجي للتعريفات الجمركية قد يساعد الصادرات الزراعية على النفاذ إلى الأسواق العالمية ، فإن هذا سيبقى نسبيا بسبب المعوقات التي تتعلق بالحصص الكمية والموسمية للمنتجات الزراعية التي تفرضها الدول المتقدمة خاصة الاتحاد الأوربي ، والتي تعتبر من أهم أشكال القيود الكمية التي تعيق التجارة الزراعية للدول النامية باتجاه أسواق الدول المتقدمة ، ونظرا لطبيعة المنتجات الزراعية خاصة في الدول النامية ، والتي يستلزم تسويقها خلال مواسمها التقليدية وارتباط أنماط الاستهلاك بتلك المواسم بسبب القيود الكمية المرتبطة بالمواسم الزراعية ، فإن المنتجين الزراعيين في الدول النامية معرضون إلى تكبد خسائر كبيرة وتضييع فرص تصديرية محققة ، مضطرين إلى التخلص من فائض إنتاجهم بطرق غير مربحة كبيع إنتاجهم للمصانع التي تنتج المعلبات والعصائر ومرتكزاتها بأسعار جد منخفضة .

جانب آخر يبقى في غاية الأهمية وهو استثناء الأسماك ومنتجاتها من الاتفاقية الزراعية للجات واعتبارها سلعا صناعية ، مما يعني أنها لا تستفيد من تخفيض التعريفة الجمركية ، فيما تبقى القيود الكمية وغيرها من القيود غير الجمركية معمولا بها ، وهذا الوضع ليس في صالح الدول النامية لأن المنتجات السمكية تتصدر قائمة المنتجات المصدرة لدى الكثير منها [59] .

ويبقى أن نشير أخيرا إلى أن أغلب الدول النامية ستتأثر إيراداتها بسبب اعتمادها الكبير على الرسوم الجمركية كمصدر رئيسي لإيراداتها ، إذ أن هناك العديد من الدول النامية التي تمثل نسبة الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية حصة الأسد من مجموع إيراداتها من الرسوم الجمركية التي قد تصل إلى 95 %، وهذا يدفع هذه الدول إلى زيادة ضرائب جديدة أو رسوم جديدة على الأفراد والمشروعات نتيجة انخفاض عائداتها من الرسوم الجمركية مما يؤدي إلى آثار سلبية على تكلفة الإنتاج . وهذا الانخفاض التدريجي في الرسوم الجمركية قد ينتج عنه عجز أو تفاقم عجز الموازنة العامة المتزايد .

الفرع الثاني : الآثار الإيجابية

إن اتفاقية منظمة التجارة العالمية في مجال الزراعة وما انطوت عليه من مبادئ سيكون عاملا مهما للرفع من أداء تجارة المنتجات الزراعية خصوصا على مستوى الصادرات . وسنركز في هذا المحور على الانعكاسات الإيجابية على القطاع الزراعي وعلى الاقتصاد الكلي عموما للدول النامية بسبب رفع الدعم المحلي على الصادرات الزراعية من جهة وإلغاء الحواجز الجمركية من جهة أخرى .

الفقرة الأولى : أثر رفع الدعم المحلي على الصادرات الزراعية

 

إن رفع الدعم المقدم للقطاع الزراعي من قبل الدول المتقدمة قد يكون حافزا مساعدا للدول النامية على

الرفع من قدرتها التنافسية في المجال الزراعي ، لما يتيحه اتفاق الزراعة لها من ولوج الأسواق العالمية والتمتع بحق الدولة الأولى بالرعاية ، لأن تكلفة إنتاج السلع الزراعية في الدول النامية بالنسبة للمزارع أكثر ملاءمة منها في الدول الصناعية [60] ، لأن الدعم الممنوح للقطاع الزراعي من قبل الدول النامية محدود جدا بالمقارنة مع الدعم المقدم من طرف الدول الصناعية ، وهو ما شكل مصدر معاناة للدول النامية. الشيء الذي يعطي مزارعي الدول المتقدمة ميزة تنافسية في إنتاج بعض المنتجات الزراعية التي لا يمكنهم اكتسابها لولا الدعم المقدم لهم من قبل حكوماتهم [61] .

إن إلغاء هذا الدعم من شأنه أن لا يرفع أسعار المنتجات الزراعية في الدول النامية أكثر منه في الدول المتقدمة التي تقدم دعما كبيرا للقطاع الزراعي ، وهذا ما يمكن أن يكون دافعا حقيقيا للدول النامية للرفع من إنتاجها الزراعي وتحسين مردوديته ، مما سيؤدي إلى إنعاش بعض المنتجات الزراعية في الدول النامية التي تعتمد في سد حاجياتها منها على الأسواق الخارجية . إن ارتفاع أسعار هذه المنتجات المستوردة من الدول المتقدمة نتيجة رفع الدعم تدريجيا سينتج عنه زيادة ربحية هذه المنتجات ، وهذا ما سيكون حافزا مشجعا لمزارعي الدول النامية على تنمية وزيادة الإنتاج لتغطية حاجيات السوق المحلية وكذا من أجل التصدير ، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الدول النامية لها من المؤهلات والإمكانيات التي تساعدها على كسب هذا الرهان .

كما يمكن لهذه الدول الملتزمة باتفاقات منظمة التجارة العالمية الاستمرار في دعم جوانب مهمة من زراعتها ، وكذلك صناعتها الغذائية الناشئة دون التعرض لإجراءات وتدابير انتقامية من جانب الدول الأخرى [62] .

الفقرة الثانية : ارتفاع حجم صادرات الدول النامية

بالرغم من الآثار السلبية التي تمس خصوصا جانب الواردات ، إلا أنه على مستوى الصادرات من الممكن للدول النامية المصدرة للمنتجات الزراعية الاستفادة من التخفيضات في التعريفة الجمركية على الواردات من هذه السلع في الدول المتقدمة . كما أن تمتع هذه الدول بميزة تنافسية في إنتاج بعض السلع الغذائية سيؤدي إلى رفع إنتاجها ، وهو ما سيعطيها فرصا أوسع في زيادة إيرادات الصادرات الزراعية من جراء إزالة الحواجز الجمركية [63] ، وهو ما سينتج عنه تحسن في أداء الميزان التجاري للدول النامية وسيعود بالنفع كذلك على إيراداتها وسيتحسن وضع الموازنة العامة . من جهة أخرى يمكن القول بصفة عامة أن تخفيف الحواجز الجمركية وغير الجمركية ستؤدي إلى زيادة حجم التبادل الدولي ، ومن تم زيادة وانتعاش حركة وحجم الانتاج الوطنييْن في معظم بلدان العالم ولاسيما البلدان الصناعية المتقدمة التي تعاني في الوقت الراهن من كساد وركود حاديْن ، وهذا معناه تنشيط الاقتصاد العالمي وخروج البلدان الصناعية من حالة الكساد التي تعاني منها منذ تسعينيات القرن الماضي ، مما يعود بالخير على البلدان النامية . ذلك أنه من المعروف أن مستورى النشاط الاقتصادي في البلدان الصناعية يعتبر من أهم عوامل زيادة الطلب على صادرات الدول النامية ، حيث كلما زادت معدلات النمو في الأولى زاد مستوى الطلب على صادرات الثانية .

زيادة على ما سبق ذكره فإن نفاذ صادرات البلدان النامية إلى أسواق الدول المتقدمة سيعرف ارتفاعا نظرا لما انطوت عليه اتفاقيات منظمة التجارة العالمية على عدد من الإجراءات التي سوف ستمنح إمكانية أكبر نسبيا لصادرات الدول النامية من السلع الزراعية التي تتمتع فيها بمزايا نسبية واضحة في النفاذ إلى أسواق الدول الصناعية والمتقدمة تدريجيا ، إن هذا الوضع قد يساهم في أرباح أكبر للمزارعين أو مختلف المتدخلين في القطاع الزراعي مما سيشجعهم على إعادة استثمار أرباحهم في هذا القطاع ، وبالتالي إلى انتعاش مستوى وحجم التجارة الخارجية خصوصا في مجال الصادرات الزراعية ، الشيء الذي سيوفر للدول النامية مداخيل مهمة قادرة على تحسين أدائها الاقتصادي عموما وهو ما سينعكس إيجابا على مجالات أخرى خصوصا الاجتماعية والبنى التحتية .

المطلب الثاني : آثار تحرير التجارة على الواردات الزراعية

توزعت انعكاسات الواردات الزراعية على الدول النامية بين السلب والإيجاب شملت الاستثمار الزراعي وتوفير الغذاء أو لرفع من تكاليف الوسائل والآلات والتقنيات المستعملة في القطاع الزراعي بسبب اتفاقية حقوق الملكية الفكرية ، وارتفاع أسعار الواردات الزراعية الذي أدى إلى عجز الميزان التجاري وضعف السيادة الغذائية الوطنية لهذه الدول .

الفرع الأول : الآثار الإيجابية للواردات الزراعية

إن فتح أسواق الدول المتقدمة يمثل دعما قويا لميزان المدفوعات للدول النامية ، وهذا ما سيمكنها من استيراد ما يلزمها لقطاعها الزراعي من وسائل وتقنيات وجلب ما يكفيها من السلع الغذائية بشكل لا يثقل اقتصاديات هذه الدول [64] .

الفقرة الأولى : التحفيز على الاستثمار الزراعي

إن الانعكاسات السلبية للواردات على الدول النامية سواء من خلال حقوق الملكية الفكرية وما تفرضه على هذه الدول من تكاليف باهظة أو من خلال ارتفاع أسعار الواردات الزراعية التي ساهمت في تكريس عجز الميزان التجاري لهذه البلدان وتبعيتها الغذائية يمكن أن تكون محط انطلاق لإعادة الاعتبار للقطاع الزراعي في الدول النامية على المدييْن المتوسط والبعيد من خلال إحداث تغييرات عميقة في بنيته التحتية وإصلاح السياسات الاقتصادية ورفع الكفاءة الإنتاجية لهذا القطاع ، الشيء الذي سيؤدي إلى رفع دخل المزارعين وانخراط المزيد من الفاعلين في سوق الصادرات الزراعية [65] وتشجيع الاستثمارات في القطاع الزراعي .

إن الدول النامية مطالبة برسم مخططات وتنفيذ برامج إنمائية من أجل الرفع من مستويات الإنتاج الغذائي وتعزيز قدراتها الذاتية لسد الخصاص المهول من المنتجات الغذائية الأساسية ، وبالتالي تجاوز الأوضاع السابقة التي كانت فيها المستوردات الغذائية تتلقى الدعم من الدول المصدرة والدول المستوردة على حد سواء ، وهذا ما سيساهم في حصول الدول خصوصا النامية على مستورداتها من السلع الغذائية بأقل الأثمنة وجعل هذه الدول تفضل استيراد هذه  المنتجات على إنتاجها ، كما أدى هذا الوضع إلى تخلي المنتجين المحليين على إنتاج هذه السلع طالما أن الاستيراد يوفرها بأسعار أقل من الأسعار الحقيقية وبجودة أفضل . إلا أن خفض الدعم التدريجي للصادرات الزراعية من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية وبالتالي تشجيع المنتجين المحليين على زيادة إنتاجهم من هذه السلع [66] .

 

إن تشجيع الاستثمار ـــ خصوصا رؤوس الأموال المحلية ـــ في القطاع الزراعي سيكون عاملا مهما في رفع المردودية للمنتجات الزراعية والوصول إلى الاكتفاء الذاتي بل وتحقيق الأمن الغذائي وتحسين الإنتاج

الكلي في الدول النامية ، مما سيؤهل هذه الدول إلى تحسين جودة منتجاتها الزراعية وتعزيز موقفها التنافسي مقارنة بالسلع الزراعة المستوردة ، وبالتالي فإن الحوافز الاقتصادية للاستثمارات في القطاع الزراعي ستعرف نموا بالشكل الذي يضمن تزايد التوسع الزراعي في الدول النامية ، وذلك بفضل الاستغلال الأمثل لإمكانيات هذه الدول المتاحة وغير المستغلة . كما أنه من شأن الارتفاع المتزايد لأسعار المنتجات الزراعية الأساسية في الأسواق العالمية أن يؤدي إلى تغير الهياكل الإنتاجية في القطاع الزراعي وذلك بالتركيز على المحاصيل الزراعية الأساسية مثل الحبوب والسكر والحليب والزيوت والسلع الغذائية عموما والمحاصيل التي تتمتع فيها هذه الدول بميزات نسبية ، ولكن كل هذا رهين بجودة وواقعية السياسات العمومية في الدول النامية وتوفر عناصر الاستقرار السياسي والاقتصادي والمالي بهذه الدول وتوفر درجات عالية من الأمان والجدوى للمال المستثمر وعوائده [67] .

الفقرة الثانية : الاستيراد آلية لتوفير الغذاء للدول النامية

وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة فإن التجارة ستكون ضرورية لتوفير الغذاء بشكل أكبر ولمعالجة انعدام الأمن الغذائي لأنها تساهم في زيادة الإمدادات الغذائية على الصعيد العالمي وتسمح لهذه الإمدادات بالوفاء بالطلب [68] . كما أن برنامج جولة الدوحة يدعم هذا التوجه . وتهدف هذه الجولة من المفاوضات برعاية منظمة التجارة العالمية ، التي يطلق عليها “جولة التنمية” ، إلى “إدماج البلدان النامية في التقسيم الدولي للعمل الذي يفترض أن يعزز دينامية الحد من الفقر من خلال النمو الذي يتأسس على الصادرات [69] . ومنذ افتتاح هذه الدورة ، ركزت معظم الجهود على الروابط بين تحرير التجارة الدولية والتنمية . من جهة أخرى نصت اتفاقية الزراعة في إطار منظمة التجارة العالمية على خفض أو إلغاء الحواجز الجمركية على المنتجات الزراعية ، وهذا من شأنه أن يساهم في تخفيض أسعار المنتجات الزراعية في الدول المتقدمة نتيجة لانخفاض تكلفة الإنتاج ، وهو بدوره يشكل عاملا لتدفق السلع والمنتجات الزراعية إلى الدول النامية بحجم أكبر وبسعر أقل . ووسط اشتداد المنافسة وتحرير الحدود من الحواجز سيستمر انخفاض الأسعار العالمية للمنتجات الزراعية ، وتكون الدول النامية أكبر مستفيد من هذا

الوضع من خلال الحصول على احتياجاتها الغذائية .

 

إن التجارة آلية تساهم في تحرير البلدان من عبء التخزين وتعويضها عن التقلبات في الإنتاج المحلي. وهي تجنب البلدان التي لا تستطيع أن تحقق الاكتفاء الذاتي من الأغذية بسبب ظروفها المناخية من الاعتماد على استثمارات مكلفة أو سياسات مائية ضارة بالطبيعة . فعلى سبيل المثال في 2008 كانت أزمة أسعار الأرز ناجمة عن تقلص سوق الأرز الدولي (5 إلى 6٪ من الإنتاج العالمي) ، أي أن بعض البلدان ، من أجل حماية سكانها ، قد حظرت تصدير إنتاجها ، وأن أسعار هذا المنتج قد خضعت وتأثرت بهذا الوضع . وقد حرمت بعض البلدان المستهلكة للأرز ولكنها ليست منتجة له (مثل اليمن) من غذائها الأساسي . ومن هنا رأت منظمة الأغذية والزراعة أن التجارة الدولية يمكن أن تزيد من الإمدادات الغذائية على الصعيد العالمي وتمكن من تلبية الطلب [70] .

 

إن توفير المنتجات الزراعية في الأسواق العالمية يعد أمرا أساسيا لكي تتمكن البلدان النامية من الحصول على الاكتفاء الذاتي من الأغذية من خلال الموارد التي تولدها . فزيادة حصة سوق الصادرات العالمية بنسبة 1 % فقط يمكن أن تترجم إلى خمس زيادة في متوسط الدخل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مما يؤدي إلى زيادة في عائداتها من النقد الأجنبي السنوية البالغة 70 بليون دولار.

 

الفرع الثاني : الآثار السلبية للواردات الزراعية

إذا اختلفت الدراسات حول نسبة تأثر الصادرات الزراعية للدول بين السلب والإيجاب نتيجة تحرير التجارة الدولية ، فإنها أجمعت على خطورة آثارها على الواردات الغذائية للدول النامية نظرا لاعتماد أغلبها على استيراد حاجياتها من المنتجات الزراعية على الأسواق العالمية . وقد لعبت عدة عوامل دورها السلبي على الواردات الزراعية لهذه الدول ، منها اتفاقية حقوق الملكية الفكرية التي ساهمت في الرفع من تكاليف الوسائل والآلات والتقنيات المستعملة في القطاع الزراعي ، كما أن ارتفاع أسعار الواردات الزراعية نتج عنه عجز في الميزان التجاري والسيادة الغذائية الوطنية لهذه الدول .   

الفقرة الأولى : انعكاسات اتفاقية حقوق الملكية الفكرية على الواردات الزراعية

 

يعتمد القطاع الزراعي بشكل أساسي على الآلات والمعدات الزراعية ، إضافة إلى الأبحاث والتقنيات والابتكارات الزراعية الجديدة ، وتلعب هذه الظروف والإمكانيات دورا مهما في تطوير الإنتاج الزراعي

 

كما ونوعا . إلا أن هذا الأمر سيكون مكلفا جدا بالنسبة للدول النامية ، وذلك راجع لسببين . أولهما متعلق بضعف إمكانيات وموارد هذه الدول ، وثانيهما مرتبط بحقوق الملكية الفكرية التي يبقى حكرا على الشركات العالمية العملاقة التي تفرض حماية كبيرة من أجل الحفاظ على إبقائها حصرا على الدول المتقدمة ، إذ أن الإنتاج الزراعي يحتاج إلى مستلزمات أو سلع وسيطة تفتقد إليها الدول النامية ، مما يضطرها إلى استيرادها من الدول المتقدمة . وهذا ما يزيد من تكلفة الإنتاج المحلي ويخفض أو يضيع فرص التصدير بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج في أحيان كثيرة . فالدول النامية تستورد الكثير من المعدات والآلات الزراعية والمبيدات والأسمدة إضافة إلى تكاليف الصيانة واليد العالمة الأجنبية المتخصصة التي تسهر على تشغيل الكثير من هذه المعدات والتقنيات والمبتكرات التكنولوجية مثل الكيماويات الزراعية والمعدات الزراعية والأصناف النباتية والحيوانية والنباتات المهندسة وراثيا وآباء الهجن والأجناس والسلالات المكتشفة حديثا والطرق والنواتج البيوتكنولوجية وطرق ونواتج التصنيع الغذائي وطرق وأساليب الزراعة وبرامج الحاسب والأنظمة الخبيرة [71] ، وهذه المتطلبات تجعل من تكلفة الإنتاج أعلى وتحد من حجم الصادرات الزراعية للدول النامية نحو الأسواق العالمية .

إن التكاليف الباهظة للملكية الفكرية تفقد الدول النامية ميزتها النسبية التي تتمتع بها في إنتاج المحاصيل الزراعية وتفقدها تنافسيتها في الأسواق العالمية ، كما أن ارتفاع تكلفة الإنتاج للسلع الزراعية تجعل الدول النامية تفضل استيرادها بدل إنتاجها ، مما يهدد استقرار القطاع الزراعي لهذه الدول وافلاس المزارعين المحليين من جهة أخرى . إن الوضع يزداد سوء إذا علمنا أن الدول المتقدمة تعمل جاهدة على ضمان حماية حقوق الملكية الفكرية للابتكارات الزراعية ، بداية من استخدام البيانات الضخمة و”إنترنت الأشياء” وحتى الاعتماد على الآلات والروبوتات في الزراعة [72] من جهة ثانية .

إن الدول النامية ستواجهها إشكالية زيادة تكاليف برامج التنمية الزراعية كنتيجة لما سيترتب على تطبيق الاتفاقية الخاصة بحقوق الملكية الفكرية من ارتفاع في تكلفة استيراد ونقل التكنولوجيا واستخدام براءات الاختراع والعلامات التجارية ، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج نظرا للارتفاع في أسعار مدخلات

الإنتاج الزراعي المستوردة ، وكذا الارتفاع المحتمل في الأجور نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء [73] .

إن لاتفاق حقوق الملكية الفكرية انعكاسات كبيرة على السيادة الغذائية للبلدان النامية حيث مع توسع صناعة التكنولوجيا الحيوية ، أصرت الشركات المتعددة الجنسيات بفضل الدول المالكة لها أن يقر الاتفاق على حماية الاصناف الزراعية المستنبطة بأساليب الهندسة الوراثية ، عن طريق تهجين النبات . فطبقا لهذه الحماية فإن المزارعين في البلدان النامية الذين نجحوا في تحسين وزيادة انتاجهم ودخلهم باستخدام البذور المهجنة عالية الجودة لكي يتمكنوا بعد تطبيق أحكامه من ذلك الاستخدام ، حيث أصبح من المحظور عليهم إعادة انتاج الشتائل الناتجة عن البذور الخاضعة للحماية إلا بموافقة صاحب البراءة والتي تطلب أسعارا مرتفعة لمنحها .

إضافة إلى ما سبق ذكره يبرز مشكل آخر يتعلق بزيادة حجم واردات الدول النامية المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية ، إذ أن هذه الدول تقوم باستيراد الآلات والمعدات الزراعية بكميات كبيرة ، إلى جانب استيراد الأبحاث والتقنيات الزراعية المتطورة من أجل تحسين إنتاجها الزراعي كما ونوعا ، وهذا الأمر سيكون مكلفا للدول النامية مادام أن الدول المتقدمة تحتكر حقوق الملكية الفكرية ، وما دام أن الإنتاج الزراعي في حاجة إلى مستلزمات وتقنيات إنتاج وسلع وسيطة ، وهو ما تفتقر إليه الدول النامية . مما يحتم عليها استيرادها باستمرار ، وهذا ما يزيد من تكلفة الإنتاج المحلي ويخفض أو يلغي تماما فرص التصدير بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج [74] .

وتأسيسا على ما سبق فإن الدول النامية لا ترى في اتفاقية حقوق الملكية الفكرية إلا وسيلة لتحويل المزيد من دخلها إلى الدول المتقدمة من خلال التكلفة الأعلى لبراءات الاختراع وتقوية نفوذ الشركات المتعددة الجنسيات في مجال احتكار التكنولوجيا المتطورة. كما أن إطالة حياة البراءة من 17 سنة إلى20 سنة لا يخدم إلا مصلحة الدول المتقدمة، لأن إطالة المدة عوض تقصيرها سيترك آثارا سلبية أخرى على سرعة نقل التكنولوجيا المتطورة وبالتالي زيادة تكلفة إنتاج السلع والخدمات[75] خصوصا في المجال الزراعي الذي يعرف تطورات وابتكارات متسارعة تجعل من الدول النامية غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها نحو الدول المتقدمة وعاجزة عن أداء التكاليف الباهظة لعملية استيراد التكنولوجيا المتعلقة بالقطاع الزراعي

الفقرة الثانية : انعكاس الواردات الزراعية على الميزان التجاري والسيادة الغذائية الوطنية

لقد أثر إلغاء رسوم التصدير والاستيراد تأثيرا كبيرا على نمو الصادرات والواردات في الدول النامية ، لكن أثر إلغاء أو تخفيض الرسوم أصبح أكبر على الواردات منه على الصادرات . وهكذا ، فإن التأثير الصافي لتحرير التجارة هو زيادة نمو الواردات أكثر من نمو الصادرات في الدول النامية . وبالتالي ، فإن تحرير التجارة أدى إلى تدهور التوازن التجاري في الدول النامية على المدى القصير . وهذا يعني أن عواقب ميزان المدفوعات المترتبة على تحرير التجارة لها عواقب وخيمة في الدول النامية [76] ، وهذا من شأنه أن يضر بالإنتاج الزراعي على المستوى الوطني ، ويزيد الأوضاع الاقتصادية في هذه الدول سوء ويعمل على تكريس تبعيتها للدول المتقدمة من الناحية الغذائية ، وبالتالي القضاء على فرص هذه الدول في تحقيق أمنها الغذائي .

وفي هذا الصدد فأوغندا Ouganda على سبيل المثال قد تضاعفت فيها وارداتها من المنتجات الزراعية ثلاثة أضعاف على ما كانت عليه قبل إبرام اتفاقية الزراعة ، إذ بموجب مبدأ تحسين النفاذ إلى الأسواق كانت للواردات الأجنبية انعكاسات سلبية عليها من حيث مزاحمتها للإنتاج المحلي من جهة ، وفقدان العمال الزراعيين لعملهم ، لعدم قدرتهم على المشاركة في زراعة المحاصيل الموجهة نحو التصدير، مما يزيد من تهميش وضعهم الاجتماعي في بلدانهم من جهة أخرى . أما في سيريلانكا Sri Lanka فقد ساهمت واردات الأغذية في زيادة الضغوط على القطاع الريفي والعمالة . وفي غينيا Guinée ارتفع حجم واردات الفواكه من كبار المنتجين ، مما ساهم في إزاحة الكثير من الإنتاج المحلي ونتج عن هذا الوضع تزايد اعتمادها المستمر على المنتجات المستوردة .

أما فيما يتعلق بانعكاسات الواردات الأجنبية على ميزان المدفوعات فإن آثارها السلبية تستمر طويلا وعبؤها يبقى ثقيلا ، مما يضر بقدرة الدولة على تعزيز قدرتها التنموية ، وينعكس سلبا على سياسات الدولة في اتخاذ القرارات السيادية للنهوض بالقطاع الزراعي . كما أن التخفيض التدريجي لمستويات التعريفات الجمركية ومستويات القيود غير التعريفية سيؤدي إلى زيادة الواردات الزراعية إلى الدول النامية، وخاصة من الدول الصناعية المتقدمة بحرية تامة وبأسعار نسبيا أقل (نتيجة خفض مستويات الرسوم واستخدام التكنولوجيا)، مما يزيد من الإقبال على هذه السلع الأجنبية وبالتالي يتأثر الطلب على السلع الزراعية المحلية [77] .

ونظرا للاعتبارات السابقة كلها فقد اعتبرت الدول النامية أن اعتمادها الكلي على واردات الغذاء أمرا خطيرا ومهددا لأمنها وسيادتها الوطنية مستندة في ذلك إلى ما نصت عليه المادة 21 من اتفاقية الجات 1994 بالنسبة لحماية مسائل الأمن الوطني واستثنائها من قواعد النظام التجاري الدولي [78] .

الفقرة الثالثة : ارتفاع أسعار الواردات الغذائية

إن عوامل كثيرة مثل ضعف الإنتاج الزراعي للدول النامية وتدني مستوياته ، إضافة إلى ضعف وتراجع مستويات صادراتها من المنتجات الزراعية ، أدت إلى زيادة اعتماد أغلب هذه الدول على استيراد احتياجاتها من المواد الزراعية من الأسواق العالمية ، خصوصا إذا علمنا أن أغلب هذه البلدان تعد دولا مستوردة صافية للغذاء [79] .

من جهة أخرى فإن تخفيض الدعم المقدم للمنتجين والمصدرين في المجال الزراعي ، ثم ارتفاع حجم الاستيراد نتيجة ارتفاع النمو الديموغرافي وعدم مجاراة النمو في المجال الزراعي لهذه الزيادة السكانية ، كل هذه العوامل ستساهم في ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية . إن هذا الارتفاع في الأسعار يتخذ صورتين:

ـــ أولهما : انخفاض الدعم الزراعي ومن ثم حصول المزارعين على أرباح أقل ، وهو ما يؤدي إلى انخفاض في حجم المعروض من المنتجات الزراعية .

 

ـــ ثانيهما : انخفاض التعريفات الجمركية على المنتجات الزراعية قد يخفض من أسعارها المحلية ، وخصوصا في الدول المتقدمة ، الشيء الذي قد يزيد من حدة الطلب على المنتجات الزراعية وبالتالي الرفع من أسعارها العالمية .

 

لقد عرضت نشرة البنك الدولي ” آفاق أسواق السلع الأولية ” للربع الثاني من 2017 تحليلات تفصيلية للأسواق الكبرى للسلع الأولية ، بما في ذلك الطاقة والمعادن والزراعة والمعادن النفيسة والأسمدة .

ويتضمن التقرير توقعات الأسعار حتى عام 2030 لــ 46 سلعة أولية ويعرض بيانات تاريخية للأسعار.  وفي هذا الصدد ارتفع مؤشر البنك الدولي لأسعار المنتجات الزراعية بنسبة 1 % في الربع الثاني من عام 2017. وارتفعت أسعار الحبوب بنحو 4% ،وارتفعت الزيوت والوجبات بنسبة بلغت 2% [80]. والمبيان التالي يبين توقعات الارتفاع في أسعار المنتجات الزراعية .

توقعات مؤشرات أسعار الزراعة [81]

المشروبات
المواد الخام
الغذاء

تقدر مصادر منظمة الأغدية والزراعة أن الزيادة في أسعار المنتجات الزراعية الأساسية ناتج عن تخفيض الدعم الزراعي وتخفيض دعم الصادرات وتحرير التجارة العالمية ، مما سيجعل الدول النامية المستوردة للغذاء تعاني من أضرار ستزيد من حجم أعبائها ومتاعبها ، وهذا ما تم الاعتراف به في عدة جولات من المفاوضات التجارية متعددة الأطراف ومنها جولة أورغواي التي تم التعبير فيها بالأثر السلبي على هذه الدول المستوردة للغذاء ، وجاء هذا الاعتراف في قرار وزاري حول ” الأثر السلبي المحتمل لبرنامج الإصلاح في الدول الأقل نموا والدول النامية التي تعتمد على الاستيراد الصافي للغذاء ” ، ويذكر القرار أن هذه الدول قد تواجه صعوبات في توفير احتياجاتها الكافية من المنتجات الغذائية الأساسية من الأسواق العالمية بشروط معقولة ، بما في ذلك الصعوبات قصيرة الأجل في تمويل المستويات الطبيعية للواردات التجارية من السلع الغذائية الأساسية . وهذا ما يجعل من أولويات هذه الدول العمل على تحسين البنية التحتية للقطاع الزراعي من أجل الرفع من الإنتاجية ، وهذا يتطلب توفير التمويل اللازم

والملائم لهذه الأهداف من قبل المؤسسات الدولية .

إن فتح أسواق الدول النامية شبه الكامل أمام المستوردات الأجنبية ، التي لا يحول دون دخولها سوى رسوم جمركية تحكمها قواعد النفاذ إلى الأسواق الواردة في الاتفاقيات العالمية ذات الصلة ، وكذا معاملة المستوردات الزراعية عند دخولها بطريقة متماثلة مع المنتجات المحلية دون أي معاملة تفضيلية للمنتجات المحلية عليها أو معاملة تمييزية ضدها ، وعدم فرض رسوم على هذه المستوردات سوى الرسوم الجمركية، إلا إذا كانت مقابل خدمات تقدمها الحكومة للمستوردات ، شريطة أن لا تزيد قيمة هذه الرسوم عن تكاليف الخدمات . كل هذه العوامل ستؤدي إلى دخول منتجات فلاحية متنوعة إلى أسواق الدول النامية ، مما ينجم عنه منافسة غير عادلة ، خاصة وأن المنتجين المحليين يعانون من عدة مشاكل ، كنقص التمويل والدعم واستعمال التقنيات الحديثة في المجال الفلاحي ، بالإضافة إلى مشاكل الجفاف نتيجة الاعتماد على الأمطار في الزراعة ، وهو ما يجعل المنتوج المحلي غير قادر على منافسة المنتوج الأجنبي الذي يتميز غالبا بتكلفة أقل وجودة أعلى [82] .

خاتمة

تعتبر اتفاقية الزراعة من أهم الاتفاقيات التي توصلت إليها جولة الأورجواي ، التي تهدف من خلالها إلى تحرير التجارة العالمية للمنتجات الزراعية، عن طريف العناصر الأساسية لهذه الاتفاقية ، والمتمثلة في النفاذ للأسواق والدعم المحلي ودعم الصادرات، بالإضافة إلى ما جاءت به الاتفاقيات الأخرى ذات العلاقة بالتجارة الزراعية . إلا أن هذه الاتفاقية لم تتوصل إلى تحرير كلي للتجارة الزراعية ، مما أدى بالدول الأعضاء إلى القيام بعدة جولات تفاوضية بدابة من 2001 ، بهدف الوصول إلى تحرير كلي للتجارة الزراعية ، غير أن الخلافات الحادة بين الدول المتقدمة والدول النامية حول هذا الملف لم تسمح بالوصول إلى اتفاق يرضي كل الأطراف حتى الآن.

إن عملية الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة يترتب عليه الحصول على مجموعة من الحقوق والالتزام بالواجبات ، مما ينتج عنه آثار إيجابية وسلبية تختلف من دولة إلى أخرى ، وتكون هذه الآثار أكثر سلبية بالنسبة للدول النامية ، وهذا بسبب عدم احتوائها على جهاز إنتاجي قادر على منافسة الدول المتقدمة ، مما قد يعرض القطاع الزراعي لهذه الدول خصوصا واقتصادها الكلي عموما إلى عدم الاستقرار وتفاقم عجزها التجاري ، كما قد يؤدي تحرير التجارة العالمية للمنتجات الزراعية إلى عدم قدرتها على تحقيق أمنها الغذائي . إضافة إلى الضغوط الناتجة عن التكاليف الباهظة للواردات بسبب متطلبات اتفاقية الملكية الفكرية ، مما قد يثقل كاهل الموازنة العامة لهذه الدول ويكرس تبعيتها المستمرة للدول الصناعية الكبرى .

[1] الأخضر بن عمر : آثار تحرير التجارة العالمية للمنتجات الزراعية على القطاع الزراعي في الدول العربية ، بحث لنيل الماجستر في علوم التسيير ، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير ، جامعة الجزائر ، السنة الجامعية : 2006-2007 ، ص : 125 .

[2] ياسر زغيب : اتفاقية الجات بين النشأة والتطور والأهداف منافع ومخاطر ، دار الندى ، بيروت ، 1999 ، ص : 69 .

انظر كذلك : مريم عريبي : آثار سياسات تحرير التجارة الدولية على تحقيق الأمن الغذائي المستدام في الدول النامية – دراسة تحليلية مقارنة لآثار التحرير على الأمن الغذائي المستدام في الاقتصاديات المغاربية ، بحث لنيل شهادة الماجستير ، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير ، جامعة فرحات عباس سطيف ، السنة الجامعية : 2013-2014 ، ص : 63 .

[3] شمام عبد الوهاب : البلدان النامية والنظام الاقتصادي العالمي الراهن ، مجلة العلوم الإنسانية ، جامعة قسنطينة ، الجزائر ، العدد : 10 ، 1998 ، ص : 13 .

[4] مريم عريبي ، مرجع سابق ، ص : 109 .

[5] إبراهيم العيسوي : الغات وأخواتها : النظام الجديد للتجارة الدولية ومستقبل التنمية العربية ، مركز الدراسات العربية ، بيروت ، 1995 ، ص: 126 .

[6] المنظمة العربية للتنمية الزراعية : تقرير أوضاع الأمن الغذائي العربي 2016 ، منشورات جامعة الدول العربية ، القاهرة ، ص : 24 .

[7] أوليفييه دو شوتر : تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء ، مجلس حقوق الإنسان ، الدورة الخامسة والعشرون ، 24 يناير 2014، الأمم المتحدة ، A/HRC/25/57 ، ص : 18 .

[8] الأمم المتحدة : تقرير فرقة العمل المعنية بالقصور في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية عام 2010 ، الهدف 8 من الأهداف الإنمائية للألفية، الشراكة العالمية من أجل التنمية تمر بمرحلة حرجة ، نيويورك ، 2010 ، ص : 38 .

[9] الأخضر بن عمر ، مرجع سابق ، ص : 130 .

[10] عبد المطلب عبد الحميد : النظام الاقتصادي العالمي الجديد وآفاقه المستقبلية بعد أحداث 11 سبتمبر ، مجموعة النيل العربية ، القاهرة، 2003 ، ص : 244 – 245 .

[11] بلعور سليمان : التكامل الاقتصادي العربي وتحديات المنظمة العالمية للتجارة ، مجلة الباحث – عدد 6 / 2008 ، جامعة قاصدي مرباح ورقلة ( الجزائر ) ، ص : 58 .

[12] الأخضر بن عمر ، مرجع سابق ، ص : 131 .

[13] CNUCED : Incidences du commerce sur l’emploi et la réduction de la pauvreté , Distr. Générale 8 avril , TD/B/C.I/29 , Nations Unies , 2013 , p : 1 .

[14] مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: تأثير التجارة في العمالة والحد من الفقر، لجنة التجارة والتنمية الدورة الخامسة ، جنيف ، 17 يونيو 2013 ، TD/B/C.I/29   April 20138 Distr.: General ، ص : 6 .

[15] مريم عريبي ، مرجع سابق ، ص : 119 .

[16] عبد الواحد عفوري : العولمة والجات – الفرص والتحديات ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، 2000 ، ص : 49 .

صندوق النقد العربي : التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2016 ، أبو ظبي ، 2016 ، ص : 103 .

[18]  كارلو كافيرو : السياسات الزراعية في الدول النامية ، وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي ، المركز الوطني للسياسات الزراعية ، دمشق ، 2003 ، ص : 3 .

[19] يساهم القطاع الزراعي في الدول العربية مثلا بنسبة 20 % من إجمالي القوى العاملة .

انظر : صندوق النقد العربي : التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2016 … ، مرجع سابق ، ص : 71 .

[20] مبروك رايس : انعكاسات العولمة المالية على الجهاز المصرفي ، دار الجنان للنشر والتوزيع ، عمان ، الأردن ، 2016 ، ص : 38 .

[21] محمد صفوت قابل : الدول النامية والعولمة ، الدار الجامعية ، القاهرة ، 2004 ، ص : 56 .

[22] إبراهيم العيسوي : الغات وأخواتها … مرجع سابق ، ص : 130 .

[23] صندوق النقد العربي : التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2016 … ، مرجع سابق ، ص : 71 .

[24] عاطف السيد: الجات والعالم الثالث، دراسة تقويمية للجات واستراتيجية المواجهة، مجموعة النيل العربية ، القاهرة ، 2002، ص : 194. 

[25] صندوق النقد العربي : التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2016 ، مرجع سابق ، ص : 90 .

[26] صندوق النقد العربي : التقرير الاقتصادي العربي الموحد ، أبو ظبي ، 2004  ، ص : 59 .

[27] محمد قويدري : انعكاسات تحرير التجارة العالمية على اقتصاديات البلدان النامية ، مجلة الباحث ، جامعة ورقلة ، الجزائر ، العدد : 1 ، 2002 ، ص : 21 .

[28] عبد الفتاح مراد : موسوعة مصطلحات الجات ومنظمة التجارة العالمية ، الإسكندرية ، الطبعة الأولى ، 1996 ، ص : 225-226 .

[29] الأخضر بن عمر ، مرجع سابق ، ص : 137 .

[30] لوزري نادية : انعكاسات انضمام الجزائر إلى المنظمة العالمية للتجارة على القطاع الفلاحي ، بحث لنيل شهادة الماجستير ، جامعة الجزائر، 2006 ، ص : 111 .

[31] بوثلجة عائشة ، مرجع سابق ، ص : 64 .

[32] عاطف السيد ، مرجع سابق ، ص : 175 .

[33] عبد الفتاح مراد : شرح النصوص العربية الرسمية لاتفاقية الغات ، دار الكتاب والوثائق المصرية ، 1997 ، ص : 242 .

[34] الأخضر بن عمر ، مرجع سابق ، ص : 134 .

[35] التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2004 ، مرجع سابق ، ص : 59 .

[36] إبراهيم العيسوي : الغات وأخواتها … مرجع سابق ، ص : 131 – 132.

[37] بوثلجة عائشة ، مرجع سابق ، ص : 64 .

[38] OMC : Statistiques de commerce international 2016, publications de l’OMC, Genève, 2016 , p : 55 .  

[39] Ibid , p : 54 .  

[40] بلعور سليمان ، مرجع سابق ، ص : 58 .

[41] Banque Africaine de Développement) BAP): Revue sur l’efficacité du développement Édition 2016 – Agriculture , Abidjan , 2016 , p : 14 .

[42] فيصل لوصيف : أثر سیاسات التجارة الخارجیة على التنمیة الاقتصادیة المستدامة في الجزائر خلال الفترة 1970 – 2012 ، بحث لنيل شهادة الماجستير في علوم التسيير ، كلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير ، جامعة سطيف 1 ، السنة الجامعية : 2013ـــ2014 ، ص : 70 – 71 .

[43] آيات الله مولحسان : المنظمة العالمية للتجارة وانعكاساتها على التجارة الخارجية – دراسة حالة الجزائر ومصر ، أطروحة لنيل الدكتوراه في العلوم الاقتصادية، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، جامعة الحاج لخضر، باتنة، السنة الجامعية: 2010-2011، ص : 288.

[44] ناصر دادي عدون : الجزائر والمنظمة العالمية للتجارة : أسباب الانضمام، النتائج المرتقبة ومعالجتها ، دار المحمدية العامة ، الجزائر ، 2003 ، ص : 288 .

[45] عاطف السيد ، مرجع سابق ، ص : 196 .

[46] CNUCED : Rapport du Commerce et de développement , New York , Genève , Nations Unies , 1994 , p : 33 .  

[47] الإسكوا : التقدم المحرز في مفاوضات جولة الدوحة الخاصة بالزراعة والآثار المتوقعة على النفاذ إلى الأسواق بالنسبة للصادرات الزراعية العربية ، الأمم المتحدة ، نيويورك ، 2005 ، ص : 63 .

[48] Natalie Sarkic-Todd & Aline Robert : Le protectionnisme menace les exportations alimentaires européennes, 20 – 24 Février 2017 , Special Report, Valoriser l’Agriculture, EURACTIV , London , pp : 8-9 .

[49] Antoine Bouët , Jean-Christophe Bureau , Yvan Decreux & Sébastien Jean : La libéralisation agricole : des effets ambigus sur les pays en développement , in L’économie mondiale 2005 , La decouverte , 2007, pp : 84-92 , p : 84 .

[50] الإسكوا : التقدم المحرز في مفاوضات جولة الدوحة  … ، مرجع سابق ، ص : 27 .

[51] مريم عريبي ، مرجع سابق ، ص : 125 .

[52] عادل عبد العزيز السن : مستقبل تحرير التجارة في السلع الزراعية في إطار اتفاق الزراعة ومفاوضات جولة الدوحة (الفرص والتحديات) ، منشورات المنظمة العربية للتنمية الإدارية ، أعمال المؤتمرات ، الجمهورية اليمنية ، بدون طبعة ، 2009 ، ص : 274 .

[53] غردي محمد : القطاع الزراعي الجزائري وإشكالية الدعم والاستثمار في ظل الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة ، أطروحة لنيل الدكتوراه في العلوم الاقتصادية، جامعة الجزائر ــ3ــ ، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير والعلوم التجارية، السنة الجامعية: 2011ـــ2012 ، ص: 317.

[54] تم استبدال القيود الكمية على السلع الزراعية بالقيود التعريفية التي يتم تثبيتها ومن ثم تخفيضها بشرط ألا يؤدي ذلك إلى تقليص حجم الواردات . إن فرض رسوم جمركية في هذا القطاع تبين التوجه الواضح نحو تحرير الزراعة من التدابير غير التعريفية بتكريس واعتماد تدبير واحد وهو الرسوم الجمركية .

انظر :

مصطفى سلامة : منظمة التجارة العالمية ( النظام الدولي للتجارة الدولية ) ، دار الجامعة الجديدة ، الاسكندرية ، 2006 ، ص : 91 .

ذكره : طاشت طاهر : انعكاسات انضمام الجائر إلى المنظمة العالمية للتجارة على الجمارك الجزائرية ، بحث لنيل شهادة الماجستير في القانون كلية الحقوق والعلوم السياسية ، جامعة مولود معمري ، تيزي وزو ، السنة الجامعية : 2012-2013 ، ص : 51

[55] 143 بوثلجة عائشة ، مرجع سابق ، ص : 137 .

[56]  قادري علاء الدين و فيلالي بومدين : تقييم بعض اتفاقيات تحرير التجارة العالمية وآثارها على الدول النامية ، مجلة الباحث الاقتصادي ، العدد 01/2013 ، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير بجامعة 20 أوت 1955 سكيكدة ، ص : 351 .

[57] التعريفة التصاعدية تعني رفع التعريفة مع كل مرحلة تصنيعية ، ويعد هذا تجاوزا لما نصت علية اتفاقيات منظمة التجارة العالمية .

انظر : عاطف السيد ، مرجع سابق ، ص : 196 .

[58] الأسكوا : التقدم المحرز في مفاوضات جولة الدوحة … ، مرجع سابق ، ص ، 48 .

[59] مقدم عبرات : التكامل الاقتصادي العربي وتحديات المنظمة العالمية للتجارة ، أطروحة لنيل الدكتوراه في العلوم الاقتصادية ، جامعة الجزائر، 2001 ــ 2002 ، ص : 285 .

[60] ياسر زغيب : اتفاقيات الجات بين النشأة والتطور والأهداف  – منافع ومخاطر ، دار الندى ، بيروت ، 1999 ، ص : 72 .

[61] Michel Ranelli : Organisation Mondial du Commerce , édition la Découverte
Paris , 2000 , p : 74 .

[62] بلعور سليمان ، مرجع سابق ، ص : 59 .

[63] مريم عريبي ، مرجع سابق ، ص : 127 .

[64] بوثلجة عائشة ، مرجع سابق ، ص : 64 .

[65] عاطف السيد ، مرجع سابق ، ص : 191 .

[66] عبد الواحد العفوري : العولمة والجات ـــ الفرص والتحديات ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، 2000 ، ص : 132 .

[67] محمد علي حوات : العرب والعولمة ، شجون الحاضر وغموض المستقبل ، ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، 2002 .

[68] Clotilde Jourdain-Fortier & Éric Loquin : Droit du commerce international et sécurité alimentaire , RIDE , 2012/4 , De Boeck Supérieur , Paris , p : 31 .  

[69] Thierry Pouch : Le visiteur de Genève : Malthus , l’Organisation Mondiale du Commerce et l’agriculture , Revue française de socio-économie , la découverte , Paris 2009/1 , p : 19 .  

[70] Clotilde Jourdain-Fortier & Éric Loquin , op. cit. , p : 32 .

[71] علي عبد الرحمن علي : حماية حقوق الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا في الزراعة المصرية ، في : المؤتمر العلمي السنوي الخامس : نقل وتنمية التكنولوجيا من منظور قانوني واقتصادي وعلمي ، 5 و 6 مارس 2006 ، كلية الحقوق ــ جامعة حلوان ، ص : 6 .

[72] صحيفة العرب : الزراعة ما زالت المحرك لتوجهات الاقتصاد العالمي ، بدون اسم الكاتب ، 12/08/2017 ، العدد: 10720 ، لندن، ص : 6.

[73] غردي محمد ، مرجع سابق ، 219 .

[74] بوثلجة عائشة ، مرجع سابق ، ص : 64 .

[75] عبد الناصر نزال العبادي : منظمة التجارة العالمية و اقتصاديات الدول النامية ، دار صفاء للنشر والتوزيع، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1999، ص : 190 ــ 191 .

[76] Muhammad Zakaria : Effects of trade liberalization on exports , imports and trade balance in Pakistan : A time series analysis SERIES , Prague Economic  Papers , 1 , Prague (Tchèque) 2014, p : 137 .

[77] محمد غردي ، مرجع سابق ، 220 .

[78] عادل عبد العزيز السن ، مرجع سابق ، ص : 274 .

[79] مريم عريبي ، مرجع سابق ، ص : 128 .

[80] World Bank : Commodity Markets Outlook , Quarterly Report , April 2017 , Washington, DC , p : 9 .

[81] Ibid .

[82] محمد غردي ، مرجع سابق ، 249 .