الوضعية الحقوقية للطفل في ظل الاتفاقيات الدولية

108

الوضعية الحقوقية للطفل في ظل الاتفاقيات الدولية

محند بوكوطيس

باحث في العلوم القانونية

يشكل موضوع الطفولة[1] من الوجهة الحقوقية ؛ موضوعا في غاية من الأهمية، مردها إلى محورية و مركزية الطفل[2] في النسق الاجتماعي. فالأطفال يمثلون عنصرا مهما في المجتمع الإنساني،        و يشكلون نواته الأساسية. لذلك تعتبر دراسة وضعيتهم الحقوقية من الأهمية القصوى، فمسألة حقوق الإنسان[3] التي يتعاظم شأنها يوما عن يوم ، تدرج في إطارها حقوق الطفل ، كقضية جوهرية في صلب القضايا و المواضيع التي تعالجها مسألة حقوق الإنسان .

و قد أصبحت قضايا الطفولة في الوقت الحاضر ، من بين أكثر القضايا إلحاحا و التي تحظى باهتمام كبير، ومن بين القضايا الحقوقية التي تشغل المنتظم الدولي برمته ، وذلك بعد أن كانت الطفولة و لزمن طويل تعيش أفظع الانتهاكات، و تحرم من أبسط الحقوق، و من دون أي تنظيم قانوني يراعي خصوصيتها كفئة لها مكانتها و حقوقها التي يجب أن تصان. و ذلك بالرغم من أن الديانات السماوية  و في مقدمتها الإسلام؛ كانت السباقة إلى تبني وضعية حقوقية اعتبارية للطفل، من خلال إقرار حقوق الطفل منذ نشأته الأولى إلى غاية بلوغه سن الرشد القانوني، و الدعوة إلى ضرورة العناية بفئة الأطفال و كفالة حقوقها و مراعاة وضعيتها العمرية .

و على ضوء ذلك نتساءل عن كيف تبلورت فكرة كفالة حقوق الطفل على المستوى الدولي ؟      و كيف تم تجسيد الوضع الحقوقي للطفل من قبل المنتظم الدولي ؟ و ما هي أبرز الآليات التي أوجدها المجتمع الدولي لحماية حقوق الأطفال ؟

تلك أهم الأسئلة التي سيحاول هذا المقال الإجابة عنها؛ من خلال الحديث عن بداية ظهور و تطور الاهتمام الدولي بالوضعية الحقوقية للطفل ( المبحث الأول)، و عن التكريس الدولي لقواعد حقوق الطفل من خلال الاتفاقيات الدولية ( المبحث الثاني)، و تناول مؤسسة أو منظمة اليونيسيف كآلية دولية للتتبع وضعية الأطفال الحقوقية عبر العالم ( المبحث الثالث) .

 

المبحث الأول: بداية ظهور و تطور الاهتمام الدولي بالوضعية الحقوقية للطفل

إن الطفرة الحقوقية لحقوق الإنسان بصفة عامة و لحقوق الطفل بصفة خاصة، التي يعرفها العالم اليوم، لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت وفق صيرورة تاريخية شهدها العالم على المستوى الحقوقي، أدت إلى إنشاء نظام دولي خاص يعنى بالوضع الحقوقي للإنسان[4] كما نشهده اليوم. و يعود أول اهتمام دولي بوضعية الطفل الحقوقية، والسعي إلى توفير الحماية القانونية لفئة الأطفال، كفئة لها خصوصية داخل المجتمع، إلى القرن العشرين.

ففي عام 1913 ولدت الجمعية الدولية لحماية الطفولة، وفي سنة 1919 انبثق عن عصبة الأمم[5] لجنة حماية الطفولة، و أسست المنظمة البريطانية غير الحكومية ” نجدة الطفل” save the children من قبل إغلانتين جب، التي صاغت في سنة 1923 نص إعلان بسيط وقابل للتبني من أكبر قدر ممكن من البشر ليكون الأساس لأول إعلان عالمي حول الطفل. النص الذي أعدته أصبح الوثيقة الأساسية للإتحاد الدولي لنجدة الطفل ISCUlUISE  في 23 ماي من العام نفسه. وفي 24 شتنير 1924 تبنت عصبة الأمم النص كإعلان عالمي عرف بإعلان جنيف[6] .

ليكون بذلك إعلان جنيف[7] أول وثيقة دولية تعترف للطفل بمجموعة من الحقوق، وذلك بعد تزايد الانتهاكات الجسيمة والممارسات المشينة في حق الأطفال نتيجة الحروب والصراعات، واضطراب الأمن والسلم الدوليين، وهو يعد أول إعلان يصنف الأطفال كفئة لها خصوصية. إلا أنه عيب على إعلان جنيف كونه لم يرتب أية التزامات على الدول، مما جعل الدول لم تولي الأهمية لهذا الإعلان، وبقيت قضية الطفولة على الرغم من صدور الإعلان محط انشغال الحقوقيين على المستوى الدولي.

وأمام تزايد تدهور وضعية حقوق الأطفال في العالم، تأكد بالملموس أن إعلان جنيف لم يكن إلا محطة أولى في مسار تعزيز حقوق الأطفال على المستوى الدولي، ما دفع المجتمع الدولي إلى إصدار وثائق وإعلانات دولية أخرى اهتمت بوضعية الطفل الحقوقية، منها الاتفاقية الخاصة بالرق لعام 1926[8]، واتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها[9]،  دون أن يكون لها الأثر المرجوة منها على مستوى الواقع، وظلت هذه الاتفاقيات هي الأخرى دون التطلعات .

لكن ومع تزايد الاهتمامات بحقوق الإنسان وتطور وعي المجتمع الدولي بقضايا حقوق الإنسان عامة، وظهور مفاهيم جديدة معاصرة لهذه الحقوق، وبروز أصوات عديدة تنادي بضرورة وضع تقنين لها، صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948[10]، والذي اعتبر بمثابة خطوة كبيرة على المستوى الحقوقي، وحضي بمكانة هامة في إطار القانون الدولي و العلاقات الدولية، حيث تم التأسيس لمفهوم حقوق الإنسان عالمي يشمل جميع الناس أينما وجدوا. ورغم أن الإعلان موجه إلى الإنسانية جمعاء وليس فئة الأطفال فقط، إلا أننا نجد قد ضم ضمن دفتيه، إشارة إلى وضعية الطفل الحقوقية ، وما يجب أن يتمتع به من حقوق أساسية، وذلك من خلال المادتين الخامسة والعشرون ( 25)[11]، والسادسة والعشرون ( 26)[12] من الإعلان.

و تلي هذا الإعلان في مرحلة تاريخية لاحقة، إعلان آخر؛ تناول الوضع الحقوقي للطفل، وهو إعلان الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1959.

إلا أن إرادة المجتمع الدولي في الاعتراف للطفل بالخصوصية التي يتميز بها، و بالتالي تكريس حقوق ومبادئ خاصة بهذه الفئة تكون كفيلة بتحقيق الرعاية اللازمة لها على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والثقافية ، ستتجسد بالملموس من خلال الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل لسنة 1989، والتي حظيت بإجماع دولي غير مسبوق.

وإلى جانب هذه الوثائق الدولية، نجد أيضا مجموعة من العهود الدولية التي تلت اتفاقية سنة 1989 والتي تطرقت لوضعية الطفل الحقوقية، كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية[13]، وقواعد الأمم المتحدة الدنيا النموذجية لإدارة شؤون قضاء الأحداث والمعروفة بقواعد بكين[14].

وعلى المستوي الإقليمي، نجد مواثيق إقليمية عديدة صدرت والتي استلهمت من الوثائق الدولية، في إطار تعزيز الوضع للحقوقي للأطفال على مستوى الدول التي تنتمي إلى نفس القارة، ومنها الاتفاقية الأوربية لحقوق الطفل[15]، والميثاق الإفريقي لحقوق ونماء الطفل[16].

كان هذا نبذة عن بدايات ظهور وتطور الاهتمام الدولي بالوضعية الحقوقية للطفل، من خلال مسار تاريخي شهده المنتظم الدولي، انتهى بوضع ترسانة من المواثيق الدولية التي عنيت بالوضع الحقوقي للطفل، و هي المواثيق التي تم من خلالها  تكريس مجموعة من القواعد و المبادئ الرامية إلى صون حقوق الطفل، كما سيتم تبيانه من خلال المبحث الثاني .

المبحث الثاني : التكريس الدولي لقواعد حقوق الطفل من خلال الاتفاقيات الدولية

شكل كل من إعلان الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1959[17]، والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل لعام 1989،[18] من أبرز المواثيق الدولية التي كرست حقوق الطفل بالتحديد، واهتمت بمعالجة كل المناحي التي تهم مجال الطفولة.

أولا : إعلان الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1959

يعتبر إعلان الأمم المتحدة لحقوق الطفل الصادر في سنة 1959، امتداد لإعلان جنيف الصادر في سنة 1924، ويعتبر بمثابة دستور جاء لحماية الطفولة، بحيث أولى اهتماما كبيرا بمرحلة الطفولة، وأكد على مجموعة من الحقوق الأساسية والجوهرية لفائدة الأطفال، ويعتبر من بين المواثيق الدولية  الأولى التي عززت الوضعية الحقوقية للطفل، ومن بين هذه الحقوق التي نص عليها، حق الطفل في الرعاية والتربية، وأن يكون من بين « أول المتلقين للحماية والإغاثة»[19].

وقد نص الإعلان بالإضافة إلى الديباجة على عشرة مبادئ [20] شاملة لمختلف الجوانب المتعلقة بوضعية الطفل الحقوقية، ومؤكدة على الخصوصية التي يتميز بها الأطفال عن غيرهم من الأشخاص، وبالتالي ضرورة توفير العناية والرعاية اللازمة لهذه الفئة من المجتمع.

 

و مما لاشك فيه أن هذا الإعلان قد ساهم حقا في السير بقضية الطفل قدما إلى الأمام في مختلف أنحاء العالم، لكنه لم يتمتع بالمصداقية القانونية داخل البلدان التي صوتت عليه، مما جعله يؤول سلبيا و يطغى عليه بالتالي طابع الإهمال[21]. كما أن الإعلان لا يشير إلى كيفية المصادقة والتوقيع عليه، وبالتالي فلم يعتبر ملزما للدول، ولكن أضيف إلى هذا الإعلان أحكاما تضمنتها مواثيق أخرى ملزمة لكل من الدول التي قامت بالتوقيع والمصادقة عليها كما في عهدي الأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان المدنية والسياسية ولاسيما في المادتين 23 و 24 وحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولاسيما في المادة العاشرة منه في عام 1966، حيث وردت بعض النصوص بشأن الطفل فيهما.

ثانيا : اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989

شكلت اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 حدثا بارزا في مسار تعزيز الوضع الحقوقي للأطفال في العالم، والتنصيص صراحة على وضعيتهم القانونية، بحيث تعد مرجعا حقوقيا أساسيا في مجال الطفولة.

صدرت الاتفاقية بتاريخ 20 نونبر 1989، ودخلت حيز التنفيذ بتاريخ 2 شتنبر 1990 طبقا للمادة التاسعة والأربعون من الاتفاقية، وتحتوي بالإضافة إلى الديباجة على أربعة وخمسون(54) مادة، وتطرقت إلى مجموعة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يجب أن يتمتع بها الطفل، وتتميز الاتفاقية بكونها أول وثيقة دولية تحظى بأكبر عدد من التصديقات وبإجماع عالمي كبير، حيث صادقت عليها إلى حدود سنة 2009، 192 دولة[22]، من بينها المغرب الذي صادق عليها بموجب الظهير الشريف رقم 4.93.4 المؤرخ في 14 يونيو1993[23]، مع تسجيل التحفظ على أحكام المادة الرابعة عشرة، التي تعترف للطفل بحرية التدين[24].

و قد جاءت الاتفاقية لتكريس مجموعة من الحقوق والحريات لفائدة الأطفال، وهي حقوق أساسية وشاملة لجميع جوانب الوضعية القانونية للطفل، واهتمت بهذه الوضعية في وقت السلم كما في وقت الحرب، وأقرت مبادئ جوهرية، كمبدأ التعاون الدولي، ومبدأ عدم التمييز لأي سبب كان، ومبدأ حرية التعبير والتفكير للطفل، ورعاية الصالح العام له، وحقه في الحياة والبقاء والنمو،  وغيرها من المبادئ الأساسية التي جاءت بها الاتفاقية.

 

استهلت ديباجة الاتفاقية الإشارة إلى المواثيق والإعلانات الدولية السابقة لها، والتي أقرت مبادئ أساسية في احترام حقوق الإنسان بصورة عامة، وحقوق الطفل بصفة خاصة، ومن هذه الوثائق ما ورد في ميثاق الأمم المتحدة وإعلان جنيف لسنة 1924، وإعلان الأمم المتحدة لعام 1959، وبصفة عامة تشير الديباجة إلى المصادر التي استلهمت منها الاتفاقية فلسفتها، و أوضحت ما للأسرة من مكانة في المجتمع و الذي يعتبر الطفل أحد مكوناتها الأساسية، ومما جاء في الديباجة « واقتناعا منها        ( الدول الأطراف في الاتفاقية) بأن الأسرة، باعتبارها الوحدة الأساسية للمجتمع والبيئة الطبيعية لنو ورفاهية جميع أفرادها وبخاصة الأطفال، ينبغي أن تولي الحماية والمساعدة اللازمتين لتتمكن من الاضطلاع الكامل بمسؤولياتها داخل المجتمع».

أما فيما يخص المواد الأربع  والخمسون (54) المكونة للاتفاقية، فأشير إلى بعض المقتضيات التي نصت عليها بعض المواد، دون تناولها كاملة.

هكذا نجد المادة الأولى من الاتفاقية تشير إلى تعريف الطفل، بقولها:« لأغراض هذه الاتفاقية، يعني الطفل كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه»[25]، و تتحدث المادة الثانية عن عدم التمييز في المعاملة بين الأطفال، والمادة الثالثة توجب على الدولة أن تراعي مصالح الطفل العليا في جميع ما تتخذه من تدابير تتعلق بالأطفال بواسطة سلطات الدولة ومؤسساتها العامة والخاصة، وتشير المادة الخامسة إلى حقوق وواجبات الوالدين والأسرة، والمادة الثامنة عشرة تناولت تربية الطفل وتنشئته، والمادة الثامنة والعشرين تحدثت عن حق الطفل في التعليم[26].

و تناولت المادة الرابعة والثلاثون حماية الحدث من الاستغلال الجنسي، وتطرقت المادة السابعة والثلاثون إلى الحماية من التعذيب وعقوبة الإعدام، قائلة :« تكفل الدول الأطراف: ألا يعرض أي طفل للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو ألا إنسانية أو المهينة. و لا تفرض عقوبة الإعدام أو السجن مدى الحياة بسبب جرائم يرتكبها أشخاص تقل أعمارهم عن ثماني عشرة سنة ».

كما اهتمت الاتفاقية بوضعية الأطفال ذوي الحاجات الخاصة، كالأطفال الموجودين في وضعية صعبة، والأطفال الجانحين[27]، والأطفال اللاجئين.

 

 

 

وقامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإلحاق بروتوكولين اختياريين لاتفاقية حقوق الطفل في 25 ماي سنة 2000، وهما: البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء وفي المواد الإباحية . ويتكون هذا البروتوكول من ديباجة وسبعة عشرة مادة، منعت على الدول بيع الأطفال[28] واستغلالهم في البغاء[29] والمواد الإباحية[30] ، وجرمت كل فعل في هذا الشأن. و قد صادق المغرب على هذا البروتوكول بتاريخ 4 دجنبر 2003 [31].

ثم البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن إشراك الأطفال في المنازعات المسلحة،      و تضمن هذا البروتوكول ديباجة و ثلاثة عشرة مادة، أكد على أهم حقوق الطفل في وقت الحرب، وذلك بالمنع الكلي استهداف الأطفال أثناء المنازعات المسلحة، والحفاظ على حياتهم، وعدم إيذائهم أو إلحاق أي ضرر بهم، ومنع قصف المواقع التي يتواجدون فيها، كالمدارس والمستشفيات والمراكز المخصصة للأطفال، ومنع على الدول استخدام الأطفال التي تقل أعمارهم عن ثمانية عشرة سنة، في المشاركة في الصراعات المسلحة أو تدريبهم في العمليات العسكرية، وعدم إخضاعهم للتجنيد الإجباري، وحث الدول على اتخاذ جميع التدابير التي تكفل حماية الأطفال أثناء الصراعات المسلحة. وهو أيضا كان موضوع مصادقة من طرف المغرب بنفس التاريخ 4 دجنبر 2003 [32].

و إلى جانب الاتفاقيات الدولية أوجد المجتمع الدولي آليات أخرى تهدف إلى تتبع أوضاع الأطفال الحقوقية عبر العالم ، لعل أهم هذه الآليات نجد منظمة الأمم المتحدة للطفولة و المعروفة باليونيسيف .

المبحث الثالث : اليونيسيف كآلية دولية لتتبع أوضاع الأطفال الحقوقية عبر العالم

بتاريخ 15دجنبر 1946 تم إنشاء منظمة الأمم المتحدة للطفولة والمعروفة اختصارا باليونيسيف[33] باقتراح من الجمعية العامة للأمم المتحدة، و اتخذت في البداية اسم: صندوق الأمم المتحدة الدولي لرعاية الأطفال، وجاء إنشاءها في البداية رغبة من المجتمع الدولي بالتخفيف من الآثار الناجمة عن الحرب العالمية الثانية، وما خلفته من معاناة كبيرة ، ولاسيما بالنسبة للأطفال، الذين كانوا من بين أول الضحايا المتأثرة بهذه الحرب،  قبل أن  تتخذ في أواخر عام 1953 الطابع الدولي بوصفها منظمة تابعة للأمم المتحدة، وتستمر في أداء أنشطتها الموجهة لقضايا الطفل والطفولة على المستوى العالمي.  وتعتبر اليونيسيف الوكالة الوحيدة المكرسة للأطفال على وجه الحصر، والمفوضة من قبل حكومات العالم لتعزيز وحماية حقوق الأطفال ورفاهيتهم، وتضم في عضويتها كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.

وتشترك منظمات المجتمع المدني، بما فيها الشركاء من المنظمات الدولية غير الحكومية، بشكل كبير في أعمال اليونيسيف في 158 دولة تمارس فيها اليونيسيف نشاطها، وتتكون إيراداتها المالية من تبرعات مالية ثابتة من ميزانية الأمم المتحدة.

ومما جاء في تعريف اليونيسيف أيضا: ” اليونيسيف هي القوة المحركة التي تساعد في بناء عالم تتحقق فيه حقوق كل طفل، ولدينا السلطة العالمية للتأثير على صناع القرار، وتشكيلة متنوعة من الشركاء على المستوى الجماهيري لتحويل أحدث الأفكار المبتكرة إلى واقع، الأمر الذي يجعلنا منظمة فريدة وسط المنظمات العالمية، والهيئات العاملة مع الشباب. إننا نؤمن بأن تنشئة الأطفال ورعايتهم تمثل حجر الزاوية في تقدم البشرية، وقد تم إنشاء اليونيسيف واضعة هذا الهدف نصب أعينها أن تعمل مع الآخرين للتغلب على العقبات التي يضعها الفقر، والعنف، والمرض، والتمييز في طريق الطفل، ونؤمن بأننا نستطيع معاً المضي قدما بقضية الإنسانية للأمام “[34].

وتلتزم اليونيسيف باتفاقية حقوق الطفل وتعمل على ضمان المساواة لأولئك الذين يعانون من التمييز، خاصة البنات والنساء، وتعمل من أجل تحقيق أهداف الألفية الإنمائية ومن أجل التقدم الذي وعد به ميثاق الأمم وتجاهد من أجل السلام والأمن وتعمل على جعل الجميع خاضعين للمساءلة عن الوعود التي وعد بها الأطفال[35]، كما تساعد اليونيسيف الدول النامية على تحديد أولويات تغذية الأطفال، وتهتم ببرامج التوعية الغذائية، كما تقدم مواد غذائية معينة غنية بالبروتينات والفيتامينات والعناصر الضرورية لنمو الطفل، وذلك في المناطق التي تشتد فيها حاجة الأطفال إلى التغذية، وفي حالة الطوارئ كالكوارث الطبيعية والحروب.

و بصفة عامة فقد جاءت منظمة الأمم المتحدة للطفولة، للتوعية بقضايا الطفل والطفولة، و السعي إلى بذل كل الجهود في سبيل النهوض بأوضاع الطفولة في العالم، من خلال حمايتها من أي سوء قد تتعرض له، وتوفير كل ما يلزمها من احتياجات إنسانية ضرورية.

ورغم كل الجهود التي تبذلها المنظمة، ما يزال الوضع الحقوقي للأطفال في العالم[36] إلى اليوم كارثي، بحيث ما تزال حقوق الأطفال تنتهك في الكثير من الدول، وهو الأمر الذي يسائل الجميع أفرادا ودولا ومنظمات.

و في المغرب فقد تم إحراز تقدم كبير على المستوى التشريعي[37]، من خلال تكريس حقوقي للعديد من حقوق الطفل في نصوص قانونية مختلفة، كما في قانون المسطرة الجنائية وقانون الأسرة وقانون الجنسية، وغيرها من القوانين التي جسد فيها المغرب انخراطه في تعزيز الوضع الحقوقي للطفل كما هو متعارف عليه دوليا، كما نجد القضاء المغربي[38] هو الآخر قد كرس حماية حقوق الطفل في العديد من أحكامه و قراراته.

ومع ذلك يبقى الوضع الحقوقي للأطفال على مستوى الواقع في حاجة إلى مزيد من المجهودات، ويطرح على السياسيات العمومية للدولة تحديات كبيرة للنهوض بأوضاع الأطفال على كافة المستويات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1]–  تجدر الإشارة إلى أن موضوع الطفولة و مختلف القضايا المرتبطة بها في المغرب ما تزال تعرف جدلا واسعا في النقاش العمومي، لعل من أبرزها النقاش المطروح بحدة حول سن زواج القاصر من خلال الاستثناء التي نصت عليه مدونة الأسرة ، و مدى اعتبار تزويج القاصر انتهاكا لحقوق الطفل ؟

[2]  يتم تحديد مفهوم الطفل من الناحية الاصطلاحية على أنه الشخص غير البالغ سن الرشد. و بالعودة إلى التشريع المغربي نجده لم يحدد أي تعريف لمفهوم الطفل، و في المقابل نجده حدد سن بلوغ الرشد القانوني في ثمانية عشرة سنة شمسية كاملة حسب نص المادة 19 من مدونة الأسرة .

[3]– أضحت مسألة حقوق الإنسان؛ مسألة عالمية بحيث أصبحت الأنظمة القانونية الوطنية  تستمد مرجعيتها من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان في إقرار القوانين التي تعالج الحقوق و الحريات الأساسية . و مسألة حقوق الإنسان في ديناميكية  و تطور مستمر ، و تطرح جدالا قانونيا  و مجتمعيا كبيرا . لأخذ نظرة شمولية حول مسألة حقوق الإنسان ، أنظر : عماد عمر ، سؤال حقوق الإنسان ، مطبعة السنابل ، الطبعة الأولى ، سنة 2000 .

[4]– هذا النظام الذي يتجلى في فرع القانون الدولي بشقيه القانون الدولي الإنساني و القانوني الدولي لحقوق الإنسان و الذي يصنف ضمن فروع القانون العام الخارجي .

[5]– عصبة الأمم League of Nations هي إحدى المنظمات الدولية السابقة التي تأسست عقب مؤتمر باريس للسلام سنة 1919، وهي أول منظمة أمن دولية هدفت إلى الحفاظ على السلام العالمي. أنظر الموسوعة الحرة ويكيبيديا www.wikipedia.org .

[6]– د. هيثم مناع ، حقوق الطفل، الوثائق الإقليمية والدولية الأساسية، مركز الراية للتنمية الفكرية، المؤسسة العربية الأوربية للنشر، الطبعة الأولى 2005، ص 17 .

–   مما جاء في الإعلان: ” أن البشرية مدينة للطفل بأفضل ما يمكن منحه من حقوق وضمانات “. [7]

– وقعت في جنيف يوم 25 شتنبر 1926 ودخلت حيز التنفيذ في 9 مارس 1927، طبقا للمادة 27 من الاتفاقية. [8]

[9]– أقرت وعرضت للتوقيع والتصديق أو الانضمام بقرار الجمعية العامة 260 ألف المؤرخ في 9 شتنبر 1948، ودخلت حيز التنفيذ في يناير 1951 طبقا للمادة 13 .

[10]– الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وثيقة حقوق دولية تبنته الأمم المتحدة بتاريخ 10 دجنبر 1948 بقصر شايو بباريس ، و يضم ثلاثين مادة تناولت  أهم الحقوق التي يجب أن يتمتع جميع الناس .

.[11]– جاء في نص المادة 25 من الإعلان ما يلي : ” 1- لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته .

2- للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين، وينعم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية سواء أكانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي أو بطريقة غير شرعية  ” .

[12] جاء في نص المادة 26 من الإعلان ما يلي : ” 1- لكل شخص الحق في التعلم، ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان، وأن يكون التعليم الأولي إلزامياً وينبغي أن يعمم التعليم الفني والمهني، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة.

2- يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملاً، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية، وإلى زيادة مجهود الأمم المتحدة لحفظ السلام.

3 –  للآباء الحق الأول في اختيار نوع تربية أولادهم “.

– وهما العهدين اللذان صدرا في عام 1966، ولم يتم التصديق عليهما إلا في سنة 1976، حيث دخلا حيز التنفيذ.[13]

–  اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه القواعد في قرارها 40/33 بتاريخ 29 نونبر 1985.[14]

–  صدرت هذه الاتفاقية في عام 1996 بهدف دعم حقوق الطفل على المستوى الأوربي.[15]  

  [16]– اعتمدته منظمة الوحدة الإفريقية ( الاتحاد الإفريقي حاليا ) في يوليوز 1990، ودخل حيز التنفيذ في نونبر 1999   و يضم 48 مادة .

– أصدرته الأمم المتحدة في 20 نوفمبر 1959، وذلك بموافقة 78 دولة ودون معارضة أو امتناع أية دولة.[17]

[18] – وهي الاتفاقية التي جاءت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بناء على تقرير اللجنة الثالثة والجلسة الواحدة والستين في 30 نونبر 1989.

[19] – كما جاء في ديباجة الإعلان ، و مما جاء فيها أيضا : ” فإن الجمعية العامة، تصدر رسميا “إعلان حقوق الطفل” هذا لتمكينه من التمتع بطفولة سعيدة ينعم فيها، لخيره وخير المجتمع، بالحقوق والحريات المقررة في هذا الإعلان “.

[20] – من هذه المبادئ ما جاء في المبدأ السادس، أن الطفل المعاق بحاجة للحب و الحنان والتفهم كي تنمو شخصيته بصورة متوازنة، ومن ثم يجب أن ينمو الطفل عندما يكون ذلك مستطاعا في ظل وعناية ومسؤولية والديه، وفي أي حال في جو من العاطفة والأمان المعنوي والمادي، و يجب ألا يفصل الطفل في سنوات طفولته الأولى عن أمه إلا في الحالات الاستثنائية .

[21]– هيئة المحامين بوجدة، حقوق الطفل و المواثيق الدولية، مجلة المحاماة ( مجلة دورية تصدرها جمعية هيئات المحامين بالمغرب) العدد 40 أبريل 1997 ، ص 126 .

[22]– مشار إليه في: تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة حول وضع الأطفال في العالم بمناسبة مرور 20 سنة على صدور اتفاقية حقوق الطفل صادر في سنة 2009 و هو المنشور في الموقع الإلكتروني لليونيسيف     www.unicef.org

– المنشور بالجريدة الرسمية عدد 4440 بتاريخ 19 دجنبر 1996.[23]

[24] على اعتبار أن دستور الدولة المغربية ينص على أن الإسلام دين الدولة ، وهو ما يتناقض مع أحكام المادة 14 التي تعطي للطفل حرية العقيدة .

– تعتبر اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 أول صك دولي يضع تعريفا محددا لمفهوم الطفل . [25]

[26]– و ذلك بجعل التعليم الابتدائي إلزاميا ومتاحا ومجانا للجميع، وتشجيع تطوير أشكال التعليم الثانوي العام أو المهني وجعل التعليم العالي متاحا للجميع على أساس القدرات، والعمل على تشجيع الحضور المنتظم في المدارس.

[27]– لأخذ فكرة حول الموضوع، أنظر: يوسف البحيري، حماية الأحداث الجانحين بين مرجعية القانون الدولي و التشريع المغربي، مجلة تمكين ( مجلة يصدرها المجلس الوطني لحقوق الإنسان) العدد -1 يناير/يونيو 2011 .

[28]– يقصد ببيع الأطفال، أي فعل أو تعامل يتم بمقتضاه نقل الطفل من جانب أي شخص أو مجموعة من الأشخاص إلى أي شخص آخر لقاء مكافئة أو أي شكل من أشكال العوض.

[29] – يقصد باستغلال الأطفال في البغاء: استخدام الأطفال لغرض أنشطة جنسية لقاء مكافئة أو أي شكل آخر من أشكال العوض.

[30] – يقصد باستغلال الأطفال في المواد الإباحية، تصوير أي طفل بأي وسيلة كانت يمارس ممارسة حقيقية أو بالمحاكاة أنشطة جنسية صريحة أو أي تصوير للأعضاء الجنسية للطفل لإشباع الرغبة الجنسية.

[31] – و ذلك بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.01.254 الصادر في 9 شوال 1424 الموافق ل 4 ديسمبر 2003 المنشور بمقتضاه  البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء وفي المواد الإباحية الموقع في 25 ماي سنة 2000. المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5191 بتاريخ 1 مارس 2004.

[32]– بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.01.253 الصادر في 10 شوال 1424الموافق ل 4 ديسمبر 2003 بنشر البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة الموقع بنيويورك في 25 ماي سنة 2000. المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5191 بتاريخ 1 مارس سنة 2004.

[33]– اختصارا بالانكليزية:  United Nations Children’s Emergency Fund

[34]– كما جاء في التعريف المنشور على الموقع الرسمي لليونيسيف،www.unicef.org

[35]– عن  أسرة تحرير مجلة معهد القضاء( مجلة دورية تصدر عن معهد الكويت للدراسات القانونية والقضائية)، حول اليونيسيف، بدون طبعة، ص 161 .

36ــ  أنظر التقرير السنوي لليونيسيف لسنة 2014 حول وضعية الأطفال عبر العالم، والذي حمل عنوان ” كل طفل مهم، كشف الفوارق، النهوض بحقوق الطفل”، والذي أشار إلى وفاة 6.6  في المائة من عدد الأطفال البالغين من العمر 5 سنوات سنة 2012، كما يتم تشغيل 15 في المائة من الأطفال في العالم ويتم تزويج 11 في المائة من الفتيات قبل سنة 15 سنة. وهو التقرير الذي قدم في المغرب بمقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالرباط.

37 ــ  للتوسع أنظر: حسن بوالمغراس و آخرون، الوضعية القانونية للطفل القاصر في التشريع المغربي، بحث لنيل شهادة  الإجازة في القانون الخاص ، كلية الحقوق بأكادير، السنة الجامعية 2009/2010.

 [38]– أنظر في هذا الصدد مليكة بنزاهير، دور القضاء في حماية الطفل، ندوة مشتركة بين المجلس الأعلى ومحكمة النقض المصرية 16 و 17 يناير 2002، سلسلة دفاتر المجلس الأعلى العدد 5، 2005 .