النيابة العامة : جهاز قضائي تابع لأي سلطة ؟

314

النيابة العامة : جهاز قضائي تابع لأي سلطة ؟

يوسف الزوجال

دكتور في الحقوق

في إطار السياق العام المطبوع بنقاش عمومي حاد حول الإشكاليات الجمة المثارة على الساحة في الوقت الحالي علاقة بالقوانين التنظيمية الرامية إلى ضبط عمل السلطة القضائية تفعيلا للمقتضيات التشريعية المتضمنة في صلب دستور المملكة الجديد الصادر في يوليوز 2011 وتنزيلا لمحاور وتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة الذي أشرف عليه أعضاء اللجنة العليا تحت رعاية صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، نعتقد أن الباحثين والمهتمين لازالت مواقفهم متباينة بخصوص مسألة تكتسي أهمية بالغة: يتعلق الأمر بمدى اعتبار جهاز النيابة العامة متمتعا بالاستقلالية أسوة بقضاة الأحكام أم أنه فاقد لهذه الميزة بالنظر إلى تبعيته لسلطة غير محددة طبقا للدستور؟

لمعرفة الإجابة عن التساؤل المطروح أعلاه، لا بد من الرجوع قبل كل شيء إلى فحوى فصول الدستور التي تحمل في طياتها بعض الإشارات القوية والدالة والممهدة لفك لغز “السلطة” المقصودة من لدن واضعيها. فبالاطلاع على الفقرة الثانية من الفصل 110، نجد أنها تنص على ما يلي ” يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون. كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها “.

كما جاء على لسان الفقرة الأخيرة من الفصل 116 من الوثيقة القانونية الأسمى في البلاد أن ” يراعي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في القضايا التي تهم قضاة النيابة العامة، تقارير التقييم المقدمة من قبل السلطة التي يتبعون لها “.

الملاحظ أن المشرع المغربي قد حسم جزما في كون قضاة النيابة العامة خاضعون لسلطة ما على عكس قضاة الحكم المتوفرين على ضمانات الاستقلالية بشكل أوسع[1]، لكن تتبادر إلى الذهن بعض الشكوك التي تحوم بالأساس حول ماهية الجهة أو كما سماها المشرع نفسه ” السلطة ” التابع لها القضاة المنتمين للنيابة العامة ؟

اللافت للانتباه أن أغلب فصول الدستور المؤطرة للسلطة القضائية التي تم سردها آنفا تركت الباب مفتوحا على مصراعيه أمام التأويلات المتمخضة عن المتتبعين والمسؤولين على القطاع برمته بحكم الغموض الذي يكتنفها الشيء الذي أدى إلى خلق مجموعة من الاجتهادات في سبيل الإحاطة بالسلطة المعنية والوقوف على حقيقتها.

فمن جهة أولى، بخلاف الرأي الذي يطالب بالاستقلالية التامة للنيابة العامة[2]، اقترح الميثاق الوطني لإصلاح العدالة في إحدى التوصيات المنبثقة عنه أن تكون هذه الأخيرة بين يدي الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض عوض وزير العدل والحريات على اعتبار أنه يوجد في أعلى هرم الجهاز، استنادا إلى منطوق الفصل 116 الذي عبر صراحة بأنه “يراعي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في القضايا التي تهم قضاة النيابة العامة، تقارير التقييم المقدمة من قبل السلطة التي يتبعون لها “. فالمستفاد من ذلك، أن المشرع راعى التسلسل الإداري، إذ أن تقارير التقييم والتنقيط المومأ إليها لا ينجزها سوى الرؤساء المباشرون لوكلاء الملك وهم في هذه الحالة السادة الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف.

وهكذا، خلص الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة إلى أنه ” يجب فصل النيابة العامة عن السلطة التنفيذية وإسناد رئاستها إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، مع تخويل وزير العدل صلاحية إعداد السياسة الجنائية التي سيتم إقرارها من طرف السلطات المختصة، وتبليغ مقتضياتها كتابة إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، مع إحاطة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ووزير العدل علما بالإجراءات والتدابير المتخذة بشأن السياسة الجنائية، على أن يقوم الوكيل العام للملك بتقديم تقرير سنوي إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية بشأن تنفيذ السياسة الجنائية وسير جهاز النيابة العامة يكون موضوع نقاش داخل المجلس”[3].

       كما ذهب مناصرو هذا التوجه[4] إلى أنالدستور ربط المسؤولية بالمحاسبة و ترأس الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض النيابة العامة يدل على انه هو الذي أصبح مسئولا  قضائيا أثناء تحريكه الدعوى العمومية ومتابعتها وأيضا سياسيا من خلال وضع ملامح السياسة الجنائية التي يجب أن يتم إتباعها . وبالتالي فان منطق الدستور الجديد يفرض أن تستتبع هذه المسؤولية محاسبة سواء انطلاقا من الآليات ذات الصيغة القضائية أو ذات الطبيعة السياسية وعلى رأسها المحاسبة المفروضة من قبل ممثلي الأمة. 

وفي سياق آخر، هناك من يدافع عن الإبقاء على تبعية النيابة العامة لوزير العدل، إذ أنه ” في حالة إخضاعها لإشراف الوكيل العام لدى محكمة النقض كونه لن تخضع لأي رقابة مؤسساتية في الدولة، في حين أن استمرارية تبعية النيابة العامة لوزير العدل والحريات يمكنها من الخضوع لرقابتين أساسيتين الأولى رقابة رئيس الحكومة باعتباره الرئيس الفعلي المباشر للوزير يمارسها مباشرة أو من خلال اجتماعات مجلس الحكومة، والرقابة البرلمانية، عندما يمثل وزير العدل والحريات أمام البرلمان بمجلسيه لمساءلته عن قراراته عندما تكون خارجة عن نطاق القانون أو تمس بمبدأ استقلال القضاء ويبقى مسؤولا عن قراراته وسياسته الجنائية أمام البرلمان في إطار ديمقراطي يربط المسؤولية بالمحاسبة”[5].

وبالمقابل، يرى البعض أن هذا الاتجاه غير جدير بالاتباع من جهة أخرى لكون المجلس الأعلى للسلطة القضائية هو الجهة المخول لها حصريا ممارسة الرقابة على عمل النيابة العامة تماشيا مع روح الفصل 109 من الدستور الذي قضى بأنه ” يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء؛ ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات، ولا يخضع لأي ضغط.

يجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية “.

وإزاء مختلف التصورات المذكورة سابقا بإيجاز، نميل إلى القول في موقفنا الشخصي بأن السلطة التي يتبع تعليماتها السادة القضاة الساهرين على جهاز النيابة العامة تتجلى في الملكية، وسندنا في ما نذهب إليه :

-أن قضاة النيابة العامة بما في ذلك الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض يمثلون صاحب الجلالة ومنه يستمدون تسميتهم بل إنهم يزاولون وظيفتهم بموجب الوكالة المطلقة الممنوحة لهم، مما يعني أن اشتغالهم اليومي في تصريف الملفات وتحريك الدعاوى والدفاع عن الحق والقانون يتم باسمه.

وبالتالي لا يسوغ اعتبار الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته هاته تلك السلطة التي يخضع لتعليماتها النيابة العامة لأن دوره يقتصر فقط في القيام بمهمة التمثيلية والنيابة عن الملك.

-أن الملك يعد الضامن الفعلي لتحقيق العدل، إذ ما فتئ ينادي في شتى الخطب والرسائل التي تحتوي على توجيهاته وتعليماته الصادرة إلى القائمين على جهاز النيابة العامة بضرورة الحرص الشديد على تطبيق القانون بناء على سياسة جنائية قوية وعصرية تنسجم مع الواقع المجتمعي.

-أن الملك حسب الفصل 115 من الدستور يترأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ومن ثمة يعد بمثابة الهيئة التقريرية العليا التي يبقى لها الحق بالتنسيق والتشاور مع الأعضاء في البت بالأمور ذات الصلة بالنيابة العامة.

 

[1] حسن مزوزي الأصل هو تبعية النيابة العامة وليس استقلالها، مقال منشور بجريدة الصباح، للاطلاع يرجى زيارة الموقع الالكتروني www.assabah.press.ma/index.php?option=com_content&view=article&id=67168

[2] محمد علمي النيابة العامة… قضاء واقف جزء من السلطة  القضائية : دفاعا عن الاستقلالية.. ضد الرجعية والتبعية، مقال منشور بجريدة الاتجاد الاشتراكي بتاريخ 3/27/2015 للاطلاع يرجى زيارة الموقع الالكتروني http://www.ailmaroc.net/ail.asp?codelangue=29&id_info=210818

[3] خليل سعدي:  استقلالية النيابة العامة عن وزير العدل…محاولة للفهم، مقال منشور بالموقع الالكتروني http://www.nadorcity.com

[4] خالد الادريسي فصل المقال فيما بين إستقلال النيابة العامة و دولة القضاة من إتصال مقال منشور بالموقع الالكتروني http://hibapress.com/details-48911.html

 

[5] خليل سعدي، مقال سابق