النزاع السوري بين صراع القوى الكبرى وعجز المجتمع الدولي

18

النزاع السوري بين صراع القوى الكبرى وعجز المجتمع الدولي

 

عائشة الهوس ELHAOUS AICHA

طالبة باحثة بسلك الدكتوراه تخصص القانون العام والعلوم السياسية

كلية العلوم القانونية الاقتصادية والاجتماعية – سلا–

ahdlward@gmail.com

الملخص:

اتسمت الأوضاع في سوريا منذ انفجار الأزمة في مارس 2011، بالعنف المفرط من طرف النظام السوري رغم الطابع السلمي الذي بدأ به الحراك الشعبي مما أدى إلى تطور الأمور إلى صدام مسلح بين مختلف الأطراف السورية، غير أن الأوضاع عرفت مسارا خطيرا وتفاقمت بفعل انخراط العديد من القوى الخارجية في النزاع، والتي رأت فيه فرصة لإعادة تموقعها بسوريا التي تحولت إلى فضاء لصراع المصالح والصراع على النفوذ، بحيث ساهم انضمام هذه القوى في جعل الحرب في سوريا تشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين. وبالرغم من المحاولات العديدة للمنتظم الدولي وبخاصة الأمم المتحدة من أجل إيجاد حل للصراع، فقد تم إظهار فشلها جميعا بسبب الصراع المحتدم والتجاذبات الإقليمية والدولية بين القوى الكبرى وبخاصة الموقف الأمريكي والدعم الروسي للنظام السوري الذي يستخدم حق الاعتراض (الفيثو) ضد أي قرار يدين النظام ويسعى لإيجاد حل للنزاع. مما يؤكد على أن حسم النزاع في سوريا يبقى مرتبطا بتوافقات إقليمية ودولية للقوى الفاعلة في الصراع.

The situation in Syria has been characterized by the violence of the Syrian regime since the outbreak of the crisis in March 2011, despite the peaceful nature in which the popular movement began, which led to the development of matters to an armed clash between the various Syrian parties, but the situation defined a dangerous path and was exacerbated by the involvement of many forces Foreign affairs in the conflict, which saw it as an opportunity to reposition itself in Syria, which turned into a space for conflict of interests and struggle for influence, so that the joining of these forces contributed to making the war in Syria a threat to international peace and security. Despite the many attempts of the international community, especially the United Nations, to find a solution to the conflict, all of its failures were demonstrated by the intense conflict, regional and international disputes between the major powers, especially the American position and Russian support for the Syrian regime, which uses the right of veto (veto) against any decision condemning the regime and seeking to find A solution to the dispute. This confirms that the resolution of the conflict in Syria remains linked to regional and international consensus of the actors in the conflict.

 

مقدمة:

شكلت سوريا أو بلاد الشام منذ فجر التاريخ ساحة تجاذب بين نطاقات جيو-سياسية ثلاثة في منطقة الشرق الأوسط وهي بلاد ما بين النهرين أو العراق، وبلاد الأناضول أو تركيا، ومصر. وكان الصراع دائما بين هذه النطاقات يدور حول السيطرة على سوريا، إذ من يستطيع السيطرة على هذه الأخيرة يمكنه أن ينطلق للتأثير في النطاقين الجيو-سياسيين الآخرين.

وقد ميز المشهد السياسي في أغلب البلدان العربية طابع العنف السياسي المتمثل في استخدام القوة أو التهديد بها في مواجهة الطرف المعارض وإلحاق الضرر به لتحقيق أهداف سياسية، وعلى غرار معظم هذه الدول فإن العنف السياسي  في سوريا ظاهرة متجذرة وملازمة لأداء الأنظمة التي استولت على السلطة بالانقلابات العسكرية منذ الاستقلال عام 1946، إلا أنها تفاقمت واتسع نطاقها، وزادت حدتها منذ عام 1970 عند وصول حافظ الأسد للسلطة.

وتواصلت هذه السياسة بحق السوريين في عهد بشار الأسد، وبلغت مستويات غير مسبوقة مع انطلاق (ثورة الحرية والكرامة) في مارس 2011، تمثلت بارتكاب قوات الأمن التابعة للنظام انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وبعد عسكرة الثورة وتحولها إلى نزاع مسلح في منتصف 2012، أصبح استخدام العنف غير مقتصر على النظام، بل استخدمته أيضا الجماعات المسلحة المناهضة له.

وكان للأزمة السورية أسبابها المحلية التي أدت دورا حاسما، إذ أفضت سياسة اللبرلة الاقتصادية بين عامي 2005/2011 والتي قادها وزير الاقتصاد عبدالله الدردري إلى زيادة معدلات التضخم بما أضر

بمصالح الطبقة الوسطى في المدن وبمصالح الطبقات الفقيرة في الريف [1].

 

وفاقم من هذه السياسة الفساد الذي استشرى نتيجة نشوء طبقة من بورجوازية المدن، ما أضعف المناعة الداخلية السورية أمام التحولات الإقليمية والدولية. وقد أدت المتغيرات التي شهدتها بعض الدول العربية وخاصة كل من الثورة التونسية والثورة المصرية وانهيار نظام مبارك إلى خلخلة أحد النطاقات الجيو-سياسية التي تتأثر بها سورية، وإلى تحفيز الاحتجاجات التي اتطلقت من مدينة درعا في مارس سنة 2011.

إلا أن التركيبة الطائيفية في سوريا كانت مصدر اختلاف مهم بين الحالة السورية والدول الأخرى المشابهة لها، مما حول مسار الأزمة إلى حرب أهلية[2].

 

 

في وقت كانت تركيا تعيد رسم دورها في المنطقة العربية، معتبرة أن سورية يجب أن تقع ضمن نطاق نفوذها لأنها تشكل مدخلها إلى المنطقة العربية، وكان العراق تعرض لضربة قوية نتيجة الاجتياح الأميركي.

وبغض النظر عن الأسباب التي أدت في البداية إلى انطلاق “الحراك الشعبي”، وتطور الأمور إلى صدام مسلح بين مختلف الأطراف السورية (معارضة، جماعات مسلحة وحكومة)، فإن الحراك السوري لم يقتصر على تفجير صراع داخليا بين نظام وشعبه فقط، بل شرع أبواب سوريا أمام القوى الدولية والإقليمية –الولايات المتحدة وروسيا، تركيا وإيران واسرائيل والسعودية وقطر-، التي رأت في هذه الأزمة فرصة لإعادة تموقعها بسوريا التي تحولت إلى فضاء لصراع المصالح على النفوذ، لما لها من أهمية جيوسياسية جعلتها منذ فجر التاريخ نقطة جذب للقوى الإقليمية والدولية.

ومن ثم فقد عرفت الأوضاع في سوريا مسارا خطيرا وتفاقمت بفعل انخراط العديد من تلك القوى الخارجية في النزاع، والتي ارتكزت على مبررات شتى وادعاءات مختلفة للفعل ميدانيا في الأحداث، لذلك استعملت القوة المسلحة في الغالب وارتكنت لبعض المناورات السياسية في بعض الأحيان.[3]

وباتت الأزمة السورية تمثل أكبر كارثة في العصر الحديث، حيث واصلت السلطات السورية ومؤيدها انتهاك قواعد القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان والحريات الأساسية بشكل منهجي واسع النطاق ضد السكان المدنيين، من خلال عمليات القتل العمدي والإبادة الجماعية والتهجير القسري وجرائم التعذيب وانتهاك الشرف والكرامة الإنسانية، ومحاصرة المدن والقرى ومنع وصول المساعدات الإنسانية لتلبية الاحتياجات الغذائية والطبية، وتدمير المستشفيات والمراكز الطبية وغيرها من انتهاكات القانون الدولي الإنساني في مقابل صمت دولي عن معالجة تلك المعاناة الإنسانية التي طال أمدها ضد أبناء الشعب السوري.[4]

وستتناول هذه الدراسة الصراع الدولي على سوريا ودور المجتمع الدولي في تسوية النزاع في ظل استمرار الأزمة التي بدأت بصورة احتجاجات سلمية وتحولت إلى اضطرابات داخلية ثم تحولت إلى نزاع مسلح داخلي حتى وصلت إلى النزاع المسلح الدولي وذلك في ظل انخراط القوى الإقليمية والدولية في الصراع السوري سياسيا وميدانيا.

وتكمن أهمية الدراسة من خلال تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية للشعب السوري في ظل صراع دولي على بسط النفوذ في الساحة السورية.

وتمثل المشكلة الأساسية لهذه الدراسة في أن النزاع في سوريا أصبح يشكل أكبر كارثة في العصر الحديث في مقابل عجز المجتمع الدولي عن إيجاد حل لتسوية هذا النزاع في ظل تضارب مصالح القوى الكبرى، وبالتالي نكون أمام إشكال جوهري مفاده:

مامدى فعالية المجتمع الدولي في تسوية النزاع السوري في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية حول سوريا؟

طبيعة الإشكال أعلاه، تقتضي مقاربته عبر منهج تفسيري و تحليلي من خلال تفسير وتحليل مختلف العوامل الموثرة في استمرار الأزمة السورية وتحولها لنزاع دولي لا ينذر بانفراج قريب، وذلك بالاعتماد على محورين أساسيين، المحور الأول يخصص لـ (الأوضاع في سوريا بين واجب التدخل والتجاذبات الإقليمية والدولية)، على أن نتناول في المحور الثاني ( الجهود الدولية لتسوية النزاع في سوريا).

 

 

 

 

 

 

 

المحور الأول: الأوضاع في سوريا بين واجب التدخل والتجاذبات الإقليمية والدولية

عرفت الأوضاع في سوريا مسارا خطيرا وتفاقمت بفعل انخراط العديد من القوى الخارجية في النزاع، والتي استندت على مبررات عديدة للتدخل في الصراع، مما جعل الساحة السورية حلبة صراع بين احترام مبدأ عدم التدخل وواجب الحماية الدولية للمدنيين الذين تعرضوا لأبشع الجرائم في تاريخ الإنسانية (أولا)، إلا أن صراع القوى الإقليمية والدولية وتدخلها في النزاع السوري من أجل بسط مناطق النفوذ (ثانيا)، أدى إلى تأزم الوضع أكثر في ظل تجاهل تام لمعانات الشعب السوري .

أولا: الحالة السورية بين مبدأ عدم التدخل وواجب الحماية

إن أسمى مبدأ في العلاقات الدولية هو مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، ويتفرع عن هذا المبدأ مبادئ أخرى كمبدأ عدم جواز استعمال القوة أو التهديد باستعمالها، وكذلك مبدأ عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إذ تعد هذه المبادئ من النظام العام الدولي ومن القواعد الآمرة التي لا يجوز أبداً مخالفتها تحت أية ذريعة وأي مُسمى، فهي مبادئ أممية بالأساس وهي بمثابة الضمانة القانونية لمبدأ احترام استقلال الدولة.

والأصل في التدخل غير جائز، نظرا لكونه عمل تباشره دولة أجنبية بطريقة الإرغام والضغط لتملي إرادتها على دولة مستقلة في أمر داخلي أو خارجي يعود إلى اختصاص هذه الأخيرة، وقد يتخذ شكل الضغوط السياسية وقد يتخذ شكل التدابير القسرية العسكرية التي تقوم بها دولة أو أكثر ضد دولة أخرى[5].

ومن الناحية القانونية الدولية أي تدخل سياسياً كان أو عسكرياً أو حتى اقتصاديا وعلى أي دولة بأي حال من الأحوال تدخل غير شرعي، مادام أنه لم يمُر من مجلس الأمن الذي قد يستدعي تدخله بموجب الفصل السابع من الميثاق باعتباره الجهاز المنوط له مهمة حفظ الأمن والسلم الدوليين سواءً بالطرق التوافقية أو الزجرية.

فلا يمكن اللجوء إلى استخدام القوة أو التهديد بها لحفظ السلم والأمن الدوليين أو لاستعادتهما إلا على ضوء منطوق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو الذي يسند هذه المهمة لمجلس الأمن بوصفة جهاز المنظمة التنفيذي.

وإذا كان ميثاق الأمم المتحدة قد كرس عقيدة عدم التدخل كقاعدة قانونية عالمية حيث تنص المادة 2/1 من الميثاق على أنّ الأمم المتحدة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها، وتحظر المادة 2/4 التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأيّ دولة، و تؤكد المادة 2/7 على أنه ليس في الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما.

غير أن هناك إستتناءات على مبدأ عدم التدخل، والاستثناء الوحيد الوارد على مبدأ عدم التدخل هو التدخل أي العكس فالتدخل وصف ينطبق على مجموعة من الأنشطة يحتمل كل منها وصفا آخر، مثل التهديد بالقوة، تهديد السلام أو انتهاك السلام، استخدام القوة، الدفاع الشرعي الفردي والجماعي، وقد تتساوى هذه التعبيرات أو تتفاوت أو يشمل بعضها البعض الآخر، لكن عبارة التدخل هي الأكثر عمومية من التعبيرات السابقة[6].

وعلى الرغم من أصالة مبدأ عدم التدخل، وذلك وفقا لما نصت عليه مواثيق المنظمات الدولية وقراراتها حماية لحقوق الدول وحفاظا على سيادتها، كما أن أغلب فقهاء القانون الدولي يؤكدون على عدم جواز التدخل،  إلا أن هناك استتناءات على ذلك الأصل تبيح بعض حالات التدخل.

ولعل أهم هذه الاستتناءات  تبقى مرتبطة بميثاق الأمم المتحدة، فالمادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة تعهد إلي مجلس الأمن دورا رئيسيا في حفظ الأمن والسلم الدوليين، على الرغم من ورود أحكام متعلقة بتسوية النزاعات بالطرق السلمية في الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن البعد التنفيذي لهذه المسؤولية ورد في الفصل السابع من الميثاق، الذي يصف التدابير التي يمكن لمجلس الأمن أن يتخذها وفقا لنص المادة 39 من الميثاق: “ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملا من أعمال العدوان”.

فقد تكون هذه التدابير من أعمال الحظر والجزاءات وقطع العلاقات الدبلوماسية، وفقا لنص المادة 41 من الميثاق، غير أنه إذا رأي المجلس أن هذه التدابير غير كافية، فيمكنه أن يلجأ إلي استخدام القوة العسكرية وما يلزم من الأعمال لحفظ السلم الأمن وإعادته إلى نصابه.

و من ناحية أخرى نجد أن الأنظمة السياسية المستبدة أصبحت تواجه تحديات داخلية، نتيجة الوعي الشعبي بقضية حقوق الإنسان، وتحديات دولية نتيجة الحماية الدولية لحقوق الإنسان، ونشاط المؤسسات الدولية التي حملت على عاتقها تعزيز التمتع بحقوق الإنسان وتأمين حمايتها، لدرجة أنه أصبح يطرح بقوة الحق في التدخل في مواجهة مبدأ عدم التدخل.

على الرغم من إدراج مبدأ الامتناع عن التدخل في كل ما يخص الشؤون الداخلية للدول ضمن بنود الميثاق الأممي، وهو مبدأ ذو ارتباط وثيق بمبدأ سيادة الدول، إلا أن عديدا من القرارات والتوصيات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة والتي استندت على مبدأ “واجب الحماية” تؤكد على إمكانية التدخل في حالات الأزمات الانسانية والانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان داخل دولة من الدول الأعضاء.

وتؤكد قواعد القانون الدولي على أن تفعيل هذا المقتضى أي “واجب الحماية” يجب أن يكون في إطاره الضيق الذي لا يتجاوز البعد الإنساني.

لكن يبدو أن واجب التدخل لدواع إنسانية قد يمتد بعيدا نحو السماح باللجوء الى الألية العسكرية بدعوى مبدأ واجب الحماية، وهو مبدأ تم تأكيده في الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي لسنة 2005 والتي أشارت إلى أنه: “يجب علينا حماية الساكنة من الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والتطهير العرقي. ويجب أن تكون على أهبة الاستعداد للإتيان بعمل جماعي، ومساعدة الدول على بلورة وتطوير آليات ووسائل كفيلة بحماية السكان من جرائم الإبادة وغيرها”.

وهذا الطرح وإن كان في بعض جوانبه اعتداء على السيادة الوطنية، ففي جوانبه الأخرى حماية لحقوق الأفراد من تعسف الأنظمة الحاكمة وممارساتها القمعية، وتكمن أهمية هذا الطرح في مواجهته الادعاء بالسيادة الوطنية من قبل بعض الأنظمة القمعية التي تمارس الاستبداد من خلال التسلط على المجتمع

والانفراد بإدارة شؤونه وحرمان الأفراد من المشاركة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع[7].

إلا أن الإشكال المطروح يكمن في المنطق الذي يسير به مجلس الأمن، أو بالأحرى الدول  الدائمة العضوية في مجلس الأمن، فعلى هامش القضايا الإنسانية في المنطقة العربية وسوريا تحديدا فيبدو الأمر متناقضا تماما ومزدوجا لما نص عليه الميثاق والوضع على الساحة السورية، فالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا تؤيدان كل تدخل ضد سوريا، وروسيا والصين تعترضان على كل طرح، ولا يمكن أن يبرر ذلك إلا من خلال رؤية تركيبة مجلس الأمن التي لا تعكس في الواقع إلا هيمنة الدول الكبرى والمصالح الاستراتيجية المتضاربة.

وعليه فلا يمكن أن نتحدث عن شرعية التدخل العسكري إلا في الحالة التي يبدي فيها مجلس الأمن الدولي موافقته على ذلك والتي لا يمكن أن تتم بخصوص الوضع في سورية ما دامت روسيا لا تتوانى في ابداء اعتراضها (حق الفيتو) بخصوص أي تحرك دولي قد يفضي إلى تدخل عسكري في سورية.

وقد قام المجتمع الدولي باتخاذ العديد من الإجراءات السلمية لحماية المدنيين السوريين  تضمنت سلسلة من العقوبات، وخطط لوقف إطلاق النار وبعثات مراقبين دوليين ولم يساعد كل ذلك في تغيير سلوك الحكومة السورية أو حتى إيقاف الإنتهاكات السافرة للقانون الدولي.

و باستنزاف الجهود السلمية فإن أي تدخل إنساني في سوريا ربما يكون الحل الأمثل للمجتمع الدولي لتجنّب مزيد من الكوارث الإنسانية، وهذا التدخّل الإنساني في سوريا سيكون بذلك متناغماً مع القانون الدولي و ميثاق الأمم المتحدة، غير أنه يمكن أن يؤدي في نفس الوقت إلى تأزيم الوضع اكثر خصوصا إذا ما أخدنا بعين الاعتبار الخصوصيات الطائفية السورية وكذلك المعطيات الجيوستراتيجية الراهنة، وقد اتضح ذلك جليا بعد التدخل الروسي لدعم النظام السوري.

ثانيا: التجاذبات الإقليمية والدولية حول الحالة السورية

لقد شغلت الدولة السورية موقعا بارزا في خريطة الربيع العربي لكونها ذات أهمية كبرى بالنسبة للسياسة الخارجية للقوى الكبرى، فضلا عن حساباتها الاستراتيجية المعقدة إقليميا ودوليا، فالنظام السوري يستند إلى تحالفات إقليمية ودولية، لاتزال تراهن على بقائه ومحاولة إنهاء الأزمة السورية، حيث استماتت إيران في دعمها للنظام، ومعها الجزء الأكبر من الحكومة العراقية، وكذلك قوى سياسية في لبنان، ومنها حزب الله، الذي يشارك في القتال إلى جانب قوات الأسد، إضافة إلى الدعم الروسي-الصيني غير المحدود في مجلس الأمن[8].

فقد واكب التصعيد الداخلي للأوضاع في سورية من جراء استخدام قوات النظام للقوة المفرطة ضد الاحتجاجات السلمية، قيام عدد من الجهات الخارجية الرسمية وغير الرسمية بالمساهمة مساهمة فعالة في عسكرة ثورة الحرية والكرامة، وتسببت بشكل مباشر في تحول الاضطرابات الداخلية إلى نزاع مسلح غير دولي(حرب أهلية)، ثم وصلت إلى عتبة النزاع المسلح الدولي وذلك في ضوء التدخل التركي والأمريكي، وبدلت بعض القوى الخارجية جهدا قويا ومتواصلا للتأثير في التكتلات السياسية المعارضة والمتحاربين لتحقيق مصالح جغرافية وسياسية بعيدة عن أي صفة إنسانية، وقد أدت سياسات الدول والأطراف الخارجية التي تدعم النظام إلى إمعانه في مواصلة الخيار العسكري.

1: تداعيات النزاع السوري على المستوى الإقليمي

لقد شكل النزاع السوري حالة استقطاب وتنافس اقليمي واسع النطاق، حيث كان لهذا الاستقطاب والتنافس بين القوى الإقليمية البارزة الأثر المباشر في تعقيد الأزمة السورية، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب تتمحور حول: القرب الجغرافي، التداخل المذهبي، والتنافر الايديولوجي، فضلا عن حجم المصالح والصراع والنفوذ، وكذلك تصور الأطراف الإقليمية الفاعلة في الأزمة للتهديدات التي قد تواجههم مستقبلا[9].

وقد احتل الدور التركي مكانة متقدمة في التأثير على مسار النزاع السوري، حيث ظهر الموقف التركي مركبا ومتدرجا بشكل تصاعدي فيما يخص النظام السوري، نتج عنه دخول قوات تركية معززة بالدبابات وبغطاء جوي من الطائرات التركية ودول التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأراضي السورية في 24 غشت 2016، بذريعة احتواء التهديدات الأمنية وإحكام السيطرة على الحدود السورية التركية التي باتت تشكل تهديدا لأمنها القومي. كما وجدت تركيا في النزاع السوري فرصة لمحاولة تغيير التحالفات في المنطقة، وذلك في مسعى منها لتحويل سوريا من حليف لإيران إلى خصم لها من أجل صد النفوذ الإقليمي المتعاظم لإيران، وبذلك فقد غلب على الموقف التركي الحسابات الاستراتيجية، إذ أن سقوط النظام السوري سوف يضمن لتركيا مكسب استراتيجي لبسط نفوذها عبر سوريا[10].

أما الموقف الإيراني فيتميز بدعمه للنظام السوري باعتباره حليف استراتيجي، ويرى في سقوطه ضربة قوية لمشروعها في المنطقة الذي يسعى لتكون قوة إقليمية كبرى حيث تشكل سوريا حجر الزاوية في هذا المشروع، ونظرا لحيوية المعبر السوري للمصالح الإيرانية ونفوذها الإقليمي، فقد وضعت إيران كل إمكانياتها من أجل دعم الحكومة السورية، وتقديم كافة الوسائل العسكرية والاقتصادية لمنع سقوطها، فتحول التنافس الإيراني- التركي على سوريا إلى صراع عسكري على أراضيها، إذ حاولت كلا الدولتين الظفر بسوريا عبردعم أحد أطراف النزاع وتمويله وتسليحه، وهو ما زاد من حدة النزاع وأثر على الوضع الإنساني في سوريا[11].

أما فيما يخص موقف الدول الخليجية فنجدها قد اتخذت مواقف أكثر قوة وحزما ضد النظام السوري مقارنة بباقي الدول العربية، حيث بادرت بالدعوة لإصلاح النظام ثم طالبت بتغييره عبر تقديم الدعم السياسي للمعارضة، ووصل الموقف الخليجي ذورته بقرار دول مجلس التعاون الخليجي قطع العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري، كما بادرت كل من السعودية وقطر إلى رفع الملف السوري لمجلس الأمن، والدعوة إلى تسليح المعارضة السورية، والاعتراف بالمجلس الوطني كممثل رسمي ووحيد للشعب السوري، وقد تأثرت باقي المواقف العربية بالموقف الخليجي حيث تم تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية. وتجدر الإشارة إلى أن الموقف الخليجي له أبعاد استراتيخية تخدم المصالح الخليجية للتخلص من النفوذ الإيراني في المنطقة والذي تربطه علاقات وثيقة مع النظام السوري، فالأزمة السورية باتت إحدى ساحات الشد والجذب في العلاقات الإيرانية الخليجية، كما أنها فرصة للثأر من النظام السوري المعادي في بعض مواقفه السياسية السابقة لدول الخليج العربي، مما يوحي بأن مآل النزاع في

سوريا سيغير الخريطة الجيوبوايتيكية في المنطقة العربية والسرق الأوسط ككل[12].

وقد أدى فشل هذه القوى الإقليمية وعجز النظام الإقليمي عن حسم الصراع في سوريا واحتواء الأزمة إلى خروجها من نطاقها العربي، واتجاهها نحو الدائرة الدولية التي اتخذت منها وسيلة لإعادة توزيع النفوذ الدولي، بحيث سارعت كل قوة من القوى الدولية إلى التعامل مع الأزمة السورية وفق درجة قربها من النظام وأجندتها وأهدافها الاستراتيجية في سوريا.

2: تداعيات النزاع السوري على المستوى الدولي

بقدر ما شكلت الأزمة السورية حالة استقطاب على المستوى الإقليمي بقدر ما شكلته كذلك على المستوى الدولي، فسوريا تشكل بالنسبة للقوى الكبرى الزاوية الأهم في توازنات إقليمية دقيقة، فقد تحولت في ظل الأزمة من لاعب أساسي في شؤون وقضايا الإقليم إلى ساحة تنافس لإقليمي ودولي.

فالموقف الروسي الداعم بثبات للنظام السوري، ومعارضته لأي تدخل عسكري لإسقاط النظام، دونما اعتبارات للجرائم التي يرتكبها النظام السوري ومنع الدول الغربية من الذهاب إلى تدخل عسكري في سورية. وهذا الموقف المستميت والمتشدد لروسيا في دعم النظام السوري يأتي في إطار مخاوفها من أن سقوط نظام الأسد سيفضي حتما إلى إضعاف موقف إيران، وقدرة نظامها على البقاء، مع ما يعنيه ذلك من خروج روسيا من قارة آسيا بكاملها، بعد أن فقدت سيطرتها على الساحة الليبية التي تعد أهم جيوبها في افريقيا. بحيث أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على المساواة بين الشعوب، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدولة السورية.  فقد صرح بأن أي تدخل دولي عسكري في سورية من شأنه أن يؤزم الوضع ويعقد الأزمة أكثر. بل وسيخلف المزيد من الضحايا الأبرياء. ومن المحتمل أن يوسع من دائرة الصراع إلى خارج الحدود السورية.

ثم أضاف على أن، كل هذه المعطيات من شأنها الرفع من وتيرة العنف، إيذانا بقدوم موجة جديدة من الإرهاب. ومن المرجح أن يقوض ذلك كل الجهود الدولية المبذولة لإيجاد مخرج لملف ايران النووي، وللصراع العربي الإسرائيلي بما سيحول دون استقرار أمن منطقة الشرق الأوسط المتأججة أصلا ومعها منطقة الشمال الأفريقي. وقد يعصف بكل المنظومة الدولية التي يؤطرها القانون الدولي.

ويتميز الدور الروسي بامتلاك أوراق رائدة دوليا، مما جعلها تشرف على الدور السوري بكل ثقة، بداية بامتلاكها مقعدا دائما في مجلس الأمن، وقدرتها على إدراج الملف السوري ضمن المحادثات الثنائية للتسابق الأمريكي الروسي على الهيمنة العالمية، فضلا عن إشرافها على المفاوضات كعضو محايد، بحيث تسعى إلى تحقيق استقرار إقليمي يدعم تواجدها العسكري المريح داخل سوريا، وقد شكل قتال تنظيم الدولة “داعش” في سوريا المدخل الأساس للتدخل الروسي الجوي[13].

في حين نجد الجانب الأمريكي ما فتئ يربط ضرورة التدخل العسكري في سورية بمبدأ مسؤولية الحماية واستعادة النظام الدولي، وربما لتكريس المزيد من التفوق الأمريكي على ضوء لعبة المواقع على الساحة الدولية[14]، بعدما كان في بداية الأزمة يتخذ موقف الحياد والمطالبة بإجراء إصلاحات تتضمن الحد من مركزية احتكار السلطة وتلبية احتياجات الشعب السوري، وإنهاء العنف وفتح ممرات للمساعدات الإنسانية، إلا أن فاعلية الدور الروسي الإيراني في دعم النظام جعل أمريكا تغير من استراتيجيتها، وحفزها لاتخاذ مواقف أكثر حزما ضد النظام السوري[15].

أما الصين فقد اتخذت في بداية الأزمة موقف المترقب تجاه تطور الأحداث، فقد عارضت في البداية مبدأ تدويل الأزمة، واعتبرت أن حلها يكمن في الحوار بين أطراف النزاع، كما عارضت تغيير النظام السياسي في سوريا بالقوة العسكرية، إلا أن موقفها سيتغير في ظل تطور الأحداث لتقف بجانب داعمي النظام السوري المتمثل في كل من روسيا وإيران في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، مما ساهم في إحداث تطور جديد في واقع توازنات معادلة القوى في الشرق الأوسط، خصوصا في ظل تصاعد أزمات المنطقة إلى حد بلغ نزاعات مسلحة تعكس واقع تلك التوازنات[16]. وقد عكس موقف الصين تجاه النزاع السوري رؤيتها الاستراتيجية ومكانتها المتصاعدة في المنظومة الدولية باعتبارها أحد أطراف المعادلة السياسية في منطقة الشرق الأوسط.

وعلى الصعيد الأوروبي فقد تمثل موقف الاتحاد الأوروبي تجاه النزاع السوري في دعم الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن ومجموعة أصدقاء سوريا، إلا أن دول الاتحاد الأوروبي لم تستطع بلورة سياسة واحدة تجاه سوريا، بحيث شهد الموقف الرسمي للإتحاد الأوروبي إنقساما واضحا بين أعضائه ما بين مؤيد للتدخل العسكري كفرنسا التي تؤيد تزويد المعارضة بالأسلحة واستخدامها كورقة ضغط سياسية ضد النظام السوري، ودول رافضة للعمل العسكري، متمثلة بالأساس في ألمانيا التي رفضت أي قرار لإزالة الحظر على السلاح الموجه للمعارضة. كما ظهر تفاوت وتباين أدوار أعضاء الاتحاد الأوروبي في التعامل مع الأزمة السورية، التي استمرت في سياسة فرض العقوبات على النظام بهدف عزله، إلا أن الإنقسام الواضح بين أعضائه أدى إلى إحراج أوروبا كفاعل أساسي ذي توجهات خارجية سياسية وأمنية مشتركة.

ويتضح مما سبق أن المواقف الدولية تجاه النزاع السوري، وخاصة من جانب كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، قد جعله أكثر تعقيدا في ظل تباين وجهتي نظر الجانبين حول حل ذلك النزاع، وتعزيز تواجدهما في منطقة الشرق الأوسط.

وكان لهذا التباين في مواقف الولايات المتحدة وروسيا من النزاع السوري الناتج عن تباين الأجندات والأهداف، تأثير على العلاقات الثنائية الأمريكية الروسية التي تأرجحت طيلة سنوات النزاع السوري بين التجاذب وتبادل الاتهامات بعرقلة حل النزاع وإطالة أمد الصراع تارة، وبين التقارب والتفاهم تارة أخرى.

المحور الثاني: الجهود الدولية لتسوية النزاع في سوريا

بعد أن عجزت الأطراف المتصارعة في سورية عن إيجاد حل سلمي لإنهاء النزاع، سعت العديد من المبادرات الدولية لتسوية الوضع في سوريا سواء من طرف منظمات إقليمية ودولية أو من طرف بعض الدول، أو من خلال المؤتمرات الدولية الرسمية أو غير الرسمية أو عن طريق الوساطة الأممية(أولا)، غير أن كل تلك الجهود لم تستطيع تدبير النزاع مما أنذر بفشل المجتمع الدولي في حسم النزاع في سوريا (ثانيا).

أولا: محاولات لتسوية الوضع في سوريا

بدأت الجامعة العربية والأمم المتحدة خطتها لإحلال السلام في سوريا بإرسال مبعوث إلى سوريا لإنقاذها من خطر الانزلاق إلى حرب أهلية، كما بادرت الجامعة العربية إلى إطلاق المبادرة العربية لحل الأزمة السورية سنة 2011، من أجل حل الأزمة في سوريا تفاديا لتفاقم الوضع وتأثير ذلك على استقرار سوريا وسلامتها الإقليمية وتجنبا لأي تدخل أجنبي.

لكن تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية زاد من تعميق الأزمة السورية وفشل مهمة أول مبعوث أممي السيد “كوفي عنان” وقد شكلت خطة التسوية التي قدمها  أرضية لاتفاق جنيف الأول 30 يونيو 2012 الذي توصلت إليه مجموعة العمل الدولية بشأن سوريا، ثم جاء الدور على “الأخضر الإبراهيمي” مبعوثا مزدوجا من الجامعة العربية والأمم المتحدة إلى سوريا، وفشلت مهمة الأخير أيضا في إحلال السلام، لأنه وضع خطة تشترط رحيل الأسد، وهو ما اعتبر انحياز للجيش الحر وقوى المعارضة السورية، ولم تنجح مؤتمرات جنيف التي راعاها “الإبراهيمي” باسم الأمم المتحدة حتى في إقرار وقف لإطلاق النار.

وقبل تنحيه عن هذه المهمة ليتولاها “ستيفان دي ميستورا”، أكد على أن فشل تسوية النزاع ترجع إلى اقتناع النظام السوري بالنصر العسكري المؤكد، وتحول الأزمة السورية إلى الوكيلين الروسي والأمريكي[17].

وبعد فشل مهمة هذا الأخير تم تعيين “غير بيدرسن” مبعوثا جديدا خاصا للأمم المتحدة إلى سوريا، ورغم ذلك ظلت المفاوضات السياسية التي تقودها الأمم المتحدة في طريق مسدود.

وقد تولى مجلس الأمن النظر في النزاع السوري، لكونه أصبح يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين بعد أن تفاقمت الأزمة في كل المناطق السورية، وتحولت لمواجهات عسكرية بين المعارضة والقوات المسلحة للنظام السوري. إلا أن الفيتو الروسي – الصيني أدى إلى إخفاق المجلس في ايجاد حل للوضع في سوريا، بحيث أنه في 19 سبتمبر2019  استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) للمرة 13 ، لمنع قرار لمجلس الأمن يطالب بهدنة في شمال غرب سوريا لأنه لم يتضمن استثناء الهجمات العسكرية ضد الجماعات التي تعتبرها سوريا وروسيا إرهابية[18].

فقد فشلت جهود مجلس الأمن في الدفع باتخاذ إجراءات ناجعة بشأن سوريا حيث توقفت محادثات السلام التي عقدتها “المجموعة الدولية لدعم سوريا”، بهدف حل النزاع في سوريا في فبراير 2016. باستثناء بعض الاجتماعات الثنائية بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية التي أدت إلى استصدار بيان مشترك بشأن سوريا هدفه وقف الأعمال العدائية.

كما شكلت اجتماعات فيينا التي عقدت بين شهري أكثوبر ونوفمبر 2015 محطة مهمة من محطات البحث عن حل للأزمة السورية التي عرفت تصاعد مستوى التحديات الأمنية إقليميا ودوليا، بعد التدخل العسكري الروسي واحتمال وقوع مواجهات بين القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع السوري، فضلا عن تفاقم أزمة اللجوء السوري تجاه أوروبا، وتزايد موجة التفجيرات التي شهدتها عدة مدن أوروبية وعربية.

واعتبر القرار رقم 2254 القرار السياسي الأول الذي يتناول حل المسألة السورية حلا مباشرا، في حين أن جميع القرارات الأممية السابقة كانت إما خاصة بتناول الجوانب الإنسانية أو جوانب الإغاثة في سوريا.

وقد عكس النزاع السوري بوضوح حالة الصراع الدولي بين القوى الكبرى التي تسعى للتفرد بقيادة النظام الدولي، كما يلاحظ أن هذا الصراع له تداعيات إقليمية من خلال ظهور محاور إقليمية سواء تلك التي لا تزال تساند النظام السوري أو التي تدعم المعارضة السورية. حيث يتضح أن كل جهود حل الأزمة السوية تعكس مصالح الأطراف الدولية في المقام الأول، مما يحيل إلى أن الوضع في سوريا جد معقد ويصعب الوصول إلى رؤية مناسبة لحل هذة الأزمة في المستقبل القريب.

وعليه فقد عرفت كل المبادرات التي حاولت أن تؤسس لحل سلمي للنزاع السوري فشلا تاما، سواء تلك التي قامت بها الدول أو المنظمات الإقليمية أو الأمين العام للأمم المتحدة أو مبعوثيه إلى سوريا، أوتوصيات الجمعية العامة أو قرارات مجلس الأمن التي لم تعرف قدرا كافيا من الصرامة والإلزام في هذا الصراع.

ثانيا: عجز المجتمع الدولي عن تسوية النزاع السوري

من أبرز مظاهر تطور العلاقات الدولية، تراجع دور مجلس الأمن في حفظ السلم والأمن الدوليين بصفة عامة، وفشل دوره في تدبير الأزمة السورية على وجه الخصوص، وذلك بسبب الإفراط في استخدام حق الفيتو من جانب كل من روسيا والصين، وهو حق تستخدمه الدول الدائمة العضوية داخل مجلس الأمن للحفاظ على مصالحها ومصالح حلفائها، وقد عكست تلك الممارسات حجم الضغوط التي تمارسها الدول العظمى على دول العالم الثالث.

كما أن نظام الأمن الجماعي الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة، ولد عاجزا واعتبر أداة في يد القوى العظمى لتحقيق مصالحها الاسترتيجية، من خلال التأثير في عملية صنع القرار داخل مجلس الأمن[19].

فالصراع بين القوى الكبرى على النفوذ والمكانة في سياق التفاعلات الدولية بين الولايات المتحدة وحلفائها من جانب، والصين وروسيا الاتحادية من جانب آخر، حولت الأحداث السورية إلى صراع دولي بامتياز بين القوى الكبرى نتيجة لعدم وجود إجماع عربي على أي تدخل عسكري يقوده حلف الشمال الأطلسي أو أية جهة أخرى في الشأن السوري[20]. ويتضح مما سبق أن النظام القانوني الدولي يخضع لازدواجية المعايير، ففي حين عطلت روسيا والصين تفعيل القانون الدولي فيما يخص الأزمة السورية، فإن الفيتو الأمريكي عطل في كثير من الأحيان حالات تجلى فيها بوضوح تهديد السلم والأمن الدوليين، حيث استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية لأكثر من 87 مرة، وأكثر من نصفها استخدمته لتعطيل قرارات بخصوص إدانة إسرائيل. فالمصلحة في العلاقات الدولية هي ما تحكم تعطيل القوانين الدولية، وهي نفسها ما تفعل هذه القوانين، ولهذا فليس بغريب ما يحدث من فيتو روسي – صيني في الحالة السورية تحت ذريعة احترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

وفي محاولة للتخلص من الآثار المترتبة على عدم استطاعة مجلس الأمن ممارسة سلطاته في اتخاذ قرارات في المسائل المتعلقة بالأمن والسلم الدوليين بسبب إساءة استخدام حق النقض من طرف الدول الدائمة العضوية، أصدرت الجمعية العامة توصية بمثابة قرار رقم 377 في عام 1950، وهو ما يعرف بقرار “الاتحاد من أجل السلام” وهو يتضمن أحكاما تهدف لدعم سلطات الجمعية العامة في ميدان مواجهة الأزمات والمشكلات الدولية والالتفاف على مجلس الأمن وحق الفيتو.

وقد صدر هذا القرار لتفادي التعنت الروسي في حق النقض داخل مجلس الأمن بخصوص الأزمة الكورية، حيث صدر بناء على اقتراح أمريكي في ظل غياب الاتحاد السوفياتي أنذاك للتدخل المباشر في الحرب الكورية وقد تم ذلك بالفعل.

فمن خلال تفعيل هذه التوصية يمكن أن يتم وضع حد لمختلف الجرائم التي تمارس على الشعب السوري من إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، بحيث يمكن إحداث تغير جذري في طبيعة تعاطي الأمم المتحدة مع الأزمة السورية، من خلال لجوء الجمعية العامة لتفعيل توصية أتشيسون (توصية377)، وهي إمكانية تظل متوفرة وبامكانها أن تعيد الهيبة المفقودة للقانون الدولي من جهة، وتفتح المداخيل لعودة الاستقرا واستتباب الأمن في سورية من جهة ثانية[21]، كما يمكن  لمجلس الأمن أن يمارس دوره في إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية بسبب الانتهاكات الخطيرة والمجازر الوحشية التي يرتكبها النظام السوري[22].

وعليه فإن هناك عدة وسائل في القانون الدولي لإحلال السلم والأمن في النزاع السوري باعتباره تهديد للسلم والأمن، لكن ما يعيق المجتمع الدولي من التدخل يأتي في المقام الأول الفيتو المزدوج الروسي – الصيني في مجلس الأمن، ثم غياب الإرادة الدولية لوضع حد للحرب الدائرة في سوريا من خلال تفعيل قرار “الاتحاد من أجل السلام” داخل الجمعية العامة.

وما يمكن الإشارة إليه أن تعامل المجتمع الدولي مع ما يحصل في سوريا يعد جريمة ضد الإنسانية، لكونه لم يتعامل معها كأزمة إنسانية وإنما كمصالح وتحالفات في المنطقة وتحويل الصراع إلى حرب على الإرهاب، ناهيك عن ضعف فعالية الأمم المتحدة وقدرتها على تحقيق أهدافها، حيث تبقى إرادتها مرهونة بإرادة الدول الكبرى والمحصلة النهائية لإرادة الطرف الأقوى.

خاتمة:

ويتضح مما سبق أن المجتمع الدولي ممثلا في مجلس الأمن قد فشل في اتخاذ موقف موحد من الفظائع الجماعية التي ترتكب في سورية منذ عام 2011 والتي ترقى إلى جرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، فلم يعان أي بلد آخر في نصف القرن الماضي من خسائر فادحة في الأرواح البشرية والدمار المادي مثلما عانت سوريا ويتحمل مسؤوليتها كل من قوات النظام السوري وقوات المعارضة المدعومين سياسيا وعسكريا من دول وأطراف عديدة من داخل المنطقة وخارجها.

ويرجع هذا الفشل في وضع حد للفظائع الجماعية الأخطر على الإطلاق وفي حماية المدنيين السوريين للدول الفاعلة على الصعيد الدولي ولاسيما منها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التي تتحمل المسؤولية الأولى عن حفظ السلم والأمن الدوليين[23]. حيث شكلت حالة الصراع حول سوريا معسكرين أو محورين يتألف كل منهما من ثلاث مجموعات تتفاعل على ثلاث مستويات: محلية إقليمية ودولية، يشمل المحور الأول الذي يسعى للتغيير والإطاحة بالنظام: المعارضة السورية بدعم إقليمي تركي خليجي ودعم دولي أمريكي أوروبي، أما المحور الثاني فيسعى للحفاظ على الوضع القائم المتمثل في: النظام السوري ويدعمه إقليما كل من إيران والعراق وحزب الله في لبنان وبدعم روسي صيني دوليا.

وبالتالي فإن حل النزاع السوري يقتضي توافق القوى الكبرى وفقا لمصالحهم الاستراتيجية، في ظل غياب تام لدور الأمم المتحدة التي لا يتم اللجوء إليها إلا لإضفاء الشرعية على الممارسات التي ترتضيها هذه القوى الكبرى وتوافق مصالحها.

 

[1]  كمال ديب، “أزمة في سوريا انفجار الداخل وعودة الصراع الدولي 2011-2013″، دار النهار للنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2013، ص: 199

[2]  نور الدين بيدكان، “الحماية الدولية للاجئين على ضوء قواعد القانون الدولي –حالة اللاجئين السوريين-، أطروحة دكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، جامعة محمد الخامس بالرباط، كلية العلوم القانونية الاقتصادية والاجتماعية بسلا، 2018/2019، ص: 199

[3]  محمد أشلوح: “قراءة في الأزمة السورية من منظور القانون الدولي ومداخل معالجتها”، مجلة العلوم السياسية، العدد الأول، السنة الأولى،شتاء/ربيع2016، ص: 119.

[4]  د. مفرح مطلق السبيعي، الأزمة السورية في ظل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مجلة كلية القانون الكويتية العالمية، العدد 4، السنة الرابعة، ديسمبر 2016، ص: 264

[5]  محمد علوان، “مسؤولية الحماية: إعادة إحياء التدخل الإنساني”، مجلة سياسات عربية، العدد 23، تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، ص: 30

[6]  مصطفى أحمد أبو الخير: “المبادئ العامة في القانون الدولي المعاصر”، إيتراك للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، مصر، 2006، ص:311.

[7]    ماجد عمران، سيادة الدولة في ظل الحماية الدولية لحقوق الإنسان، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية- المجلد 27 ء العدد الأول، ص 463

[8]  محمد عبد الحفيظ، أبعاد التدخل الإنساني للأمم المتحدة في أحداث الثورات العربية ( ليبيا وسورية نموذجا)، المجلة العربية للعلوم السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية، ص: 138

[9]  آزاد أحمد علي، وآخرون، “خلفيات الثورة: دراسات سورية”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات- الدوحة، الطبعة الأولى، 2013، ص: 485

[10]  آزاد أحمد علي، وآخرون، “خلفيات الثورة: دراسات سورية”، نفس المرجع، ص: 489

[11]  مروان قبلان، “الثورة والصراع على سورية: تداعيات الفشل في إدارة لعبة التوازنات الإقليمية”، مجلة سياسات عربية، العدد 18، يناير 2016، ص: 65

[12]  عبد الحليم المحجوب، “معادلات متشابكة: المسألة السورية والمحاور الإقليمية والدولية المحتملة”، مجلة السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام، العدد 190، 2012، ص: 46

[13]  د. نور الدين حشود، جيوبوليتيك الأزمة السورية بعد الثورة: دراسة لتحولات أدوار الفاعلين الإقليميين في مسرح الصراع السوري..، دفاتر السياسة والقانون، العدد 16، جانفي 2017، ص: 69

[14]  الحسن أبكاس، التدخل الروسي في سورية على ضوء قواعد القانون الدولي العام، منبر هيسبريس، مقال منشور بتاريخ: 02 دجنبر 2015، تاريخ الولوج، 28 أبريل 2020

https://www.hespress.com/opinions/286314.html

 

[15]  عزمي بشارة، “سورية: درب الآلام نحو الحرية، محاولة في التاريخ الراهن”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، الطبعة الأولى، 2013، ص: 461

 [16]  سنية الحسيني، “سياسة الصين تجاه الأزمة السورية: هل تعكس تحولات استراتيجية جديدة في المنطقة؟”، مجلة المستقبل العربي، العدد 440، أكتوبر، 2015، ص: 41

[17]  د. نور الدين حشود، جيوبوليتيك الأزمة السورية بعد الثورة: دراسة لتحولات أدوار الفاعلين الإقليميين في مسرح الصراع السوري..، مرجع سابق، ص: 71

[18]  سوريا أحداث عام 2019:  https://www.hrw.org/ar/world-report/2020/country-chapters/337033

[19]  علاء عبد الحميد عبد الكريم، دور الأمم المتحدة في تسوية الأزمة السورية، مركز الإمارت للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الطبعة الأولى، 2018، ص: 83

[20]  محمد عبد الحفيظ الشيخ، مرجع سابق، ص: 138

 [21]  د. محمد أشلواح، “قراءة في الأزمة السورية من منظور القانون الدولي ومداخيل معالجتها”، مجلة العلوم السياسية، العدد الأول، السنة الأولى، شتاء / ربيع 2016، ص: 132

[22]  نجوى الشاعر، ” منظمة الأمم المتحدة في ظل النظام العالمي الجديد”، أطروحة  دكتوراه في القانون العام، جامعة عبد الملك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، 2016-2017، ص: 318

[23]  محمد علوان، “مسؤولية الحماية: إعادة إحياء التدخل الإنساني”، مجلة سياسات عربية، العدد 23، تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، ص: 36