المسؤولية على أساس المخاطر للمرفق العام الطبي

24

المسؤولية على أساس المخاطر للمرفق العام الطبي
عبد الخالق امغاري
باحث بسلك الدكتوراه، جامعة محمد الخامس، سلا.
يرجع الفضل في تطور المسؤولية الإدارية بدون خطأ إلى تطور أساسها الأول، المتمثل في نظرية المخاطر. فاعتمادا على هذا الأساس استطاع القاضي الإداري ــ الفرنسي على وجه الخصوص ــ ابتداع وخلق تطبيقات وحالات جديدة مبنية عليه.
فبعدما كانت نظرية المخاطر يقتصر تطبيقها على الأغيار فحسب، توسعت لتشمل فيما بعد المتعاونين مع المرافق العمومية، مسخرين كانوا أو متطوعين، ثم توسعت أكثر لتشمل حتى المرتفقين، وخصوصا المنتفعين من خدمات المرفق العام الطبي؛ فهذا الأخير تطورت فيه تطبيقات المسؤولية الطبية بناء على نظرية المخاطر بشكل واضح، في سبيل حماية حقوق المتضررين بصفة خاصة، وحقوق الإنسان بصفة عامة. وهذا يدفعنا نحو طرح التساؤل التالي: إلى أي حد استطاع القاضي الإداري المغربي التوسع في تطبيق مسؤولية المرافق العامة الطبية حماية لحقوق المتضررين من أنشطتها الإدارية المادية والمشروعة؟ و يفرض هذا التساؤل طرح تساؤل آخر حول مدى مسايرة القضاء الإداري المغربي لاجتهاد القضاء الإداري الفرنسي في تطبيق نظام المسؤولية بلا خطأ للمرفق العام الصحي؟.
ولقد عرفت مسؤولية المرفق العام الطبي بدون خطأ تطورا كبيرا ، حيث لم تعد مسؤولية هذا الأخير قائمة على أساس الخطأ فحسب، بل أضحى في الإمكان قيامها ولو في غيابه أو بالأحرى تعذر إثباته؛ ويظهر ذلك في تحميل هذا المرفق مسؤولية التعويض عن الأضرار التي يمكن أن تصيب المرتفقين، سواء لحظة خضوعهم لمخاطر علاج استثنائي (المبحث الأول)، أو لحظة خضوعهم لتلقيح إجباري (المبحث الثاني)، أو لحظة إجراء عملية نقل الدم إلى أجسام بعض المرضى المحتاجين إلى هذه المادة الحيوية والخطرة في ذات الوقت (المبحث الثالث).

المبحث الأول: المسؤولية عن مخاطر العلاج الاستثنائي في القضاء الإداري الفرنسي والمغربي
لم يكن في السابق يستفيد من المسؤولية بناء على فكرة المخاطر إلا الأغيار والمتعاونين مع الإدارة، أما اليوم فقد أصبح بإمكان حتى المرتفقين من خدمات المرفق العام، وتحديدا المرفق العام الطبي الاستفادة من هذا النظام القانوني الاستثنائي للمسؤولية الإدارية.
ففي مستهل عقد التسعينات من القرن الماضي، عرفت المسؤولية السالفة الذكر تطبيقات قضائية جديدة، ابتدعها القضاء الإداري الفرنسي، ويتعلق الأمر بالقرار الهامين الشهيرين الصادرين عن القضاء الإداري الفرنسي: قرار Bianchi وقرار Gomez. الأول يعرف بحالة المرتفق الخالص ( أولا)، والآخر يعرف بحالة المرتفق المساهم ( ثانيا).
أولا– قرار Bianchi وحالة المرتفق الخالص:
يقصد بمفهوم المرتفق الخالص، ذلك المرتفق أو المنتفع من خدمات المرفق العام الصحي بشكل خالص بحت ولحسابه الشخصي .
وقد جاء قرار Bianchi، الصادر عن مجلس الدولة الفرنسي، بتاريخ 9 أبريل 1993 ، في وقت كان الجو العام مهيأ لتوسيع مساحة نظرية المخاطر في مجال المسؤولية الطبية، لاسيما وأن ظهور قضاء الخطأ المفترض على وجه الخصوص ساهم في التحول شيئا فشيئا، جزئيا لا كليا، نحو المسؤولية الإدارية بدون خطأ، وتحديدا على أساس المخاطر، خصوصا وأن المشرع الفرنسي كثيرا ما تدخل بنفسه لوضع قوانين للمسؤولية بناء على المخاطر في بعض مجالات النشاط الطبي. بالإضافة إلى الاتجاهات القضائية المخففة لنظم المسؤولية الطبية والتي عكسها بصفة خاصة قرار Gomez، الذي ظهرت من خلاله لأول مرة المسؤولية على أساس المخاطر في مجال الأعمال الطبية البحتة، ثم قرار Epoux v الذي ودع به القضاء الإداري الفرنسي الخطأ الجسيم في هذا المجال . وبالتالي، فلا غرابة في أن يجد مجلس الدولة المناخ مناسبا، ليكمل هذه التطورات ويتوجها بحكم من أحكام المبادئ، التي أسست لنظرية المخاطر في مجال النشاط الطبي .
وتتلخص وقائع هذه القضية في أن المريض Bianchi كان قد صادف سلسلة من المشاكل الصحية، تجسدت في هبوط ضغط الدم وانهيار حاد مع نوبات دوخة وفقدان للتوازن، وبدت عليه علامات الشلل في الجانب الأيمن من الوجه، مما تطلب نقله إلى المستشفى العام. و حيث تبين ــــ و ليس تيقن ــــ من خلال الفحص الإكلينيكي لحالته باحتمال وجود خلل ما في الجزء الدماغي، فقد وصف له تصوير شعاعي مفصلي تحت التخدير العام. وعند إفاقته من التخدير، اتضح إصابته بشلل رباعي (الأطراف الأربعة).
وفي المرحلة الأولى من التقاضي رفضت المحكمة الإدارية بمرسيليا في 8 نونبر 1984 دعوى التعويض التي أقامها السيد Bianchi، بدعوى انتفاء أي خطأ من جانب المستشفى، حيث لا يوجد أي دليل يسمح بالشك بوجود خطر خاص لرد فعل من المتضرر ضد مادة اليود (Iode)، وبأن الجرعة التي أعطيت له لم تكن أكثر من اللازم.
وأمام هذا الرفض، استأنف المدعي دعواه أمام مجلس الدولة، الذي قضى في 23 شتنبر 1988 بإجراء خبرة حول بعض الأمور الفنية الخاصة بتأثير محلول الصيغة اللازم لإجراء الأشعة، والذي حقن به المريض فيما حدث له من أضرار بعد ذلك، مع استبعاد بعض دفوع المدعي.
وبعد إيداع تقرير الخبير، تبين لمجلس الدولة الفرنسي أن الأضرار التي لحقت بالسيد Bianchi وإن ثبت أنها نتيجة مباشرة لعمل طبي، ولم تكن في ذات الوقت من تبعات ونتائج مرضه الأصلي الذي من أجله دخل المستشفى، إلا أنه لم يثبت أن هذا العمل الطبي مشوبا بأي خطأ. وبالتأسيس على ما سبق، فلا يمكن انعقاد مسؤولية المستشفى العام إلا على أساس تحمل تبعة المخاطر، وهو ما يعني إقرار مسؤولية هذا الأخير بدون خطأ .
فمن خلال وقائع قضية السيد Bianchi، يتبين أن مجلس الدولة قضى بإلغاء حكم المحكمة الإدارية في مرسيليا، وبتقرير التعويض المناسب له، وذلك على أساس فكرة مخاطر العلاج الاستثنائي Risque thérapeutique .
إن هذه الحالة الجديدة للمسؤولية الإدارية بدون خطأ التي ظهرت بفضل قرار Bianchi لم يتم إقرارها إلا بناء على جملة شروط، تتسم بالشدة والصرامة، والغاية منها عدم شل عمل الأطباء على نحو يمكن في النهاية أن يضر بالمرضى أنفسهم.

وتتمثل هذه الشروط، حسبما ورد في القرار ذاته، في الآتي :
أ – أن يكون الفعل الضار عملا طبيا لازما وضروريا لتشخيص حالة المريض ولعلاجه؛ فقد امتدت صفة أو شرط اللزوم والضرورة حتى إلى عمليات التخدير نفسها، بالنظر إلى أن التخدير ليس بذاته وسيلة علاج واستشفاء، وإنما وسيلة للحد بقدر الإمكان من آلام المريض الخاضع لتدخل جراحي. فقد أوضحت مفوض الحكومة Mme Pécresse في تقريرها أمام مجلس الدولة حول قضية Hôpital-joseph Imbert، أن أغلب حالات التدخل الجراحي لا يمكن إجراؤها دون تخدير، مقدرة أنه لا تفرقة بهذا الخصوص بين التخدير اللازم لإجراء العملية الجراحية التي لا يستطيع المريض تحمل آلامها، وبين التخدير لمجرد التخلص من أي آلام ولو كان بالإمكان احتمالها، لتخلص إلى القول بإمكان توسيع نطاق الضرورة المستوجبة بحكم Bianchi في العمل الطبي، ليشمل أيضا بقضائه ما يكون لازما لتنفيذ العلاج ولو لم يكن بذاته وسيلة استشفاء، وهو ما استجاب إليه المجلس في قراره :
C.E, 3 Novembre 1997 , Hôpital joseph Imbert d’Arles
ب – انطواء هذا العمل الطبي على مخاطر طبية معروفة في ذاتها، غير أن تحققها فعلا يظل مع ذلك أمرا استثنائيا؛ ففي الواقعة محل القرار كان الخطر يمثل (3 – 4) حوادث لكل (1000) حالة تصوير شعاعي مفصلي فقري، ” بمعنى أن الأمر يتعلق بحادثة نادرة إحصائيا” .
فهو إذن، عمل طبي يتضمن خطرا استثنائيا غير مألوف، لكنه نادر الحدوث وغير مستبعد كليا . فحينما أجريت الأبحاث والدراسات تبين نجاعة هذا العلاج أو هذه الوسيلة العلاجية، كما تبين أنه من الممكن أن تحدث ضررا أو خطرا على بعض المرتفقين من خدمات المرفق العام الطبي، ولكن نسبة حدوثها استثنائية. والنتيجة أن هذه المخاطر معلومة لا مجهولة، إلا أن حدوثها أمر نادرا جدا، ومن ثم فالمسؤولية لا تتقرر في مثل هذه الحالة إلا على أساس فكرة مخاطر العلاج الاستثنائي.
ج – عدم وجود أي دلائل تشير إلى كون المريض معرضا بصفة خاصة لهذه المخاطر ؛ يتعين عدم توافر العلامات والفحوصات الكاشفة والدالة على أن حالة المريض المعالج توضح قابليته أصلا لهذه المخاطر، فإذا ما حدث له أي ضرر ناتج عن ذلك العمل الطبي اللازم والضروري فله الحق في رفع دعوى التعويض على أساس المخاطر.
د – أن يكون العمل الطبي هو السبب المباشر للضرر الجسيم وليس له علاقة بالحالة الأصلية للمريض والتي خضع بسببها للعلاج أو بالتطور المتوقع لهذه الحالة؛ فلا يكفي إذن مجرد كون الأضرار الحاصلة للمريض هامة وجدية، بل يجب أن تكون على درجة قصوى من الخطورة والجسامة، وفي هذا الاطار أظهرت إحصائية لتطبيقات Bianchi الإيجابية، في الفترة الممتدة من فاتح يناير 1994 حتى 6 أبريل 2000، صدور 7 قرارات على مستوى مجلس الدولة ومحاكم الاستئناف الإدارية، قضت بتعويض المتضررين طبقا لقضاء Bianchi، إما بسبب وفاة المريض أو بسبب عجزه الجسماني بنسبة تتجاوز 50% .
فهذا الشرط ضروري ومنطقي، إذ لو كانت هذه الأضرار من تداعيات المرض الأصلي لفقدت طابعها الاستثنائي، وهو لذلك يتكامل مع شرط عدم وجود أي دلائل تشير إلى قابلية المريض بصفة خاصة للتعرض للمخاطر محل النظر، ويجب أن تحدث هذه الأضرار أو المخاطر وقت تنفيذ العلاج وليس بعده .
يلاحظ إذن، أن مجلس الدولة الفرنسي بقدر ما هو ماض في توسيع حالات وتطبيقات المسؤولية دون خطأ على أساس المخاطر على المستوى الأفقي، بقدر ما يجتهد لوضع ضوابط وشروط تضيق من تطبيقها بشكل واضح على المستوى العمودي، بغية التوفيق بين المصلحة العامة التي يسعى لبلوغها المرفق العام الطبي، وبين المصلحة الخاصة لحقوق المرضى المتضررين من نشاط هذا الأخير، وذلك “تحقيقا لاعتبارات العدالة وإعمالا للمبادئ الدستورية العامة” .
ورغم صرامة تلك الشروط التي وضعها مجلس الدولة الفرنسي على إثر قراره المبدئي في قضية السيد Bianchi، فإن ذلك لم يمنعه وباقي المحاكم الإدارية و محاكم الاستئناف الإدارية، من تطبيق وتوسيع هذا القضاء بل وتثبيته حتى يصير مبدأ من المبادئ الكبرى للقضاء الإداري الفرنسي. ويتأكد ذلك من خلال عدة قرارات وأحكام منها :
– بالنسبة للمحاكم الإدارية:
T.A. de Lille, 22 septembre 1994, consort Prévost centre hospitalier de Seclin, Rec., p.705.
– بالنسبة لمحاكم الاستئناف الإدارية :
C.A.A. de Lyon ,20 septembre 1993 , Hôpital –joseph Imbert d’Arles ,Rec.,p.470
– على مستوى قضاء مجلس الدولة الفرنسي :
C.E. 3 Novembre 1997, Hôpital joseph Imbert d’Arles
هذا، ويلاحظ أن القضاء المغربي سبق وأن أصدر قرارا مثل قرار Bianchi السالف الذكر، و يتعلق الأمر بقرار لمحكمة الاستئناف بالرباط في قضية Pasquis، بتاريخ 4 يناير 1940. وتتلخص وقائع هذه القضية في أن السيد Pasquis، الذي كان يزاول مهنة تقني في القطاع الفلاحي، دخل إلى المستشفى العمومي لمدينة Mazagan (الجديدة حاليا) في 17 أبريل 1936 وهو في أوج قوته وشبابه، قصد تلقي العلاج من مرض حاد ألم به، وفور دخوله للمستشفى وصف له الدكتور Delanoé علاجا، يتمثل في حقنه بثلاث حقن من مادة Intramusculaire Quininax، خلال أيام 18،17 و 19 أبريل، وفي اليوم الرابع ــ أي في يوم 20 أبريل ـــ حقن أحد الممرضين المدعي المذكور، فأصيب بشلل في اليوم التالي، أي في يوم 21 أبريل، وعلى إثر ذلك نقل حالا إلى مستشفى آخر بالدار البيضاء، حيث خضع للعلاج في هذا المستشفى الأخير لمدة 3 سنوات، خرج بعدها وقد أصيب بعجز جزئي دائم يقدر بنسبة 60% .
ففي هذه القضية، أكدت محكمة الاستئناف أنه “إذا كان هناك خطر جسيم في تقديم علاج ولو لم تكن له صبغة جديدة صرفة، وجب أن لا يتحمل المريض وحده هذا الخطر، بل أن يقتسمه مع المرفق الذي طبقه تطبيقا غير ملائم” . فقد استبعدت المحكمة المذكورة فكرة قيام المسؤولية في هذه الحالة على الخطأ الثابت، لتقيم مسؤولية المرفق العام الطبي بناء على المخاطر؛ لأن نتائج العلاج الذي تضرر منه السيد Pasquis كانت ضارة وجسيمة، و لكنها لم تكن متوقعة.
و هكذا، يبدو أن الشروط التي وضعها مجلس الدولة الفرنسي من خلال قرار Bianchi، والتي على ضوئها استحق هذا الأخير تعويض بناء على نظرية المخاطر، هي تقريبا نفسها التي أقر بموجبها “القضاء المغربي” مسؤولية الدولة المغربية عن الأضرار الجسيمة التي لحقت السيد Pasquis.
وهذا يعني، أن القضاء المغربي يرجع له الفضل مسبقا، بنحو أكثر من نصف قرن، في ابتكار وابتداع حالة جديدة من حالات مسؤولية الإدارة بناء على المخاطر، وهي مسؤولية ترتبط بفكرة مخاطر العلاج الاستثنائي التي لم يكتشفها أو يطبقها القضاء الإداري الفرنسي إلا في العقد الأخير من القرن الماضي . والغريب أن الفقه والقضاء المغربيين لم يتوقفا مليا عند قرار Pasquis، ولم يعيراه الاهتمام البالغ، رغم أنه يتشابه إلى حد كبير مع قرار Bianchi، من حيث استعمال وسيلة علاجية تقليدية “غير مبتكرة” تنطوي على مخاطر جسيمة .
لكل ذلك، يتوجب على الفقه والقضاء الإداريين المغربيين إعادة الاعتبار لمثل هذا القرار المبدئي النموذجي، بإحيائه وتطبيقه في حالة ما إذا عرضت على المحاكم الإدارية ببلادنا قضايا من هذا القبيل، ليساهم القاضي الإداري المغربي – وكما عودنا – في حماية حقوق المرضى من جهة، وليواكب التطور الذي عرفه القضاء الإداري الفرنسي من جهة أخرى . ثم إن التطور الكبير الذي جاء به قرار Bianchi والمتعلق بحالة المرتفق الخالص ما هو إلا تتويج لمسار قضائي بدأ مع قرار Gomez، ويتجه نحو توسيع المسؤولية على أساس المخاطر في المجال الطبي.
ب – قرار Gomez وحالة المرتفق المساهم
يتعين في البداية، الإشارة إلى أن السيد Gomez لم يكن في مركز المرتفق أو المنتفع الخالص من المرفق العام الطبي، بل كان في ذات الوقت مرتفقا ومساهما فيما يقوم به المستشفى العمومي من نشاطات، مستهدفا تطوير البحث العلمي في مجال العلاج بالتقنيات الحديثة، نظرا لقبوله عن طواعية الخضوع لوسيلة علاج حديثة غير معلومة نتائجها من قبل. لذلك، يطلق على حالة السيد Gomez بـ “حالة المرتفق المساهم” .
ويبدو أنه بقدر ما ساهمت التطورات الطبية المستخدمة في المرافق الصحية العامة في حل كثير من الأمراض المستعصية نهائيا، أو على الأقل التخفيف من حدتها، بقدر ما تعرضت الثقة بين تلك المرافق وبين المنتفعين من خدماتها للخطر، وذلك بسبب كثرة الحوادث التي وقعت من جراء استخدام التقنيات الطبية الفعالة والخطرة في العلاج، والتي قد تسفر عن أضرار غير عادية للمرتفقين، وهذا ما دفع القاضي الإداري الفرنسي إلى إقرار فكرة الخطر العلاجي الاستثنائي، قصد إيجاد نوع من المصالحة الكافية لصالح المرضى المتضررين من هذا النوع من العلاجات والوسائل الطبية الحديثة التي يتم استخدامها لأول مرة.
وفي هذا الصدد، قضت محكمة الاستئناف الإدارية لمدينة ليون الفرنسية في قرارها الصادر عنها بتاريخ 21 دجنبر 1990 في قضية عائلة Gomez ، بأن استخدام التقنيات العلاجية الحديثة قد سبب ضررا جسيما غير عادي للمريض المعالج، الذي يعتبر من المنتفعين بخدمات المرفق العام الطبي. فقد تم علاج الفتى Gomez الذي كان في الخامسة عشر من عمره، حيث أصيب بتشوه في العمود الفقري وتم علاجه بطريقة جديدة تسمى طريقة (luqué)، وعلى إثر هذا العلاج الجديد أصيب بأضرار استثنائية، جعلته يعيش باقي أيامه مشلول الأطراف السفلى .
و إزاء عدم تحقق الفائدة التي تعود على المرتفقين من نشاط المرفق العام الصحي كما هو الشأن في حالة السيد Gomez، و التي تتمثل في إعطاء المريض العلاج الملائم الذي يحقق شفائه من المرض الذي يعاني منه، لم يتردد القاضي الإداري الفرنسي في إقرار المسؤولية دون خطأ للمرفق المذكور . و هو ما يعني وجوب تعويض المتضرر بدون خطأ، بسب الضرر الاستثنائي الذي تعرض له المتضرر، سيما وأن صحة المريض لم تكن تستدعي اللجوء إلى هذا الأسلوب الجديد من العلاج .
إن دراسة وتحليل قرار Gomez، تبين أن القضاء الإداري الفرنسي قد وضع ضوابطا وشروطا لاستحقاق المرتفق المساهم من خدمات المرفق العام الصحي التعويض بناء على المخاطر، وهي كالتالي :
الشرط الأول: أن يلجأ الطبيب إلى أسلوب علاجي لا تكون نتائجه معلومة تماما وبصورة كاملة: ففي قضية Gomez، لم يكن أسلوب العلاج الذي يدعـى بـ Luqué شائعا ومنتشرا بعد. فقد استخدم أولا في الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يتم استخدامه في فرنسا إلا ابتداء من سنة 1983، كما لم يتم إجراء سوى عدد محدود من العمليات وفق هذا الأسلوب، إضافة إلى أن نتائجه لم تكن معلومة تماما نظرا لضآلة وقلة عدد العمليات التي استخدم فيها هذا الأسلوب العلاجي الحديث. والسؤال المطروح – كما طرحه الباحث أحمد عيسى – هو في أي وقت يصبح الأسلوب العلاجي عاديا ومعلوم النتائج ؟ وما هو عدد المرات التي يجب فيها استعمال الأسلوب العلاجي الجديد لكي يصبح معروفا؟. أسئلة قد لا نجد لها أجوبة، إلا بالعودة إلى الأطباء أهل الخبرة والاختصاص في مجال علم الطب، مادام بإمكان القاضي الإداري الاستعانة بهم .
الشرط الثاني: أن لا يكون الأسلوب العلاجي الجديد ضروريا للمحافظة على حياة المريض: ففي قضية Gomez دائما، يلاحظ أن حياة هذا الأخير لم تكن مهددة بالخطر، ومن ثم فالطبيب ليس مضطرا ولا مجبرا للجوء إليها، ومع ذلك لجأ إليها بقصد علاج المريض أو التخفيف من آلامه، فمثل هذه الحالة تستوجب إقرار مبدأ التعويض عن الأضرار الجسيمة الناشئة عن استخدامها على أساس فكرة الخطر العلاجي الاستثنائي .
وفي ذات السياق، يرى كل من الأستاذين Moreau و Medouze أن إقرار القاضي الإداري للمسؤولية دون خطأ للمرفق الطبي تجاه المرضى أنفسهم ـ أي المرتفقين المساهمين ـ إنما يستند إلى فكرة مخاطر العلاج الاستثنائي، وهذا الخطر منسوب للتقنية العلاجية الجديدة، التي استخدمها الطبيب الجراح بدون ضرورة ملحة لإجراء العملية الجراحية، ناهيك عن أن نتائجها لم تكن معلومة تماما ويمكن أن تكون عكسية، ومن ثم تعتبر الأساس المباشر لمسؤولية المرفق المذكور .
الشرط الثالث: يجب أن يحدث الأسلوب العلاجي الحديث أضرارا استثنائية وعلى درجة عالية من الخطورة. فقد اعتبر القاضي الإداري في قضية Gomez أن إصابة الفتى بشلل في أطرافه السفلية بشكل دائم، يشكل ضررا استثنائيا وجسيما، ولكنه لا يؤدي إلى درجة تهديد حياته نفسها .
إن قرار Gomez الصادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بليون، الذي لم يكتب له الطعن فيه بالنقض أمام مجلس الدولة الفرنسي، أضاف حالة جديدة من حالات تطبيق المسؤولية على أساس المخاطر، وفي المجال الطبي على وجه الخصوص، متجاوزا بذلك القضاء المستقر حتى ذلك الحين، والذي كان لا يعتبر من قبيل الخطأ الطبي الجسيم استعمال طريقة علاج لمجرد أنها لم تكن الأفضل بين الطرق المتاحة لذلك، مادام لا يشوبها أي مخالفة لقواعد وأصول ممارسة المهنة ، وهو ما كان من شأنه في مثل هذه القضية انتفاء المسؤولية؛ لأن هذه الأخيرة لم تكن قائمة، وفقا للقضاء المتجاوز لاحقا، إلا على أساس الخطأ الجسيم كلما تعلق الأمر بمرفق من مرافق الصحة العمومية.
ثم إن نظام المسؤولية على أساس المخاطر كان قاصرا على الغير فقط، فجاء القرار قرار Gomez و قرار Bianchi السالفي الذكر، فأكد من خلالهما القاضي الإداري إمكانية استفادة كل مرتفق من خدمات المرفق العام بوجه عام، والمرفق العام الطبي بوجه خاص، من نظام المسؤولية الإدارية دون خطأ وعلى أساس المخاطر تحديدا؛ لأن كل واحد منهما لم يجن أي فائدة من المرفق المذكور، بقدر ما أصيب بأضرار استثنائية فادحة الخطورة والجسامة، تستدعي لزوما تعويض المتضررين منها تعويضا عادلا ولو في غياب الخطأ .
و جدير بالذكر، أن اتساع نظام المسؤولية دون خطأ للمرفق العام الصحي ليشمل حتى المرضى على أساس نظرية مخاطر العلاج الاستثنائي، سوف يحمي حرية الطبيب الذي يمارس عمله في المستشفى العمومي في اختيار وسائل العلاج المناسبة؛ لأنه في حالة إخفاقه لن يتحمل تبعاته، فمسؤولية المستشفى تحل محل مسؤولية الطبيب، ماعدا في حالة ارتكابه خطأ شخصيا لا مراء فيه. وبالتالي، فالطبيب إذن لن يدفع التعويض من ماله الخاص بل الدولة هي التي تحل محله.
إذن، فلماذا الخوف من إقرار المسؤولية دون خطأ للمرفق العام الطبي مادام ثمة خطرا استثنائيا تولد عن نشاط هذا المرفق من ناحية، ومادام التعويض على أساس مخاطر العلاج الاستثنائي مقترنا، وجودا وعدما، بتوفر وتحقق الضوابط والشروط التي حددها القضاء الإداري الفرنسي في مثل هذه الحالات والقضايا، من ناحية أخرى؟ أليس في قرار التعويض عن هذه الأضرار غير العادية حماية للأطباء أنفسهم؟، حيث أنها تحد من تزايد الدعاوى الجنائية المرفوعة ضدهم، فمثل هذه الدعاوى هي التي تؤثر على حريتهم وقدراتهم في اختيار وسائل العلاج المناسبة واللازمة، بل وقد تهدد مسارهم المهني .
كل هذا، يمثل في رأي الأستاذ حمدي علي عمر أحدث تطور للقضاء الإداري الفرنسي في مجال استخدام الوسائل العلاجية الجديدة (Gomez) والتقليدية (Bianchi)، وتطوره هذا لم يقف عند هذا الحد كما سنرى لاحقا، على اعتبار أن القاضي الإداري ليس كالقاضي العادي الذي يقف عند حدود النص القانوني، إنما يمتــد دوره إلـى إنشاء القواعد القانونية وابتداع الحلول . وهذا ما سيتم تأكيده من قبل القاضي الإداري في مناسبات وقضايا أخرى كما هو الشأن بالنسبة لمنتجات الدم الخطرة، وكذا فيما يتعلق بمسؤولية الدولة عن مخاطر التلقيح الإجباري والاختياري على حد سواء.
المبحث الثاني: المسؤولية عن مخاطر التلقيح في اجتهاد القضاء الإداري المغربي
يراد بالتلقيح لغة: ” وضع اللقاح في الجسم لإكسابه المناعة والقدرة على مقاومة الأمراض، ويكون التلقيح حقنا بالإبرة أو غير ذلك ” . والتلقيح والتطعيم مصطلحان يحملان نفس المعنى اللغوي .
و ينقسم التلقيح الى نوعين: التلقيح الاختياري الذي يتم بمحض إرادة المعني به، والتلقيح الإجباري “la Vaccination Obligatoire” هو التلقيح أو التطعيم المفروض من قبل السلطة العامة على الأفراد، من أجل تحصيل فائدة عامة ترجع على المجتمع برمته، وهذا التلقيح يتسم بطابع الإلزام والإجبار على المواطنين، بغية تجنب انتشار حالات العدوى والوباء فيه، وفي حالة ما إذا أصابهم ضرر خطير من جراء ذلك، فإنه يطبق نظام مسؤولية الدولة بدون خطأ، سواء على أساس المخاطر أو على أساس مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة .
إن مسؤولية الدولة عن أضرار التلقيح الإجباري يمكن أن تنبني على نظرية المخاطر، بالنظر لاحتمال تعرض الفرد للخطر بعد إجراء هذا التلقيح، ولأنه من الثابت أن التلقيح الإجباري يمكن أن تنتج عنه مخاطر خاصة لبعض المرتفقين، الذين يحق لهم مطالبة الإدارة بتعويضهم عما أصابهم من ضرر بسببه .
كما يمكن أن تؤسس هذه المسؤولية على أساس آخر، وهو صحيح كذلك، ويتعلق الأمر بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، حيث تسأل الإدارة في الحالة التي يكون الضرر ناتجا عن التلقيح الإجباري الذي فرضه القانون، فحينما تفرض السلطة الإدارية على بعض المواطنين التزاما قانونيا، يقتضي تحمل أعباء خاصة باسم الصالح العام، فيجب تعويضهم مقابل هذا العبء الخاص الواقع عليهم، وإلا اختل مبدأ المساواة بين الأفراد أمام التكاليف العمومية . والخلاصة أنه ” لا يوجد مانع لدى القاضي الإداري في أن يحكم بالتعويض على أساس فكرة الخطر أو مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة” .
وإذا كان القضاء الإداري الفرنسي قد عرف ترددا واضحا فيما يخص الأساس القانوني لإقرار مسؤولية الإدارة عن مخاطر التلقيح، ولم يتم حسم هذا التردد إلا بتدخل من المشرع الفرنسي، فإن القضاء المغربي لم يعرف هذا التردد إطلاقا، سواء قبل إحداث المحاكم الإدارية أو بعد إحداثها.
وفي هذا الصدد، يعتبر القرار الصادر عن محكمة النقض في قضية حمو الزويند، بتاريخ 26 نونبر 1979، أول قرار قضت فيه محكمة النقض بمسؤولية الدولة عن الأضرار اللاحقة بابن المدعي المذكور نتيجة التلقيح الإجباري، وهي مسؤولية غير خطئية قائمة على أساس نظرية المخاطر .
وتتلخص وقائع هذه النازلة حينما تم التصريح من قبل السلطات المعنية خلال سنة 1967 بانتشار مرض معد في بعض الأوساط المدرسية، وعلى إثر ذلك، اضطرت الجهات المعنية إلى إصدار قرار تنظيمي بتلقيح تلاميذ إحدى مدارس فاس، من خلال إعطائهم أقراصا من مادة “الفانازيل” وقاية من ذلك المرض المعدي . وقد تسببت هذه الأقراص في إلحاق ضرر بأحد التلاميذ وهو المدعو عبد الناصر الزويند، تمثل في البداية في قروح عينية، وانتهى بفقده البصر من عينه اليسرى على إثر هذا التلقيح الإجباري. ومن أجل رفع وجبر هذا الضرر، طالب السيد الزويند حمو، والد التلميذ المتضرر، من محكمة الدرجة الأولى الحكم له بالتعويض، إلا أنها لم تستجب لطلبه بعلة “عدم ثبوت العلاقة السببية بين المرض الذي أصاب الطفل وتناول أقراص “الفانازيل”، لكن محكمة الاستئناف ألغته وقضت له بالتعويض بحجة أن مسؤولية الدولة هنا لا تقوم على الخطأ”، وهذا القرار الأخير هو الذي أيدته محكمة النقض .
هذا بالنسبة للتعويض عن مخاطر التلقيح الإجباري، وأما بالنسبة للتعويض عن مخاطر التلقيح الاختياري الاحتياطي، فقد صدر في هذا المجال حكم حديث عن المحكمة الإدارية بالرباط في قضية عطوش بنعزة، الصادر بتاريخ 13 نونبر 2008، قضت فيه بمسؤولية مركز محاربة السعر التابع للجماعة الحضرية بالرباط، على أساس المخاطر وليس الخطأ .
وتتمثل وقائع هذه القضية في أنه بتاريخ 22 أكتوبر 1984 كانت السيدة عطوش بنعزة متواجدة بالمستشفى العسكري محمد الخامس بالرباط، وفي نفس اليوم أصيبت بخدش على مستوى جسمها تسببت فيه إحدى القطط المتواجدة بالمستشفى المذكور، ونتيجة لهذا الحادث تم نقلها إلى مركز محاربة السعر بمدينة الرباط قصد الكشف عليها ومعرفة مدى خطورة الإصابة والخدش المذكور، فقام المركز المذكور بمعالجتها بمجموعة من الحقن ضد السعر دون إجراء الفحوصات والتحاليل اللازمة لمعرفة خطورة الإصابة ودرجة تسمم جسمها، فتسببت لها في أضرار بليغة لازالت تعاني منها الى اليوم.
ولهذا السبب، ارتأت المحكمة عرضها على خبرة طبية، خلصت إلى أنه بمجرد تلقي المدعية لتلقيح ضد داء السعر الاحتياطي بتاريخ 24 أكتوبر 1984، أصيبت بشلل كامل وإعاقة نهائية أقعدتها على كرسي متحرك، أما نسبة العجز فقد حددها الخبير بنسبة 100%، أي أن هذا العجز دائم، فضلا عن ضرورة الاستعانة بشخص آخر.
ولقد أقرت المحكمة مسؤولية الجماعة الحضرية عن الأضرار اللاحقة بالمدعية المذكورة بناء على نظرية المخاطر وليس الخطأ، وذلك استنادا إلى تقرير الخبير ذاته حيث أوضح فيه “أن الإعاقة المذكورة ليست نتيجة خطأ طبي، وإنما من الآثار الخطيرة لتلقيحات تستلزم الموافقة الأولية للمعني بها قبل إخضاعه لها، وتشترط تنويره حول المضاعفات الاحتمالية التي قد تترتب عنها”.
يتضح من خلال ما سبق، الدور المهم الذي أصبح يضطلع به القضاء الإداري المغربي في حماية حقوق الإنسان بصفة عامة، وحقوق المرضى المتضررين من بعض العلاجات الطبية بصفة خاصة، ويتجسد ذلك من خلال إقراره لمسؤولية الإدارة بدون خطأ، وعلى أساس المخاطر، عن الأضرار التي قد تصيب بعض الملقحين بسبب التلقيح الإجباري أو التلقيح الاختياري.
هذا، وإن مسؤولية المرفق العام الصحي القائمة على أساس المخاطر لم تتوقف عند هذا الحد، فقد ذهب القضاء الإداري أبعد من ذلك حينما أقر بمسؤوليته حتى عن المنتجات الخطرة المشتقة من الدم.
المبحث الثالث: المسؤولية عن “منتجات الدم الخطرة”
رغم أن القرن الماضي كان قرن التقدم العلمي الهائل بصفة عامة، وقرن الاكتشافات الطبية بصفة خاصة، فإنه قد شهد في عقد الثمانينات أسوأ كوارث العلاج في التاريخ الحديث، حيث انتشرت على نطاق واسع عن طريق منتجات الدم الملوثة أمراض فيروسية، من أبرزها وأشدها فيروس الإيدز وفيروس التهاب الكبد “B” و “C.
ويقصد بمنتجات الدم، طبقا لتعريف منظمة الصحة العالمية ، تلك “المواد العلاجية المشتقة من دم الإنسان، وتشمل الدم الكامل ومكونات الدم الصغيرة والمنتجات الدوائية المشتقة من البلازما” . وقد ورد ذكرها في الفقرة الأولى من المادة 11 من القانون المغربي رقم 94.03 المتعلق بالتبرع بالدم البشري وأخذه واستخدامه كما يلي: ” لا يجوز أن تباشر عمليات تحضير وتسليم مشتقات الدم ذات العمر القصير، كالبلازما وخثارات الكريات الحمراء وخثارات الصفيحات الناتجة عن عزل الدم الكامل إلا بالمرافق التابعة للدولة” .
إن مسؤولية المرفق العام الطبي عما صنفه البعض”بمنتجات الدم الخطرة” هي حالة جديدة من حالات المسؤولية على أساس المخاطر لصالح المنتفعين من خدماته. فالواقع، وكما أشار إلى ذلك تقرير منظمة الصحة العالمية السابق الذكر، يثبت ويؤكد أنه لم يتم بعد تبديد المخاطر المقترنة بانتقال الأمراض عن طريق الدم، خاصة وأن معظم البلدان النامية لم تحقق بعد مستويات مماثلة، من توفير مأمونية كافية وجودة جميع المنتجات المشتقة من الدم مثلما هو الشأن في البلدان المتقدمة. أضف إلى ذلك، أن ما يخضع له المريض من عمليات نقل الدم ينال بشكل خطير من درجة التوافر، وما يتبع من ممارسات غير مأمونة في نقل الدم ينتقص بشدة من درجة المأمونية؛ ومثل هذه الوضعية “تعرض المريض لاحتمال حدوث مضاعفات خطيرة نتيجة لنقل الدم والإصابة بأمراض من جرائه” .
إنه بقدر ما تنطوي عليه منتجات الدم من فوائد جمة في إنقاذ أرواح المرضى ، بقدر ما قد تنطوي عليه من مخاطر قد تقلب حياة المريض أو المعالج رأسا على عقب، وأهل الطب أعرف الناس بذلك. ففي حالة عدم تطبيق معايير وضوابط صارمة في انتقاء المتبرعين، وتجهيز الدم المتبرع به، وفحصه، فقد تشكل عمليات نقل الدم أو منتجاته نواقل قوية للأمراض والفيروسات الفتاكة .
وفي السياق ذاته، سبق وأن أكد أحد وزراء الصحة السابقين بالمغرب، عند مناقشة قانون التبرع بالدم، أنه ” كيفما كان نوع الاحتياطات في ميدان الدم، فلا يمكن تجنب الأخطار التي يمكن أن تصاحب عمليات تحاقن الدم، ذلك أن الاختصاصيين يؤكدون استحالة تجنبها بشكل مطلق، حيث إن الإصابة يمكن أن تقع في 4 في كل مليون عملية تحاقن الدم” . واليوم أصبحت حالات نقل الدم الملوث والفاسد تقدر بنسبة 3 في كل 100.000 حالة .
ولهذا كله، جرى التساؤل حول طبيعة المخاطر التي تتضمنها عملية نقل الدم، ومدى إمكانية تعويض الأشخاص المرضى المنقول إليهم دم فاسد؟. وتتمثل المشكلة المطروحة هنا، في مدى مسؤولية المراكز العامة لنقل الدم عن الحوادث الناشئة عن تلوث الدم الوارد منها ؟ وهل يمكن استبعاد المسؤولية الخطئية للمستشفى العمومي بوصفه من تكفل بإجراء التدخل الطبي المستوجب نقل الدم للمريض ؟.
وعموما، هل يمكن أن تنسب المسؤولية مباشرة إلى مراكز نقل الدم أو ما يعرف عندنا بمراكز تحاقن الدم، أم أن المسؤولية عن نقل دم فاسد ستكون مسؤولية تضامنية يتحملها كل من المستشفى العام الذي أجرى عملية نقل الدم، والمركز الذي سلم ذلك الدم الملوث ؟ .
واعتبارا لأهمية هذه التساؤلات، كان تدخل مجلس الدولة الفرنسي في الأمر لازما لحسم تعارض الأحكام و القرارات القضائية الصادرة في هذا المجال عن المحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية. وهو ما توج بثلاثة قرارات هامة وحديثة أصدرها المجلس المذكور في 26 ماي 1995 (Pavan، Jouan، N’Guyen)، مقررا فيها مسؤولية مراكز نقل الدم العامة عن حوادث الدم الملوث . و هذا ما سنتطرق إليه كما يلي:
أولا – المسؤولية عن منتجات الدم الخطرة في القضاء الإداري الفرنسي:
لقد نسبت الاتجاهات القضائية التي سبقت قرارات Pavan، Jouan ، N’Guyen الصادرة في 26 مايو 1995 المسؤولية مباشرة إلى المستشفى العمومي، الذي وقعت فيه حادثة الدم الملوث والتابعة له مراكز الدم الوارد منها هذا الدم الفاسد. فالاتجاه الذي اعتمد فكرة المخاطر أساسا للمسؤولية عبرت عنه أحكام صادرة عن المحاكم الإدارية؛ فمثلا قضت المحكمة الإدارية في مرسيليا في قضية Stefano Pavan، الذي أصيب بفيروس السيدا وفيروس الكبد الوبائي C في ذات الوقت، جراء نقل دم ملوث بهما إلى جسمه أثناء إجرائه لعملية جراحية في مستشفى تابع للمؤسسة الاجتماعية في مرسيليا، قضت المحكمة المذكورة بقيام مسؤولية مركز الدم الوارد منه الدم الملوث على أساس المخاطر، وصدر هذا الحكم بتاريخ 3 يونيو 1992 بعد وفاة السيد Pavan، الذي تابع ورثته أطوار الدعوى .
واستؤنف الحكم الابتدائي أمام محكمة الاستئناف الإدارية في مرسيليا، التي أصدرت قرارها في 11 ماي 1993، وقضت فيه بإلغاء حكم محكمة إدارية مرسيليا الوارد أعلاه، بحجة عدم توفر شروط المسؤولية بدون خطأ كما حددها قرارا Gomez و Bianchi، مما يجعل قيامها محكوما بوجود خطأ في حق المستشفى وهو ما لم يثبت في هذه القضية. وهذا القرار ما هو إلا نموذج من القرارات، التي عبرت من خلالها جميع محاكم الاستئناف الإدارية بفرنسا، عن رفضها للتوجه الذي صارت عليه مختلف محاكم الدرجة الأولى في القضايا السابق ذكرها؛ أي قضايا: Pavan، Jouan ،و N’Guyen .
ولم يحسم هذا التعارض بين أحكام وقرارات تلك المحاكم إلا تدخل مجلس الدولة الفرنسي، حيث قضى هذا الأخير بحماية المتضررين من عمليات نقل الدم، وذلك من خلال إقرار مسؤولية مراكز نقل الدم العامة بدون خطأ، اعتبارا من القرارات الثلاثة السابق ذكرها.
فإزاء التعارض الآنف الذكر، أسس مجلس الدولة الفرنسي مسؤولية مراكز نقل الدم العامة على قاعدة المخاطر، فقد حاول خلق التوازن بين تعويض المتضرر على أفضل وجه ممكن، وبين عدم متابعة المستشفى العمومي الذي ينقل فيه الدم الملوث إلى المريض بصورة تلقائية عن أخطاء لا علاقة له فيها. فهذا الأخير، لا يعقل أن يتحمل بالضرورة، وفي كل الأحوال، أخطاء مراكز الدم العامة حتى لا يؤدي تداخل الوقائع – عملية جراحية ونقل دم في ذات الوقت – إلى تداخل بين أوضاع كل من المستشفى العمومي، الذي يؤدي الخدمة العلاجية من ناحية، وبين مركز الدم- كمورد للدم فقط – من حيث المسؤولية عن تلوث الدم، من ناحية أخرى. ولهذا، تم تأسيس مسؤولية هذا الأخير على أساس فكرة المخاطر؛ لأنها تشكل أفضل وأنسب الحلول لصالح المتضرر، وبناء عليه فقد تم نقض قرارات محاكم الاستئناف الإدارية القاضية بغير ذلك .
غير أن مفوض الحكومة الفرنسي حرص هنا على التنبيه إلى أنه إذا كان الدم المورد إلى المستشفى العمومي سليما، غير متصل بأي عيب من عيوب الدم الذاتية، فإن المسؤولية في حالة وقوع أضرار لأحد المرضى تقوم على أساس خطأ المرفق العام الطبي، ومثال ذلك: الخطأ في بيانات الدم أو فصيلته أو حقن المريض بحقنة متكررة الاستعمال .
ويظل إعمال وتطبيق المسؤولية عن منتجات الدم الخطرة رهينا ومشروطا بتوافر علاقة سببية مباشرة، بين نقل الدم وبين الأضرار اللاحقة بالمنقول إليه الدم الملوث، بأن يكون هذا الأخير هو السبب الوحيد لهذه الأضرار، ولا وجود لأي أسباب أخرى يمكن ردها إليه .
وغني عن البيان، أن الاتجاه الحديث لمجلس الدولة الفرنسي بخصوص إقامة مسؤولية مراكز نقل الدم العامة بناء على المخاطر، قد شهد تطبيقات قضائية أخرى تؤكد على هذا التوجه الحديث، من ذلك القرار الصادر عنه في قضية Assistance publique -Hôpitaux de paris المؤرخ في 16 يونيو 1997، والذي أكد فيه على نفس المبادئ التي أقرها في قرارات 26 مايو 1995، وكذا قراره في قضية Beaumer بتاريخ 30 يوليوز 1997، و غيرها .
أما في الوقت الراهن، فقد تدخل المشرع الفرنسي بإصدار قانون فاتح يوليوز 1998 المتعلق بتنظيم مرفق الدم، والذي دخل حيز التنفيذ في مستهل يناير 2000 من القرن الحالي. وبمقتضى هذا القانون، تم تركيز ممارسة أنشطة الدم والرقابة عليها في جهتين: المؤسسة الفرنسية، ومهمتها ممارسة نشاط جمع وتوريد نقل الدم…الخ، والهيئة الفرنسية لسلامة المنتجات الصحية، وتتكلف بمهام الرقابة والإشراف على جميع مراكز نقل الدم، العامة منها والخاصة ، فأضحى الاختصاص العام للقضاء الإداري في كل ما يرتبط بالمنازعات المتعلقة بالمسؤولية عن حوادث نقل الدم؛ لأن جميع المراكز أصبحت خاضعة لمؤسسة عمومية واحدة هي الهيئة الفرنسية الآنف ذكرها .
ثانيا: المسؤولية عن منتجات الدم الخطرة في القضاء الإداري المغربي
بالنسبة للمغرب، فيلاحظ أن تطبيق المسؤولية الطبية بناء على المخاطر فيما يتعلق بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن عملية نقل الدم لا يزال محدودا، سواء قبل أو بعد إحداث المحاكم الإدارية ببلادنا، فهذه الأخيرة لا تزال – في حدود علمنا ـ متمسكة بفكرة الخطأ الجسيم لإقرار مسؤولية مرافق الصحة العمومية، وخير مثال على ذلك القرار الصادر عن المجلس الأعلى في قضية أحمد بن يوسف بتاريخ 26 مارس 1998، الذي قضى فيه بمسؤولية مركز تحاقن الدم عن الضرر الرئيسي اللاحق بالضحية أعلاه، المتمثل في إصابته بالتهاب كبدي من نوع “س”، نتيجة نقل دم ملوث وفاسد من الغير إلى جسمه، في وقت كان في أمس الحاجة إلى تعويض الدماء التي فقدها جراء إصابته بانحصار في أمعائه الرقيقة، تسبب فيه نزيف دموي، فضلا عن الأضرار المادية والنفسية الناشئة عن الضرر الرئيسي الجسيم جدا .
وأسست كل من محكمة النقض والمحكمة الإدارية بالرباط مسؤولية مركز تحاقن الدم على أساس الخطأ الجسيم، فقد قضت محكمة النقض في القرار المذكور “بأن التصرف الذي أقدم عليه مركز تحاقن الدم ينطوي على خطأ جسيم ليس في حاجة إلى إثبات”، مع العلم أن هذا المركز هو المختص بتوزيع الدم، طبقا للقانون رقم 94.03 السالف الذكر، وهو تابع لوزارة الصحة العمومية طبقا للمرسوم التطبيقي للقانون أعلاه ، ومن مهامه تسليم الدم أو مشتقاته للغير – أي المريض – بناء على طلب مكتوب من طرف الطبيب المعالج .
وإذا كانت محكمة النقض قد أسست مسؤولية مركز تحاقن الدم على أساس الخطأ الجسيم، وفي المقابل استبعدت مسؤولية المستشفى العمومي الذي أجريت فيه عملية نقل دم “فاسد”، حيث أوردت في هذا الصدد: ” وحيث أنه فيما يخص إخراج مستشفى ابن سينا من الدعوى، فإن الحكم كان في محله عندما أخرج المصلحة المذكورة من الدعوى”، فإننا نتساءل كما تساءل الأستاذ أحمد ادريوش عن مدى صلاحية نظرية الخطأ الجسيم لتأسيس وتقرير مسؤولية المركز المذكور في القضية أعلاه؟.
وجوابا عن هذا التساؤل، يقول الأستاذ أحمد ادريوش : ” لا نعتقد ذلك، بل نقول إن المجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا) ومعه المحكمة الإدارية بالرباط تركا الفرصة تفوت لتطبيق نظرية المخاطر، وبالتالي تأسيس المسؤولية هنا على الشطر الأول من الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود المغربي. ومما يدعم الأخذ بهذه النظرية هو أن مجال نقل الدم يعتبر من أكثر المجالات التي تحفها المخاطر” .
إذن، يبدو من الأفضل في الوقت الراهن أن يقتدي القضاء الإداري المغربي بما توصل إليه اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي، حيث قضى بمسؤولية مراكز نقل الدم العامة بناء على المخاطر وليس الخطأ الجسيم في قراراته الثلاث الشهيرة الصادرة في 26 مايو 1995 المومأ إليها سابقا والتي تلتها أحكام وقرارات أخرى مماثلة لها.
وقد بنى مجلس الدولة الفرنسي اتجاهه في مختلف هذه القرارات على أساس نظرية المخاطر، لأنها هي التي تبرر إقرار مسؤولية مراكز نقل الدم العامة، وليس الخطأ الجسيم كما ذهبت إلى ذلك محكمة النقض في القرار الذي تمت دراسته أعلاه.
ويتضح مما تقدم، الأهمية الكبرى التي يكتسيها التوجه الحديث للقضاء الإداري الفرنسي، والذي يساهم بشكل كبير وفعال في حماية حقوق المتضررين من حوادث نقل الدم الملوث إلى أجسامهم، التي كانت سليمة فغدت مريضة بأعتى وأفتك الفيروسات، لذلك سميت – وعن حق – منتجات الدم بـ “المنتجات الخطرة” إلى جانب كونها منتجات جد هامة. لهذا كله، نتمنى أن يطور القضاء الإداري المغربي قضاءه في هذا الاتجاه الحديث، بأن يبني أحكامه وقراراته في مثل هذه النوازل والقضايا على أساس المخاطر، ويستبعد نظرية الخطأ الجسيم التي هجرها القضاء الإداري الفرنسي.
فالملاحظ كما رأينا، أن المسؤولية بناء على أساس المخاطر قد عرفت تطورا كبيرا، وهذا التطور عائد إلى أن مسؤولية اللمرافق العامة الطبية لم تعد حبيسة نظرية الخطأ، بل أضحى بالإمكان تأسيسها على المخاطر في حالات متعددة ومتنوعة، القصد منها سد النقص الذي يعتري نظرية الخطأ، خاصة الخطأ الجسيم من ناحية، وضمان حماية أوسع وأيسر لضحايا الحوادث الطبية من ناحية أخرى.
بيد أن هذا التوسع الهام و”المذهل” أفقيا، محدود عموديا بمجموعة من الضوابط والشروط؛ إذ يلاحظ أنه بقدر ما يتوسع القضاء الإداري في تطبيقات المسؤولية على أساس المخاطر، بقدر ما يضيق من تطبيقها وإعمالها عن طريق التشدد في تحقق وتوافر شروطها، حتى لا يتوسع في تطبيقها على حساب المبدأ والأصل العام للمسؤولية وهو الخطأ.
وقد سعى القضاء الإداري من خلال وضعه لهذه الضوابط والشروط، التوفيق بين المصلحة الخاصة للمرضى المتضررين وبين المصلحة العامة، المتمثلة في عدم إرهاق الخزينة العامة للبلاد. وفي هذا الصدد، يلاحظ أن هناك تطورا كبيرا على مستوى القضاء الإداري ببلادنا، يمكن أن نصفه بأنه تطور متجدد وقديم في ذات الوقت.